المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : حرية الدين فى الإسلام


Ibadhiah
18/12/2004, 02:50 PM
حرية الدين فى الإسلام .. والواقع المصري مثالاً
نبيل عبد الملك *

حرية الدين فى الإسلام
أجمع علماء المسلمين على أن القرآن والسنة هما المصدران الإساسيان للشريعة الإسلامية، ومع ذلك فمن العلماء من وضع القرآن فى مقام أعلى من مقام السنة، بإعتباره وحي من الله الخالق، بينما السنة هي أقوال وأعمال صادرة عن محمد (الرسول) عبد الله، فى حين أن طائفة أخرى من العلماء ساوت بين القران والسنة فى المقام والسلطان الديني وغير الديني.

وبعيداً عن الجدل حول سلطان السُنة فى حياة المسلمين، ومدى صحة كل ما نُسب منها إلى محمد، يكفى أن أشير إلى أن هناك مئات من الأحاديث المنسوبة إليه زورا مما يتعارض مع النص القرآني وروحه. أما فيما يتعلق بحرية الدين تحديداً، فالملاحظ أن القرآن جاء محكماً فى هذه القضية ولم تأت فى السنة أية أحاديث تتعارض مع ماورد فيه، إلا حديث واحد بني على أساسه الرأي القائل بإعدام المرتد، و هو حديث رواه ابن عباس في هذه الكلمات:"من بدل دينه فاقتلوه". وهي نفس القراءة التي سجلها البخاري في صحيحه: "كتاب الجهاد في استتابة المرتد".

كما أخرج الطبراني، فى "معجمه الوسط"، نفس الحديث عن السيدة عائشة، وأخرجه في "معجمه الكبير" عن راوي آخر هو معاوية ابن حيدة، ولكن بقراءة مختلفة:"من بدل دينه فاقتلوه؛ إن الله لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه". ولقد أوضح الطبرانى أن الجزء الأخير من هذه القراءة يتعارض مع نصوص القرآن ،كما أنه غير موثوق به.

وعلى الرغم من أن الحكم بقتل المرتد قد ورد فى هذا الحديث "الأحد"، والذى ثار حوله الجدل والشكوك، فقد تعلق به المسلمون على مدى مئات السنين، وحتى إلى وقتنا الحاضر، متغاضين عن أكثر من أربعين آية قرآنية تؤكد بوضوح قاطع على هذه الحرية المطلقة، كما أنها لم تفرض حكماً أو عقوبة على أى مسلم ترك الإسلام إلى دين آخر، أو كفر بالأديان جميعاً، إلا حكم يوم الدين. ومن هذه الآيات القاطعة فى تقرير حرية العقيدة، ما يلى:

{ لا إكراه في الـدين. قـد تبين الرشـد من ألغـىّ فـمن يكفـر بالطاغـوت ويؤمـن بالله فـقـد استمسك بالعــروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } (سورة البقرة، 256).
{ فإن حاجــوك فـقل أســلمت وجـهـي لله ومن اتبعن، وقل للـذين أوتـوا الكتاب والأمّـيّن ء أسـلمتم. فـإن أسـلموا فـقـد اهـتـدوا وأن تولـوّا فـإنمـا عليك البلاغ والله بصير بالعباد } (سورة آل عمران، 20).
{ … ومن ينقلب على عقبيه فلن يّضرّ الله شـيئا وسيجزى الله الشاكرين } (سورة آل عمران، 144).
{ .. وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله غنيا حميدا } (سورة النساء، 131).
{ لكل جعلنا منكم شـرعة ومنهاجـا، ولو شـاء الله لجعلكم أمـة واحـدة، ولكن ليبلوكم في ما أتـاكـم فاســتبقـوا الخــيرات إلى الله مرجعكم جميعـا فـينبئكـم بما كنتم فيه تختلفـون } (سورة المائدة، 58).
بل وتذهب بعض الآيات القرآنية إلى توجيه الرسول بالتزام حدود الرسالة، أى التبليغ، والتذكير، والإنذار، دون أن يسيطر أو يُكره أحدا على الإيمان، أو أن يجعل فى نفسه مكانا للحزن على من يرفض قبول الدعوة، لئلا يكون بذلك من الجاهلين، فنقرأ:

{ ما على الرسول إلا البلاغ، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } (سورة المائدة، 102).
{ يا أيهــا الذين آمنوا، عليكـم أنفسكم، لا يضرّكم مّن ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } (سورة المائدة، 108).
{ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } (سورة الأنعام، 35).
{ وما نرسل المرسـلين إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن وأصـلح فلا خـوف عليهـم ولا هـم يحزنون } (سورة الأنعام، 48).
{ وكذّب به قومك (يا محمد)، وهو الحق. قل لست عليكم بوكيل } (سورة الأنعام، 66).
{ قد جاءكم بصائر ] أي براهين تـهدي للحـق [ من ربكم، فمـن أبصـر فلنـفسه ومن عمى فـعلـيـهـا. ومـا أنا عليكم بحفـيظ }] أي برقـيب أحـصـي أعمالـكـم لمجـازاتكـم [ (الأنعام، 104).
{ ولو شــاء الله ما أشركوا. وما جعلناك عليهم حفيظا. وما أنت عليهم بوكيل } (سورة الأنعام، 107).
{وإن كذبوك، فقل لي عملي ولكم عملكم. أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون } (سورة يونس، 41).
{ ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جمـيعا أ فأنت ]يا محمد[ تُكره النـاس حتى يكونوا مؤمنين } (سورة يونس، 99).
{ولو شــاء رّبك لجعـل النّاس أمّـة واحدة، ولا يزالـون مختلفين، إلاّ من رّحم ربّـك ولذلك خلقهم..} (سورة هود، 118، 119).
{ وما أكثر النّـاس ولو حرصت بمؤمنين } (سورة يوسف، 103).
{ أ فـلم يايئـس ]أي يعلم ويتبين[ الـذين آمنـوا إن لو يشـاء الله لهـدى النــاس جميعـا ... } (سورة الرعد، 31).
{ وقل الحقّ من ربكم، فمن شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكـفر، أنـّا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بها سرادقها ]أي لهبها ودخانها[ } (سورة الكهف، 29).
{ ومـا أنـــت بهـادي الـعمـــى عن ضلالــتهــم. إن تُسمع إلا من يؤمــن بـآياتــنا فـهـم مسـلمون } (سورة النمل، 81).
{ فمن اهتدى فإنــما يهتدي لنفسه. ومن ضل، فـقل إنما أنا من المنذرين } (سورة النمل، 92).
{ إنّـك لا تهـدي من أحببت، ولكـن الله يـهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتديــن } (سورة القصص، 56).
{ ومن كـفر فـلا يحزنك كـفـره، إلينا مرجـعـهم فننبئـهـم بما عملـوا. إن الله عليم بـذات الصدور } (سورة لقمان، 23).
{ نحن أعلم بما يقولـون، وما أنت عليهـم بجبـار. فذكّـر بالقرآن من يخاف وعيد } (سورة ق، 45).
{ فذكّر، إنما أنت مذكّر. لســت عليهم بمسـيطر} (سورة الغاشية، 21، 22).

والجدير بالذكر أن الإمام الشافعي وضع فى كتابه "الرسالة" مبدأ هاما، وهو أنه لا يمكن نسخ أي من الأوامر الواردة في القرآن إلا بواسطة آية قرآنية، وليس بأي شاهد أو سند أقل مكانة. ويعتقد الشافعي اعتقادا جازما بأن سنة النبي لا يمكن أن تقوم بمثل هذا العمل، أي نسخ القرآن، وذلك لأن السنة ذاتها تخضع للكتاب فيما يختص بكل النصوص القرآنية الواضحة والمحددة. أما فيما يتعلق بالأوامر والوصايا المجملة، الواردة في القرآن، فيرى الشافعي أن السُنة يمكن أن تفسرها وتشرحها وتوضحها بتفاصيل إضافية. ولتأييد رأيه هذا، يستشهد الشافعي بالآية :
{ وإذا تتلى عليهم آياتـنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدلّه، قل ]يا محمد[ ما يكون لي أن أبدلـه من تلقائي نفسي، أن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } (سورة يونس، آية 15).

حرية الدين فى الواقع المصري
ولكن، على الرغم من رأى هذا الفقيه العالم، والمؤسس على صريح القرآن، و على الرغم أيضا من كل هذه الآيات الصريحة السابقة، وغيرها، التى تعطى الإنسان الحرية المطلقة لقبول الإسلام أو رفضه، إلا أن المسلمين دأبوا على مر العصور إلى إرهاب غير الراغبين فى البقاء داخل الإسلام بإستخدام حد الردة (أى حكم القتل)، لإرغامهم على البقاء فيه. بل ووصل الحال إلى تكفير كل من يحاول أن يفهم الإسلام أو يفسر بعض مبادئه بشكل يتواكب مع الزمن، وإن لم يتعارض مع روح النص. وهذا ما حصل ليس فقط عبر التاريخ الإسلامي، وإنما فى عصرنا الحديث أيضا، على سبيل المثال، مع المفكر، الدكتور/ فرج على فودة، الذى أُغتيل عام 1992، بعدما صدرت ضده الفتاوى الرسمية بتكفيره، وما حدث أيضا مع الدكتور/ نصر حامد أبو زيد، أستاذ الدراسات الإسلامية، الذى حكمت المحكمة المصرية بتطليقه من زوجته بإعتباره مرتداً*.

وهكذا تُناقض المؤسسات الدينية الإسلامية، وكذلك الحكومات التى تنتهج تلك السياسة، صريح النصوص القرآنية، وهو أمر غريب يضعهم جميعا فى زمرة الكفر بتلك الآيات البينات، بل وتضعهم فى مكانة الله الديان إذ هم عينوا شروط الكفر، واقتصوا من هؤلاء "الكافرين" قبل يوم الدين !!
وإن كانت مصر قد عطلت محاولة تقنين العقوبات الإسلامية ،أو ما يُعرف بالحدود الشرعية، فى أواخر السبعينات من القرن الماضى، ومنها عقوبة الردة، أو عقوبة حرية العقيدة (فى حالة الخروج عن الإسلام)، إلا أنها صارت تطبق المادة 98 ( أ) من قانون العقوبات الوضعى للتنكيل بمن يغير دينه من الإسلام إلى دين آخر أو من يترك الإسلام ولا يدخل فى دين آخر، مستخدمة تهمة "الإزدراء بالأديان".

وقد نشرت منظمات حقوق الإنسان الدولية، ومنها منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان، العديد من التقارير والبيانات عن أفراد حُوكموا بهذه التهمة بسبب تغيير دينهم الإسلامى، أو بسبب آرائهم فى بعض المسائل الإسلامية الخلافية، فزُج بهم فى السجون، وتعرضوا للتعذيب، فى محاولات لإرغامهم على العودة إلى الإسلام أو الكف عن التعبير عن آرائهم الليبرالية التى تعارضها السلطة الدينية، ممثلة فى الأزهر أو ضغط الجماعات الإسلامية حتى غير الشرعية.

ولا يقتصر إنتهاك النظام المصرى حرية الدين والعقيدة، فى حالة تغيير بعض المسلمين لدينهم، بل وتتعدى إلى القبض على كل من يحاول التبشير بأية ديانة أخرى غير الإسلام، فى الوقت الذى توفر الدولة كل الإمكانيات المادية لأسلمة الأقباط من من خلال سياسية التمييز ضدهم فى كافة المجالات السياسية والإجتماعية وفرص العمل، وبإستخدام كل الوسائل المعنوية من خلال البث الإعلامى والنظام التعليمى وأجهزة المخابرات والشرطة والقضاء. بالإضافة إلى وضع كل العراقيل أمام بناء الكنائس

وترميم القديم منها. الأمر الذى خلق مناخا محرضا للجماهير المسلمة، خصوصا فى القرى وخارج القاهرة، ضد المواطنين الأقباط، وهو ما أدى إلى تواتر الإعتداءت على الأقباط وممتلكاتهم خلال العقود الأربعة الأخيرة، بمجرد سريان أية أشاعة عن عزم الأقباط ترميم أو بناء كنيسة، حتى لو كانوا قد حصلوا على منة من الحاكم العسكرى بتنفيذ الترميم او تشييد البناء بعد إنتظار سنوات وسنوات.
كل ذلك وغيره، مما لايتسع له المجال، أدى إلى هروب أكثر من مليون قبطى إلى خارج البلاد، فى حركة هجرة جماعية لم يعرفها الأقباط فى كل تاريخهم منذ أن سكنوا أرض وطنهم مصر من آلاف السنين، وذلك ، بحثا عن الكرامة والحرية التى جُردوا منها، من جراء دعاوى عنصرية لا تمت بروح أى دين سماوى أو حتى وضعى.

كما أن هذه الممارسات الخطيرة المنافية لبعض نصوص الدستور المصرى، الذى فُرغ من معناه، أو ألغيت فعاليته، فى ضوء النص البارز فى الدستور على أن "دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع"، قد أعطت إنطباعا سلبيا عن الدين الإسلامى والشريعة الإسلامية، ليس من السهل تغييرها فى عقول العامة، كما فى نظر العالم المتحضر، وخصوصا أن هذه الممارسات تتعارض تماما مع كل القوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
أن حكام مصر، بإصرارهم على المضى فى هذا الطريق، لم يسيئوا فقط إلى صورتها فى عصر الحرية وحقوق الإنسان، بل إنهم قد طعنوا روح الإسلام فى مقتل بعد أن لوثوه بقوة السلطة وفساد السياسة.
_________________
(*) رئيس المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان

البدر المنير
18/12/2004, 03:26 PM
الى السبلة الدينية