المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : oOالجيـب الكبيــر ..!!.. Oo


سراب الغريب
18/10/2004, 03:28 AM
حنَّ شابٌ أعزب إلى الزواج ذات مرة ، وكان يخاطب نفسه ويساومها ، ويرغبها ويدفعها إلى الإستعجال في العفة، كان كلما خبت جذوة رغبته بسبب تعطل الحيل، ونقصان المادة ردد في قرارة ذاته " هذا نصف الدين .. هذا جهاد عظيم " .. فصبراً على الصيام، وعلى الطهر والقيام ..

مــر الزمـان على الشاب ثقيلاً ليس به إلا الكرى والعنى، لا يطرقُ باباً إلا أغلق في وجهه، ولا يستجدي أهل فتاة إلا آيس من تحقق رغبته .. له من وجوه الحزن والأسى ما لا يقدر فنانٌ على تمثيله ولا رسامٌ على تقليده ..

غيـر أن الرجلُ بطبيعته وبصفات رجولته أســدي التوجه، لا ينثني عن رغبته مهما تناهت به المصاعب، ومهما وقفت أمامه من الأطواد والسدود؛ لأن الفطرة الإنسانية السوية منبعثة على الأمل والإبتسام للقادم المرسوم، فالعجين الغليظ المطاطي ستختلف صفاته بعد الإخباز ليصبح يابساً يتفتت للثريد ..

والمؤمن الواثق بالله تعالى يعلم أن الله قد خط له في كتابه مستقبله، وحرر له رزقه، وقيد موعد خيره كما هو محددٌ موعد رحيله .. وبعد هذه الإيجابية في التفكير، وهذه العفوية في التعامل مع نوائب الزمان يكون المرء قد أعيا بالصبر بدل أن يعييه، وأفرى باليأس بدل أن يفريه .. فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس ..

ولكــن كـان لصاحبنـا شـأن غير الشأن الذي ذكرنـا ورأي غير الرأي الذي أعطينـا .. فماذا كــان منـــه ؟

سراب الغريب
18/10/2004, 03:33 AM
***
كان الشيخ الحنيف الطاهر يعقد حلقات دروسه بعد صلاة المغرب، وكانت أفئدة طلابه والحاضرين تتوق لسماع درره التي ينثرها على قلوبهم ونفوسهم.. ولما اتكأ على ساريته ليلقي درسه أخـذ نفساً عميقاً واسترخى .. ثم ظل صامتاً لا ينطق ببنت شفه .. وبعد أن استوحش الناس صمته نطق الشيخ وقال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- " من استطاع الباءة منكم فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ..
ثم قال الشيخ: إن الله أعز بني آدم عن طلبة الأبدان كما أعزه عن طلبة الطعام .. غير أن من البشر مالا يطيق إلا الخبيث، ولا ينتهي إلا بالإستجداء . أفرأيتم أن يترك المرء الصفاء من أجل العناء، ويعافي الحذر لينغمز في الخطر .. أكان أهبل هو أم عاقل ؟

قال الطلاب: بل أيم الله إنه لأهبـل ..

قال الشيخ: كذلك هم من عافوا الحلال فانتفشوا بريش الحرام .. ليس لهم من مقام القوة على النفس إلا كمقام الدجاجة من السكين .. زين لهم الشيطان أعمالهم فضلوا عن السبيل فهم لا يهتدون لا إلى دينٍ ولا إلى دنيا !

قال أحدهم: أما هداية الدين فعرفناها .. فكيف تكون هداية الدنيا ؟

قال الشيخ: سمعت أحد الزهاد يقول : عجباً لمن أحب الدنيا، فلكل لذيذ بها أصل قذرٍ .. فشهد النحل من قيء ثخين، وشهوة الرجال مبالٌ في مبال، وأصل المسك من فضلات الغزال . وهلم جراً .. فمن ترك الشهوة المطهرة، ونال من غيرها ما نال لم يكن من نصيبه إلا قذارة القذارة وليس طهارة القذارة !

***

ثم صمت الشيخ ونظر إلى باب المسجد، وإذا بصاحبنـا الشاب قد دخل إليهم بعد إنقطاعٍ طال سنين عن دروس الشيخ، فأدنـاه الشيخ من مجلسه وقطع درسه ثم قال للشاب: بت كهلال العيـد لايكاد يرى حتى يبين، فمـا شأنك وأين مضى دهرك ؟

...قال الشاب بصوتٍ رقيقٍ ضعيف: تنـاهت بي الدنيـا حيث ها أنـا .. فلـم يكـنْ مِن جُـودِ الزمـانِ إلا المقـدور، ولـم يكـنْ مـن فعلـي غيـر المسطـور، و قلبـي قد حَمَـل مِـلء الأرض أمَـلٌ وحُلـمٌ وجَـذل .. وصـراع الذات قـد شفَّ على مر الزمان عن تعطـل مقـاليـد العقـل عن بث تيـار الحكـمة، فاستتب صـداع الحيـرة والتخـاذل، وانبتـرت عنـاقيـد البشائـر و الـدلائـل ..

تلـك حصيلـةُ عُمـر قـد فـات منهـا - في نظر الغافل - بـرهـة من الزمـن .. لا تعـدو كونهـا ساعاتٌ وأيـامٌ انقضت، لا أمل فيما قبلهـا، ولا خيـر إلا فيمـا بعـدها، فتنطوي الأيـام .. والهيام بالآتـي أكبـر من التحسـر على الماضي ..

فليـت شعري .. لو تندمت على مـر الأيـام، وتصبـَّرت علـى إتمـام الإحسـان، فشددت أزري لاستكمـال المنقوص، وتعديل المعلول، فأكـون من بعدها سالماً من طيش التسويف، آمـناً من آيات التخويف ..

ثم قاطعــه الشيخ قائلاً: أتقي الله يا بني، " فـلو " تفتح عمل الشيطان !

فقال الشاب :- عُـذراً شيخي علـى هذا التنهـد المحمـوم .. فمـا تأنت نفسـي للشكوى كمـا تأنت اللحظـة، و مـا علمتُ من شيء في هذا الزمـان أغلـى وأثمـن من كلمـةٍ صـادقـةٍ وزفـرةٍ دافئـة.. فبضائع السوق بغلاء الأثمـان تتجمـل وتتقــد .. والقلـوب بصدق الكلمات تتآلـف و تتحـد؛ فرُبَّ جمـادٍ غالي الثمـن، إلا أن مقـدمه أرخص ما في الوجود.. والعكس أصح من ذلك ..

قال الشيخ: فرج عما أكبت صدرك، وضيق عيشك .

يتبع بإذن الله ..

سراب الغريب
18/10/2004, 03:43 AM
قال الشاب: إنك تعلم ما بي من عزيمة على الزواج، وقد قرعت أبواباً لم أكن أقرعها إلا بإذنك، ولم أخطب فتاة إلا وكنت أنت في مقدمة مسيري، كنت تدفع عني اليأس والحزن على تعثر مبتغاي .. كنت تحثني على الفضيلة والصيام وغض الطرف ..

... فقدر لي الرحمان أن أخرج من قريتنا هذه إلى المدينة لتحصيل الرزق، فعلمت حينها أني لم أكن أعيش بينكم إلا بروحك، ولم أكن أتقي الحرمة إلا بحضورك .. علمت حينها أن إيماني بقلبك لا بقلبي، وصبري بحلمك لا بقهري .. علمت حينهــا أنك أسرتني بعينيك فلا أبصر إلا بهما، وأنك ملكت أذناي فلا أسمع إلا بهما، فلمـا تبدت عني غمامة غيثك، وأنقطع عني ماء طهرك، وأنقطعت أوشاجك التي أسرتني بها وربيتني عليها تحررت عيناي وأذناي من قيد حبك لي ورأت نفسي من الدنيا ما رأت ..

ثم قال الشاب : وكان أعجب ما رأيت فيها كثرة الأسواق وتفنن النساء في المطعم واللباس، إلا أنهم من البلادة عن الخير كالطير المبلول لا يروم إلى مقصده طيراناً ولا مشياً .. فلم أجد منهم من يدعوني إلى منزله كما نفعل نحن في قريتنا، ولم أسمع لهم شيخاً مثلك تجتمع القلوب لسماعه .. وكان أسوأ ما بهم فراغ المسجد عند صلاة الفجر والعشاء والعصر !

.. ثم – ومن بعد بحثٍ كأود – وجدت عملاً عند حانوت بقال مشهورٍ على أطراف المدينة، فعملت معه حتى توفي صاحب الحانوت .. وعلمت بعدها أنه كتب كل أملاكه لي قبل وفاته، فلم يكن له من يرثه رغم كثرة أمواله ..

.. فربحت تجارتي من بعده و وسع الله لي الخير، فقررت الزواج الذي كنت قد آيست منه، وهممت إلى دار فتاة كانت تشتري من حانوتي، فخطبتها من أبيها، فوافق في حينه فعجبت من حسن استقباله وترحابه ! ولم أكن أدري أن للزمن نشيدٌ غيره سيشدوه لي ..
***
وكان يوماً صنع به فرحتي من بعد دهر كآبة، وأشرق وجهي من بعد ليالٍ سرمدية .. ولكن ما من خيرٍ نازلٍ إلا والنقص أتمـه، فقد طلب أباها مني ما الله به عليم .. فأدركت من بعد طربي وفرحي أن دنانيري هي التي تزوجت ولست أنا! وإن كنت في القريةكما كنت على سابق عهدي لبقي أسمي " الجيب الصغير " أما اليوم فسيعقد شيخ مدينتنا علي بأسم " الجيب الكبيـر " .. و لا أدري هل ستكون زوجتي تبحث فيَّ القلب الكبير أم الجيب الكبير .. و لست أدري هل للمسلم أن يغير أسمه مع تقلب الأحوال ؟! وعلى كل حال أفتيت نفسي بـأنني في النهاية ثابت على أسم " جيب " وما الكبير والصغير إلا صفة الحال الذي أكون عليه ..

قال الشاب: فأعطيت الأب من الأموال كيت وكيت، و زينت الأم بالحلي والجواهر كأنني أزفها إلى زوجها، وفرقت البضائع والموائد على الأخوة كأنني وكلت بليـالي زفافهم وأفراحهم، و أبتعت العطور والخرق لأخواتها وكأنهن لا يعرفن القبر ومحله ..

فأصابني من بعد ذلك قحطٌ أشد مما كنت فيه في القرية، وافتقرت فقراً من بعد غناً .. وكما يقال: الشيء الذي يأتي بلا شيء يذهب في لا شيء !!فضاقت أمور حياتي وتعسرت أسباب معيشتي، وأمرني أبو الفتاة أن أعيدها إليهم من بعد أن أكلوني لحماً ورموني فتاتاً لا عظم فيه ..

بقيت زمننـاً أندب حظي الذي يلازمني، وأتحسر على الأموال التي مضت ولن تعود لي.. فانتهجت مناهج الضائعين القانطين لا عبادة المصلين الصابرين، فأدمنت الخمر، وآنست الموامس ، ورابيت بما بقي لي من مالٍ عسى أن يعود لي شيءٌ مما فات .. وخسرت كل ما لدي في قماري، و راوغني من أدنتهم بالربى فلم أنل منهم قرشاً.. وزجرني ندمائي فلم أقدر على شراء ما كنت أنادمهم به ..

ولا تسأل شيخي عن خوف الله والصلاة والزكاة، فهي معاني وضعتها في جيبي الصغير .. أجل جيبي الصغير الذي هو في ثوبي العتيق المغبر الذي كنت أقيم به الليالي معك، وأحمل أثقال الفقراء معك .. كنت قد وضعت ذلك الثوب في صندوقٍ وأقفلت عليه حتى لا أتذكر الماضي الذي هو في حقيقة الأمر نورٌ لم أنل منه في دهر الظلمة الشديد ..

.. ثم أنخرط الشاب في البكاء ، حتى أحمرت عيناه كالسعير الممتد على مرامي دهره الضائع الحزين، وما دموعه إلا كماء البحر لا يروي ضمأ ولا يطفيء ناراً !

فقال الشيخ بصوت المعاتب المتأسف: واحسـرتاه على قطع درسي لأستمع لصفات الناقصين .. وما حملك على عودتك القرية وإتيانك إليّ وقد وجدت الدنيا ولذائذها حيث كنت؟

-
سراب الغريب ،،

تحياتي ،،

ملاحظــة: القصة نابعة من خيالي ، فهي غير حقيقية ،،

الندىالبارد
18/10/2004, 05:17 AM
بارك الله فيك اخي...

ربي لا تحرمنا من واسع رحمتك..وعظيم مغفرتك...
تعليق بسيط اخي....
اعرف ان هذه القصة كما اسلفت من نسج خيالك....هي قصة رائعه بحق بكل ما تحمله من عبر في قالب مأساوي وأسلوب رواية جميل جدا....فقط تعليقي على اخر جملة صدرت من الشيخ...."...فقال الشيخ بصوت المعاتب المتأسف: واحسـرتاه على قطع درسي لأستمع لصفات الناقصين .. وما حملك على عودتك القرية وإتيانك إليّ وقد وجدت الدنيا ولذائذها حيث كنت؟"

جل من لا يخطيء....وهل منا من لا يخطيء؟؟ ويتقلب قلبه بين الخطأ والصواب...هنالك الكثير ممن يمضون في سبل الغي وعندما تتلهف انفسهم للعودة يلاقون ابوبا مسدودة في ابوابهم بدافع ان خطأهم عظيم...ولا يغتفر... "ومن يغفر الذنوب إلا الله".......احزنتني النهاية ليس لان الرجل اذنب بعد هداه فحسب لكن..لردة فعل الشيخ الذي يفترض ان يكون الملجأ الذي التجأ إليه هذا الشاب..كواحة يستضل بها بعد العناء...

هوازن
18/10/2004, 08:29 PM
أبدعت يا سراب الغريب بهذه القصة القصيره الرائعة...
نسج خيالك جعلنا ننسجم مع أبطالها لنهايتها ..لنتوقف عند حزن أكبر لبطل روايتك ..
ملاحظتي هي نفس ملاحظة أختي الندى بأخر القصه من ردة فعل الشيخ التي سيكن وقعها مؤلماً ع الشاب .. يعود المرء إلى ربه عند الخطأ ..ويعود أيضا إلى صديق يفضفض له ويأتمنه ع سره ليجد منه رشداً أو نصحا ويمد له يد العون لينتشله من غرقه وليس لوماً وعتاباً كما جاء من رد فعل الشيخ ..فيكفيه ما نزل به من سوء , وما عودته إلى مجلسه مع الشيخ إلا نيته الصادقة لفتح صفحة جديدة بحياته ..

جني عمان
18/10/2004, 08:38 PM
شكرا على القصة ولو أنني لم اكمل قراءتها لضيق الوقت :)

النور الوضاح
18/10/2004, 09:44 PM
قصة رائعة..!!

مسكين :D:D

تحياتي..!!

هلال العيد
18/10/2004, 11:45 PM
ما أروع خيالك أخي السراب.....

كلمات لها معان عظيمة جدا ...... كيف لهذا الموضوع أن لا يثبت...


(.. فقدر لي الرحمان أن أخرج من قريتنا هذه إلى المدينة لتحصيل الرزق، فعلمت حينها أني لم أكن أعيش بينكم إلا بروحك، ولم أكن أتقي الحرمة إلا بحضورك .. علمت حينها أن إيماني بقلبك لا بقلبي، وصبري بحلمك لا بقهري .. علمت حينهــا أنك أسرتني بعينيك فلا أبصر إلا بهما، وأنك ملكت أذناي فلا أسمع إلا بهما، فلمـا تبدت عني غمامة غيثك، وأنقطع عني ماء طهرك، وأنقطعت أوشاجك التي أسرتني بها وربيتني عليها تحررت عيناي وأذناي من قيد حبك لي ورأت نفسي من الدنيا ما رأت ..)




المسلم صلب العود مخضر الجوف أينما تزرعه يؤت ثماره

سراب الغريب
19/10/2004, 12:47 AM
كــل عام وأنتم بأتم عافيــة ،،

تقبل الله صيامكم وصالحات أعمالكــم ،،

أخواتي الندى البارد و ضيء القمر تحية طيبة وبعــد ..

لو كان بيدي لوضعت الخاتمة المعتادة في كل قصة كهذه على النحو التالي " فعانق الشيخ الشاب وبكا طويلاً وفاضت عيناه، وقال الشيخ: تلك أيامٌ مضت لن تعود على أسوارها إلا لتنمحي ولن تركب أخطارها إلا لتنتحي .. فهنيئاً لك التوبة من بعد الفساد وهنيئاً لك الإياب والمتاب .. وأنتهت القصة "!!

إلا أنني أقول هنا " وللقصة حديثٌ آخر " فمثل هذا الشيخ كثبرين من إذا فضفض إليهم زجروا ونهروا وأغلقوا العيون وأصموا الأذان وطردوا من شكا إليهم .. فكان هذا الشيخ مخطأ بحق في تصرفه، ولخطأه حديث آخر بإذن الله :)

وشكراً فقد دفعتموني لإكمـال القصة ،،

تحياتي ،،

سراب الغريب
19/10/2004, 12:56 AM
أخوتي النور الوضاح و جني عمان و هلال العيد ..

تحية طيبة وبعد :

لمن لم يكمل القصة ... أدعوك لتكلمها حتى تحكم عليها بما تحب :)

أخي النور الوضاح .. شكراً لمرورك، صدقت إنه مسكين تاه فلم ينل من تيهه إلا الصد، و زاغ ولم ينل من زيغه إلا الرد فأعان الله شباب المسليمن على مثل هذا ،،

هلال العيد .. بارك الله فيك :)

سراب الغريب
19/10/2004, 04:43 AM
هــل تودون سمــاع باقي القصة ؟؟

ورد الامل
19/10/2004, 04:58 AM
هــل تودون سمــاع باقي القصة ؟؟
لا نـود سمـاعهـا ..بـل قراءتهـا بعقـل مفكّـــــــر !!

شهـوات الدنيـا ضيعـت الكثيـــــــــــر .. !

سبحـانـك ربـي .. أيـن نحـن اليـوم من الآخـرة ؟!

- أكمـل أخـي .. فيبـدو أن العقـول صُمّـت !

سراب الغريب
19/10/2004, 05:38 PM
لكم ذلك أختي ورد الأمل :)
----
الجيـب الكبيــر ..!!
(2)
.. وبعد أن تمرغت عواطف الشاب في تراب العذاب، أنثلم قلبه وانشطرت نفسه .. فاستفهم ذاته " إلى أين الرحيل ؟ ءإلى الفساد لأكمل قصة سوء الحظ التي رسمتها؟ أم إلى الصلاح الذي عاتبني وصد وجهه عني ؟ " ..

فقام الشاب من مجلس شيخه كسير الخاطر، لم يره أحدٌ إلا وظن أن للحزن سمات التمثل كما للجن سمات التقمص، لا يرفع قدماً إلا ويسقط من قدمه الأخرى كل عزيمة على الرشد، وكل دليل إلى الخير .. ومضى ثقيلاً حتى بان من مجلس الشيخ ..

وظل الشيخ الحنيف الطاهرعلى حاله من الأسف والآسى على درسه، فهمَّ إليه الشيخ صبيح الرافد وقال له: قد سمعت ما كان منك ومن الشاب، فوجدت أنك قد أغلظت وأساءت!
قال الشيخ الحنيف: إن الغلظة لمثل هذا أقل عقابٍ يستحقه ..
قال الشيخ صبيح : لقد جاءك متندماً تائباً، فهلا حضنته بحضنك الوثير الذي ربيته به، وأدبته عليه ؟؟

قال الشيخ الحنيف: ليس لمن تهدم بناء صلاحه من عودة، والأمل كل الأمل في هذه الصفوة من المتعلمين التقاة الذين يبغون الحق ويمقتون الباطل، وما حديثي عند مثل هذا إلا كقاطع الفلج الكبير ليسقي من الغيز الصغير ..

قال صبيح: لقد كان هذا من تقاتك الذين عشت لهم، ومن رفاقائك الذين أدبتهم، فلما كان الإبتلاء تكشفت مواطن الضعف في علمك قبل مواطن الضعف في نفسه، وتجلت دلائل الخطأ في تربيتك قبل علامة النقص في خلقـه .. فأنت لم تدري من تلاميذك غير عمائم الطاعة التي يلبسونها، وثياب التبعية التي يرتدونها .. ومتى انخلعت العمائم، وتبدلت الأثواب انسلخت معها كل فضيلة، وارتمت عنهم كل حسنة ..

ثم إنك قد سمعت منه كلاماً لم تلقي له بالاً ولم تدير له خاطراً، فاستأثرت الصمت في موضع السؤال، وآثرت الغلظة في موضع النصيحة ..

قال الشيخ الحنيف: وماذا من كلامه ما يستحق السؤال ؟

قال الشيخ صبيح: قد علمت مما سمعت أنه لم يزِّل عند مواطن العجز، ولم يفسد في مواطن الفقر، ولكن من بعد أن تكاثرت الأموال، وتقلبت الأحوال تكالبت عليه الأمم أكلاً ومضغاً .. وقد نهب أبو الفتاة منه كيت وكيت، وتحلت أم الفتاة منه حللاً من فوق حلل ..
و لقد علمت مما سمعت من غيره أنه قد فسد عدد غير قليل من شباب الأمة بغلاء المهر ومستلزمات العرس .. فليتك لو أفصحت للكبار قبل الصغار أن الإنسانية ليست عناقيد لؤلؤ تباع وتشترى، وإنما هي روحين تلتقيـان على الحب وعلى الرحمة وعلى الألفـة ..

فصمت الشيخ الحنيف الطاهر، و ملء عينه ندمٌ تلو ندم ،ثم قال : عد إليّ من الغد فإن لي حديثٌ ودرس ..
يتبع بإذن الله ،

الندىالبارد
20/10/2004, 05:38 AM
سبحان الله.....وفي تصريفه للقلوب معجزة حيرت الالباب...

اكمل اخي...بارك الله فيك....

HONEST 4 EVER
20/10/2004, 01:57 PM
صباح خامس أيام شهر الرحمة والغفران

شكراً لك أخي سراب الغريب
إبداع تثنى عليه
واصل فكلنا آذان صاغية
أقصد فكلنا عيون محملقة ;)

سراب الغريب
21/10/2004, 02:56 AM
ولما كانت الليلة التي بعدها، احتشد الطلاب على عادتهم يرتقبون من شيخهم كلماته التي يشربونها كالماء الزلال، وحكمه التي يرتون بها من قيم وخصال ..

نــظر إليهم الشيخ الحنيف، ثم ضرب بعصاه الأرض بضع مرات يتفقد أعين طلابه عيناً عيناً فقال: لقد جائني البارحة فتاً قد علمني بجهله، وأدبني بذنبه، وأرشدني بغيه، فكان من قوله سهامٌ قطعت مني الحشا، ومن دمعه شمعٌ لا يطفئه الكرى ..

ثم قال: و والله لم يكن بهذا الفتى جهلٌ بل جهالة .. ضعفت نفسه بانعزاله عن العلم، وقل رشده بانتهاجه الظلم، ربيته سنيـناً فلم يكن من تربيتي غير قفيرٍ ملأته ماءاً، لم يحفظ الماء إلا كفي الذي كنت أمسكه به، فمتى نزعت كفي انـكفأ الماء .. وليتني أبدلت قلبه بدل القفير إناء، وبدل كفي بكف الرجاء .. فانتم لا تدرون من قيمة التقى إلا ما قرأتم، ولا تدرون من شدة وطأة الفتنة إلا ما سمعتم ..

ثم قال: ألا أدلكم على شيء إن خضتم به تصلب الإيمان في قلوبكم؟

قالوا : أجل ..

قال: أعلموا من ظلم الحياة بقدر الإحساس، ومن فتنة الناس بقدر الإلتماس، ومن لذة المال بقدر الإحتراس .. ثم خوضوا في ذلك حتى تأتيكم معانيكم الحقيقية التي اختفت عنكم تحت جلباب خشيتي، و مروا بها حتى تفتضح لديكم مواطن عيب تربيتي ، فإن شعرتم بالضعف قد دب على أنفسكم، والزلل قد اقترب من فعلكم .. فعودوا إلى ما كنتم عليه دون تأجيل .. حينها تعلمون من التقوى عبراً لا فكره، وقصصاً لا نظره .. فتكونوا قد أتتكم الدنيا فرددتموها، واقبلت بهرجتها فرفضتموها ..

***
فالتفت الشيخ وإذا بالشاب قد عاد إلى دروس شيخه بثوبه المغبر .. فبكى الشيخ وأنهملت دموعه ثم قال: لقد وهب الله الإنسان شقين في نفسه، شقٌ وضع الله فيه الصلاح وشقٌ وضع الله فيه الطلاح .. و " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " .. وأخاكم هذا قد استفاضت فيه شقوق للتزكي لا شق ..

ثم تلا قول الله تعالى : " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأجره على الله ومن عاد فـأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " ..

تحياتي ،،

ورد الامل
25/10/2004, 05:29 AM
قال الله تعالى : " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأجره على الله ومن عاد فـأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " ..

صـدق الله العظيـم..

-

بـارك الله فيـك أخي (سـراب الغريـب ) .. كـان من واجب الشيـخ نصـح ذاك الشـاب لا زجـره ونهـره .. والحمـد لله في أنـه راجـع نفسـه وقـام بالنصـح !

واللهـم أهـدِ الجميـع

سراب الغريب
25/10/2004, 06:20 PM
آميــن آميــن ..

إن التربية فـنٌ واجب على كل من قرر بناء أسرة أو إعـداد جيـل ،،

أعاننا الله على حمل الأمانة على الوجه الذي يحبه ويرضاه ،،

تحياتي ،،

الفجر الزاحف
05/09/2005, 06:59 PM
إبداعٌ رائع أخي سراب الغريب وما ذلك عليك بغريب
أما والله فإن منا الكثيرين من أمثال ذلك الشاب فكلما يكون البعض قريبا من شيخه أو من أهل الصلاح تراه على ما هم عليه
أما إذا أبتعد عنهم تتنازعه رغبات الشيطان
والعجب أن في بعض المرات يستحي الرجل من أن يخطيء أو يذنب خشية أن يصل لهم نباء ما فعله

نسأل الله الثبات على دينه
ونسأله أن يتقبل منا خالص أعمالنا وان ينزع الرياء من قلوبنا
إنه على ذلك قدير

سراب الغريب
05/09/2005, 11:49 PM
أخي الفجر الزاحف ،،

تفاجأة برفع الموضوع بعد إنطواءه لعامٍ كامل في غياهب النسيان، ولن أسل كيف عثرت عليه ولكنني أقول أن المؤمن عبارة عن قرار شريعة الله في أرض الله، لا يختلف بإختلاف الأزمنة و لا يتبدل بتباين الأمكنــة، وأهل العلم دليلٌ للمسترشدين وليسوا قلوباً تزرع في ثنايانا فنظل على منهجهم بلا عناء ،،

أخي الفاضل .. أقولها كما قال الشيخ في القصة واعيدها:
أعلموا من ظلم الحياة بقدر الإحساس، ومن فتنة الناس بقدر الإلتماس، ومن لذة المال بقدر الإحتراس .. ثم خوضوا في ذلك حتى تأتيكم معانيكم الحقيقية التي اختفت عنكم تحت جلباب خشيتي، و مروا بها حتى تفتضح لديكم مواطن عيب تربيتي ، فإن شعرتم بالضعف قد دب على أنفسكم، والزلل قد اقترب من فعلكم .. فعودوا إلى ما كنتم عليه دون تأجيل .. حينها تعلمون من التقوى عبراً لا فكره، وقصصاً لا نظره .. فتكونوا قد أتتكم الدنيا فرددتموها، واقبلت بهرجتها فرفضتموها ..

تحياتي ،،

الفجر الزاحف
06/09/2005, 12:42 AM
كنت اقراء ردك على الشيخ الخطاب في موضوعه- كنت احسب ان النجوم هوت -
واتبعت الرابط

ولكني و في الحقيقة لا اعتقد اني فهمت المقصد من هذه الجملة بالذات
أعلموا من ظلم الحياة بقدر الإحساس، ومن فتنة الناس بقدر الإلتماس، ومن لذة المال بقدر الإحتراس .. ثم خوضوا في ذلك حتى تأتيكم معانيكم الحقيقية التي اختفت عنكم تحت جلباب خشيتي، و مروا بها حتى تفتضح لديكم مواطن عيب تربيتي ، فإن شعرتم بالضعف قد دب على أنفسكم، والزلل قد اقترب من فعلكم .. فعودوا إلى ما كنتم عليه دون تأجيل .. حينها تعلمون من التقوى عبراً لا فكره، وقصصاً لا نظره .. فتكونوا قد أتتكم الدنيا فرددتموها، واقبلت بهرجتها فرفضتموها ..

سراب الغريب
06/09/2005, 08:08 AM
أهلاً بعودتك أخي الفاضل ،،

العبارة أعــلاه جملة أردت بهــا أن يخوض طلاب العلم غمار الحياة، وأن يتعرفوا عليها حق المعرفة، وان يجربوا الناس واصنافهم، ويتدالون الأموال ليعلموا حلالها من حرامها، فلإن بقي التلاميذ تحت هيبة المعلم لم يزالوا يؤمنون بالله إيمان الوراثة لا إيمان اليقين ،،

وأنّا لهم أن يؤمنوا إيمان اليقين وهم لم يدركوا ماهية كلٍ من الناس والحياة. إن مفهوم المال عندي هو مفهوم كل الحياة، فبها يُعلم الحلال من الحرام و الخلق الفاضل من الخلق الدنيء، والغش من الأمانة، وهكذا دواليك، فتتبين لهم أثناء معاملاتهم صدق تربية شيخهم، ويتعرفون على ما لم يتعلموه منه أو أنهم تعلموه و لم يفهموه حق الفهم و لم يدركوه حق الإدراك ،،

إن تقوقع المرء بين جنبات قريته أو أهله، وعدم إطلاعه على العالم وحقيقته مع التزود بعلوم العقيدة و الفقه وعلوم الحياة سيكون أكثر الناس عرضة للتغير و الفساد كما حدث لصاحبنا في القصة ،،

أحب دائماً أن أسمي التربية التي يشير فيها المربي إلى مواطن الخطأ " عبر الواقع والأمثلة الحية " بأنه " تطعيم أو تحصين تربوي " ،،

أرجوا أن أكون قد وضحت جزءاً مما أريد توضيحه بذلك الشطر، وأعتذر على الإطالة ،،

تحياتي ،،

الفجر الزاحف
06/09/2005, 11:11 AM
جزيت خيراً أخي الفاضل على ما تفضلت به من شرح
وهو تقريبا ما فهمته من الجملة
ولكني أعتقد أن من الأفضل أن لا يضع الشخص نفسه قريبا من مواقف الفتن حتى لا يفتتن

فهبك اني سافرت إلى بلدٍ من البلاد التي تشتهر بالفساد لغاية ما كعملٍ أو تجارة
وكانت معي صحبة وأنجر بعضهم إلى المفاسد وبقيت أنا وحيدا أناصح هذا وذاك أول مرة وثاني مرة
قد أقع معهم في الثالثة!!!!!!
أفلا ألام على أني وضعت نفسي في هذا الموقف برغبتي ؟؟؟

سراب الغريب
06/09/2005, 11:28 AM
جزيت خيراً أخي الفاضل على ما تفضلت به من شرح
وهو تقريبا ما فهمته من الجملة
ولكني أعتقد أن من الأفضل أن لا يضع الشخص نفسه قريبا من مواقف الفتن حتى لا يفتتن

فهبك اني سافرت إلى بلدٍ من البلاد التي تشتهر بالفساد لغاية ما كعملٍ أو تجارة
وكانت معي صحبة وأنجر بعضهم إلى المفاسد وبقيت أنا وحيدا أناصح هذا وذاك أول مرة وثاني مرة
قد أقع معهم في الثالثة!!!!!!
أفلا ألام على أني وضعت نفسي في هذا الموقف برغبتي ؟؟؟

أعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ،،

لست هذا ما أعنيه أخي الكريم، ولكن سأعطيك مثالاً بسيطاً ،،

الأب في المنزل يمنع التلفاز، الإنترنت، الدش، وكل ما قد يمس أخلاق أطفاله بخطر، ثم ما يلبث الطفل أن يكبر وأن يشب عن الطوق .. قد يسافر للدراسة أو للعمل أول للعلاج فينفصل عن أهله فترة من الزمن .. إلى هنا كل شيء جديد في نظر الطفل كل شيء يستحق التعرف عليه ..

ولكن يأتي تساؤله: أين الغث من السمين في حالة غياب الموجه؟

سيكون في البداية متدرعاً بما ألفه من أهله و يتجنب كل شيء ولكن سرعان ما يتطفل ليعرف ويكتشف وهذا طبع الإنسان ،،

وهكذا يتبع خطوات الشيطان الذي هو رفيقه و صديقه فيضله ويفسده إلا إن اراد الله به أمراً من عنده ،،

الأحرى أن يكون في المنزل تلفاز و دش ويوجه الأب إبنه أن هذا خطا وان هذا صواب، و يكون لديهم في المنزل إنترنت و يريه أن هذا خطا وان هذا صواب .. فتجتمع في حيزوم الناشيء تربيتان:

تربية الأب وهيبته، وتربية النفس التواقة التي أصبحت الأن تدرك ما هذا و ما هي خطورته وكذلك ما هي فوائده ،،

قد لا يكون كلامي بذلك الوضوح لأنني أكتب على عجالة ولكن تستطيع تطبيق ذلك بشكل أوسع ولنا حوار بإذن الله ،،

وأشكر تحاورك الذي اسرني :)

الفجر الزاحف
06/09/2005, 11:35 AM
بل والله أنا من تشرف بالتحاور معك أيها الأخ الكريم أصلاً ومحتدا
وقد قلت فأوضحت وأفهمت
وأراني موافقا لك في ما ذكرت خاصةً
الأحرى أن يكون في المنزل تلفاز و دش ويوجه الأب إبنه أن هذا خطا وان هذا صواب، و يكون لديهم في المنزل إنترنت و يريه أن هذا خطا وان هذا صواب .. فتجتمع في حيزوم الناشيء تربيتان:

تربية الأب وهيبته، وتربية النفس التواقة التي أصبحت الأن تدرك ما هذا و ما هي خطورته وكذلك ما هي فوائده ،،
وأشكر لك تواصلك وسعة صدرك

untold story
05/02/2006, 06:43 PM
مشكووووووووور على القصة الحلوه والاسلوب الرائع!!!! بس اليوم الواحد إذا أخطأ فلا يرجع إلى الصواب إلا من رحم ربي!!!!!!!!!!!!!