ابو اصيلة
22/07/2004, 02:56 AM
الطــــــلاق
أسبــاب الطـــلاق
أسباب الطلاق متعددة متشعبة لا يكاد يأتي عليه حصر ويمكن تلخيصها فيما يلي :
أ ـ أسباب خارجة عن نطاق الزوجين ، فهما إذا افترقا فرغما عنهما ويتجلى ذلك في الحالات الآتية :
1 ـ عند تدخل الغرباء عن قصد وعن غير قصد بالنميمة بين العائلتين المتصاهرتين فلا تهدأ نار الفتنة تتأجج حتى تفرق بين المتحابين .
2 ـ عندما تتحرك الغيرة في قلب أخت الزوج خاصة عندما تكون بائرة قابعة بدار الأبوة محرومة من المتعة الزوجية حسية ومعنوية فتفرغ للإفساد بين الزوجة وأخيها بتكبير الصغائر ، وتشويه الحقائق وخلق الاتهامات فلا يهدأ لها بال حتى تقطع ما أمر الله به أن يوصل .
3 ـ تحكـم والـدة الزوج فـي ابنهـا ، وتحكـم والـدة الزوجـة فـي بنتهـا .. بحيث تصبح دار الزوجية وتمسى نهبا مقسما بين معسكـرين كلاهما يملي إرادته ، ويحكم سيطرته من خلال عميلة .
ب ـ أسباب خارجة عن نطاق الزوجة ويتمثل ذلك فيما يلي :
1 ـ لثقل في روحها جبلت عليه وكلنا يعلم ما لثقل الظل من ثقل على النفوس .
2 ـ لتزمت وجمود فكري نشأت عليه فراحت لا تقوى على ما يريدها زوجها عليه من مستلزمات العصر كالسفر والتفسح البريء والتطرية والتزين .
3 ـ لرزانة مفرطة وحياء دائم منعها ان تتجاوب مع متطلبات الزوج في المرح وتبادل النكتة ، ومبادرة الملاعبة والمداعبة .
4 لغباوة موروثة ، وغفلة فطرية ، فهي قاصرة عن تدبير مملكتها .
5 ـ لعقمها عن إنجاب الأطفال .
6 ـ لمرض مزمن استحال برؤها منه .
7 ـ لقصر في قامتها ولطافة في جسمها بحيث لا تملاْ العينين عند النظر ولا اليدين في العناق .
8 ـ لأنها طويلة نحيفة ، موشكة على الانحناء تتراءى للزوج عجوزا قبل الأوان .
9 ـ لعدم التناسق بين أعضائها وفقدان الوسامة والجمال من وجهها .
10 ـ لبذاءة لسانها وثرثرتها ، وسوء ظنونها ، وحماقتها التي تعيي من يداويها .
11 ـ لعدم أمانتها على ما في (جيب) زوجها وخزانته .
12 ـ لخداع ذويها بإخفاء عمرها عن زوجها يوم الخطبة فإذا هي تكبره سنا وتربو عليه زندقة ... وهو إنما يريد الصبا والجمال ملك يديه .
13 ـ لنقضه شرطا من شروط الزواج وهو ان لا يتزوج عنها دون رضاها .
ج ـ أسباب يرفضها الدين والمجتمع ويتمسك بها الزوج استكبارا وعنادا ويتمثل ذلك فيما يلي .
1 ـ إرغـام الزوجة على السفر خارج الوطن .
2 ـ إرغامهـا على ترك الاختفاء والتسستر أمام غير ذي محرم لها . كأخ الزوج ، وزوج الأخت وما إلى ذلك من أصدقاء وضيوف .
3 ـ معاشرتها أثناء الحيض أو نهار رمضان ولا يقبل منها الامتناع .
4 ـ إلزامها مشاركته في القمار واحتساء كؤوس الخمر ... إلى أخر ذلك من المنكرات .
5 ـ إلزامها البقاء زوجة له ، وهو قاعد على فراش حرام .
د ـ أسباب يلوح بها البعض كسبب حقيقي ألجأهم للطلاق كهبوط المستوى الثقافي أو العلمي عند الفتاة .
الأخطار الناجمة عن الطلاق
تبـدأ المنغصات في الحيـاة الزوجية أول ما تبدأ كإرهاص للطلاق ان يصغي الرجـل إلى هاجس الطلاق يراوده .. وشيطـان الفراق ينزغه ويعاوده .. ثم لا يلبث إلا قليلا إذا به يسرع إلى حل الرباط المقدس تحت ضغط الخواطر الطائرة ، والوساوس الطارئة ، فإذا البيوت في لحظة بعد طول انسها موحشة شاغـرة ، واذا الزوجـات بيـن عشية وضحاهـا وفـي فـورة غضب عابـرة ، أرامل بائرة ، وإذا الذرية ربائب ذليلة في كفالة جائرة ... أو مشردة تتسول ضائعـة .. متسكعة حائرة ... ولا تسل عـن أباء المطلقـات وأمهاتهـن ، لقد أصبحو ولا من يرثي لحالهم ، وفي أزمات مؤرقات وهموم مقيمات مقعدات ... ثم لا تسل عن القطيعة بين الأصهار التي يشتعل فور الطلاق فتيلها ويمتد إلى الأطراف لهيبها ... وتعظم البلية ، ويتفاقم الخطب إذا كانت المصاهرة في القرابة ، او عندما يتدخل الفضوليون المفتونون بالنفخ في الجمر المتقد ليزداد اتقادا .. ويا ويح المجتمع إذا تعقدت الأمور بالكذب والزور ، ويمين الفجور ... ويا ويله ثم ويله اذا تعدت إلى النكاية والشماتة والظلم والانتقام .. عندها يفلت من يد العقلاء الزمام ، وتغيب الإفهام ، ويتحول إلى المحاكم الخصام ... وهناك تؤول المحاكم ـ بدورها ـ إلى مراجل بالاتهامات تمور ، والقلوب إلى قدور ، بالأحقاد تفور ، وتمسي وتصبح المحاماة كالرحوات تدور ... وفي قاعاتها المشحونة بالمتفرجين والمتربصين تنتشر العيوب الخفية فتعكر الجو بنتنها ، وتفشى الأسرار الشخصية فتختنق صدور الأحرار بغازها ، ويرتفع برقع الحياء بين الزوجين ... فلا يسع أصحاب المروءات إلا الإعراض ، ومبارحة القاعة استنكار لما يذاع من الشتائم وهتك الأعراض ، بهدله وفضائح كالموج متلاطمة ، وظلمات بعضها فوق بعض متراكمة ... والسبب ؟ الطلاق ودواعيه ... واستباحة حمى الزوجية ، واقتحام مراعيه .
ولو عقل الأزواج المطلقون ، لتريثوا في صنيعهم ولم يسرعوا فما كان الطلاق ـ إلا نادرا ـ علاجا لسوء التفاهم الذي يحدث بينهم وزوجاتهم .. ولا كان استبدال الفراش شفاء للأنس إذا تبدد ولا طاردا للوحشة إذا حلت .. بل التوأدة والأناة هما الحصن الحصين الذي يدرأ زوابع الشقاق .
العوامل الواقية من الطلاق
البيت السعيد كالشجرة الطيبة يمهد له ، كما يمهد لها قبل الزرع : باختيار البذرة الأصيلة ، والتربة الكريمة ، والفصل المواتي ، والمناخ المناسب ، والأسمدة النافعة ، ولذلك قالت الحكمة المشهورة : الزواج الذي يثبت في الأرض أصله ، ويعلو في السماء فرعه ، ويزهر ، ويثمر ، ويدوم هو الذي توفرت فيه ، وتوفرت له ثلاث مقومات :
المقوم الأول : اختيار الشخص الذي ينتدب للوساطة في الخطوبة :
ويشترط الحكمة في الرسول لثلاثة اعتبارات :
اولا : لان الرسول مرآة المرسل الذي ارسله .. واختيار المرء دليل عقله .
فنجاح المهمة منوط بكفاءة الرسول وبوجاهته ونزاهته .
ثانيا : لان الرسول الناصح سيرشدك إلى المستوى الذي تسعد بمصاهرته ولا تشقى .
ثالثا : لان الوسيط الخير النبيل لا تنتهي مهمته بعقد الزواج ومراسيمه .. بل يبقى حارسا أمينا عليه يتعهده كما يتعهد الزارع حقلا أنشأه .
والمقوم الثاني : أن تسود روح التشاور والتفاهم بين الزوجين بين أبنائهم وبناتهم اخذين بقوه تعالى " وشاورهم في الأمر " وقوله تعالى " وأمرهم شورى بينهم" .
والمقوم الثالث : أن يطعم الشباب المقبلين على الزواج بالحقائق التي أذاعها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرعيل الاول في موضوع الزواج ـ فكانوا بها خير امة أخرجت للناس .. وهذه الحقائق هي :
الحقيقة الأولى ـ أن يتصفوا بما اتصف به أولياؤهم من المشورة .. ولا يهزأوا بتوجيهات الشيوخ المحنكين .
الحقيقة الثانية : أن يعلموا أن الكمال في الدنيا عزيز نادر الوجود فلا يطلبوه في زوجاتهم .. فإذا ساءهم منهن خلق سرهم وارضاهم خلق أخر ... قال .. فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ "قال .. صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ " لا يفرك مؤمن مؤمنة ـ أي يبغضها ـ إن كره منها خلقا رضي منها أخر " .
الحقيقة الثالثة : إياكم والمرأة الحسناء في منبت سوء قال صلى الله عليه وسلم "إياكم وخضراء الدمن" .. وخضراء الدمن هي الزهور النابتة في المزابل لذلك قال سيد العباد والنساك : "عليك بذات الدين تربت يداك " .
الحقيقة الرابعة : أن يحفظوا أن مقياس الخيرية والأفضلية في الزوجة خصلتان لا ثالث لهما بعد تقوى الله : قال صلى الله عليه وسلم : " أن خير نسائكم الولود الودود " ومعنى الحديث الشريف : إذا جمع الله لك في زوجتك أيها المسلم إنجاب اللبوات والأسود ، وإخلاص الحب لك وحدك بين الإيقاظ والرقود . فاضمهما إليك ضما ، وأحببها حبا جما ، فانك بها اسعد من في الوجود .
الحقيقة الخامسة : أن لا ينسوا أبدا أن المرأة أي امرأة ستبقى كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " أن المرأة خلقت من ضلع أعوج لن تستقيم لك على طريقة : فان استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج .. وان ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها .
ومعنى الحديث ان صفاء العيش لا يدوم .. تارة ينقشع الغمام وتارة يظلل ويحوم .. هكذا اقتصدت سنة الحي القيوم ... فعلى الرجل ان يوطن نفسه قبل الزواج على رحابة الصدر فيلبس شريكة حياته على علاتها , يغض الطرف عن زلاتها . ويحتمل الأعذار لتصرفاتها .
الحقيقة السادسة : أن يلزموا التوسط والاعتدال في جميع الأحوال فقد قال صلى الله عليه وسلم : خير الأمور أوسطها ... فلا إسراف ولا تقتير ولا تدليل ولا تقصير .. فبذلك يحصل ان شاء الله التناسق والانسجام .
الحقيقة السابعة : ان يتمعنـوا فـي قول الله عزوجل: ( الطلاق مرتان ) ومعنى الآية الكريمة : ان الله منحكم فرصة مراجعة الزوجة إذا قدر الفراق .. فلا يفوتوا على انسهم منحة الله لهم ... فانما الطلاق تأديب لا إبعاد وتهريب .. وفترة تأمل وساحة تريق وتمهل .
الطلاق في الشريعة الإسلامية :
أن الزواج هو المدخل الطبيعي الذي شرعه الله لبناء الأسرة التي هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع .. والمجتمع لا يكون قويا إلا إذا كان أساسه متينا مترابطا فقد حظي عقد الزاج في الإسلام بعناية خاصة فسماه ميثاقا غليظا ووضع له من القواعد والضوابط ما يكفل بقاءه واستمراريته لتؤدي الأسرة دورها المنشود في بناء صرح الأمة .
ولهذا كان من أساس الزواج في الإسلام انه عقد رضائي لا يتم إلا بارادتين ولا يقوم إلا على الاختيار والتراضي حين الزواج ومن أهدافه السكن والمودة والرحمة بين الزوجين والتناسل والمعاشرة بالمعروف .
ومن اجل ذلك كان الزواج علاقة مستمرة في الإنشاء والبناء على قواعد راسخة محكمة فإذا لم تتحقق الغاية منه لقصور في التعاون والتكافل يرجع إلى تنافر في الطباع أو إلى تقصير احد الزوجين أو كليهما في القيام بواجباته أو تنكر لحقوق الأخر عليه كان لابد من فصل العلاقة بين الزوجين لان في استمرارها على ماهي عليه ضررا لا يستقيم معه بناء الأسرة وتنهار به قواعدهـا .
ومن هنا نشأة الضرورة للأخذ بمبدأ الطلاق كعلاج لإنهاء مشاكل الأسرة وتقدير هذه الضرورة يعود للرجل غير انه لا يسوغ للرجل ان يمارس حق الطلاق في حدود الضرورة التي تقتضيه ويعتبر ظالما ومسئولا ان تجاوز هذا الحق فهو عند الله ابغض الحلال والمؤمن حقا يخشى سخط الله على الظالمين فالأصل في الطلاق الإباحة ولا يباح إلا للحاجة فقد روى الدار قطني عـن معاذ ( يا معاذ ما خلق الله شيئا أحب إلى الله من العتاق ولاخلق شيئا على وجه الأرض ابغض إليه من الطلاق) فإذ قال الرجل لمملوكه أنت حر أن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامراته أنت طالق إلا أن يشاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه .
فمن المعلوم أن الإسلام حين أباح الطلاق لم يسمح به إلا في حالات خاصة علاجا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضرارا بهذا لم يكن حقا مطلقا للرجل يملك إيقاعه كما شاء وكيف شاء وأما الطلاق في الإسلام تشريع منظم دقيق رسمت قواعده وحددت حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامة فمن تجاوز الحدود أوقع نفسه بذلك بما فيه الوعيد الشديد يقول الله تعالى : " وتلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون"
يتضح من ذلك أن الإسلام يضيق على الرجل في مسالك الطلاق حتى فيما يكرهه من أخلاق زوجته بل يذهب في دعوته إلى إمساكها إلى حد انه يعده على ذلك مثوبة وأجرا جزيلا وذلك في قوله سبحانه "وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" .
حتى وان وقع الطلاق فان الله سبحانه وتعالى قد أعطى الفرصة للرجوع فيه قبل مضي ثلاثة قرؤ كحق مطلق للرجل دون عقد ومهر جديدين وفي ذلك حكمة لجمع شمل الأسرة خصوصا إذا كان يوجد حمل بهدف المحافظة على تربية الأبناء في جو اسري وذلك كما جاء في قوله تعالى "والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قرؤ ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن احق بردهن في ذلك ان ارادوا اصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم " كما أباح الإسلام رد المطلقة في الطلاقين الأولين وفي ذلك أيضا حكم تربوية وجمع لشمل الأسرة ويقول الله تعالى في ذلك "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم ان تأخذوا مما اتيتموهن شيئا الا ان يخافا الا يقيما حدود الله فان خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون " .
حتى بعد الطلقة الثالثة اباح الله رد المطلقة ولكن بشرط ان ينكها زوج غيره ففي ذلك تضييق ودرس قاس للرجل لمن اراد ان يقيم حدود الله ويقول الله تعالى " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فـلا جناح عليهـا ان تراجعا ان ظنا ان يقيما حدود الله وتلك حـدود الله يبينها لقوم يعملون " .
ومع ذلك كله قد تطرأ على العلاقة الزوجية أمور تجعل الحياة بين الزوجين مصدر شقاء وخصام وشقاء فكان من رحمة الله بعباده ان شرع الطلاق ليكون مخلصا من زواج لا روح ولا خير فيه وتلك حسنة من محاسن التشريع الإسلامي الذي يأبى ان توأد معاني الالفة والمودة والرحمة بين الزوجين والتي بغيرها يصبح الزواج عدما ويصبح الطلاق بعثا جديدا لهذه الأنفس المتافرة .
وفد أوجب الإسلام اتخاذ سلسلة من المحاولات العلاجية قل الشروع في الطلاق لقوله تعالى " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليه سبيلا ان الله كان عليا كبيرا وان خفتم شقاق بينهم فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ان يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله عليما خبيرا .
فالشريعة لم تجعل الطلاق أمرا سهلا ولا ميسورا ثم انها وضعت مبدأ المراجعة بين الزوجين إذا بدا لهما بعد تجربة الفراق ان عوامل الألفة والمصلحة اكبر وأقوى من عوام النفور والكراهية .
حقوق وواجبات الزوجين :
الأسرة هي مؤسسة اجتماعية واقتصادية تستمد مفهومها من التسمية التي تدل عليها فهي تدعى الأسرة او العائلة فالأسرة مشتقة من الأسر والأسر معناه المادي هو الشد أو الربط بقطعة من ا لجلد تسمى السير كان يشد بها الأسير وبالمعنى المجازي تعني الآسرة الرابطة التي تربط بين أفرادها وتشد بعضها إلى بعض وتجعل منه قوة وهي بذلك تعني الجانب الاجتماعي من المؤسسة .
أما العائلة فهي مشتقة من العول وهو كثرة العيال والعيال هم من يلتزم الرجل بمؤنته والإنفاق عليهم وهي بذلك تعني الجانب الاقتصادي من المؤسسة .. وقد أناط الإسلام إدارة هذه المؤسسة بالرجل أبا وزوجا ومنحه السلطة للحفاظ على الرابطة التي تشد أفرادها بعضهم ببعض الزمه الإنفاق عليها وتأمين ما تحتاج اليه من نفقة ومؤونة وبذلك وضعه في مركز القيادة في مؤسسة هي عماد المجتمع والأساس الذي يبنى عليه .
ويستمد الرجل سلطته في الأسرة من مركزه القيادي وهو مركز اعترفت به جميع القوانين والشرائع غير ان الإسلام اخضع هذه السلطة معايير إنسانية وأخلاقية مضمونة بضوابط الإيمان وأقام العلاقة بين الزوجين على أساس المودة والرحمة .
والى جانب ذلك نقل الإسلام المرأة من مرتبة التبعية الى رتبة المشاركة في إدارة الأسرة والقي عليها أعباء القيام بمرافقها الداخلية وبكل ما يتصل بطبيعتها وساواها بالرجل في الحقوق الإنسانية ولولا شدة الإيمان بالرسول وبدعوته لاستحال على العرب قبول هذا التعديل في مرتبة المرأة .
أن أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة في الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات .. واصل ذلك قول الله تعالى " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة " والأساس الذي وضعه الإسلام للتعامل بين الزوجين وتنظيم الحياة بينهما هو أساس فطري وطبيعي ، فالرجل اقدر على العمل والكدح والكسب خارج المنزل والمرأة اقدر على تدبير المنزل وتربية الأولاد وتيسير أسباب الراحة البيتية والطمأنينة المنزلية فيكلف الرجل بما هو مناسب له وتكلف المرأة بما هو من طبيعتها وبهذا ينتظم البيت من ناحية الداخل والخارج دون أن يجد أي واحد من الزوجين سببا من أسباب انقسام البيت على نفسه .
وقد حكم رسول الله صلى الله عليه ولسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها فجعل على فاطمة خدمة البيت وجعل على علي العمل والكسب .. بجانب توزيع الحقوق والوجبات بين الزوجين فان هناك جوانب أخرى في التعامل بينهما يجب ان تراعى كحق من حقوق الزوجة وذلك من خلال مركز كل منهما وطبيعة تكوينهما فقد قرر الإسلام حقوق وواجبات كل منهما نحو الآخر ، حيث وصف الله سبحانه وتعالى الزوجات الصالحات فقال : فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " وجاء الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خيـر النساء من إذ نظـرت إليها سرتك ، وذا أمرتها أطاعتك ، وإذا أقسمت عليها أبرتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك "
أن أكثر ما يدخل المرأة النار عصيانها لزوجها وكفرانها إحسانه إليه حيث جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن الشخص لو أحسنت إلى احدهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط ، وفي حديث أخر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "طلب الطلاق من غير بائس يحرم المرأة رائحة الجنة "
فالحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن والمودة والرحمة وحسن المعاشرة واداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق وقد يحدث ان يكره الرجل زوجته او تكره هي زوجها والإسلام في هذه الحالة يوصى بالصبر والاحتمال وينصح بعلاج ما عسى ان يكون من أسباب الكراهية قال الله تعالى : وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " وفي الحديث الصحيح : لا يفرك مؤمن مؤمنة أن كره منها خلقا رضي منها خلقا خر : إلا انه في بعض الأوقات قد يتضاعف ويشتد الشقاق ويصعب العلاج وينفذ الصبر ويذهب ما أسس عليه البيت من ا لسكن والمودة والرحمة واداء الحقوق وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإصلاح وحينئذ يرخص الإسلام بالعلاج الوحيد الذي لا بد منه .
إلا انه يوجد من الأزواج من يوقعون الطلاق في نزوة طيش أو سعيا وراء حب جديد ينطلق من هوى جامح فيهدمون بكلمة واحدة بيتا كان ينبغي أن يبقى معمور وينقضون عهدا كان ينبغي ان يراعى فيه حق الوفاء .
وليس من المروءة في شيْ أن يبنى حب الزوج إذا ذهبت نضارة زوجته وذوى شبابها وان ينسى حسن الصحبة والرعاية والود ... وإذا كان الحب مطلوبا في التزاوج فلا يمكن استمراره لارتباطه بالشباب والجمال وهما عنصران لا يقبلا الدوام ومن اجل ذلك نرى الإسلام يراعى الحب في انعقاد الزواج ويتجلى ذلك بجعله إرادة المرأة ركنا أساسيا في انعقاده ولكنه لا يعتمده في بناء الأسرة لأنه عنصر زائل وإنما يعتمد في بنائها على المودة والرحمة وهما عنصران ثابتان وعنهما ينشأ الالتزام بالوفاء ومصداق ذلك في قوله تعالى "ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"
فالإسلام قد حرص على ان تقوم حقوق الزوجين وواجباتهما على أساس من المودة والرحمة فقد ربط الإسلام بين الزوجين برباط المحبة يضمهما كما يضم اللباس الجسد فيكون كل منهما لباسا للأخر وفي ذلك يقول تعالى : هن لباس لكم وانتم لباس لهن" ولم يذكر الله الحب ولم يجعله رباطا بل ذكر المودة والرحمة وجعلهما الرباط لان الحب نزوة جسدية تشبهها الشوق ولا يصلح أساس لدوام العشرة وغالبا ما تنطفئ جذوته بعد الزواج فهو ليس من عناصر الثبات في الحياة الزوجية فكم رأينا رباط قائم على الحب ثم ما لبث أن تراخى وانتهى بالفراق أما المودة والرحمة فهما رباط روحي منهما تنشأ المحبة لتتلاءم بين جسدين تعدهما الحياة مستقرة ومستمرة ومشاركة في إنشاء أسرة .
وقـد روى أن عمـر بن الخطاب قال لرجل هم بطلاق زوجته : لم تطلقها ؟ قال : لا أحبها فقل له عمر : أو كل البيوت بنيت على الحب . أين الرعاية والتذمم ؟
وقد قرر الإسلام من خلال مركز كل الزوجين وطبيعة تكوينه حقوق وواجبات كل منهما نحو الآخر فمن حق المرأة على الرجل أن يرفق لها وان يلطف لها القول فهي لقوة التفاهم مرهفة الحس لذلك أطلق النبي عليه الصلاة والسلام على النساء اسم (القوارير) وهي مجازية تقوم على تشبيه المرأة بالزجاجة الرقيقة هينة الكسر فكان يقو (رفقا بالقوارير) .
وعلى الرجل ألا يهين امرأته بشتم أو ضرب أما ما جاء في القران الكريم عن ضرب المرأة فذلك له قصة وان نساء الأنصار كان فيهن جرأة على أزواجهن فلما قدم المهاجرون إلى المدينة تزوجوا من نسائها فلم يحتملوا جرأتهن عليهم فكان الرجل إذا اجترأت امرأته عليها يلطمها فاشتكت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من لطمة زوجها فنهى النبي صلى الله عليه وسم عن ضرب النساء وقال ( ولا تضربوا اماء الله) ثم جاءته امرأة أخرى تشكو زوجها وقد ضربها ضربا شديدا فانكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يظل أحدكم يضرب امراته ضرب العبد ثم يظل يعانقها ولا يستحي وقد اطمع نهي الرسول عن ضرب النساء فتطاولن على أزواجهن وأمعن في التطاول فاقل عمر بن الخطاب الى الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقل يا رسول الله ان النساء قد دئرن على أزواجهن قال فاضربوهن ويروى الإمام الزهري أن الرسول صلى الله عليه وسلم اصبح بعد هذه الاجازة فوجد عند بابه سبعين امرأة يشتكين أزواجهن فقال : لا تحسبوا الذي يضربون نساءهم خياركم وهو ان يمنح النساء حق القصاص من أزواجهن وعندئذ نزل الآية "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وما انفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ان الله كان عليا كبيرا " ولا يجوز للرجل ان يلجأ الى الضرب الا بعد ان يستنفذ الوسائل الاخرى من نصح وهجر .
ولم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ضرب امرأة ولا خادما بل كان يحتمل ذأر بعض زوجاته وإنصافهن عليه فلا يكلمنه حتى ان عائشة كانت تقول له اذا كانت غضبي منه أنت الذي تزعم انك نبي ؟ فيبسم ويحتمل مها ذلك حلما وكرما .
أن دوام الحياة الزوجية رهن بدوام المحبة بين الزوجين والمحبة هي الحب السليم يتحول بعد الزواج الى إحساس بتبادل المودة والرحمة بين الزوجين وشعور بالواجب الملقى على كل منهما بحيث يسود الحياة الزوجية تفاهم وتسامح ورضا .
مشكلات الحياة الحديثة :
ان التبدل الذي طرأ على بنية الأسرة وانحسار التقاليد التي كانت تضبط قواعد التربية الإسلامية من صدق وأمانة احتشام وحياء وإيمان بما يقوى النفس على الصبر واحتمال متاعب الحياة وما رافق ذلك التبدل من ثقل تكاليف الحياة وصعوبة تأمينها قد أدى إلى سرعة الانفعال وحدوث الطلاق حيث ضاق الصبر ونفذ الاحتمال فالأسرة الإسلامية تعاني حاليا من مشكلات كثيرة تزيد من أحداث الطلاق لما أصاب المجتمع الإسلامي من تحول مفاجئ في حياته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية منذ مطلع هذا القرن فانتشار العلم ابرز شخصية الفرد الذي كان مندمجا في الأسرة وحد من سلطان رب الأسرة الذي كان يتمتع بسلطان الأمر والنهي وبفرض طاعته على أفرادها وقد أدى بروز الشخصية الفردية إلى الشعور بالاستقلال واخذ هذا الشعور يشمل المراة بعد تحررها من العزلة والأمية ومشاركة الرجل في العلم والعمل كما أدى الى التحرر من تقاليد الأسرة مما اظهر نوعا من التبدل في طرائق الخطبة والزواج فالمرأة لم تعد محجوبة عن الرجل بل أصبح يراها في الطريق وتراه واتسعت امام الرجل ساحة الاختيار وأصبحت معايير الكفاءة تقدر غالبا بالمال والجمال اما معيار الخلق والتربية والسلوك التي كانت أساس في التقاليد فقد تراخى شانها وغلبت عليها المعايير المادية التي قد تكون ظاهر خادعة وموقوته لا تلبث بعد الزواج ان تظهر على حقيقتها فينجلي ـ في حالات عديدة ـ ما أخفاه الخداع والتجمل قبل الزواج من اختلاف الطبع والأخلاق والسلوك .
ففي عهد الخطبة يظهر كل من الخاطبين أفضل مزاياه ويخفي ما ساء من خلفه وتبرز الطباع على حقيقتها بعد الزواج يتجلى الخلق على حقيقته فقد يكون طبع احد الزوجين على نفيض الأخر كأن يكون احدهما مسرفا والأخر مقتصدا أو يكون احدهم متحررا من التقاليد والأخر محافظا عليها أو يكون احدهما صاحب هواية يكرهها الأخر أو يكون مختلفين في الرأي حول مسائل جوهرية تتعلق بحياتهما الخاصة أو حياتهما في المجتمع أو يكون احدهما شرسا معاندا والاخر لينا رقيقا .
كما ثقلت تكاليف الحياة بما استحدثه تطور الحياة الاجتماعية الاقتصادية من حاجات ضاقت مواد الطبقتين الدنيا والوسطى عن سدها في الوقت الذي أضحى فيه الزواج عند الطبقة المترفة تناسفا في البذخ والسرف والتبذير ولم يعد استمتاعا بدفء الحياة الزوجية بل استمتاعا بملاذ الحياة ونعيمها يستقل بطلبها كل من الزوجين يلتقيا في الوجوه ويعيشان في غربة الروح فيحتل المال محل الصراع لينتهي الطلاق .
منقول ....
أسبــاب الطـــلاق
أسباب الطلاق متعددة متشعبة لا يكاد يأتي عليه حصر ويمكن تلخيصها فيما يلي :
أ ـ أسباب خارجة عن نطاق الزوجين ، فهما إذا افترقا فرغما عنهما ويتجلى ذلك في الحالات الآتية :
1 ـ عند تدخل الغرباء عن قصد وعن غير قصد بالنميمة بين العائلتين المتصاهرتين فلا تهدأ نار الفتنة تتأجج حتى تفرق بين المتحابين .
2 ـ عندما تتحرك الغيرة في قلب أخت الزوج خاصة عندما تكون بائرة قابعة بدار الأبوة محرومة من المتعة الزوجية حسية ومعنوية فتفرغ للإفساد بين الزوجة وأخيها بتكبير الصغائر ، وتشويه الحقائق وخلق الاتهامات فلا يهدأ لها بال حتى تقطع ما أمر الله به أن يوصل .
3 ـ تحكـم والـدة الزوج فـي ابنهـا ، وتحكـم والـدة الزوجـة فـي بنتهـا .. بحيث تصبح دار الزوجية وتمسى نهبا مقسما بين معسكـرين كلاهما يملي إرادته ، ويحكم سيطرته من خلال عميلة .
ب ـ أسباب خارجة عن نطاق الزوجة ويتمثل ذلك فيما يلي :
1 ـ لثقل في روحها جبلت عليه وكلنا يعلم ما لثقل الظل من ثقل على النفوس .
2 ـ لتزمت وجمود فكري نشأت عليه فراحت لا تقوى على ما يريدها زوجها عليه من مستلزمات العصر كالسفر والتفسح البريء والتطرية والتزين .
3 ـ لرزانة مفرطة وحياء دائم منعها ان تتجاوب مع متطلبات الزوج في المرح وتبادل النكتة ، ومبادرة الملاعبة والمداعبة .
4 لغباوة موروثة ، وغفلة فطرية ، فهي قاصرة عن تدبير مملكتها .
5 ـ لعقمها عن إنجاب الأطفال .
6 ـ لمرض مزمن استحال برؤها منه .
7 ـ لقصر في قامتها ولطافة في جسمها بحيث لا تملاْ العينين عند النظر ولا اليدين في العناق .
8 ـ لأنها طويلة نحيفة ، موشكة على الانحناء تتراءى للزوج عجوزا قبل الأوان .
9 ـ لعدم التناسق بين أعضائها وفقدان الوسامة والجمال من وجهها .
10 ـ لبذاءة لسانها وثرثرتها ، وسوء ظنونها ، وحماقتها التي تعيي من يداويها .
11 ـ لعدم أمانتها على ما في (جيب) زوجها وخزانته .
12 ـ لخداع ذويها بإخفاء عمرها عن زوجها يوم الخطبة فإذا هي تكبره سنا وتربو عليه زندقة ... وهو إنما يريد الصبا والجمال ملك يديه .
13 ـ لنقضه شرطا من شروط الزواج وهو ان لا يتزوج عنها دون رضاها .
ج ـ أسباب يرفضها الدين والمجتمع ويتمسك بها الزوج استكبارا وعنادا ويتمثل ذلك فيما يلي .
1 ـ إرغـام الزوجة على السفر خارج الوطن .
2 ـ إرغامهـا على ترك الاختفاء والتسستر أمام غير ذي محرم لها . كأخ الزوج ، وزوج الأخت وما إلى ذلك من أصدقاء وضيوف .
3 ـ معاشرتها أثناء الحيض أو نهار رمضان ولا يقبل منها الامتناع .
4 ـ إلزامها مشاركته في القمار واحتساء كؤوس الخمر ... إلى أخر ذلك من المنكرات .
5 ـ إلزامها البقاء زوجة له ، وهو قاعد على فراش حرام .
د ـ أسباب يلوح بها البعض كسبب حقيقي ألجأهم للطلاق كهبوط المستوى الثقافي أو العلمي عند الفتاة .
الأخطار الناجمة عن الطلاق
تبـدأ المنغصات في الحيـاة الزوجية أول ما تبدأ كإرهاص للطلاق ان يصغي الرجـل إلى هاجس الطلاق يراوده .. وشيطـان الفراق ينزغه ويعاوده .. ثم لا يلبث إلا قليلا إذا به يسرع إلى حل الرباط المقدس تحت ضغط الخواطر الطائرة ، والوساوس الطارئة ، فإذا البيوت في لحظة بعد طول انسها موحشة شاغـرة ، واذا الزوجـات بيـن عشية وضحاهـا وفـي فـورة غضب عابـرة ، أرامل بائرة ، وإذا الذرية ربائب ذليلة في كفالة جائرة ... أو مشردة تتسول ضائعـة .. متسكعة حائرة ... ولا تسل عـن أباء المطلقـات وأمهاتهـن ، لقد أصبحو ولا من يرثي لحالهم ، وفي أزمات مؤرقات وهموم مقيمات مقعدات ... ثم لا تسل عن القطيعة بين الأصهار التي يشتعل فور الطلاق فتيلها ويمتد إلى الأطراف لهيبها ... وتعظم البلية ، ويتفاقم الخطب إذا كانت المصاهرة في القرابة ، او عندما يتدخل الفضوليون المفتونون بالنفخ في الجمر المتقد ليزداد اتقادا .. ويا ويح المجتمع إذا تعقدت الأمور بالكذب والزور ، ويمين الفجور ... ويا ويله ثم ويله اذا تعدت إلى النكاية والشماتة والظلم والانتقام .. عندها يفلت من يد العقلاء الزمام ، وتغيب الإفهام ، ويتحول إلى المحاكم الخصام ... وهناك تؤول المحاكم ـ بدورها ـ إلى مراجل بالاتهامات تمور ، والقلوب إلى قدور ، بالأحقاد تفور ، وتمسي وتصبح المحاماة كالرحوات تدور ... وفي قاعاتها المشحونة بالمتفرجين والمتربصين تنتشر العيوب الخفية فتعكر الجو بنتنها ، وتفشى الأسرار الشخصية فتختنق صدور الأحرار بغازها ، ويرتفع برقع الحياء بين الزوجين ... فلا يسع أصحاب المروءات إلا الإعراض ، ومبارحة القاعة استنكار لما يذاع من الشتائم وهتك الأعراض ، بهدله وفضائح كالموج متلاطمة ، وظلمات بعضها فوق بعض متراكمة ... والسبب ؟ الطلاق ودواعيه ... واستباحة حمى الزوجية ، واقتحام مراعيه .
ولو عقل الأزواج المطلقون ، لتريثوا في صنيعهم ولم يسرعوا فما كان الطلاق ـ إلا نادرا ـ علاجا لسوء التفاهم الذي يحدث بينهم وزوجاتهم .. ولا كان استبدال الفراش شفاء للأنس إذا تبدد ولا طاردا للوحشة إذا حلت .. بل التوأدة والأناة هما الحصن الحصين الذي يدرأ زوابع الشقاق .
العوامل الواقية من الطلاق
البيت السعيد كالشجرة الطيبة يمهد له ، كما يمهد لها قبل الزرع : باختيار البذرة الأصيلة ، والتربة الكريمة ، والفصل المواتي ، والمناخ المناسب ، والأسمدة النافعة ، ولذلك قالت الحكمة المشهورة : الزواج الذي يثبت في الأرض أصله ، ويعلو في السماء فرعه ، ويزهر ، ويثمر ، ويدوم هو الذي توفرت فيه ، وتوفرت له ثلاث مقومات :
المقوم الأول : اختيار الشخص الذي ينتدب للوساطة في الخطوبة :
ويشترط الحكمة في الرسول لثلاثة اعتبارات :
اولا : لان الرسول مرآة المرسل الذي ارسله .. واختيار المرء دليل عقله .
فنجاح المهمة منوط بكفاءة الرسول وبوجاهته ونزاهته .
ثانيا : لان الرسول الناصح سيرشدك إلى المستوى الذي تسعد بمصاهرته ولا تشقى .
ثالثا : لان الوسيط الخير النبيل لا تنتهي مهمته بعقد الزواج ومراسيمه .. بل يبقى حارسا أمينا عليه يتعهده كما يتعهد الزارع حقلا أنشأه .
والمقوم الثاني : أن تسود روح التشاور والتفاهم بين الزوجين بين أبنائهم وبناتهم اخذين بقوه تعالى " وشاورهم في الأمر " وقوله تعالى " وأمرهم شورى بينهم" .
والمقوم الثالث : أن يطعم الشباب المقبلين على الزواج بالحقائق التي أذاعها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرعيل الاول في موضوع الزواج ـ فكانوا بها خير امة أخرجت للناس .. وهذه الحقائق هي :
الحقيقة الأولى ـ أن يتصفوا بما اتصف به أولياؤهم من المشورة .. ولا يهزأوا بتوجيهات الشيوخ المحنكين .
الحقيقة الثانية : أن يعلموا أن الكمال في الدنيا عزيز نادر الوجود فلا يطلبوه في زوجاتهم .. فإذا ساءهم منهن خلق سرهم وارضاهم خلق أخر ... قال .. فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ "قال .. صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ " لا يفرك مؤمن مؤمنة ـ أي يبغضها ـ إن كره منها خلقا رضي منها أخر " .
الحقيقة الثالثة : إياكم والمرأة الحسناء في منبت سوء قال صلى الله عليه وسلم "إياكم وخضراء الدمن" .. وخضراء الدمن هي الزهور النابتة في المزابل لذلك قال سيد العباد والنساك : "عليك بذات الدين تربت يداك " .
الحقيقة الرابعة : أن يحفظوا أن مقياس الخيرية والأفضلية في الزوجة خصلتان لا ثالث لهما بعد تقوى الله : قال صلى الله عليه وسلم : " أن خير نسائكم الولود الودود " ومعنى الحديث الشريف : إذا جمع الله لك في زوجتك أيها المسلم إنجاب اللبوات والأسود ، وإخلاص الحب لك وحدك بين الإيقاظ والرقود . فاضمهما إليك ضما ، وأحببها حبا جما ، فانك بها اسعد من في الوجود .
الحقيقة الخامسة : أن لا ينسوا أبدا أن المرأة أي امرأة ستبقى كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " أن المرأة خلقت من ضلع أعوج لن تستقيم لك على طريقة : فان استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج .. وان ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها .
ومعنى الحديث ان صفاء العيش لا يدوم .. تارة ينقشع الغمام وتارة يظلل ويحوم .. هكذا اقتصدت سنة الحي القيوم ... فعلى الرجل ان يوطن نفسه قبل الزواج على رحابة الصدر فيلبس شريكة حياته على علاتها , يغض الطرف عن زلاتها . ويحتمل الأعذار لتصرفاتها .
الحقيقة السادسة : أن يلزموا التوسط والاعتدال في جميع الأحوال فقد قال صلى الله عليه وسلم : خير الأمور أوسطها ... فلا إسراف ولا تقتير ولا تدليل ولا تقصير .. فبذلك يحصل ان شاء الله التناسق والانسجام .
الحقيقة السابعة : ان يتمعنـوا فـي قول الله عزوجل: ( الطلاق مرتان ) ومعنى الآية الكريمة : ان الله منحكم فرصة مراجعة الزوجة إذا قدر الفراق .. فلا يفوتوا على انسهم منحة الله لهم ... فانما الطلاق تأديب لا إبعاد وتهريب .. وفترة تأمل وساحة تريق وتمهل .
الطلاق في الشريعة الإسلامية :
أن الزواج هو المدخل الطبيعي الذي شرعه الله لبناء الأسرة التي هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع .. والمجتمع لا يكون قويا إلا إذا كان أساسه متينا مترابطا فقد حظي عقد الزاج في الإسلام بعناية خاصة فسماه ميثاقا غليظا ووضع له من القواعد والضوابط ما يكفل بقاءه واستمراريته لتؤدي الأسرة دورها المنشود في بناء صرح الأمة .
ولهذا كان من أساس الزواج في الإسلام انه عقد رضائي لا يتم إلا بارادتين ولا يقوم إلا على الاختيار والتراضي حين الزواج ومن أهدافه السكن والمودة والرحمة بين الزوجين والتناسل والمعاشرة بالمعروف .
ومن اجل ذلك كان الزواج علاقة مستمرة في الإنشاء والبناء على قواعد راسخة محكمة فإذا لم تتحقق الغاية منه لقصور في التعاون والتكافل يرجع إلى تنافر في الطباع أو إلى تقصير احد الزوجين أو كليهما في القيام بواجباته أو تنكر لحقوق الأخر عليه كان لابد من فصل العلاقة بين الزوجين لان في استمرارها على ماهي عليه ضررا لا يستقيم معه بناء الأسرة وتنهار به قواعدهـا .
ومن هنا نشأة الضرورة للأخذ بمبدأ الطلاق كعلاج لإنهاء مشاكل الأسرة وتقدير هذه الضرورة يعود للرجل غير انه لا يسوغ للرجل ان يمارس حق الطلاق في حدود الضرورة التي تقتضيه ويعتبر ظالما ومسئولا ان تجاوز هذا الحق فهو عند الله ابغض الحلال والمؤمن حقا يخشى سخط الله على الظالمين فالأصل في الطلاق الإباحة ولا يباح إلا للحاجة فقد روى الدار قطني عـن معاذ ( يا معاذ ما خلق الله شيئا أحب إلى الله من العتاق ولاخلق شيئا على وجه الأرض ابغض إليه من الطلاق) فإذ قال الرجل لمملوكه أنت حر أن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامراته أنت طالق إلا أن يشاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه .
فمن المعلوم أن الإسلام حين أباح الطلاق لم يسمح به إلا في حالات خاصة علاجا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضرارا بهذا لم يكن حقا مطلقا للرجل يملك إيقاعه كما شاء وكيف شاء وأما الطلاق في الإسلام تشريع منظم دقيق رسمت قواعده وحددت حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامة فمن تجاوز الحدود أوقع نفسه بذلك بما فيه الوعيد الشديد يقول الله تعالى : " وتلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون"
يتضح من ذلك أن الإسلام يضيق على الرجل في مسالك الطلاق حتى فيما يكرهه من أخلاق زوجته بل يذهب في دعوته إلى إمساكها إلى حد انه يعده على ذلك مثوبة وأجرا جزيلا وذلك في قوله سبحانه "وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" .
حتى وان وقع الطلاق فان الله سبحانه وتعالى قد أعطى الفرصة للرجوع فيه قبل مضي ثلاثة قرؤ كحق مطلق للرجل دون عقد ومهر جديدين وفي ذلك حكمة لجمع شمل الأسرة خصوصا إذا كان يوجد حمل بهدف المحافظة على تربية الأبناء في جو اسري وذلك كما جاء في قوله تعالى "والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قرؤ ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن احق بردهن في ذلك ان ارادوا اصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم " كما أباح الإسلام رد المطلقة في الطلاقين الأولين وفي ذلك أيضا حكم تربوية وجمع لشمل الأسرة ويقول الله تعالى في ذلك "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم ان تأخذوا مما اتيتموهن شيئا الا ان يخافا الا يقيما حدود الله فان خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون " .
حتى بعد الطلقة الثالثة اباح الله رد المطلقة ولكن بشرط ان ينكها زوج غيره ففي ذلك تضييق ودرس قاس للرجل لمن اراد ان يقيم حدود الله ويقول الله تعالى " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فـلا جناح عليهـا ان تراجعا ان ظنا ان يقيما حدود الله وتلك حـدود الله يبينها لقوم يعملون " .
ومع ذلك كله قد تطرأ على العلاقة الزوجية أمور تجعل الحياة بين الزوجين مصدر شقاء وخصام وشقاء فكان من رحمة الله بعباده ان شرع الطلاق ليكون مخلصا من زواج لا روح ولا خير فيه وتلك حسنة من محاسن التشريع الإسلامي الذي يأبى ان توأد معاني الالفة والمودة والرحمة بين الزوجين والتي بغيرها يصبح الزواج عدما ويصبح الطلاق بعثا جديدا لهذه الأنفس المتافرة .
وفد أوجب الإسلام اتخاذ سلسلة من المحاولات العلاجية قل الشروع في الطلاق لقوله تعالى " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليه سبيلا ان الله كان عليا كبيرا وان خفتم شقاق بينهم فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ان يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله عليما خبيرا .
فالشريعة لم تجعل الطلاق أمرا سهلا ولا ميسورا ثم انها وضعت مبدأ المراجعة بين الزوجين إذا بدا لهما بعد تجربة الفراق ان عوامل الألفة والمصلحة اكبر وأقوى من عوام النفور والكراهية .
حقوق وواجبات الزوجين :
الأسرة هي مؤسسة اجتماعية واقتصادية تستمد مفهومها من التسمية التي تدل عليها فهي تدعى الأسرة او العائلة فالأسرة مشتقة من الأسر والأسر معناه المادي هو الشد أو الربط بقطعة من ا لجلد تسمى السير كان يشد بها الأسير وبالمعنى المجازي تعني الآسرة الرابطة التي تربط بين أفرادها وتشد بعضها إلى بعض وتجعل منه قوة وهي بذلك تعني الجانب الاجتماعي من المؤسسة .
أما العائلة فهي مشتقة من العول وهو كثرة العيال والعيال هم من يلتزم الرجل بمؤنته والإنفاق عليهم وهي بذلك تعني الجانب الاقتصادي من المؤسسة .. وقد أناط الإسلام إدارة هذه المؤسسة بالرجل أبا وزوجا ومنحه السلطة للحفاظ على الرابطة التي تشد أفرادها بعضهم ببعض الزمه الإنفاق عليها وتأمين ما تحتاج اليه من نفقة ومؤونة وبذلك وضعه في مركز القيادة في مؤسسة هي عماد المجتمع والأساس الذي يبنى عليه .
ويستمد الرجل سلطته في الأسرة من مركزه القيادي وهو مركز اعترفت به جميع القوانين والشرائع غير ان الإسلام اخضع هذه السلطة معايير إنسانية وأخلاقية مضمونة بضوابط الإيمان وأقام العلاقة بين الزوجين على أساس المودة والرحمة .
والى جانب ذلك نقل الإسلام المرأة من مرتبة التبعية الى رتبة المشاركة في إدارة الأسرة والقي عليها أعباء القيام بمرافقها الداخلية وبكل ما يتصل بطبيعتها وساواها بالرجل في الحقوق الإنسانية ولولا شدة الإيمان بالرسول وبدعوته لاستحال على العرب قبول هذا التعديل في مرتبة المرأة .
أن أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة في الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات .. واصل ذلك قول الله تعالى " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة " والأساس الذي وضعه الإسلام للتعامل بين الزوجين وتنظيم الحياة بينهما هو أساس فطري وطبيعي ، فالرجل اقدر على العمل والكدح والكسب خارج المنزل والمرأة اقدر على تدبير المنزل وتربية الأولاد وتيسير أسباب الراحة البيتية والطمأنينة المنزلية فيكلف الرجل بما هو مناسب له وتكلف المرأة بما هو من طبيعتها وبهذا ينتظم البيت من ناحية الداخل والخارج دون أن يجد أي واحد من الزوجين سببا من أسباب انقسام البيت على نفسه .
وقد حكم رسول الله صلى الله عليه ولسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها فجعل على فاطمة خدمة البيت وجعل على علي العمل والكسب .. بجانب توزيع الحقوق والوجبات بين الزوجين فان هناك جوانب أخرى في التعامل بينهما يجب ان تراعى كحق من حقوق الزوجة وذلك من خلال مركز كل منهما وطبيعة تكوينهما فقد قرر الإسلام حقوق وواجبات كل منهما نحو الآخر ، حيث وصف الله سبحانه وتعالى الزوجات الصالحات فقال : فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " وجاء الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خيـر النساء من إذ نظـرت إليها سرتك ، وذا أمرتها أطاعتك ، وإذا أقسمت عليها أبرتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك "
أن أكثر ما يدخل المرأة النار عصيانها لزوجها وكفرانها إحسانه إليه حيث جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن الشخص لو أحسنت إلى احدهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط ، وفي حديث أخر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "طلب الطلاق من غير بائس يحرم المرأة رائحة الجنة "
فالحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن والمودة والرحمة وحسن المعاشرة واداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق وقد يحدث ان يكره الرجل زوجته او تكره هي زوجها والإسلام في هذه الحالة يوصى بالصبر والاحتمال وينصح بعلاج ما عسى ان يكون من أسباب الكراهية قال الله تعالى : وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " وفي الحديث الصحيح : لا يفرك مؤمن مؤمنة أن كره منها خلقا رضي منها خلقا خر : إلا انه في بعض الأوقات قد يتضاعف ويشتد الشقاق ويصعب العلاج وينفذ الصبر ويذهب ما أسس عليه البيت من ا لسكن والمودة والرحمة واداء الحقوق وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإصلاح وحينئذ يرخص الإسلام بالعلاج الوحيد الذي لا بد منه .
إلا انه يوجد من الأزواج من يوقعون الطلاق في نزوة طيش أو سعيا وراء حب جديد ينطلق من هوى جامح فيهدمون بكلمة واحدة بيتا كان ينبغي أن يبقى معمور وينقضون عهدا كان ينبغي ان يراعى فيه حق الوفاء .
وليس من المروءة في شيْ أن يبنى حب الزوج إذا ذهبت نضارة زوجته وذوى شبابها وان ينسى حسن الصحبة والرعاية والود ... وإذا كان الحب مطلوبا في التزاوج فلا يمكن استمراره لارتباطه بالشباب والجمال وهما عنصران لا يقبلا الدوام ومن اجل ذلك نرى الإسلام يراعى الحب في انعقاد الزواج ويتجلى ذلك بجعله إرادة المرأة ركنا أساسيا في انعقاده ولكنه لا يعتمده في بناء الأسرة لأنه عنصر زائل وإنما يعتمد في بنائها على المودة والرحمة وهما عنصران ثابتان وعنهما ينشأ الالتزام بالوفاء ومصداق ذلك في قوله تعالى "ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"
فالإسلام قد حرص على ان تقوم حقوق الزوجين وواجباتهما على أساس من المودة والرحمة فقد ربط الإسلام بين الزوجين برباط المحبة يضمهما كما يضم اللباس الجسد فيكون كل منهما لباسا للأخر وفي ذلك يقول تعالى : هن لباس لكم وانتم لباس لهن" ولم يذكر الله الحب ولم يجعله رباطا بل ذكر المودة والرحمة وجعلهما الرباط لان الحب نزوة جسدية تشبهها الشوق ولا يصلح أساس لدوام العشرة وغالبا ما تنطفئ جذوته بعد الزواج فهو ليس من عناصر الثبات في الحياة الزوجية فكم رأينا رباط قائم على الحب ثم ما لبث أن تراخى وانتهى بالفراق أما المودة والرحمة فهما رباط روحي منهما تنشأ المحبة لتتلاءم بين جسدين تعدهما الحياة مستقرة ومستمرة ومشاركة في إنشاء أسرة .
وقـد روى أن عمـر بن الخطاب قال لرجل هم بطلاق زوجته : لم تطلقها ؟ قال : لا أحبها فقل له عمر : أو كل البيوت بنيت على الحب . أين الرعاية والتذمم ؟
وقد قرر الإسلام من خلال مركز كل الزوجين وطبيعة تكوينه حقوق وواجبات كل منهما نحو الآخر فمن حق المرأة على الرجل أن يرفق لها وان يلطف لها القول فهي لقوة التفاهم مرهفة الحس لذلك أطلق النبي عليه الصلاة والسلام على النساء اسم (القوارير) وهي مجازية تقوم على تشبيه المرأة بالزجاجة الرقيقة هينة الكسر فكان يقو (رفقا بالقوارير) .
وعلى الرجل ألا يهين امرأته بشتم أو ضرب أما ما جاء في القران الكريم عن ضرب المرأة فذلك له قصة وان نساء الأنصار كان فيهن جرأة على أزواجهن فلما قدم المهاجرون إلى المدينة تزوجوا من نسائها فلم يحتملوا جرأتهن عليهم فكان الرجل إذا اجترأت امرأته عليها يلطمها فاشتكت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من لطمة زوجها فنهى النبي صلى الله عليه وسم عن ضرب النساء وقال ( ولا تضربوا اماء الله) ثم جاءته امرأة أخرى تشكو زوجها وقد ضربها ضربا شديدا فانكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يظل أحدكم يضرب امراته ضرب العبد ثم يظل يعانقها ولا يستحي وقد اطمع نهي الرسول عن ضرب النساء فتطاولن على أزواجهن وأمعن في التطاول فاقل عمر بن الخطاب الى الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقل يا رسول الله ان النساء قد دئرن على أزواجهن قال فاضربوهن ويروى الإمام الزهري أن الرسول صلى الله عليه وسلم اصبح بعد هذه الاجازة فوجد عند بابه سبعين امرأة يشتكين أزواجهن فقال : لا تحسبوا الذي يضربون نساءهم خياركم وهو ان يمنح النساء حق القصاص من أزواجهن وعندئذ نزل الآية "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وما انفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ان الله كان عليا كبيرا " ولا يجوز للرجل ان يلجأ الى الضرب الا بعد ان يستنفذ الوسائل الاخرى من نصح وهجر .
ولم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ضرب امرأة ولا خادما بل كان يحتمل ذأر بعض زوجاته وإنصافهن عليه فلا يكلمنه حتى ان عائشة كانت تقول له اذا كانت غضبي منه أنت الذي تزعم انك نبي ؟ فيبسم ويحتمل مها ذلك حلما وكرما .
أن دوام الحياة الزوجية رهن بدوام المحبة بين الزوجين والمحبة هي الحب السليم يتحول بعد الزواج الى إحساس بتبادل المودة والرحمة بين الزوجين وشعور بالواجب الملقى على كل منهما بحيث يسود الحياة الزوجية تفاهم وتسامح ورضا .
مشكلات الحياة الحديثة :
ان التبدل الذي طرأ على بنية الأسرة وانحسار التقاليد التي كانت تضبط قواعد التربية الإسلامية من صدق وأمانة احتشام وحياء وإيمان بما يقوى النفس على الصبر واحتمال متاعب الحياة وما رافق ذلك التبدل من ثقل تكاليف الحياة وصعوبة تأمينها قد أدى إلى سرعة الانفعال وحدوث الطلاق حيث ضاق الصبر ونفذ الاحتمال فالأسرة الإسلامية تعاني حاليا من مشكلات كثيرة تزيد من أحداث الطلاق لما أصاب المجتمع الإسلامي من تحول مفاجئ في حياته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية منذ مطلع هذا القرن فانتشار العلم ابرز شخصية الفرد الذي كان مندمجا في الأسرة وحد من سلطان رب الأسرة الذي كان يتمتع بسلطان الأمر والنهي وبفرض طاعته على أفرادها وقد أدى بروز الشخصية الفردية إلى الشعور بالاستقلال واخذ هذا الشعور يشمل المراة بعد تحررها من العزلة والأمية ومشاركة الرجل في العلم والعمل كما أدى الى التحرر من تقاليد الأسرة مما اظهر نوعا من التبدل في طرائق الخطبة والزواج فالمرأة لم تعد محجوبة عن الرجل بل أصبح يراها في الطريق وتراه واتسعت امام الرجل ساحة الاختيار وأصبحت معايير الكفاءة تقدر غالبا بالمال والجمال اما معيار الخلق والتربية والسلوك التي كانت أساس في التقاليد فقد تراخى شانها وغلبت عليها المعايير المادية التي قد تكون ظاهر خادعة وموقوته لا تلبث بعد الزواج ان تظهر على حقيقتها فينجلي ـ في حالات عديدة ـ ما أخفاه الخداع والتجمل قبل الزواج من اختلاف الطبع والأخلاق والسلوك .
ففي عهد الخطبة يظهر كل من الخاطبين أفضل مزاياه ويخفي ما ساء من خلفه وتبرز الطباع على حقيقتها بعد الزواج يتجلى الخلق على حقيقته فقد يكون طبع احد الزوجين على نفيض الأخر كأن يكون احدهما مسرفا والأخر مقتصدا أو يكون احدهم متحررا من التقاليد والأخر محافظا عليها أو يكون احدهما صاحب هواية يكرهها الأخر أو يكون مختلفين في الرأي حول مسائل جوهرية تتعلق بحياتهما الخاصة أو حياتهما في المجتمع أو يكون احدهما شرسا معاندا والاخر لينا رقيقا .
كما ثقلت تكاليف الحياة بما استحدثه تطور الحياة الاجتماعية الاقتصادية من حاجات ضاقت مواد الطبقتين الدنيا والوسطى عن سدها في الوقت الذي أضحى فيه الزواج عند الطبقة المترفة تناسفا في البذخ والسرف والتبذير ولم يعد استمتاعا بدفء الحياة الزوجية بل استمتاعا بملاذ الحياة ونعيمها يستقل بطلبها كل من الزوجين يلتقيا في الوجوه ويعيشان في غربة الروح فيحتل المال محل الصراع لينتهي الطلاق .
منقول ....