المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : حــــــوار العقــــــل أم حــــــوار الهـــــوى؟


سراب الغريب
01/01/2005, 01:09 AM
حوار العقل أم حوار الهوى؟

عــادةً ما تكثر النقاشات حول بعض المسائل الشرعية لتحولها إلى نقاش عقلي محض، ويظهر ذلك جلياً عند الفئة التي تؤمن بعقلها في المقام الأول ودينها في المقام الثاني، أي أنهم يرضِخون النصوص والأحكام الشرعية " للتقييم " العقلي من أصغر وأدق جوانبها، وكأنهم يحاسبون الله لماذا فرض لنا هذا ؟

و للدخول في هذا الموضوع علينا أن نُسلم بأن الشريعة لا تمثل بورصة تجارية تستدعي التقييم خشية الإفلاس أو الفقر أو نزول معدل الأرباح السنوية، بل إن الشريعة هي رضوخ تام للأوامر الإلهيـة ظهرت لنا حكمتها أم لم تظهر ..

وحتى لو تغلفت السمات العامة لهؤلاء العقلانين بغلافٍ إسلامي فإن في قرارة ذاتهم شكٌ في كل أمر قرآني وفي كل سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم .. ودليل ذلك أنهم يغيرون القواعد العامة في الدين ( أو على أمل أن تتغير في المستقبل) لتوائم الرغبات الذاتية أو سوق العمل أو مقتضايات الإنفتاح والعولمة ..

قد يتوهم البعض بأن الإسلام غير قادرٍ على الرد لأسئلتهم العقلية اتجاه بعض الأوامر الإلهية، مستندين في ذلك إلى إفحامهم لبعض من أحبوا الإلتزام غير أنهم لم يتمكنوا بعد من فقهه وعقيدته والإلمام به .. ولن يضير إن تمكنوا من الحصول على إجـابةٍ شافية لأسئلتهم أم لم يتمكنوا، لأن القاعدة التي ينطلقون منها هي " ما لم يوافق هواي فهو لا يوافق عقلي، وما لم يوافق عقلي فهو رد !" ، غير أن المسلم الحقيقي دائماً ما يردد في قرارةِ ذاته قول الله تعالى: " وما كانَ لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ و رسولهُ أمراً أن يكونَ لهم الخِيَرةُ من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينـا " ..

إذاً فنقطة الإلتقاء الفكري شديدة البون بين المتحاورين في هذه الحالة، وأعيـز ذلك إلى ضعف الإتصال العقلي بفلسفة الإسلام ومفهومه وحكمته، لأن الإسلام في كثيرٍ من عقول المسلمين وراثةً تقليدية تستدعي " التحديث " بما تحمل الكلمة من معناً، وتلك هي ترسبات النقاشات الغير متكافئة بين المسلمين وغيرهم عند سفرهم للخارج أو عند اصطدامهم بأول نقاش فكري مخالف ..

ويأتي تدارك مثل هذه المسائل في وقت متأخرٍ للغاية، في حين لا يمكن تداركها بعد فوات الأوان، فالتنشئة والدافع الذاتي للبحث وضخ العلماء للمفاهيم الإسلامية العقدية كلها اشتراطات لإيقاف مثل هذا الانجراف نحو العقل المسيس بالهوى ..

وأحب هنا أن أبين أن الإسلام ليس ديناً غامضاً يؤمن أهله بما لم يفقهوا، وأؤكـد بأن الإسلام بعيدٌ عن المركزية الأرضية وتدليس الهوى كما هو حاصلٌ في بعض الأديان الأخرى وحتى السماوية المحرفة منها، وليس الإسلام بدين صوامع لا يتدخل في حياة الإنسان خارج إطاره ..

ولكن رغم ذلك فإني أجزم بأن الكثير ممن يرددون هذه العبارات الآنفة- كما أرددها- لا يدركون كيف يكون الإسلام " دين حيـاة " بمعنى الكلمة، لأننا لم نبدأ في قراءة الإسلام بشكل واقعي في الحياة، لأننا لم نقرأ الإسلام إلا من زاوية التكرار وليس من زاوية الفهم والإدارك .. وآسف بأننا تركنا الشريعة الاسلامية يشيد بها و بخصالها وبجمالها المستشرقين والفلاسفة والمطلعين عليها ..

ومع أنني أرى بأن العقلانيين ممن انتسبوا إلى الإسلام ظاهراً – والله حسيبهم باطناً وظاهراً- لا يريدون إدراك الأجوبة الحقيقية لأسئلتهم حول بعض أحكام الإسلام، لأنهم يخشون أن يصطدم التشريع مع الهوى " أم يخافون أن يحيف الله عليهم و رسوله " !؟ غير أني أقدم دعوةً إلى جميع من يحمل في ذاته نوعاً من أنواع التحكيم العقلي للشريعة بأن يحملوا في ذهنيتهم العقلية أموراً عدة منها :-

1- أن الله مطلعٌ على ما في السرائر وأنه يعلم إن كان حوارهم في سبيل الحق أم في سبيل الهوى والرغبة . ( وهذا هو مقياس النجاح أو الفشل في الآخرة )
2- أن الحوار البنَّاء – خاصةً في الأمور العقدية - لا يكون مع أصحاب العلم الضحل، أو غير المتمكنين علمياً وفقهياً وعقدياً .. بل عليهم إنتقاء الشخصية التي سيحاورها ..
3- الأصل بأنكم أنتم المحتاجٌ إلى الإجابة الشافية وليس الإسلام، وبالتالي أنتم تطلبون من المتحاورين أن ينيروا طريقكم لا أن تفحموهم ( ذلك إن كنتم تبغون الحق! )
4- أسلوب الجهالة ورفع الصوت ومحاولة " التغابي " وصرف النظر عن النصوص لتأتي إلى الحياة الشخصية للمحاور وإقحام مسائل جديدة عن موضوع الحوار كلها دلائل على عجز حجتكم ونقصٍ في شخصيتكم الإسلامية وبالتالي أنتم تُبع لهواكم ولا تبغون الحقيقة كما أسلفت ..
5- تأكد أن من أهمل مادةً من الشرع أحوجه الله إليها يوماً ما .. وأن الإسلام كلٌ لا يتجزأ ، إما أن تقبله كله أو ترده كله ..
6- بعض التصرفات السلبية التي تصدر عن من وسموا بالإستقامة- غير أنهم لم يصيبوا طريقها الصحيح -لا تمثل الإسلام بل تمثل أنفسهم فقط فلا يعتبرها العقلانيون حجةً يستندون بها في حوارهم ضد الإسلام ..
7- حــدد في ذاتك هـدف الحوار والسؤال، وكن صادقاً بينك وبين نفسك لأن ذلك أفضل أسلوب لنجاح الحوار بين عقلك و هواك قبل أن يكون حوراً بين عقلك والشريعة الإسلامية ..

تحياتي ،،

جني عمان
01/01/2005, 03:20 PM
موضوع جيد

شكرا لك :)

سراب الغريب
01/01/2005, 11:40 PM
بارك الله فيك أخي جني عُمان ،،

يبدو أنه لم يرق لغيرك ;)