سراب الغريب
09/12/2004, 11:53 PM
أريكــــة الجمعـــة ..!!
كان يوم جمعة قد تجمهر فيه الخلق سطراً تلو سطر، تفوح من المصلين روائح العبق والمسك والعود .. كيف لا وهو يوم عيدٍ للمسلمين، تتساقط فيه خطايا التائبين، وتتنور بخطبه عقول الغافلين، الذين أظلمت عقولهم بغمائم المعصية، وانشغلت أبصارهم بتراهات الحياة، وانغلقت آذانهم عن مصائب الأمة .. كيف لا يتزين المسلمون يوم الجمعة وهم يسمعون قول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون " ..
ومنبـر المسجد رمزٌ يشع وميض الإبصار من بعد العمى عن الحق والحقيقة، تبحلق الأعين فيه كأنه ينطق من غير خطيب ليقول : " أنــا المـرآة التي تدركون بها فـاسـد أعمالكم من صالحهـا، أنـا مرشد الأمـة إلى طريقهـا، أنــا المنــدد بالظلـم والجبروت وهضم حقوق العالمين، أنـا حلقـة الوصل بين ضمير الأمة وبين فعلها ، أنـا من اعتلا بي أصحـاب القوة والكلمة والشرف، أنـا الشاهد يوم العرض الأكبـر على الظلمة الواقفين فوقي، أنــا طـالب الشفاعة لقائل حـقٍ منـي .. " ..
فارتقى المنبر في أنفس المصلين، وانفرشت أذانهم تبغي العلم الذي سينير لهم الدرب، ويهديهم إلى الخير، ويبين لهم مكانهم بين الأمم .. ليخرج كل مصلٍ عالماً بالحقيقة، ومدركاً دوره المنوط بـه، فيرسم على إثـر ذلك جدول واجباته اتجاه الأمة واتجاه وطنه، واتجـاه نفسـه ..
***
وبعد أن طال حديث الأنفس والأعين مع المنبر، وبعـد أن رهفت القلوب، واستعدت الآذان للإصغاء .. رقـى الخطيب أعلى المنبر ثم سلم، وأذن المؤذن .. ثم قال الخطيب :
(( إن الحمد لله، أحمـده على مـا كان وعلى ما يكون وعلى ما سيكون، أحمـده حمـداً يرتضيه، فلك الحمـد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد من بعد الرضى .. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه .. أمــا بعـد :-
أيهــا الناس: خذوا حكمة من فصيحٍ قاد إلى الحق أرواح، فقد علمتم حال الأمة من ضيق الحيل، واسترسال العلل، وأن الأمم تكالبت علينا كما تتكالب الأكلة على قصعتها. فذَّلت من بعد العزة، وأهينت من بعد الكرامة، وضـاع أعـلاها قبل أدنـاها ..
فإن علمتم ذلك كما علمت، واسـتـشعرتم بما استشعرت، صففتم لفائف القطن، وحشوتم بها تجاويف الأذن، ومجاري الفم، ومواطن النظر .. فلا تسمعون من بعدهـا هماً ولا حزنـاً، ولا تــإنون ألماً ولا غيضاً، ولا تبصرون ذلاً ولا ضيماً ..
واعلموا أن من انشغل بهموم الأمة عن معالجة أمر عيشه هو أحولٌ لا يبصر حقيقة الدين إلا كما يرى المرء الشاة شاتين، والضرع ضرعين. غير أنه لا ينال منها إلا بقدر البطن الواحد لا البطنين !!
أيهـا الناس: قـد علمتم أنـه كلٌ ميسرٌ لمـا خلـق لـه، ولا أراكـم خلقتـم إلا للطفل والمرأة والمركب .. فاتقوا الله فيما خُـلقتم لـه ، وقوموا يرحمكم الله " فإذا قـُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " ..
***
فطـوى الخطيب الوريقة التي بيده، ثم صلى الخطيب بالنـاس ركعتين خفف فيهما، ثم انصرف الخلق إلى شؤونهم .. من كـان ذا غوايةٍ منهم إزداد ظلالاً، ومن كان صالحاً منهم هام عقله بين الخبزة وبين الأمة !!
يقول الراوي: فذهبت إلى الخطيب من بعد الصلاة، وملئي غضبٌ وعجب، ثم دنوت منه وهو قاعدٌ بجنب المحراب فقلت له : أراك جعلت للجمعة أريكةً لا منبراً ! فاستخففت بهموم الأمة، واستفتحت علائق النفس بخسيس المنطق، ولا أراك فيما قلت أديباً ولا حفيظاً .. فكيف تكون من بعدها حكيماً فصيحاً؟
ثم إنـك خالفت كتاب الله وسنة نبيه في مواضع شتـى، أمـا علمت أنه من لا يهمه أمر الأمة فليس منها ؟؟ وأن الجهل بحقيقة الأمر منقصةٌ في حق نعمة البصر والسمع واللسان؟؟ فكيف بالعقل لا يدرك إلا الترابيات من الدنيا، ولا يدرك الروح فيها ؟؟
ثم قال الراوي مستأنفاً: وقد قلت بأن الحيل قد ضاقت، وأن العلل قد استرسلت، وما بينت لنا قطرةً ولا بحراً من حقيقة ذلك إلا بقولك أن الأمم تكالبت علينا ! أفبينت للناس كيف غدونا أذلاء من بعد العز؟ وتبين لهم أنه ما من مسلم ترك تعاليم دينه إلا ظل و زل، وأن الأمة قد خسرت مكانتها بين الأمم بالتخلي عن منهج الإسلام، ومعافاة اتباع القرآن ؟؟
يقول الراوي: فما شعرت إلا بأحـدٍ يهـز كتفي، فالتفت فإذا برجلٍ يقول لي: أتخاطب نفسك يا هذا ؟ قلت: بل أخاطب خطيبكم هذا الذي لم ينطق حتى الآن بكلمة يدافع بها عن نفسه ؟!
فقال الرجل: إن صاحبك الذي تكلمه أصمٌ لا يسمع، وأعمى لا يبصر منذ سنين، إلا أن لسانه صحيحٌ كما سمعت، وما كان يقرأ إلا ما قـريء عليـه .. فـامضي يرحمك الله إلى دارك ..
قلت: وما تلك الوريقة التي بيده؟
قال: تلك تعويذة كي لا يمسه خطـأ النسيان فيهيم بهموم الأمة!
كان يوم جمعة قد تجمهر فيه الخلق سطراً تلو سطر، تفوح من المصلين روائح العبق والمسك والعود .. كيف لا وهو يوم عيدٍ للمسلمين، تتساقط فيه خطايا التائبين، وتتنور بخطبه عقول الغافلين، الذين أظلمت عقولهم بغمائم المعصية، وانشغلت أبصارهم بتراهات الحياة، وانغلقت آذانهم عن مصائب الأمة .. كيف لا يتزين المسلمون يوم الجمعة وهم يسمعون قول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون " ..
ومنبـر المسجد رمزٌ يشع وميض الإبصار من بعد العمى عن الحق والحقيقة، تبحلق الأعين فيه كأنه ينطق من غير خطيب ليقول : " أنــا المـرآة التي تدركون بها فـاسـد أعمالكم من صالحهـا، أنـا مرشد الأمـة إلى طريقهـا، أنــا المنــدد بالظلـم والجبروت وهضم حقوق العالمين، أنـا حلقـة الوصل بين ضمير الأمة وبين فعلها ، أنـا من اعتلا بي أصحـاب القوة والكلمة والشرف، أنـا الشاهد يوم العرض الأكبـر على الظلمة الواقفين فوقي، أنــا طـالب الشفاعة لقائل حـقٍ منـي .. " ..
فارتقى المنبر في أنفس المصلين، وانفرشت أذانهم تبغي العلم الذي سينير لهم الدرب، ويهديهم إلى الخير، ويبين لهم مكانهم بين الأمم .. ليخرج كل مصلٍ عالماً بالحقيقة، ومدركاً دوره المنوط بـه، فيرسم على إثـر ذلك جدول واجباته اتجاه الأمة واتجاه وطنه، واتجـاه نفسـه ..
***
وبعد أن طال حديث الأنفس والأعين مع المنبر، وبعـد أن رهفت القلوب، واستعدت الآذان للإصغاء .. رقـى الخطيب أعلى المنبر ثم سلم، وأذن المؤذن .. ثم قال الخطيب :
(( إن الحمد لله، أحمـده على مـا كان وعلى ما يكون وعلى ما سيكون، أحمـده حمـداً يرتضيه، فلك الحمـد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد من بعد الرضى .. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه .. أمــا بعـد :-
أيهــا الناس: خذوا حكمة من فصيحٍ قاد إلى الحق أرواح، فقد علمتم حال الأمة من ضيق الحيل، واسترسال العلل، وأن الأمم تكالبت علينا كما تتكالب الأكلة على قصعتها. فذَّلت من بعد العزة، وأهينت من بعد الكرامة، وضـاع أعـلاها قبل أدنـاها ..
فإن علمتم ذلك كما علمت، واسـتـشعرتم بما استشعرت، صففتم لفائف القطن، وحشوتم بها تجاويف الأذن، ومجاري الفم، ومواطن النظر .. فلا تسمعون من بعدهـا هماً ولا حزنـاً، ولا تــإنون ألماً ولا غيضاً، ولا تبصرون ذلاً ولا ضيماً ..
واعلموا أن من انشغل بهموم الأمة عن معالجة أمر عيشه هو أحولٌ لا يبصر حقيقة الدين إلا كما يرى المرء الشاة شاتين، والضرع ضرعين. غير أنه لا ينال منها إلا بقدر البطن الواحد لا البطنين !!
أيهـا الناس: قـد علمتم أنـه كلٌ ميسرٌ لمـا خلـق لـه، ولا أراكـم خلقتـم إلا للطفل والمرأة والمركب .. فاتقوا الله فيما خُـلقتم لـه ، وقوموا يرحمكم الله " فإذا قـُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " ..
***
فطـوى الخطيب الوريقة التي بيده، ثم صلى الخطيب بالنـاس ركعتين خفف فيهما، ثم انصرف الخلق إلى شؤونهم .. من كـان ذا غوايةٍ منهم إزداد ظلالاً، ومن كان صالحاً منهم هام عقله بين الخبزة وبين الأمة !!
يقول الراوي: فذهبت إلى الخطيب من بعد الصلاة، وملئي غضبٌ وعجب، ثم دنوت منه وهو قاعدٌ بجنب المحراب فقلت له : أراك جعلت للجمعة أريكةً لا منبراً ! فاستخففت بهموم الأمة، واستفتحت علائق النفس بخسيس المنطق، ولا أراك فيما قلت أديباً ولا حفيظاً .. فكيف تكون من بعدها حكيماً فصيحاً؟
ثم إنـك خالفت كتاب الله وسنة نبيه في مواضع شتـى، أمـا علمت أنه من لا يهمه أمر الأمة فليس منها ؟؟ وأن الجهل بحقيقة الأمر منقصةٌ في حق نعمة البصر والسمع واللسان؟؟ فكيف بالعقل لا يدرك إلا الترابيات من الدنيا، ولا يدرك الروح فيها ؟؟
ثم قال الراوي مستأنفاً: وقد قلت بأن الحيل قد ضاقت، وأن العلل قد استرسلت، وما بينت لنا قطرةً ولا بحراً من حقيقة ذلك إلا بقولك أن الأمم تكالبت علينا ! أفبينت للناس كيف غدونا أذلاء من بعد العز؟ وتبين لهم أنه ما من مسلم ترك تعاليم دينه إلا ظل و زل، وأن الأمة قد خسرت مكانتها بين الأمم بالتخلي عن منهج الإسلام، ومعافاة اتباع القرآن ؟؟
يقول الراوي: فما شعرت إلا بأحـدٍ يهـز كتفي، فالتفت فإذا برجلٍ يقول لي: أتخاطب نفسك يا هذا ؟ قلت: بل أخاطب خطيبكم هذا الذي لم ينطق حتى الآن بكلمة يدافع بها عن نفسه ؟!
فقال الرجل: إن صاحبك الذي تكلمه أصمٌ لا يسمع، وأعمى لا يبصر منذ سنين، إلا أن لسانه صحيحٌ كما سمعت، وما كان يقرأ إلا ما قـريء عليـه .. فـامضي يرحمك الله إلى دارك ..
قلت: وما تلك الوريقة التي بيده؟
قال: تلك تعويذة كي لا يمسه خطـأ النسيان فيهيم بهموم الأمة!