عرض الإصدار الكامل : {جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل ( الجزء الخاص) }
ابو فؤاد
13/01/2005, 05:33 AM
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد ،،،
فلما كان القرآن الكريم مصدر كل خير، وينبوع كل عرفان ومشرق هداية ، رغبت في أن أنال شرف خدمته وأن أنتظم بسلك المشتغلين به ، فبدأت إلقاء دروس في تفسيره من أوله منذ أكثر من عقدين من السنين ، ورغبت في تدوين ملخص لما في تلكم الدروس لتبقى فوائدها قريبة من أيدي المستفيدين .
وقد منَّ الله علي بظهور ثلاثة أجزاء من هذا التفسير : أولها يشتمل على مقدمات فيما لا يستغني عنه طالب هذا الفن وعلى تفسير الفاتحة الشريفة ، والثاني والثالث في تفسير جانب من سورة البقرة ، وقد تثبطت همتي عن إظهار الرابع فما بعده للأعمال الكثيرة التي حالت دون إنجاز هذا المسعى ، وإنما الله تعالى المسئول أن يفتح لي الأبواب ويهيئ لي الأسباب حتى يتحقق لي هذا المرام وأصل إلى غاية هذه الأمنية .
هذا وعندما كنت في تفسير سورة آل عمران تناولت الآية السابعة منها بشيء من البسط والإطناب ، وقد شدَّ أحد الأخوة الذين يحضرون ساحة الدرس – وهو لا يزال حريصاً على حضور هذه الدروس منذ بدايتها وتشجيعي على المضي قدما فيها وانجاز هذا المشروع المبارك – ما كان يسمعه في أثناء تفسير هذه الآية الشريفة الذي استغرق سبعة دروس من بيان لحقائق تستهوي طلاب الحق وعشاق الحقيقة ، وقد دعاه ذلك إلى تفريغ هذه الدروس من الأشرطة وألحَّ علي في مراجعتها وتلخيصها في سفر مفرد حتى يكون في أيدي طلبة العلم الشريف ، وهو لا ينافي أن يندرج تفسيرها مدونا ضمن مدونة التفسير عندما يمن الله تعالى بالتوفيق لتدوين ما تبقى منه .
هذا ولم أجد مناصا عن استغلال فرصة من الزمن لكتابة تفسير هذه الآية وحدها كما أراد ذلك أخي المقترح ، وساعدني عليه – جزاه الله خيرا – بما قام به من عمل ، فها هو ذا ما أراده مني في هذا الجزء المفرد ، والله أسأله التوفيق لكل ما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير .
يتبع إن شاء الله ،،،،،
ابو فؤاد
13/01/2005, 11:00 AM
قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } آل عمران7.
سبب نزول الآية الكريمة :
نزلت هذه الآية الكريمة ردا على نصارى نجران الذين ألقوا شبهة في حوارهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ، وذلك عندما سألوه عن المسيح عليه السلام : ألا تقول انه كلمة من الله وروح منه ؟ فلمّا أجابهم ببلى ، قالوا : حسبنا . وكأنهم أرادوا أن يوهموا السامعين بأنهم ظفروا منه عليه الصلاة و السلام بمرادهم من الإقرار بربوبية المسيح عليه السلام وبنوته لله تعالى ، فأراد الله عز وجل بما أنزله هنا أن يبطل دعواهم ويسقط شبهتهم ببيان أنه لا دليل في ذلك قط على صحة كلاما يدَّعون ؛ فالكتاب المنزل على النبي – صلوات الله وسلامه عليه – فيه المحكم
والمتشابه ، ويجب رد متشابهه إلى محكمه لإستبانة معنى الحق فيه ، وليس ما جاء من وصف المسيح عليه السلام بأنه كلمة من الله وروح منه إلا من باب المتشابه الذي يجب أن يرد إلى مما استقر من دلالة الآيات المحكمات عليه كقوله تعالى : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }آل عمران59 ، مع النصوص القاطعة
بواحدانيته تعالى ، وأنه لا شريك له في ملكه ، مع تنزيهه عن الصاحبة والولد والمثل كقوله تعالى : {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ }البقرة163 ، وقوله : { إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ }النساء171 ، وقوله : {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً }الجن3 ، وقوله :{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4} الإخلاص ، وقوله : {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ }المؤمنون91، وقوله : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا }الأنبياء22 ، على أن هذه النصوص المحكمات لا لبس في
دلالتها إذ لا تحتمل ألفاظها إلا ما تدل عليه من التنزيه ، فلا يسوغ عقلاً ولا شرعاً أن تعطل ويؤخذ بالمتشابه الذي لا تعدو دلالته أن يكون فيها غموض ، فتلتبس على من في قلبه مرض ويدرك الراسخون في العلم أنها لا تجانف دلالة المحكم بحال .
ابو فؤاد
13/01/2005, 01:30 PM
ابتدئت الآية الكريمة بما يفيد حصر إنزال الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث أكدت ما هو مستقر في أذهان الذين آمنوا أن منزله إنما هو الله سبحانه وتعالى، وذلك بقول : { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } آل عمران7، فإن تعريف المسند والمسند إليه من دلائل الحصر ، على أن الإنزال نفسه لو كان لم يخبر عنه بما يدل على الحصر
فإن الله تعالى لا ينزل الوحي غيره ، ولم يقل هنا – سبحانه – آتاك الكتاب وإنما عبر بالإنزال من أجل الدلالة على أنه لا يختلف عما أوحاه الله إلى غيره من الأنبياء عليهم السلام ، على أنه مما استقر في عقائد أتباع الأنبياء جميعاً أن ما أنزل عليهم إنما هو من عند عنده تعالى وحده، وفي التعبير بالإنزال من التنصيص على هذا المعنى ما لا يكون في غيره كالإيتاء .
وقدم الجار والمجرور وهو قوله :{ عَلَيْكَ } آل عمران7 ، على ذكر المنزل وهو الكتاب لما يترتب على هذا التقديم من جليل الفوائد وهي :
• الدلالة على العناية به صلوات الله وسلامه عليه ؛ فإن في هذا ما يكفي دليلاً على أنه عز وجل شمله برعايته ووسعه بلطفه إذ بوأه مبوأ التكريم ، فما كان إنزاله لما أنزل عليه إلا تشريفاً وتكريما له صلوات الله وسلامه عليه .
• التشويق إلى معرفة المنزل : فإن في تقديم الجار والمجرور على الكتاب – مع كونه حرياً أن يُذكر أولاً لأنه المقصود بالذكر – ما لا يخفى من تشويق النفوس إلى معرفته ، وفي ذلك تنويه بقدره .
• أنه ينبني عليه أن يلي ذكر الكتاب بيان انقسامه إلى محكم ومتشابه من غير أن يتخلل ذلك ذكره لغيره . و(أل ) في { الْكِتَابَ } آل عمران7، للعهد ، والمعهود هو الكتاب المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو القرآن الكريم الذي جاء بهذه الكيفية المخصوصة بحيث كان منه المحكم و منه المتشابه .
والجار والمجرور في قوله : { مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ } آل عمران7 ، متعلقان بمحذوف هو خبر مقدم للمبتدأ و{ آيَاتٌ } آل عمران7 ، مبتدأ مؤخر ، وهذا هو الذي تقتضيه الصناعة – وإن ذهب من ذهب إلى غيره – نظرواً إلى أن ما تقتضيه جزالة الكلام حسب ما قيل . و{ مُّحْكَمَاتٌ } آل عمران7 ،وصف للمبتدأ وهو { آيَاتٌ } آل عمران7، و { وَأُخَرُ} آل عمران7، معطوف عليه ، و{ مُتَشَابِهَاتٌ} آل عمران7، وصف للمعطوف .
يتبع إن شاء الله ،،،،،
ابو فؤاد
14/01/2005, 07:22 AM
شاع استعمال الإحكام بمعنى الإتقان ، وقيل بأن أصل وضعه للمنع ، والمعنيان متداخلان ، فإن ما أقن منيع من تسرب الخلل إليه كما هو مشاهد فيما هو مادي ؛ كالبنيان الذي يُتقن صنعه فتتراص لبناته وتتلاحم مواده إلى أن تكون كالشيء الواحد بحيث يتعذر أن ينفذ أي شيء من خلاله إلى ما بداخله ، ومن شواهد كون الإحكام بمعنى المنع قول جرير :
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم ُ أن أغضبا
فإن مراده امنعوا سفهاءكم من التهور .
ومنه الحُكم فإنه مانع من الظلم والتظالم إن كان عادلا ، وكذلك الحكمة فإنها مانعة من الإنحراف والتهور ، ومنه حَكمَةُ الفرس – وهي لجامه – فإنها تمنعه من الجري وتكبحه عن الجموح والإضطراب ، وإحكام الكلام إتقانه ، ويكون لفطياً ومعنوياً ، فإحكامه لفظاً هو صونه عن كل ما يُعد خطأً في التعبير – سواء من حيث جمله أو مفرداته – ومن السوقي الذي لا يليق برفيع الكلام ، وإحكامه معنى هو صونه عن كل ما يؤدي إلى التناقض أو إيهام ما لا يراد به
ابو فؤاد
14/01/2005, 07:32 AM
أما التشابه فهو تفاعل من الشبه ، ويستعمل بمعنى الإلتباس ؛ وذلك لأن الأشياء عندما يشتبه بعضها ببعض كثيراً ما تؤدي اشتباهها إلى التباسها في الإدراك ، بحيث يتعذر التمييز بينها بأوصاف تحدد ما هية كل منهما ، فلذلك أطلق التشابه على الإشكال بحيث لو كان لبس بين أمرين قيل : هما متشابهان ولو لم يكن منشأ هذا اللبس شبها بينهما ، وذلك حقيقة عرفية أو أنه مجاز مشهور ، وكذلك الإشكال فإن أصله كون الشيء كغيره في الشكل ، ولكنه شاع إطلاقه على كل لبس ، وإن لم يكن منشؤه تشاكلاً بين الأشياء .
وقد عُهٍد في القرآن الكريم وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العرب إطلاق التشابه على الإلتباس ، ومن شواهده في القرآن الكريم ما حكاه الله عن بني إسرائيل من قولهم : { إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا }البقرة70، ومن شواهده في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الحلال بين والحرام بين ، وبينهما أمور متشابهات " فإن المراد بالتشابه في الموضعين الإلتباس .
ابو فؤاد
15/01/2005, 05:35 AM
لئن كانت هذه الآية الكريمة تفيد انقسام القرآن الكريم إلى قسمين : متشابه ومحكم بحسب ما يكون من وجوه الإختلاف في دلالته – كما سيأتي إن شاء الله – فإن من آياته ما يدل على أنه جميعاً مُحكم ، وما يدل على أنه جميعاً مُتشابه ، فقد دلَّ على إحكامه جميعاً قوله تعالى : {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }هود1 ، وما تكرر من وصفه في آيات شتى بأنه كتاب حكيم وقرآن حكيم ،
فإن الحكيم فيها بمعنى المًحكم ، ودل على تشابهه جميعاً قوله تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً }الزمر23 ، وذلك لا ينافي انقسامه إلى مُحكم ومتشابه كما تُؤذن به هذه الآية الكريمة ، فإن هذا الانقسام إنما هو باعتبار معنى غير المعنى الدال على إحكامه جميعاً وتشابهه جميعاً ، فإن وصفه كله بالإحكام أنه في غاية الإتقان من حيث لفظه ومن حيث معناه ، فقد أتقن الله عز وجل تركيب حروفه
وكلماته ، وأبدع تناسب سوره وآياته ، ولذلك بهر العالمين ببلاغته وتساقطت همم بلغاء العرب عن محاولة مجاراته ، فإن كلماته جميعاً رُصفت رصفاً لا يمكن أن تنتهي إلى مثله مَلكات البشر ،
ابو فؤاد
15/01/2005, 05:44 AM
فلذلك تلاحمت هذا التلاحم الذي أخذ بالألباب ، إذ لو استبدلت كلمة منها بغيرها لنبت عن سائر الكلمات وتعذر هذا الذي نراه بينها من الإنسجام ، ولم يكن ذلك في الكلمات وحدها بل هو أيضاً في الحروف التي تركبت منها، وذلك بالنظر إلى مخارجها وصفاتها وإيحاءاتها وهو ما لا يوجد في سائر الكلام . وليس هذا الإنسجام في ألفاظه وحدها بل فيها وفي معانيها ، وذلك هو سر إعجازه وآيةُ ربانية مصدَرِه ،
فإن معانيه – مع طوله ونزوله في أحوال مختلفة ومواقف متبايتة وأزمنة متباعدة – ليس بينها نشاز ولا اضطراب ، ولذلك نعى الله عز وجل على أولئك الذين تعاموا عن النظر إلى هذه الآية الكبرى حيث قال : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82 ، فهذا هو الإحكام الذي شمل جميع آياته .
أما تشابهه جميعاً الذي وصف الله تعالى به في آية الزمر فهو بمعنى أنه يشيه بعضه بعضاً في سلاسة إسلوبه ، وحسن ترتيبه ، وجزالة تركيبه ، وجمال عباراته ، وعمق معناه ، وإشراق هدايته ، وقوة تأثيره ، بحيث يتعالى على نقد الناقدين ، ويستعصي على حكم الحاكمين ، فإن كل من نظر إليه بعين النقد ارتد إليه بصره خاسئا ، وكل من أراد أن يحكم على جملة
من جمله أو آية من آياته أنها أقل قدرا أو أحط شأنا من أخوتها نودي عليه – بجكم الفطرة السليمة – أنه أُبعِدَ في الحيرة والضلالة ، فهو-القرآن- بهذا الإعتبار متشابه الآيات جميعها لفظاً ومعنى .
الطوفان الجديد
15/01/2005, 09:58 AM
نشكرك يا با فؤاد على كتاباتك نرجوا منك الاستمرار
وفقك الله وبارك الله فيك
ALFARES1
16/01/2005, 01:23 AM
وفقك الله لما يحب ويرضى وأعانك على تعميم هذه الفائدة
ابو فؤاد
16/01/2005, 08:24 PM
اختلف أهل العلم في تحديد المُحكم والمتشابه الذي تنقسم إليهما آيات القرآن ، فقيل : المحكمات : الناسخات ، وحُكِي عن قتادة والربيع والضحاك ، قال ابن عطية : " وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا ، والتشابه في هذا لا أنه
وقف على هذا النوع من الآيات " ، وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن المُحكم من القرآن الكريم هو ثلاث آيات من سورة الأنعام ، وهي قوله تعالى :} قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{151} وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{152} وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{153} {سورة الأنعام الآيات 151 – 153 .، وقوله تعالى في سورة الإسراء : } وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً{24}{ قال ابن عطية :" وهذا عندي مثال أعطاه على المُحكمات " ، وقال الفخر الرازي على إثر ما
روي عن ابن عباس : " التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين : منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع *، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات المروضة ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك ، فالقسم الأول هو المُسمى بالمُحكم عند ابن عباس ؛ لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم " (1) .
------------------------------------------
* أي لا يتغير من شرع إلى شرع فلا يتغير حكمه في التوراة والإنجيل -الغير محرفة - عن حكمه في الإسلام
(1)التفسير الكبير ج7 ص 170 ط طهران
ابو فؤاد
16/01/2005, 08:35 PM
وروى ابن جرير بإسناده إلى محمد بن جعفر بن الزبير أنه قال في المُحكمات : " فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضعت له ، وأُخر متشابهة في الصدق ، لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق . (1) ، قال ابن عطية :" وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية " (2) ،
وقال النحاس : " أحسن ما قيل في المُحكمات والمتشابهات ، أن المحكمات ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو : {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }الإخلاص4 ، و {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ }طه82 ، والمتشابهات نحو : { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً }الزمر53 ، ويرجع فيه إلى قوله جلا وعلا :
{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ }طه82 وإلى قوله عز وجل :
{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }النساء48 ، (4)
(3) .
وقال القرطبي : " ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو الجاري على وضع اللسان ، وذلك المُحكم اسم مفعول من أحكم ، والإحكام :الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد ، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال " (4) .
وروى عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن مُحكماته ناسخة وحلاله وحرامه وما يؤمن به ويعمل به ، ومتشابهاته منسوخة ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يُؤمن به ولا يُعمل به . وحُكي عن مُجاهد وعكرمة أن المحكمات ما فيه من الحلال والحرام ، وما سوى ذلك فهو متشابه يصدق بعضه بعضا ، وذلك مثل قوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }البقرة26، وقوله : { كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام125 ، قال ابن عطية :" وهذه الأقوال وما ضارعها يضعفها أن أهل الزيغ لا تعلق لهم بنوع مما ذُكر دون سواه " (5) .
------------------------------------------------
(1) تفسير الطبري جامع البيان ج3 ص174 ط. دار الفكر .
(2) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز ج3 ص18
(3) إعراب القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد بن اسماعيل النحاس ج11 ص355 ، ط. عالم الكتب ، مكتبة الكتب العربية .
(4) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ج4 ص11 ، ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان
(5) تفسير ابن عطية مرجع سابق
ابو فؤاد
16/01/2005, 09:13 PM
قلت : ومما يزيد هذا المروي عن مجاهد وعكرمة ضعفاً ووهنا ، أنه بمقتضاه تكون آيات توحيد الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الصاحبة والولد وعن الشبيه والمثيل ، وآيات الإيمان بصفاته ، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر من قبيل المتشابه ؛ لأنها ليست مما يدخل في التشريع فيصدق عليها أنه حلال أو حرام ، وهو أمرٌ لا يكاد يتصوره ذو لب ، فإن التشبث بهذه الآيات من شأن أهل الإستقامة لا من شأن أهل الزيغ ، ومعانيها واضحة لا تشتبه على ذي عقل .فإن قيل : هي مما يدخل
في الحلال والحرام بإعتبار أن الإيمان بمدلولهها واجب وتركها محرم فلذا تخرج بهذا عن قسم المحكمات ، قلنا هي لا تختلف في ذلك عن مثل قوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }البقرة26، وقوله : { كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام125 ، فإن هاتين الآيتين إنما تدلان على شأن الله تعالى أخبر به من صفات نفسه ، وما يتعلق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر . وحُكي عن أبي عثمان أن المُحكم الفاتحة ، وعن محمد بن الفضل أنه سورة الإخلاص لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط ولا يرتاب في أنهما جميعاً ما أرادا إلا التمثيل ، فإن مضمون الفاتحة من حمد الله ووصفه بالكمالات
وإفراده بالعبادة والاستعانة إلاى غير ذلك تضمنته آيات أخرى من الكتاب ، وكذلك ما في سورة الإخلاص من توحيده عز وجل عن الولد والوالد والكفؤ ، كل ذلك جاءت به آيات أخرى ، فلا يمكن أن يُفرّق بين النظير ونظيره فيقال بإحكام هذا وتشابه ذلك .
وروى ابن جرير عن مجاهد أن المُحكمات هي التي فيها أحكام الحلال والحرام ، وما سوى ذلك فهو متشابه يصرف بعضه بعضا ، وهو مثل قوله : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }البقرة26، ومثل قوله : { كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام 125 ، ومثل قوله تعالى : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ }محمد17، ،
قال صاحب المنار :" وكأن مجاهداً يعني بالمتشابه ما فيه إبهام أو عموم أو إطلاق ، أو كل ما لم يكن حكماً عملياً ، فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر " (1) .
---------------------------------------
(1) تفسير المنار ج3 ص 164
أبو عبد الرحمن
17/01/2005, 07:36 AM
بارك الله تعالى فيك أخي الكريم على نشرك لهذا التفسير المبارك ، ونفع الله بك طلبة العلم 0
ابو فؤاد
17/01/2005, 03:11 PM
قال صاحب المنار :" وكأن مجاهداً يعني بالمتشابه ما فيه إبهام أو عموم أو إطلاق ، أو كل ما لم يكن حكماً عملياً ، فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر. (1) .
وفيما قاله نظر ، فإن إلحاق العموم والإطلاق بالمتشابه يؤدي إلى اعتبار معظم الأدلة الشرعية غير
واضحة المعنى فإنهما وإن كان يَردهُما – التخصيص والتقييد – ليسا مما يكتنفه الغموض في دلالاته فإن كلاً منهما واضح المعنى ، على أن المُطلق عنتد التحقيق من قسم الخاص والخاص قطعي الدلالة ، فكيف يُعد متشابها ؟! وفي قوله : " أو كل ما لم يكن حكماً عملياً فهو عنده خاص بالإنشاء دون
الخبر " تناقض واضح ؛إذ أن الأدلة الدالة على الأحكام العملية هي من باب الإنشاء غالباً وإن كانت ألفاظها تصاغ أحياناً صيغة الخبر ، وما مثَّل به مجاهد للمتشابه لا يعدو أن يكون من باب الأخبار ، فإن الآيات المذكورات في كلامه ليس في أي واحدة منهن إنشاء .
ورُويَ عن ابن زيد أن المُــحكم ما أحكم فيه قصص الأنبياء والأمم وبُيِّن لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرار في السور ، بعضه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني وبعضه بعكس ذلك ، نحو قوله : { حَيَّةٌ تَسْعَى }طه20، و { ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ }الأعراف107 ، ونحو : {اسْلُكْ يَدَكَ}القصص32، و {وَأَدْخِلْ يَدَكَ }النمل12 .
ولكن هذا بعيد عن كونه المراد في الآية الكريمة ، فإن مثل هذا الإختلاف في العبارات مع إتحاد المعنى ليس هو مما تخفى دلالته حتى يشتبه على الأفهام ، وإن كان متشابهاً – أي متماثلاً – في معناه ، ذلك لأن المتشابه المراد في الآية الكريمة تزيغ به قلوب الذين استحكم في نفوسهم الضلال ، وأي زيغ يترتب على تأويل نحو هذه الآيات ؟ اللهم إلا أن يجحدها المرء أو يجحد شيئاً من مضامينها وهو ما يستوي فيه جميع القرآن ، فلا معنى لعد بعضه متشابهاً دون بعض .
-------------------------------------------------------------------------------
(1) تفسير المنار ج3 ص 164
ابو فؤاد
17/01/2005, 03:38 PM
وذكر ابن تيمية أن المتشابه آيات الصفات خاصة ومثلها أحاديثها ، ومراده صفات الله .
وهذا ليس على إطلاقه ، فإن من آيات الصفات ما هو منه المُحكم الذي لا لبس في معناه كقوله تعالى : {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ }البقرة163, وآية الكرسي ، وخواتم سورة الحشر ، وسورة الإخلاص ، فإن معانيها ظاهرة ودلالاتها قاطعة ، ومن استمسك بها هُديَ إلى صراط مستقيم ، وإنما جاءت آيات وأحاديث تتعلق بصفاته سبحانه وتعالى قد تحير فيها ألباب غير الراسخين في العلم لما فيها من التشابه ، وذلك لإيهام ظواهر ألفاظها تشبيه الله تعالى بخلقه ، وهو قطعاً غير المُراد بها لإنتفاء التشبيه عنه تعالى بالأدلة القاطعة من العقل والنقل .
وقد وقفت طائفة من الناس عند ظواهر ألفاظها ولم تُوفَّق للغوص إلى أعماق معانيها فضلت بذلك ضلالاً مُبينا ، وأولئك هم الذين أخبر الله عنهم أنهم في قلوبهم زيغ فلذلك يتبعون ما تشابه منه ، وقد أدى بهم ذلك إلى أن يصفوا الله بصفات خلقه حسَّاً ومعنى ، ومن بين أولئك ابن تيمية نفسه فإنه من
الذين بالغوا في تشبيه الله بخلقه وتعاموا عن مُحكمات القرآن والسنة التي يجب أن تُرد إليها هذه المتشابهات حملاً على كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على الصحيح من معناهما ، واتباعاً لسنن الكلام العربي في التعبير تارة بالحقيقة وتارة بالمجاز ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله .
ابو فؤاد
17/01/2005, 03:40 PM
وقيل بأن المتشابه هو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ، كميقات قيام الساعة أي ميقات قيام النفخة الأولى ، وكذك الثانية ، وخروج الناس من قبورهم .
وقال بعضهم بأن المُحكم ما كان معقول المعنى والمتشابه بخلافه ، وعليه فالمُحكم هو التعبدات التي ظهرت حكمتها كالتعبد بالصلاة والصيام والحج من حيث عمومها ، فإن كل واحدة من هذه العبادات
سبب لرسوخه روح التقوى في نفس ممارسها إذ هي ظابطة لشهوة النفس ومقيدة لأهوائها ومطلقة لملكات الخير فيها ، أما المتشابه فهو ما لم تظهر حكمته كاختلافغ الصلوات في عدد ركعاتها ومواقيتها وميقات الصيام والحج ونُصُب الزكاة .
ابو فؤاد
17/01/2005, 04:05 PM
وحكى الفخر الرازي عن الأصم أن المُحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحــًا ، مثل ما أخبر الله تعالى من إنشاء الخلق في قوله تعالى : {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً}المؤمنون14 ، وقوله :{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }الأنبياء30 ، وقوله : { وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ }البقرة22 ، والمتشابه ما يحتاج معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا أتراباً ، ولو تأملوا لصار المُتشابه عندهم مُحكما ؛ لأن من قدر على الإنشاء أولا قدر على الإعادة ثانية .
وقال الفخر على إثره :" واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عنى بقوله المُحكم ما يكون دلائله واضحة ، أن المُحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المُجمل بالتساوي أو الُمؤول المرجوح ، فهذا الذي ذكرناه أولاً ، وإن عنى به أن المُحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم
على قوله تما لا يلم صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يُلم صحته بدليل النقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابها لأن قوله : {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً}المؤمنون14 ، أمر يحتاج إلى معرفة صحته إلى الدلائل العقلية ، وأن أهل الطبيعة يقولون السبب في ذلك الطبائع والفصول أو تأثيرات الكواكب وتركيبات عناصرها وامتزاجها ، فكما إن إثبات الحشر والنشر مُفتقر إلى الدليل ، ولعلم الأصم يقول هذه الأشياء ، وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيها ظاهراً
بحيث تكون مٌقدماته قليلة مُرتبة مبني مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً ، ومنها ما يكون الدليل فيها خفياً كثير المُقدمات غير مُرتبة ، فالقسم الأول هو المُحكم والقسم الثاني هو المتشابه " (1)
----------------------------------------------------------------------------------------
(1) التفسير الكبير للرازي ج7 ص170 ط. طهران .
الجبل الصخري
17/01/2005, 05:02 PM
أحسنت وبارك الله فيك يا أخي أبو فؤاد وسدد خطاك
المعافري
17/01/2005, 06:57 PM
شكرا لأبي فؤاد ووفقه الله دائما
ابو فؤاد
18/01/2005, 07:39 AM
الأخوين الجبل الصخري والمعافري جزالكم الله خيرا
ابو فؤاد
18/01/2005, 07:47 AM
وليس في هذا ما تطمئن النفس إلى إعتماده ، فإن وضوح الدلالة في كلا القسمين المذكورين لا غبار عليه ، وإن كان الثاني يحتاج إلى مزيد تأمل ، وليس في إعتماد أي منهما ما يعدُّ زيغاً بل كله إيمان وهدى .
ابو فؤاد
18/01/2005, 11:38 AM
هذا ، والذي يتبادر إلى الفهم أن المتشابه هو ما خفيت دلالته ، والمُحكم ما وضحت دلالته .
ولخفاء الدلالة سببان : إجمال في اللفظ أو إيهام تشبيه الله تبارك وتعالى بخلقه ، أما المُجمل فيتوقف فهمه على ما يكون بياناً لإجماله ، وقد يكون عقلياً ونقليــًا .
فالعقلي ما اتضح به المراد بنور العقل مما أجملته الآيات، وغالب ذلك في الآيات المتعلقة بالتوحيد والإيمان نحو قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}الأنبياء ، فإن وضوح المراد من الفساد المُشار إليه إنما يكون ببصيرة العقل - كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله -.
والنقلي قد يكون نصــًا قرآنيــًا أو حديثا نبويا ، وقد يكون إجماعــًا من الأمة ، إذ الإجماع لابد من أن يكون مستند إلى نص شرعي ، وهذا النوع هو الغالب فيما اشتملت عليه مُجملات الكتاب من الأحكام الشرعية ويختلف في دلالته بإختلاف قوته متنا ودلالة ، فما كان نصيا وكان متواترًا فبيانه قطعي ، وما كان ظاهرًا آحاديا فبيانه ظني .
ابو فؤاد
18/01/2005, 11:45 AM
وأما ما كان خفاء دلالته بسبب إيهام ظاهره لتشبيه الله تعالى بخلقه، فإنه يُعول في فهمه على الآيات المُحكمات القاضية بانتفاء التشبيه، ووجوب رد هذه المتشابهات إلى المُحكمات؛ يوحي به قول الله تعالى في المُحكمات : { هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ }آل عمران7 ، فإن المراد بكونها أمــًا أنها الأصل الذي يُرد إليه ما عداه . وهذا القسم هو الذي يعد مزلقة الأقدام ومزلة
الأفهام ،
فإن الذين في قلوبهم زيغ يتشبثون بالمتشابهات ويعرضون عن المحكمات ، لذلك لا يبالون أن يصفوا الله تعالى بالنقائص كالنسيان والفرح والمشي والهرولة ، وما يكون في الإنسان من جوارح كالوجه واليدين والرجلين والعينين والجنب والأصابع وغير ذلك ، والتحيز في الأمكنة ، والإنتقال من مكان إلى
آخر اتباعــًا للمتشابه نحو قوله تعالى : { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ }التوبة67 ، وقوله : {وَجَاء رَبُّكَ }الفجر22 ، وقوله : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}المائدة64 ، وقوله : {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}القمر14 ، وقوله : { فِي جَنبِ اللَّهِ }الزمر56.
وما ورد في الروايات مما يوهم أنه تعالى يعرض له الفرح ويمشي ويهرول وينزل إلى السماء الدنيا ، إلى غير ذلك مما ستجده إن شاء الله في محله ، مع أن الآيات المحكمات صريحة في إنتفاء ذلك كله عنه سبحانه وتعالى كقوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً }مريم64 ، وقوله : { لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى }طه52 ، وقوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }الشورى11 ، وقوله : {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }الإخلاص4.
ابو فؤاد
20/01/2005, 05:06 PM
هذا ، وقد احتدم الجدل بين الطوائف الكلامية في تعيين المتشابهات والمحكمات ، فكل طائفة تجعل ما كان ظاهره موافقــًا لهواها هو المحكم ، وما كان بخلافه هو المتشابه ، فنجد فيما يتعلق بخلق أفعال العباد يتشبث المعتزلة ومن نحا نحوهم كالشيعة الإمامية والشيعة الزيدية بالآيات الدالة على أن الله
تعالى منح عباده القدرة على الإختيار بما يشاءون فعله وأن ضلالهم من تلقاء أنفسهم ، مثل قوله تعالى : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }الأنعام148 ، ويعدونها من المُحكمات ، وما دل على خلافها فهو المتشابه عندهم نحو قوله تعالى : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }التكوير29 ، وقوله : { يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}النحل93 ، وقوله : { لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ } الرعد31 ،
وخصومهم في هذا ينحون خلاف هذا المنحى ، فالمتشابه عند هؤلاء هو المُحكم عند هؤلاء ، وكذا العكس ، ومثل ذلك اختلاف طوائف الأمة في رؤية الله تعالى ، وفي وعيد العصاة ، فكل يرى المُحكم ما كان مؤيدًا له ، وما كانت دلالته على خلافه فهو المتشابه.
ابو فؤاد
20/01/2005, 05:08 PM
والفيصل في هذا هو: التعويل على تنزيهه تعالى عن النقائص ومشابهة خلقه ووصف السوء ، فلذلك كان قوله تعالى : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ}الإسراء ، من قبيل المتشابه لإستحالة أن يأمر الله بالسوء ، وإنما المراد بهذا أن يأمرهم عز وجل بطاعته ولكنهم يخرجون عن هذه الطاعة بالفسوق ،
وإنما يتبين المأمور به في الآية بالنظر إلى الآيات الأخرى كقوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}النساء58 ، وقوله : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ }النحل90 ، ويستحيل أن يأمر يكون آمرا لهم
بما أتوه من الفسوق لقوله : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء}الأعراف28 ، وبهذا يتبين المحكم والمتشابه في مثل هذا ، على أن المتشابهات كثيرا ما تكون مقرونة عباراتها بما يستحيل معه أن يكون ظاهرها الموهم للتشبيه هو المراد ، ولذلك لا يلبث الآخذون
بالمتشابه أن يجدوا أنفسهم في أمر مريج من التناقض والاضطراب ؛ فيرجعون إلى نقض ما أسسوه والوقوع فيما فروا منه كما سيتضح ذلك – إن شاء الله – فيما نورد من الشواهد في تفسير هذه الآية الكريمة وغيرها .
ابو فؤاد
20/01/2005, 05:11 PM
قوله سبحانه في المحكمات : { هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ }آل عمران7 ، يعني به ما سبق بيانه من أنها الأصل الذي يجب أن يُرد المتشابه إليه ، فإن أم الشيء منبته وأصله ، وما كانت المحكمات أما للكتاب إلا لوضوح دلالتها ووجوب الأخذ بها ورد ما أوهم خلافها إليها ، فالمتشابهات فروع لها لا يمكن أن تجانفها في دلالتها ، وهذا هو الأصل في التأويل الصحيح لمتشابه الآيات والروايات وفق ما تقتضيه محكماتها .
وفسر ذلك ابن عطية بأنها الإعلام بأنها معظم الكتاب وعمدة ما فيه ، إذ المحكم في آيات كالله كثير قد فصل ولم يفرط في شيء ، ثم قال : قال يحيى بن يعمر هذا كما يقال لمكة أن القرى ، ولمرو أم خراسان ، وكما يقال أم الرأس لمجتمع الشئون إذ هو أخطر مكان ، ثم حكى عن المهدوي والنقاش أنهما قالا : كل آية محكمة في كتاب الله يقال لها أم الكتاب ، وتعقبه بقوله : هذا مردود بل جميع المُحكم هو أم الكتاب ( 1) .
------------------------------------------------------------------------------------
( 1) المحرر الوجيز ج3 ص 20
ابو فؤاد
20/01/2005, 05:13 PM
هذا ، وقد وُفق ابن كثير حيث قال في تفسيره: " فيمن يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة أي الإضلال لأتباعهم ، أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الإحتجاج بقوله : {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}الزخرف59 ، وبقوله : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }آل عمران59 ، وغير ذلك من الآيات المُحكمة المُصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله . (1)
غير أنه لم يحالفه التوفيق عندما جاء إلى تفسير المتشابهات نفسها – وهي التي يوهم ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه – حيث أجراها على ظاهرها ، وأبى أن يتبع المنهج السديد الذي أصله بنفسه هنا ، ولذلك كان معدودا من المفسرين الذين ينزعون منزع أهل التشبيه والتجسيم ، والعياذ بالله .
والأُخر : جمع أخرى ، مؤنث آخر – بفتح الخاء – كأفضل وفضلى ، وصيغته دالة على أن أصله للتفضيل ، ويبدو منه أنه يوصف به المفضل على غيره في التأخر هكذا كان أصل وضعه ، ثم أُطلق على كل مغاير لما بينه وبين ما غيره من البعد ، ومراعاة هذا الأصل ربما كانت هي السبب في منع صرف هذا الجمع كما يمنع صرف مفرده ، ولعلماء العربية في هذا أقوال متباينة لا يقتضي الحال إيرادها .
--------------------------------------------------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير ج1 ص345 ، ط. دار إحياء الكتب العربية .
ابو فؤاد
20/01/2005, 05:14 PM
قد أنزل الله كتابه هدى للناس فيه الرحمة والخير وهو منهاج الإستقامة ومهيع السلامة ، ولا يخرج شيء منه في وضعه عن حكمة ربانية سواء أعلمها الناس أم لم يعلموها ، فإن العزيز الحكيم تتعالى أفعاله عن العبث ، وكل ما كان منه فهو لحكمة علمها تعالى .
وقد أدرك أولو الألباب ببصائرهم أن في تنوع التنزيل إلى محكم ومتشابه حكمــًا شتى ، لذلك تسابقت ألبابهم في إستخراج هذه الحِكم وتسابقت عباراتهم من أجل إبرازها ، ومع هذا كله فإن علينا أن نؤمن أنه تعالى مع تنزهه عن العبث وعدم خروج شيء من أمره عن الحكمة لا يسأل عما يفعل ، فلا
اعتراض لأحدٍ عليه ، وإنما نستجلي من حكمه تعالى في كل أمر ما يسنح للذهن ، وتطمئن إلى صحته النفس ، وتتفاوت القرائح في هذا حسب ما آتاها الله من مواهبه اللدنية وأفاض عليها من فتوحاته الربانية ، وإليكم بعض ما قيل في ذلك مشروحا بما فتح الله علينا من كريم فيضه :
ابو فؤاد
21/01/2005, 03:39 PM
1- الرفق بالعباد : فقد أنزل الله كتابه لإخراجهم من الظلمات إلى النور وانتشالهم من دركات الضلال ليرتفع بهم إلى ذروة الهدى ، فلو أنزله جميعــًا متشابهــًا لالتبست عليهم معانيه ، وحاروا في مقاصده ، وخارت عزائمهم عن سلوك نهجه والإستمساك بحبله ، ولو كان كله مُحكَما لما احتاجوا إلى استفراغ وسعهم واستنفار قرائحهم من أجل الغوص إلى أعماقه لإستلهام معانيه وكشف
واكتشاف أبعاده ، وهم متعبدون بفهمه كما تُعبدوا بتطبيقه ، أما وقد جاءهم متشابهــًا ومُحكمــًا فقد يسر علهم علمه والعمل به بردهم متشابهه إلى مُحكمه ودرء ما عسى أن يلتبس على الأفهام من أمره فيحرزوا بذلك الأجرين ؛ أجر الاجنهاد في فهمه وأجر التكليف وفق هُداه في التطبيق والعمل ، على أن نفس الإيمان بأنه جميعــًا من عند الله وأنه مبرَّأ من التناقض ومسلم من التدافع والتعارض ؛ مع ردَّ ما
كَلَّ الفهم عن إدراكه إلى الله العليم الخبير هو منتهى الإذعان للحق ، فإن الله سبحانه تعالى تعبد عباده بتعبدات شتى منها ما يدركون سره وحكمته ، ومنها ما خفي عليهم ذلك منه ، فالموفق منهم من أذعن لأمر الله ولم يتردد في الإستجابة لداعيه ، والمخذول منه صد عن ذلك صدودا ، وهكذا الشأن فيما أُنزل عليهم .
ابو فؤاد
21/01/2005, 03:41 PM
2 - عدم خروج القرآن عن إسلوب الكلام العربي في التعبير : فقد أنزله الله بلسان عربي مبين ، واللسان العربي – كغيره من ألستة البشر – فيه الحقيقة والمجاز ، والصريح والكناية ، والواضح والخفي وإنما يُتوصل إلى فهم مجازاته واكتشاف ما خفي من عباراته بالقرائن اللفظية وغيرها ، وقد يصورون المعاني العقلية بصور المشاهد الحسية ؛لأن النفس للمحسوس آلف والذهن على اكتناهه أقدر ، فلذلك كان اللسان العربي طافحــًا بالكلمات الدالة في وضعها على المحسوسات لأجل الدلالة بها على المعاني المعقولة كما في قول الشاعر :
وغداة ريح ٍ قد كشفت وقِرّة *** إذا أصبحت بيد الشِّمال زمامها
فإنه من البديهيات أنه ليس للغداة زمام ولا للشمال يد ، ولكن أُريد باستعمالها تقريب الحقائق المعنوية إلى الأفهام ، بحيثُ تتراءى كالمشاهد الحسية ، ونحوه قول آخر :
وفي يدك السيف الذي امتنعت به *** صفاة الهدى من أن ترق
فتخرقا فانظر كيف جعل للهدى صفاة صلبة يتعذر على المناوي حرقها كشأن الصم الصلاد ، تشبيها لما للهدى من قوة معنوية يعجز المكابر أن يقاومها بهواه، وأن ينفذ من خلالها تشبيهاته وأباطيله مع ما يسر الله لذلكم الهدى ممن يحميه بقوة السيف لئلا يحاول أولوا الباطل المساس به .
والقرآن مع كونه في المقام الأرفع بحيث تتعذر مجاراته وتستحيل معارضته هو لم يخرج عن هذا الإسلوب بحيث يُعبر فيه تارة بالحقيقة وأخرى بالمجاز ، ويكون مرة واضحا ، ومرة خفيا ، فلم يُفت المدارك والألباب ويعي القرائح والأفكار إلا لأنه وحي أوحاه الله ليكون ذكرًا للعالمين وحجة على الناس أجمعين ، فهو من حيث ظاهره وشكله كسائر الكلام العربي ، ومن حيث سره وروحه لا يجاريه غيره بل لا يدانيه لما جعل الله تعالى فيه من نور يتلألأ في مبانيه وروح غيبية تفيض بها معانيه ، وبهذا حارت ملكات بلغاء العرب في أمره وتجمدت قرائحهم عن محاولة مباراته والإتيان بحديث مثله .
ابو فؤاد
21/01/2005, 03:43 PM
3- إرسال العقل لاستلهام مقاصده : إن أعظم ما مُيِّز به الإنسان العقيل ، فلذلك كان مناط التكليف ، وقد جعل الله فيما أنزل من القرآن تنويًا لبصيراه ، ومن شأن العقل أن تتوسع آفاقه عند إعماله وتحريكه بخلاف ما إذا أُهمل وعُطِّل ، فإن ذلك يؤدي إلى جموده وانغلاقه ، ومن المعلوم أن استعمال العقل في استلهام المقاصد التنزيل بإمعان بصيرته في مُحكمه ومتشابهه من أسمى وجوه شكر من أنعم به ، فإن
شكر النعمة إنما يكون باستخدامها في مراضي من أنعم بها ، وقد أنزل القرآن كتابه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، وقد أحال ذوي الألباب في خطابه لهم لاستلهام أبعاد مراميه إلى ما منحهم من بصيرة العقل ، فلذلك كثيرًا ما نجد يتكرر فيه : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }الرعد4 ، و { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }يونس24 ، و { لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، و { لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ }آل عمران190 ، و { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }ق 37 ، إلى غير ذلك مما يدل على شرف العقل وعظيم المنة به وعلى ضرورة استخدامه في درك مقاصد ما أنزل الله .
ولئن كانت متشابهات القرآن لا يصل إلى أبعاد مراميها إلا الراسخون في العلم ، فإن أولئك الراسخون لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بإفساح المجال لعقولهم الوقادة حتى حلقت في أجواء المعرفة والعلم ، فتمكنت بتوفيق الله عز وجل من ردِّ المتشابهات إلى المحكمات التي هي أم الكتاب ، وتلاشى أمامها ما
عسى أن يتراءى لذوي البصائر الكلية من تناقضات بينها ، وذلك بخلاف شأن الذين في قلوبهم زيغ ،
فإنهم بإهمالهم طاقات العقل وإطفائهم جذوة البصيرة يظلون أُسارى ظواهر ألفاظ المتشابهات لذلك يستبد بهم الزيغ ويهيمون في متاهات الضلال .
وبهذا التفاوت بين أولي الهداية والزيغ يتجلى تفاوت الناس في الإنتفاع بهدى ما أنزل الله ، وقد أقتضت حكمته تعالى أن يتغابن الناس في الخير بقد تفاوتهم في التوفيق والخذلان .
على أن فريق الهداية نفسه لا يكون على درجة واحدة في الفضل ، فإن منهم من هو أحدّث ذهنــًا وأنور بصيرة ووأسع أفقــًا بما أفاض الله سبحانه على بصيرته من سيوب مواهبه اللدنية حتى وصل إلى حد أن تكون معاني كتاب الله عز وجل تتمثل أمام ناظريه كالمشاهد الحية ،ومنهم من هو دون ذلك ، ومهم
من يستعصي عليه فهم أشياء منه لا يتعدى طوره وإنما يقف في حد ما أُمر به في قوله تعالى : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }الإسراء36،مع إيمانه المطلق بأنه حق من عند الله ، فلا يجد إلا أن يقول : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا }آل عمران7، وبقدر هذا التفاوت في المدارك والأفهام واستيعاب معاني الوحي تتفاوت الأقدار ، ويتميز الناس بعضهم على بعض ، وتتجلى للناس آية الله الكبرى في إختلاف الناس حتى يُقاس منهم واحد بألف وألف بواحد ، ويصدق على بعضهم قول الشاعر :
ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد
ولو كان القرآن في دلالته طبقة واحدة لما كان هنالك تمايز بين الناس وتفضيل لبعضهم البعض في فهمه وإدراكه ، وتفاوت في أجورهم بقدر تفاوتهم في خدمته بإظهاره مبهماته وتفصيل مُجملاته.
ابو فؤاد
22/01/2005, 02:50 PM
4- أن يكون لأهل كل عصر حظ في اكتشاف الجديد من أسراره وعجيب إعجازه : فقد نزل هذا القرآن لا ليكون خطابا للأمة إبان نزوله فحسب ، بل ليكون ذكراً للعالمين في أعقاب الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولذلك يتجدد بيانه بتجدد أحوال الناس وإختلاف أطوار الحياة ، فهو يخاطب أهل كل عصر بحسب ما أوتوه من أسرار العلم وانكشف لهم من
حقائق الوجود وسنن الكون ، وقد وصل هذا القرآن الإنسان في خطابه له بنظام الكون بإطلاعه على ما يزخر به من آيات صامتة هادية إلى الحق تجلت في آيات ناطقة من القرآن نفسه ليظهر لهذا الإنسان أن القرآن هو المرآة الصافية التي تنعكس عليها حقائق الوجود بما يبهر العقول ويحير الألباب ، على أن هذا القرآن لم ينزل ليسرد دروساً في أحوال الكائنات ونظامها وفق المنهج العلمي المألوف لدى
البشر ، وإنما أنزل من أجل دعوة الناس إلى الحق ، فلذلك يمزج عرض هذه الحقائق الكونية بالدعوة من أجل أن تصيب موضع الإقناع من العقل وتستولي على الأحاسيس والمشاعر ، ولم يكن ذلك خارجا عن أسلوب الكلام العربي آنذاك ؛ إذ العرب كانوا قد ألفوا الحوار في الخطاب ولم يكونوا آلفين للتأليف في فنون المعرفة وإنما كان الشعر ديوانــًا لهم ومساجلات النظم والنثر ميدانــًا لإستعراض ملكاتهم ،
لذلك لم يخصص القرآن سورًا معينة أو مساحات من سور لتبيان حقائق هذا الوجود بطريقة مرتبة كما هو شأن دراستها في المنهج العلمي ، وإنما جيء بها لخدمة غرض الدعوة إلى الله تعالى ، ولهذا هذه الدعوة غير مهملة في أي سياق فيه بل هي مصاحبة لنزول القرآن أي شيء فيه في أي مجال كان ؛ ولذلك اقترنت أحكامه التشريعية بها ، فعندما يتحدث في الصلاة أو الزكاة أو الحج أو بر الوالدين أو
صلة الأرحام أو أحكام النكاح أو الطلاق أو البيوع والدين و الرهن أو الجهاد أو الإنفاق ، لا تأتي آيته مصبوبة في قالب بيان أحكام هذه الأشياء وحدها ، وإنما تصاغ مقرونة بالدعوة ، كما يظهر ذلك لكل متأمل ، وكثيرًا ما تكون الأحكام المعروضة فيه متخللة بأحكام أخرى تتعلق بجوانب أخرى في التشريع ، وهذا كله من أجل النهج بالإنسان في صراط الله المستقيم والوصول به إلى سلامة الدنيا وسعادة العقبى ؛ لأن الله تعالى أراد به الرحمة للعباد .
ابو فؤاد
22/01/2005, 02:54 PM
والناظر في القرآن يمتلكه العجب من هذا الأسلوب العجيب في عرض حقائقه وسلوكه هذا النهج في الدعوة إلى الله بحيث يجمع للإنسان في موقف واحد صنوفا من العلم ، ويفتح له أبوابا من العبر ، ويطوف به على آفاق من الحقائق على أن الإنسان وهو يتدرج في مدارج الحياة يظل في رحلة دائبة في آفاق العلم والمعرفة ، لأنه في كل حين يكتشف الجديد من آيات الله في الأنفس وفي الآفاق ، وعندما
يصطحب القرآن في رحلته هذه يظل يرى سر الله يتجلى في هذا الاقتران والوئام بين آياته الناطفة في كتابه وآياته الصامتة في مخلوقاته ، فينجذب انجذابا إلى هذه الآيات ويزداد تعلقا بالإيمان به على أن هذا الأمر ليس بالنظر إلى عمر الإنسان الفرد المحدود فحسب ، بل هو يشمل وضع حالة الإنسان باعتباره جنسا
منطويا على جميع أفراده تمتد حياته عبر قرون إلى أن يأتي أمر ربك ،فإن سنة الله اقتضت أن تكون حياة الإنسان في تطور مطرد يقترن باكتشاف الغوامض من حقائق الوجود وسبر أغوار من مجاهيل هذا الكون ، وقد شهدت الإنسانية في خلال قرن مضى الاكتشافات العلمية ما لم يدور بخلد إنسان قط ، حتى عاد ما لم يصل من قبل إلى أن يعلق في حتى بالخيال والوهم حقيقة ناصعة لا يتمارى فيها اثنان ، والقرآن مع هذا
يتحدى كل مكابر ومعاند بما يظهر للناس من أسرار آياته التي أخذت تتجلى حقائقها من خلال ما اكتشف من حقائق الوجود تصديقــًا لوعد الله الحق في قوله : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }فصلت53، وبهذا تحول كثير مما كان يُعد من متشابه القرآن إلى غير متشابه بما اتضح من معانيه التي كانت غامضة قرونــًا وقرونـًا نحو قوله تعالى : { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ }الحج61 ،
فإن معنى الآية الكريمة ظل بعيدًا عن مدارك الأفهام ؛إذ لم يكن الناس يتصورون كروية الأرض ، وأن الليل والنهار يتلاحقان بدورانهما المطرد على الكرة الأرضية ، حيث إن كلاً منهما يلج في بطن الآخر ، وإنما كانوا يتصورون أن الليل ينزل دفعة واحدة على الأرض كلها فيغشاها ، ويرتفع كذلك عنها دفعة
واحدة ليحل محله النهار ؛ ولذلك شاع أن المراد بالآية ما ينقص من النهار ويزيد في الليل في الشتاء ، ونحو ذلك قوله تعالى : { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً }الأعراف54،وقوله عز وجل :{ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ }الزمر5، فإن حقيقة معاني هذه الآيات لم تكتشف إلا بعد اكتشاف أنه لا يرتفع النهار عن الأرض كلها ولا الليل ، وإنما يجلل أحددهما نصف الكرة الأرضية
حينما يكون النصف الآخر مجللا بالآخر فيكون كلا منهما فوق غيره ككور العمامة ، وإنما يظهر تشابه مثل هذه الآيات على من لم يطلع على مثل هذه الحقائق كما حُكيَ من جواب بعض أهل العلم عندما سُئل أين يكون النهار عندما يأتي الليل ؟ وأين يكون الليل عندما يأتي النهار ؟ فأجاب : يكونان في غامض علم الله الذي لم يُطلع عليه ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل . ومثل ذلك قوله تعالى : {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }الذاريات49، إذ لم تكن سنة التزاوج بين جميع الكائنات واضحة للناس إلى أن تم اكتشاف ذلك ، وتشابه هذا كله بسبب غموض معناه .
أما أحكامه الشرعية فقد جاء كثيرٌ منها مُجملاً مع بيانه إما بنصوص من القرآن نفسه أو بنصوص من السنة أو الإجماع ، وفي إجمالها من الحكمة الإلهية ما لا يخفى على العباد ، فإن هذه الأحكام اقتضى لطف الله بعباده أن لا يفرضها عليهم دفعة واحدة ، بل نزلت تدريجا مع نجوم الوحي التي استمرت نحو
عقدين من السنين لئلا تتوانى همم المُتعبدين بها عن حملها دفعة واحدة ، وقد شاء الله أن لا تكون كلها نصية ؛ إذ لو كانت كذلك لضاق الأمر على الناس ولم تكن هذه الرحابة في شريعة الإسلام ، وإنما نص الشارع على ما لا يحتمل الخلاف لاقتضاء مصلحة العباد ذلك وبقى ما عداه يسوغ فيه النظر والتأمل
لمن قدر على إجابة قدح الفكر حتى يتوصل إلى ترجيح ما يراه أقرب إلى الصواب ، وهذا مما يستدعي اختلاف وجهات النظر وإرخاء العنان للعقل ليجول ببصيرته الوقادة بين أنحاء الأدلة لاستلهام الرشد واستبانة المقصد ، فتتضاعف الأجور لأرباب الحجى على ما وُفِّقوا له من استنباط الأحكام من أعماق الأدلة بسديد الإجتهاد ، وفي هذا شكر لنعمة العقل ولطف ورحمة بالعباد ، فإن آراء المجتهدين قد
تتفاوت لإعتبارات شتى نحو اختلافهم في تخصيص العام بخصوص سببه ، أو ذكر حكمه لفرد من أفراد مدلولاته ، وتقييد المطلق إذا اتفق مع الدليل المقيد في الحكم واختلف السبب أو العكس ، ومثله القول في بيان المجملات بأنواع التفصيل التي اختلف فيها أهل العلم ، فإن ذلاك كله من أسباب اختلاف المجتهدين الذي يجد فيه العاملون سعة من أمرهم فلا تضيق بهم السبل كما لو كان حكم القضية نصيا .
ابو فؤاد
23/01/2005, 08:07 AM
5- أن اللغات محدودة متناهية : لأنها بحسب ما توصل إليه المتواضعون عليها من المعلومات ، فلو لم يكن لهم مجال في استخدام الألفاظ إلا في حقائق معانيها لوصل بهم الأمر إلى الحرج والضيق بسبب العجز عن التعبير عما وراء معلوماتهم تلك ، ولكن الله تعالى جعل لهم في مجازات العبارات مخرجا
من هذا الضيق ، وقد خاطبهم بهذا الإسلوب الذي ألفوه في التعبير ليكون ذلك أساساً لهم في الخطاب من ناحية ، وليتمكنوا من ناحية أخرى من حمل تلكم العبارات على النمعاني المستجدة التي لم تكن معهودة في أسلافهم إبان نزول الكتاب ؛ لأن الله تعالى لم يجعله خطابا خاصاً لتلك الأمة وحدها ، وإنما يشملها وأعقابها ما بقي من هذا الوجود الإنساني الذي يزخر بالمستجدات .
ابو فؤاد
23/01/2005, 08:08 AM
- تباين الناس في الاعتقاد والتصورات بحسب تباينهم في فهم متشابه الكتاب : وبهذا يتميز المحق من المبطل تحقيقا لسنة الله في إختلاف عباده وانقسامهم إلى حزب هدى و حزب ضلال :
{وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ{118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }هود 118 ،119 ، وقد وضح هذا في
تشبث النصارى بمتشابه التنزيل حتى احتجوا لدعواهم بنوة عيسى عليه السلام لله رب العالمين بما أنزل الله على نبيه عليه الصلاة والسلام فكان ذلك سببا في نزول الآية الكريمة ، وهكذا شأن الذين يتبعون ما تشابه من هذه الأمة متصامِّــين عن نداء المحكم بالحق والرشد .
ابو فؤاد
23/01/2005, 08:11 AM
7- الإيمان بما أخبر الله به والتسليم والإذعان له مع الوقوف عن الخوض في تفصيلاته : فقد أخبر الله بكثير من الحقائق الوجود وأسرار الغيوب التي تعجز العقول عن تصورها ؛ كقيام الساعة وما يصحبه من أهوال المعاد والثواب والعقاب ، وما ينعم به المؤمنون في دار كرامته من المطاعم والمشارب والمساكن الطيبة والمناكح الحسنة والسرور الدائم ، وهذه أمور يمكن للإنسان أن يتصورها مجملة ،
أما مقاديرها وسائر تفصيلاتها فمما لا يتسع له الأفق المعرفي للإنسان وهو لا يزال في هذه الدنيا المحدودة المتناهية ، ولا يستوعبه خياله الناتج عن تفاعله مع طبيعة هذه الحياة الفانية ، ولذلك قال الله تعالى : {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }السجدة17 ، وجاء في الحديث :" قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " (1)
--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (3244 )من طريق أبي هريرة.
ابو فؤاد
24/01/2005, 07:36 PM
7- تضمين الكلمات من الحقائق العالية والمعاني السامية ما يجلي قدرا ويعظم شأنا فوق ما هو مألوف للعباد من معاني تلكم الكلمات : وتلكم هي صفات الله تبارك وتعالى ، فإن الله سبحانه وتعالى عرّف العباد بنفسه وأخبرهم بصفاته بكلمات لم تكن غريبة عليهم ؛ إذ هي من اللغات التي يتداولونها في الوصف والبيان ، ولكن شتان بين مضامينها المألوفة
عندهم ومضامينها في كلام الله تعالى ، فالله عرَّفهم بنفسه أنه السميع البصير ، العليم الخبير ، الحي القيوم ، الغفور الرحيم ، العزيز الحكيم ، العلي العظيم ، الواحد القهار ، الواسع القدير ، الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، ولكل وصف من هذه الأوصاف معروف عند الناس ولكن أنى تقاس صفات الخالق على المخلوق ؟! والمخلوق محدود في ذاته وصفاته ، والخلق سبحانه منزه عن ذلك ، فصفاته مطلقة لا
حدود لها كذاته ، ولهذا كان التباين بينه وبين خلقه في حقيقة الإتصاف بتلكم الأوصاف ، فالمخلوق إن وصف بالعلم فعلمه ليس ذاتيا ، ولذلك يتدرج في تحصيله إن كان كسبيا ، ويأخذ في النمو والزيادة باجتهاده مع توفيق الله له ، ولئن كان ضرورياً فإنه أيضــًا حادث كحدوث الكسبي ، وإنما الأصل فيه الجهل كما يُنبئ به قوله تعالى : {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً }النحل78،ومهما
يكن مقدار علمه فإنه لا يعدو أن يكون قطرة في خضم جهله ، وقد يتحول من العلم إلى الجهل لنسيان أو ضعف كما هو بيِّن في قوله تعالى : { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً }النحل70 ، ومثل ذلك يقال في قدرته وسائر صفاته .
هذا ، ومن بين هذه الصفات ما يستحيل أن يكون وصف الله تعالى به على نحو ما هو معهود في خلقه كالرحمة ، فإن رحمة المخلوق بالمخلوق هي
انفعال نفسي يبعث على اللطف والإحسان ، والله يجب تنزيهه عن ذلك لأنه : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }الشورى11، وهذا مما يدخل في المتشابه ، وكذلك وصفه تعالى بالصبر والشكر فهو بعيد عن نحو ما هو مألوف في الإصطلاح البشري ، لأن صبر المخلوق هو توطين
النفس على إحتمال ما يشق عليها ، والشكر هو إعتراف المُنعَم عليه بنعمة المُنعِم والقيام بما يجب عليه تجاهه ، وكل من ذلك مستحيل على الله عز وجل ، فإنه منزه عن كونه مشقوقا عليه أو أن تكون لأحد نعمة عليه ، فإنه وحده باسط النعم وكل من عداه فهو منعم عليه ، لذلك كان وصفه سبحانه بمثل هذا ما يدخل في باب التشابه ويجب رده إلى المحكم كقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }الشورى 11 , وقوله : {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }الإخلاص4 ،
وهذا هو الأصل في فهم جميع معاني صفاته تعالى ، إذ يجب نفي التصور عند وصفه سبحانه بالسمع إن يكون سمعه كسمع مخلوقاته في الإضطرار إلى آلات السمع وإنتقال الأصوات إليها عبر الذبذبات الصوتية ، وكذلك نفي مثل هذا التصور عندما يوصف بالصبر ، فإن إبصاره إنعكاسا لصور الأجسام عبر
الذبذبات الضوئية في العين الباصرة ، وما يتبع ذلك من إنتقال هذه الصور إلى مركز الحس - الدماغ – بواسطة الأسلاك المخصصة لذلك ، فإن الله منزه عن ذلك كله ، وهو منزه عن الأبعاض والكيفية وكل ما هو معهود في خلقه ، وإنما يجب القطع بأن إتصافه سبحانه بإي معنى من هذه المعاني هو اجل وأعظم مما يخطر بنفس العبد.
ابو فؤاد
26/01/2005, 07:48 AM
8- تضمين الكلمات من الحقائق العالية والمعاني السامية ما يجلي قدرا ويعظم شأنا فوق ما هو مألوف للعباد من معاني تلكم الكلمات : وتلكم هي صفات الله تبارك وتعالى ، فإن الله سبحانه وتعالى عرّف العباد بنفسه وأخبرهم بصفاته بكلمات لم تكن غريبة عليهم ؛ إذ هي من اللغات التي يتداولونها في الوصف والبيان ، ولكن شتان بين مضامينها المألوفة عندهم ومضامينها في كلام الله تعالى ، فالله
عرَّفهم بنفسه أنه السميع البصير ، العليم الخبير ، الحي القيوم ، الغفور الرحيم ، العزيز الحكيم ، العلي العظيم ، الواحد القهار ، الواسع القدير ، الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، ولكل وصف من هذه الأوصاف معروف عند الناس ولكن أنى تقاس صفات الخالق على المخلوق ؟ والمخلوق محدود في ذاته وصفاته ، والخلق سبحانه منزه عن ذلك ، فصفاته مطلقة لا حدود لها كذاته ، ولهذا كان التباين بينه
وبين خلقه في حقيقة الإتصاف بتلكم الأوصاف ، فالمخلوق إن وصف بالعلم فعلمه ليس ذاتيا ، ولذلك يتدرج في تحصيله إن كان كسبيا ، ويأخذ في النمو والزيادة باجتهاده مع توفيق الله له ، ولئن كان ضرورياً فإنه أيضــًا حادث كحدوث الكسبي ، وإنما الأصل فيه الجهل كما يُنبئ به قوله تعالى : {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً }النحل78،ومهما يكن مقدار علمه فإنه لا يعدو أن يكون
قطرة في خضم جهله ، وقد يتحول من العلم إلى الجهل لنسيان أو ضعف كما هو بيِّن في قوله تعالى : { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً }النحل70 ، ومثل ذلك يقال في قدرته وسائر صفاته .
هذا ، ومن بين هذه الصفات ما يستحيل أن يكون وصف الله تعالى به على نحو ما هو معهود في خلقه كالرحمة ، فإن رحمة المخلوق بالمخلوق هي انفعال نفسي يبعث على اللطف والإحسان ، والله يجب تنزيهه عن ذلك لأنه : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }الشورى11، وهذا مما يدخل في المتشابه ، وكذلك وصفه تعالى بالصبر والشكر فهو بعيد عن نحو ما هو مألوف في الإصطلاح البشري ، لأن صبر المخلوق هو
توطين النفس على إحتمال ما يشق عليها ، والشكر هو إعتراف المُنعَم عليه بنعمة المُنعِم والقيام بما يجب عليه تجاهه ، وكل من ذلك مستحيل على الله عز وجل ، فإنه منزه عن كونه مشقوقا عليه أو أن تكون لأحد نعمة عليه ، فإنه وحده باسط النعم وكل من عداه فهو منعم عليه ، لذلك كان وصفه سبحانه
بمثل هذا ما يدخل في باب التشابه ويجب رده إلى المحكم كقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }الشورى 11 , وقوله : {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }الإخلاص4 , وهذا هو الأصل في فهم جميع معاني صفاته تعالى ، إذ يجب نفي التصور عند وصفه سبحانه بالسمع إن يكون سمعه كسمع مخلوقاته في الإضطرار إلى آلات السمع وإنتقال الأصوات إليها عبر الذبذبات الصوتية ، وكذلك نفي مثل هذا التصور عندما
يوصف بالصبر ، فإن إبصاره إنعكاسا لصور الأجسام عبر الذبذبات الضوئية في العين الباصرة ، وما يتبع ذلك من إنتقال هذه الصور إلى مركز الحس - الدماغ – بواسطة الأسلاك المخصصة لذلك ، فإن الله منزه عن ذلك كله ، وهو منزه عن الأبعاض والكيفية وكل ما هو معهود في خلقه ، وإنما يجب القطع بأن إتصافه سبحانه بإي معنى من هذه المعاني هو اجل وأعظم مما يخطر بنفس العبد.
ابو فؤاد
27/01/2005, 08:53 AM
9 – التدرج في هداية الناس وإنقاذهم من الحيرة : فإن العقول البشريه قاصره عن إستيعاب الحقائق من أول وهله ، وفلو قيل للناس من أول الأمر بأن إثبات الصانع الحكيم إثبات لحقيقة مخالفة لكل ما هو معهود عندهم من الحلول في الأمكنة والتبغض والإحاطه وغير ذلك من صفات الخلق لربما نفرت من ذلك طباعهم ونبت عنه أفهامهم ، بحيث
يتصورون أنه نفي مطلق فيقعون في الجحود ، فلذلك خوطبوا وحسب ما هو مألوف عندهم مع تبيان المراد بذلك من خلال أنزله الله تبارك وتعالى من الآيات المحكمات ، فإنهم بإستنارتهم ببصيرة العقل ورجوعهم إلى أم الكتاب تستبين لهم الحقيقة ويتجلى لهم ما كان غامضا على أفهامهم كما أفاد ذلك الفخر الرازي .
ثم إنه سبحانه بين انقسام الناس في المحكم و المتشابه بالنص على من اتبع المتشابه حيث قال : ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه ) ، ومفهوم ذلك أن الذين هداهم الله إنما يأخذون بالمحكم ويردون المتشابه إليه لأنهم علموا أن المحكم هو : { هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}آل عمران7 ، فيجب الإستمساك به ويحمل المتشابه على ما لا يخالفه حملا للكلام على أحسن وجوهه ومراعاة لما يقتضيه من الدلالة على القصد تارة بالحقيقة وأخرى بالمجاز .
والزيغ هو الميل ، ومنه زاغت الشمس ، وزاغت الأبصار ، يقال : زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد وقد شاع إستعماله في الميل عن الصواب ، ومنه قوله تعالى : ( َفلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) الصف ـ الآية 5، قال القرطبي: وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة ، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران " (1).
ثم بين أحوال المتبعين للمتشابه ، فحكى عن شيخه أبي العباس قوله : مُــتَّـبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويُجملوه طلبًا للتشكيك في القرآن كما فعله الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن ، أو طلبًا لإعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المُجسِّمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية ، حتى إعتقدوا أن الباري تبارك وتعالى جسم مجسم وصورة مُصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع تعالى الله عن ذلك ، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها ، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر السؤال ، فهذه أربعة أقسام :
الأول : لا شك في كفرهم ، وإن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة .
الثاني : الصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين من عَّاد الصور ، ويستتابون فإن تابوا وإلا قُتلوا كما يُعل بمن يرتد .
الثالث : اختلفوا في جواز ذلك بناءًا على الخلاف في جواز تأويلها ، وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم بإستحالة ظواهرها ، فيقولون أمروها كما جاءت ، وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مُجمل منها .
الرابع : الحكم فيه بالأدب البليغ كما فعله عمر بصبيغ .
قلت : لا ارتياب في ضلال وكفر كل من أثار شبهة حول القرآن وطعن فيه ، إذ لا فرق بين أولئك وبين قول من قال : { مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}الأنعام91، وعليه فكل من تتبع متشابهاته لأجل القدح فيه وإثارة الريبة في قلوب ضعفاء الأمة هو في عداد الكفار المشركين ، ولا صلة له بالأمة قط ، فلا تجوز مناكحته ولا موارثته ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، ويطبق عليه حد الإرتداد وهو القتل ولكن بعد إستتابته على الراجح .
وأما المُجسمة فهم أيضًا ضالون مضلون إذ لا فرق بينهم – من حيث المنهج – وبين النصارى الذين استدلوا لضلالهم بما أخبر الله عز وجل به في المسيح عليه السلام أنه كلمة الله وروح منه ، فإن هؤلاء أيضًا تعلقوا بنحو قول الله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }الفتح10، وقوله : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }القصص88، وقوله : { يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ }الزمر56، وقوله : {وَجَاء رَبُّكَ }الفجر22، إلى غيرها من الآيات المتشابهات في إثبات مُعتقدهم الباطل أن الله جسم مُبعض ذو أعضاء ، وأنه ينتقل من مكان إلى آخر ، بل بالغوا في وصفه تعالى بصفات خلقه حتى عزوا
إليه النسيان وغيره من صفات النقص متمسكين بقوله تعالى : { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ }التوبة67،ومعرضين عن قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً }مريم64، وقوله فيما حكاه عن موسى عليه الصلاة والسلام : { لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى }طه52، وإما اختلفت الأمة في خروجهم بما قالوه من ملة الإسلام والحكم عليهم بأحكام أهل الشرك وعبدة الأوثان ؛ بحيث تحرم مناكحتهم وموارثتهم
والصلاة على موتاهم ودفنهم في مقابر المسلمين ، فذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى الحكم عليهم بذلك ، وهو الذي عوَّل عليه شيخ القرطبي أبو العباس فيما تقدم نقله عنه ، غير أن جمهور أصحابنا رحمهم الله –لما عرفوا به من الإحتياط من الدين – راعوا أن أولئك متأولون في ضلالهم ، فهم ليسوا كمن قصد نبذ القرآن ومصادمة نصوصه ، لذلك لم يُخرجوهم من الملة ، وإنما قصارى ما حكموا عليهم به
أنهم أهل زيغ وضلال فهم كفار نعمة لا كفار شرك ، وهذا الذي عوَّل عليه الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل - رحمه الله تعالى - من علمائنا في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الهجريين – فيما كتبه إلى أهل عمان وأهل حضرموت في المسائل التي وقع الخلاف فيها بينه وبين هارون اليماني - .
وسُئِل المحقق الخليلي – رضوان الله عليه – عن تشريك هؤلاء المُشبهة فأجاب بقوله : " إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله فإنه موضع الإهلاك والهلاك " (2) .
هذا ، وأما الفريق الثالث فإنه لم يحد عن الحق إذ لم يحمل هذه الآيات الكريمة إلا على محاملها التي يقتضيها اللسان العربي وتوحي بها دلائل القرآن نفسه ؛ إذ القرآن الكريم – كما سيأتي بيانه إن شاء الله – أوحاه الله بلسان عربي مبين ، وفي هذا اللسان الحقيقة والمجاز ، وليس تأويل تلكم الآيات المتشابهات بما يتفق مع أمهاتها المحكمات وما تحتمله اللغة وتقتضيه دلائل العقل والنقل خروجًا عن هذا النهج السليم ،ولا يسلم أن السلف كانوا على غير ذلك ، وكيف وقد رُويَ عنهم تأويل كثير من
المتشابهات ، وعلى رأس السلف الصالح جميعًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفسه علمنا التأويل للمتشابه فيما يحكيه عن الله عز وجل كما في صحيح مسلم من طريق أبي هريرة مرفوعًا : أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ! قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟! قال : أما علمت أن عبدى فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني ! قال : يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟! قال : أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني ؟ قال: يارب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي .
فأنتم ترون كيف جاء هذا الحديث الشريف بتعليم التأويل للمتشابه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم حاكيًا له عن الله عز وجل ، فإن الله تعالى في خطابه لعبده أسند إلى نفسه ما حل بعبده من المرض وما كان منه من الإستطعام والإستسقاء ، وهو تعالى منزه عن عُــرضة للمرض أو لأي عارض يتنزل بالخلق ، كما أنه منزه عن استطعام أحد أحد أو استسقائه لغناه عن الطعام والشراب ، وإستغنائه بذاته عن جميع مخلوقاته ، ولكن إنما كان إسناد ذلك كله إلى نفسه بسبب ما لعبده من مكان
عنده ، وما للإحسان إلى عباده من قدر عظيم يحظى به المحسن عندما ينقلب إلى ربه ، وسيأتي إن شاء الله بيان أن كثيرًا من الآيات والأحاديث المتشابهة أوَّلها السلف بما يتفق مع تنزيهه تعالى عن الشبه بخلقه ، وإنما سكتوا عن أشياء لعدم الحاجة إلى تأويل معناها في زمانهم ، فإن السواد الأعظم منهم كانوا عربًا أقحاحًا عارفين بمضامين الكلام العربي ومدركين لقرائنه التي يخرج بها عن حقيقته إلى مجازه ، فلذلك لم يكونوا بحاجة إلى أن ينصوا على تأويل كل متشابه .
وهذا لا ينافي أن الواجب فيمن أشكل عليه تأويل شيء أن يقف عنه ويكل علمه إلى الله تعالى لحرمة التقول على الله بغير علم فقد قال الله تعالى : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ }الإسراء36،وقال : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }الأعراف33.
------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ،ج4 ص13. ط . دار التراث العربي – بيروت – لبنان
(2) تمهيد قواعد الإيمان ج1 ص224 ، ط. وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان
ابو فؤاد
27/01/2005, 10:09 PM
وأما كثرة السؤال عن المُتشابه فقد تؤدي إلى اللبس والإرتياب عند كثير من الناس لاسيما الجهلة والعوام ، فلذلك كان حريَّــًا بمن كان ذلك منه أن يزجر أو يُؤدب كما روي عن عمر – رضي الله عنه – في صبيغ ، وحكى القرطبي في تفسيره عن أبي بكر الأنباري قوله : وقد كان الأئمة من السلف
يُعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المُشكلات في القرآن الكريم ، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير ، وإن لم يكن ذلك مقصده ، فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب ، إذ أوجد للمنافقين المُلحدين في ذلك الوقت سبيلاً إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل ، وحقائق التأويل ، فمن ذلك ما
حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي : أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ ابن عسل قدم المدينة ، فجعل يسأل عن مُتشابه القرآن وعن أشياء ، فبلغ ذلك عمر – رضي الله عنه – فبعث إليه عمر فأحضره ، وقد أعدَّ له عراجين من عراجين النخل ، فلما
حضر قال لع عمر : من أنت ؟ فقال : أنا عبدالله صبيغ ، فقال عمر – رضي الله عنه - : وأنا عبدالله عمر ، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فأشجَّه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين ، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي (1 ).
وقد اختلفت الروايات في أدبه كما أفاد القرطبي ، وأفاد أيضــًا أن الله تعالى قد ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته " (2 ) .
---------------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي ، مرجع سابق ص14،15.
(2) المرجع السابق .
ابو فؤاد
29/01/2005, 11:13 AM
والمراد بإتباعهم المتشابه أخذهم به في الإستدلال وإعراضهم عن المُحكم كما كان من نصارى نجران ومثله صنيع المُشبهة ، ويشمل ذلك تتبع ما تشابه من الآي لأجل إثارة الشكوك في نفوس الضعفاء ، وتأويل أي شيء من القرآن بما لا يتفق مع مراد الله تعالى كتأويل القرامطة – أخزاهم الله تعالى –
عندما دخلوا مكة قوله تعالى في الحرم : { وَمَن دَخَلَهُ كَان آمِناًَ}آل عمران97،على معنى الخبر لا التشريع ، فكانوا يقولون : وأيُ أمن هنا ؟ ابتغاء فتنة المؤمنين وصدهم عن الحق ، وهكذا ما يصدر من أهل الكفر والأهواء من صرف معاني القرآن الكريم عن مراد الله تعالى .
وقد ذُُمَّ تأويلهم لزيغه عن النهج السوي ، وقصد السوء من ورائه ، وهذا لا يشمل كل تأويل المُتشابه ، فلا يندرج فيه التأويل المبني على أُسس ثابتة من منهج القرآن ولغته التي خُوطب بها الناس ، فإن هذا هو تأويل الراسخين في العلم .
ابو فؤاد
29/01/2005, 11:15 AM
اختلف السلف والخلف قرّاء ومفسرون هل الراسخون في العلم معطوف اسم لفظ الجلالة أو أنه مُستأنف ؟ فالذين ذهبوا إلى العطف قالوا أنهم- الراسخون في العلم- على علم بتأويل المُتشابهات ، فإن الله تعالى آتاهم من الفهم والإدراك ما أهلهم لأن يكونوا عالمين بمعانيها ، وقد شرَّفهم الله تعالى فعطفهم على نفسه كما فعل في قوله : {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ }آل عمران18، إذ عطف الملائكة وأولي العلم على نفسه في الشهادة لنفسه بالوحدانية ،
والقائلون بخلاف ذلك ذهبوا إلى أن الله وحده هو العليم بمعاني هذه المُتشابهات ، وأولئك الراسخون في – لرسوخ أقدامهم في المعرفة – قد أدركوا عظم هذا الأمر فما كان منهم إلا الإعلان بإيمانهم بكل ما أنزل الله سبحانه وتعالى في مُحكم ومتشابه أنه منه ، وهذا لأنهم بما نوَّر الله به بصائرهم وألهمهم من العلم أدركوا عظم شأن الكتاب العزيز وأنه لا يمكن أن يُحيط بما اشتمل عليه من العلوم إلا الله تعالى وحده .
ابو فؤاد
29/01/2005, 11:16 AM
والقول الأول مروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال : ( أنا ممن يعلم تأويله ) وروي عن مُجاهد والربيع بن سليمان أنهما قالا : والراسخون في العلم يعلمون تأويله ، ويقولن آمنا به . وروى مثله عن محمد بن جعفر بن الزبير ، وأتبع ذلك قوله : ثم ردوا تأويل متشابهاته على ما عرفوا من تأويل مُحكماته التي لا تأويل لأحد
فيها إلا تأويل واحد ، فاتسق بقولهم الكتاب وصدَّق بعضه بعضا ، فنفذت به الحُجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودمغ به الكفر( 1).
وحُكِي هذا القول عن القاسم بن محمد ، وبه قال ابن فورك وعُزِيَ إلى
---------------------------------
(1)تفسير ابن جرير جامع البيان عن تأويل آي القرآن ج3 ص 1183، ط.دار الفكر.
ابو فؤاد
29/01/2005, 11:18 AM
الشافعية ، وعوَّل عليه الزمخشري ( 1) ، وهو الذي يُفهم من كلام أبي السعود ( 2).واختاره ابن عطية (3 ) ، وابن عاشور (4)، وحكاه القرطبي عن شيخة أبي العباس (5).
والقول الثاني مروي أيضًا عن ابن عباس – رضي الله عنهما - ، وهو مروي عن ابن مسعود وعائشة والحسن وعروة وعمر بن عبدالعزيز وأبي تُهيك الأسدي ومالك بن أنس والكسائي والفرَّاء والجبائي والأخفش وأبي عبيد ، واختاره الخطابي والفخر الرازي ، وعليه عوَّل قطب الأئمة –رحمه الله تعالى – في الهميان.
ولكل واحد من الفريقين استدلال لما ذهبوا إليه ، فالقائلون بالعطف
--------------------------------------------
(1) الكشاف ج1ص338.ط. دار الكتاب العربي .
(2) تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم
ج2ص8، ط. دار المصحف.
(3) تفسير ابن عطية ج3ص26،27.
(4) التحرير والتنوير ج3ص164،165.
(5) تفسير القرطبي ج4 ص 18.
ابو فؤاد
29/01/2005, 11:19 AM
استدلوا بأن هؤلاء الراسخين في العلم لو لم يكونوا على معرفة بمعاني المُتشابهات لكانوا متساويين في ذلك مع غيرهم ، وفي أي شيء رسوخهم
إن لم يكونوا يعلمون إلا ما يعلم الجميع ؟ وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام وموارد الأحكام ومواقع المواعظ ، وذلك كله بقريحة مُعدَّة ، فالمعنى : وما يعلم تأويله على الإستيفاء إلا الله والقوم الذين
يعلمون منه ما يمكن أن يُعلم ، يقولون في جميعه : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}آل عمران7، على أنه لا يلزم أن يكون أولئك الراسخون قد أحاطوا بعلم المتشابه ،فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض ، قالوا آمنا بالجميع{ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}آل عمران7 ، وما لم يحط به من علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا .
ابو فؤاد
31/01/2005, 01:00 PM
فإن قال قائل : قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس : لا أدري ما الأواه . ولا ما الغسلين ، قيل له : هذا لا يلزم ؛ لأن ابن
عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه ، وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا ، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر (1 ).
وأيد هؤلاء ما ذهبوا إليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن عباس : اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل " (2) .
واستدل القائلون بعدم العطف وأن المتشابه يعلمه الله وحده بالعديد من الأدلة ، منها أن صرف الألفاظ إلى غير معانيها المتبادرة لا يتأتى إلا بحملها على المجاز ، وفي المجازات كثرة ، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، وهي لا تفيد إلا الظن الضعيف ، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز (3).
--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي ج4 ص 18 .
(2) المرجع السابق
(3) التفسير الكبير للفخر الرازي ج7 ص176 .
ابو فؤاد
31/01/2005, 01:01 PM
ومنها أن الله ذم الذين يبتغون تأويله ، والمذموم عند الله غير جائز ، ولا يُحمل الذم على تأويل المُتشابهات دون بعض لأنه ترك للظاهر (1 ).
ومنها أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، وهو يتفق مع قوله : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ }البقرة26، وهذا المدح يُؤذن بأنهم لم يكونوا عارفين بتفصيل ذلك ، فإن كل من عرف شيئًا على سبيل التفصيل لابد لم من الإيمان به(2 ).
قلت : وهذا غير مُسلَّم فإن كثيرًا من الكُفار المعاندين يجحدون ما استيقنته أنفسهم كما قال تعالى في معرفة فرعون وآله بالآيات التي جاء بها موسى عليه السلام : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }النمل14، وقال في معرفة اليهود بالنبي : { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ }البقرة146، واستدلوا أيضًا بأنه لو كان الراسخون في العلم معطوفًا
-------------------------------------
(1) المرجع السابق ص177.
(2) المرجع السابق .
ابو فؤاد
31/01/2005, 01:03 PM
على اسم الجلالة لَلَزِم منه أن يكون الله تعالى قائلاً معهم : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}آل عمران7 ؛ لأن الحال بعد المعطوف والمعطوف عليه شامل لهما ، ولا يخفى على أحد استحالة أن يكون الله قائلا ً ذلك (1 ).
وتعقب الشوكاني هذا الإستدلال بأنه غير لازم ، فإن مجيء حال للمعطوف دون المعطوف عليه جائز في اللغة العربية ، وقد جاء مثله في الكتاب العزيز منه قوله تعالى : (( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{8} وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{9} وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ{10})) ، وكقوله : {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }الفجر22 ، أي وجاءت الملائكة صفًا صفًا
-------------------------------------
(1) المرجع السابق
ابو فؤاد
31/01/2005, 01:05 PM
غير أنه قال بعد هذا : ولكن ها هنا مانع آخر وهو تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به ، فإن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على الإسم الشريف يعلمونه في كل حال من الأحوال لا في هذه الحالة الخاصة ، فاقتضى هذا أن جعل قولله يقولون آمنا به جالا ً غير صحيح ، فتعين المصير إلى الإستئناف والجزم بأن قوله تعالى : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ }آل عمران7 مبتدأ خبره يقولون (1).
قلت : ويدرأ هذا المانع بأمرين :
أولهما : أن يُحمل القول هنا على معنى الإعتقاد ؛ فإنهم لا يمدحون بهذا القول وحده ، وإنما يُمدحون بإتصافهم بمضمونه وهو إعتقادهم الإيمان به ، وأن كلا من عند الله ، ونحو هذا قوله تعالى : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " فإن المطلوب منه لا مجرد القول ذلك بل إعتقاده في قرارة نفسه
----------------------------------------
(1) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ج1 ص286، ط. مصطفى البابي الحلبي .
ابو فؤاد
31/01/2005, 01:06 PM
وقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي نصحه : " قل آمنت ثم استقم " (1 ) ، وإنما من شأن الإنسان أن يُعبر عما في قرارة نفسه من الإعتقاد ، ويمدح ويذم على اعتقاد الحق أو الباطل ولو لم يصحبه قول ، ولكن كثيرًا ما يعبَّر عنه بالقول كما في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام الربيع –
رحمه الله - : " أصبح من عبادي مؤمن وكافر ؛ فأما من قال مُطرنا بفضل الله وبرحمته ، فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب ، وأما من قال مُطرنا بنَوءِ كذا وكذا ، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكواكب " (2) ، فإنه من المعلوم أن اعتقاد ذلك كافٍ في جعل المُعتقد مؤمنًا بالله أو بالكواكب ولو لم يصحبه قول .
ثانيهما : حمل قوله تعالى : { يَقُولُونَ}آل عمران7 ، على أنه استئناف بياني جاء جوابًا لسؤال مُقدّر ، كأنه قيل : ما هو شأن الراسخين في العلم وقد علموا معاني هذه المتشابهات ؟ فأُجيب بذلك .
-------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب جامع أوصاف الإسلام (38) .
(2) أخرجه الإمام الربيع في باب الشرك والكفر (62)
جني عمان
31/01/2005, 05:16 PM
شكرا لك على المجهود الرائع :)
ابو فؤاد
01/02/2005, 09:46 AM
هذا وكون القرآن الكريم كله هدى كما وصفه الله بقوله : {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }البقرة2، وقوله : { هُدًى لِّلنَّاسِ}البقرة185 ، وقوله : {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ }لقمان3، وقوله : {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }النمل2، مؤذن بأنه جميعًا مفهوم للناس ؛ إذ لا يمكن أن يهتدوا إلا بما كان مفهومًا عندهم ، على أن المشركين الذين واجهوا القرآن بالتكذيب والصد كانوا يحرصون على وجود أي شبهة فيه
يمكنهم من خلالها أن ينفذوا إلى ما يطمحون إليه من الطعن فيه ، فسكوتهم عن الإعتراض عليه من هذه الناحية مؤذن بأنهم كانوا – لمعرفتهم ببيانه – على فهم مقاصده ، وإلا لأثاروا الدنيا استنكارًا لعباراته المستعصية على الأفهام ، ومع هذا كله فإنني لا أرى الخلاف بين الطائفتين واسع الشُّقة في هذا ، فإن لكل واحد من القولين وجهًا وجيهًا في الحق ، فهناك أمور تضمنتها آيات القرآن ، يجب علينا
أن نؤمن بها ، ولكن لا تمكن معرفتنا بها تفصيلا ً وإنما نقف فيها عند حدود الإجمال ؛ لأن تفاصيلها من أسرار الله في خلقه كميقات الساعة وعظم هولها ومقادير ثوابه لأوليائه وعقابه لأعدائه ، فهذا كله مما يدخل في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ، وبجانبها أشياء أخرى تضمنتها آيات أخرى من الكتاب العزيز وهي معدودة في المتشابهات قطعًا ولكن بإمكان اللبيب المُوفق أن يصل إلى معانيها وذلك بإتقانه
اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم ، واستمساكه بمحكماته التي ترجع إليها تلكم المتشابهات ، ويندرج في هذا القسم ما أوهم ظاهره معنى لا يجوز على الله تعالى ، وقد نحا هذا المنحى في تقريب هذين الرأيين بعضها من بعض ابن عطية ، حيث قال : " وهذه المسألة إذا تُأمِّلت قرب الخلاف فيها من الإتفاق ، وذلك أن الله تعالى قسّم آيُ الكتاب قسمين مُحكمًا ومُتشابهًا ، فالمُحكم هو المتضح المعنى
لكل من يفهم كلام العرب ، لا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شيء يلبس ويستوي في علمه الراسخ وغيره ، والمتشابه يتنوع فمنه ما لا يُعلم البتة كأمر الروح وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك ، فيُتأول ويعلم تأويله المُستقيم ، ويزاد ما فيه مما عسى أن يتعلق فيه من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى : { وَرُوحٌ مِّنْهُ}النساء171، إلى غير ذلك ، ولا يُسمى
ابو فؤاد
01/02/2005, 09:48 AM
أحد راسخًا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرًا بحسب ما قدر له ، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخًا (1 ) .
وقد قارب الشوكاني هذا الذي أشرنا إليه في تحريره خلاف أهل العلم في هذا الحديث حيث قال : واعلم أن هذا الإضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه اختلاف أقوالهم في تحقيق معنى المُحكم والمُتشابه ، وقد قدمنا لك ما هو الصواب في تحقيقهما ، ونزيدك هنا إيضاحًا وبيانا ، فنقول : إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدمناه في فواتح السور ، فإنها غير متضحة المعنى ولا
ظاهرة الدلالة لا بالنسبة إلى نفسها لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب ويعرف عرف الشرع معنى : {الم }البقرة1، {المر}الرعد1 ، {حم }غافر1، {طس}النمل1،{طسم }الشعراء1، ونحوها ، لأنه لا يجد بيانهًا في شيء من كلام العرب ولا من كلام الشرع ، فهي غير متضحة المعنى لا باعتبارها نفسها ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويُوضحها
-------------------------
(1) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز ج3 ص25و26
ابو فؤاد
03/02/2005, 03:31 PM
ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم والألفاظ الغريبة التي لا يوجد في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يوضحها ، وهكذا ما استأثر الله بعلمه كالروح وما في قوله : {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }لقمان34،ونحو ذلك ، وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا بإعتبار نفسه ولا بإعتبار غيره
ابو فؤاد
03/02/2005, 03:31 PM
الأخوة الكرام ، لقد قمت بطباعة الجزء الذي ذُكر أعلاه ، وكنت أريد أواصل كتابته إلى قدر ثلث الكتاب ، إلا أنني بسبب بطئي في الكتابة ، حيث أن الصفحة أستغرق في كتابتها من 8 إلى 12 دقيقة ، فقررت بأنه الأسهل والأيسر أن أقوم بنسخ الصفحات عن طريق الماسح الضوئي ، فأكملت ثلث الكتاب ، وكنت قد طرحت موضوع من يريد صدقة جارية فليتفضل وهو عبارة عن المساعدة في طبع الكتاب واشترك معي اثنان وكان التوزيع ثلث الكتاب لكل شخص - ولا أدري أين وصل الأخوة في الكتابة وهل بدأوا فعلاً -
على العموم خلال الإسبوع القادم سأقوم بوضع وصلة لرابط فيه ثلث الكتاب وفيه 57 صفحة التي قمت بكتابتها في الوورد والباقي بالسكانر إلى صفحة 134 من الكتاب علمًا بأن الكتاب يحوي 400 صفحة
فانتظروا ثلث كتاب جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل الجزء الخاص قريبًا على الشبكة - إن شاء الله - .
الكتاب سيكون ليس في الوورد ولكن ببرنامج PDF
وربما سأضع الجزء الذي قمت بكتابته في الوورد برابط خاص به ليس بPDF ولكن في الوورد ليسهل منه النقل والإفادة
ابو فؤاد
16/02/2005, 09:51 AM
الأخوة الكرام تفضلوا هنا رابط ثلث الكتاب
http://www.geocities.com/smile_firehell/
:شيطان:
ومعذرة على التأخير وعلى عدم وضوح بعض الصفحات :D
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.