المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : حيث تبدو الزرقة...........أعمق


سرب
10/12/2004, 03:05 PM
الوردة جميلة ، تفكرين ، نعم كل ما خلق الله جميل ، في الظلمة يتلألأ ذاك النور الخافت ، هناك من حيث تنبع كل الأنهار الشفيفة ، من حيث ينفس القلب ، من حيث يستشعر المخلوق جمال الخالق.
حين كنت صغيرة كنت أنت تعرفين الكثير ، وفي عزلتك ، حيث كنت دوما اقرب الى الحقيقة من أي وقت، كنت
ترين كل الأشياء معراة من صخبها وألوانها ، كما هي ..دون رتوش أو عبث..
العزلة
تاج
النقاء
الاشياء غير المخدوشة بنظرك لا تتنفس الا وحيدة ، الدمج يكسرها ويشظيها ، من هناك ، من تلك القناعة ذاتها
قررت الانسحاب من البيت ذاك الآن..
ما نؤمن به يجب أن يكون حقيقة ، كيف أنظر لنفسي في مرآة مزدوجة ..يبدو هذا شديد التيه بالنسبة لكائن لا يقوى على رؤية زهرة مقطوعة ..أو حلم مبتور..

نعم قررت الخروج..كما قررت ذات طفولة القفز من سطح منزل بيت خالك..
في تلك اللحظة حين قفزت وأنت تستشعرين ماهية القفز نحو الصلابة ، كنت تبتسمين اذا أنك لطالما تسائلت
كيف يبدو احساس الخطر ، وها أنت تقتحمينه في داره ..تقفزين ..نحو..الأرض...
يومها..أشد ما أدهشك أنك لم تصابي ولو بخدش..
دماغك المتفوق في الرياضيات كان قد خطط لمنطقة القفز التي كانت ممتلئة بالسعف..كانت فقط هي قضية زوايا
واتقان.

تعلمين مقدما أن البيوت تتراص دون هدف، والسيارت تتلاحق نحو لا شئ..وأنت تقودين سيارتك وسط الجمع
كنت ترفضين التيار..لهذا أنت دوما مسرعة...ومتجاوزة للغير..التيار دوما يوحي لك بالموت الذي هو ضد الحياة
الذي هو بالضرورة لست أنت..لم يكن التيار مقنعا يوما أبدا..

وأنت الآن أيضا تسرعين..لا هدف من السرعة الا السرعة ذاتها، حيث تستطيعين أن تتحدي ذات الخوف في داخلك ..تفكرين ..لا احتمال آخر غير الموت أو الحياة..وقد اخترت الحياة دوما على طرف الموت.

الى أين ستذهبين؟
لم تفكري طويلا أبدا ، تعلمين أنك سيدة اللحظة ولا تجيدين العيش خارجها ماضيا أو مستقبلا..
أنت لا تجيدين تزييف صورتك لتطابق المرآة..لهذا كانت دوما اللحظة بذاتها هي مجال حياتك كلها..

بلا منازع أنت هوس النبوءات المتفجرة من ذاتها لحظة انفعال ..أو فعل..

تقررين الذهاب للبحر..فالبحر سيد البوح الحقيقي أبدا ..انه لا يكون الا ما هو عليه ، لا يتلون الا بزرقته
ولا تحيا فيه الا كائناته..التي ما ان ترفع رأسها خارجه ............تموت..........

كنت بالتأكيد تجلين كل كائنات البحر وتحتقرين البشري..
كان السمك دوما يبدو لك أشد انتماءا للماء من انتماء البشري لحقيقته..
لم تفكري في ارهاق ذاتك بالذهاب لبيت بشري آخر..لزيارة أقربائك أو الالتفاف بهوس الآخرين بالانعكاسات
المشوهة ..
لطالما اعتقدت ان خلل الروؤة لدى سكان مدينتك..جعلهم يبدون كأنصاف ارانب وأنصاف بقر..
حتى الأرانب تبدو أكثر بياضا ..والبقر أكثر أمومة..

الشطرنج البشري لا يغريك..بل يدفعك دفعا هذا الآن للمضي نحو البحر العميق..

تقررين خلع حذائك ، من يمشي على رمل العزلة لا يحتاج الى حذاء..

تنظرين للبحر..هناك في أعماقك حلم نهائي بالاتحاد به..بالمضي الى اعماقه دون خوف..
حلم بأن تتماهي مع الماء..وتحتضنين شفافية زرقته..
الماء ناعم كجلد طفل حبيب..

تسيرين رويدا نحو الموج الهادئ..كان الليل يوشك على اعلان تفوقه على النهار..
وكنت رويدا تنظرين للشمس المحمرة على طرف الزرقة فتبدو كنبع أبدي..للجمال..

تسيرين رويدا نحو هذا الجمال ، تسيرين نحو الماء في صمت قدسي يحتفي بالمكان..

تسيرين..تسيرين..لن تقفي الآن..تماما كما لم تقفي حين كنت صغيرة على طرف السطح.

تتغطى قدميك للركبة بالماء ، لكنك لن تتوقفي..
لقد آمنت بالبحر..بالنبع القلبي الطاهر..
آمنت بالشمس ..بحرية الوهج النابض..
آمنت بالعطر..هذا الذي تتنفسينه الآن من مطر نسيم الموج.

لن تقفي الآن..
تسيرين..
............تسيرين.....
.......................تسيرين..........

الماء الآن يصل الى رقبتك، تعلمين أنك لن تتنفسي بعد قليل لكن ذاك لا يجعلك تنتفضين..
فقط أنت تغلقين عينيك ..وتغوصين..
في الذاكرة ومض يختزل تواريخ البشري الضائع في التيار...
صرخة أخاك وهو يقع من طرف السلم...
عين أباك حاملا حقابه عائدا من السفر...
قلب أمك نازفا في صمة الليل....
أحزان أختك..تحتضنين أحزان أبنائها..
موج من البشر ، موج من العيون، موج من الخوف والتيه والعبث ......

تغوصين ...

الماء يبلل الآن آخر شعرة في شعرك الطويل الأحمر كخيوط الشمس..
ومض أخير.........

جرير
10/12/2004, 10:51 PM
حين تبدو الزرقة ، لا تزال تسير ، إلى أن تصل السماء الواسعة

سرب
13/12/2004, 08:25 PM
يا جرير:
قل لي ...أتبدو السماء حقا واسعة لحد الزرقة؟!