دمير
15/07/2004, 04:40 PM
قصة: مصطفى نصر
تجمع الناس أمام دكان البقال في شارع «ابن الخطاب» بالإسكندرية: رجل مسن كان يسير تحت الرصيف فوقع فجأة. لم تصدمه سيارة ولا احتك به أحد إنما وقع من نفسه!!
خرج البقال من دكانه مسرعًا ومعه رجاله، وجدوا الرجل لايتكلم، حملوه بمساعدة بعض المارة، وضعوه قريبًا من الدكان، قال أحد الرجال:
ـ اتصلوا بالإسعاف.
تكرر ذلك القول كثيرًا. الرجل المسن ما زال في وضعه لا يتحرك. اقتربت امرأة من الحشد وسألت: هل مات؟
نظروا إليها دون قول، فهم لايعلمون إن كان مات أم لا.
ـ اتصلوا بالإسعاف.
قال أحد مساعدي البقال: أتصل بالإسعاف يا معلم؟
تردد قليلاً ثم قال: اتصل.
قال مار كافح طويلاً حتى وصل إلى مرأى الرجل المسن: إنه في حاجة إلى تنفس صناعي.
قال آخر: بل هو مريض بالصرع، والتنفس الصناعي لن يجدي معه.
قالت امرأة من مكانها: يا ابني الناس تعاني «الأنيميا»، تقع دون أن يلمسها أحد.
أدار مساعد البقال قرص التليفون: ألو...
اقترب المار من جسد الرجل، تحسس جبهته وصدره. ثم أمسك يده وقال: ما زال حيًا.
قال البقال: دعوه في حاله، الإسعاف ستأتي بعد قليل.
كان مساعده ما زال يملي العنوان: نعم، شارع ابن الخطاب.
وضع سماعة التليفون وخرج إلى الشارع. فتاة شابة انحنت فوق جسد الرجل المسن. أراد البقال أن يصرخ فيها، لكنه اكتفى بزفرة حارة: «كل من هب ودب يفحص جسد الرجل، كلهم تحولوا إلى أطباء وحكماء!!».
فتحت حقيبة يدها، أخرجت زجاجة عطرها، بللت منديلها ومسحت وجه الرجل، فاحت رائحة العطر، فأخذ الرجل يتحرك، صاح أحد الرجال: تحرك الرجل تحرك.
البقال أسرع إليه ،فحصه معها، ردد في أذنه بصوت عال: الله أكبر الله أكبر.
قالت الفتاة للناس: أرجوكم افسحوا قليلاً. ابتعدوا حتى يجد الهواء ليتنفس.
ابتعد بعضهم، وزاحم بعضهم أكثر ليروه وهو يتحرك.
حرك الرجل ساقيه، ثم شدهما لجسده في عصبية، وفتح عينيه نظر حوله في دهشة.
ابتسم البقال، ساعد بعضهم الرجل ليقف. أخرج مساعد البقال مقعدًا من الدكان، أجلسوه فوقه.
ردد الرجل في ضعف: الحمد الله، الحمد لله.
أخرج المساعد دورق مياه، صب له كوبًا، رشفه الرجل في أناة، ابتعد بعضهم، الفتاة صافحته وسارت سعيدة؛ فقد أنقذته، قام الرجل فجأة قائلاً: أشكركم.
صاح البقال فيه: إلى أين؟!
ـ سأذهب إلى عملي. لقد تأخرت كثيرًا.
ـ تذهب الآن، والإسعاف؟
قال أحد الرجال في دهشة: لقد أفاق، فماذا تريد منه؟!
ـ إذا جاءت الإسعاف ولم تجده، سأدفع غرامة إزعاج السلطات.
ـ قل لهم: «إنه أفاق وذهب إلى عمله».
ـ لن يصدقوني.
صاح الرجل: لكني في عجلة.
كان البقال بدينًا قصيرًا، يتحرك قليلاً، ولايخرج من بيته إلا في الصباح عندما يذهب إلى الدكان. في حاله، لا يتدخل في شؤون أحد؛ ولايحب أن يتدخل أحد في شؤونه. ردد البقال في أسى: ذنبي أنني أردت إنقاذ حياتك؟! ثم نظر إلى مساعده غاضبًا: أنت السبب، أنت الذي اتصلت بالإسعاف، وأعطيتهم عنوان الدكان. نظر مساعده إليه في أسى، ودخل الدكان حزينًا.
يحاول الرجل المسن أن يسرع، فهو يعمل باليومية؛ وإذا تأخر اليوم؛ لن يجد من يعطيه أجرته. قال شاب صغير يرتدي ملابس التمرينات الرياضية: سأنام بدلاً منه إلى أن تأتي الإسعاف.
اقترب الناس، تجمعوا حوله ثانية. قال أحد الرجال: يمكنك أن تتظاهر بالإغماء إلى أن تأتي الإسعاف.
ـ نعم. لكي أحل المشكلة.
قالت امرأة: افرشوا له بجوار الدكان.
أخرج مساعد البقال غطاء من الدكان وفرشه. نام الشاب، أغمض عينيه. لاحظ الناس أن منظره لا يوحي بالإغماء، بل هو لا يستطيع أن يتظاهر بالنوم فعيناه تتحركان. قال أحد الرجال:
ـ غطوه حتى لا يراه أحد.
ـ أخرج مساعد البقال غطاء آخر وغطاه به.
يتجمع الناس متسائلين، ويجيبهم الآخرون: شاب أغمي عليه وهو سائر وينتظر الإسعاف!!
والبقال يتمتم ما الذي جعله يستجيب لرأي مساعده ويطلب الإسعاف. كان في دكانه. ماله هو وكل هذا الذي يحدث. ألم يجد ذلك المسن سوى هذا المكان ليقع فيه؟!
الشاب لا يتحرك. قال رجل يعرف الحكاية من أولها لزميله: لقد نعس الشاب من طول نومته.
كانت الحكاية مسلية لبعض الواقفين، خصوصًا مساعد البقال الذي ترك عمله وأخذ ينظر إلى الشاب النائم في فضول شديد.
وجاء صوت الإسعاف من بعيد. زفر البقال: «لقد جاءت أخيرًا وسيرتاح من كل هذا العذاب».
أفسحوا الطريق لدخول رجال الإسعاف. دخل رجلان، رفعوا الغطاء عن الشاب، كانت العينان مغمضتين، والجسد مشدودًا. ابتسم البقال وقال لنفسه: الولد «سابك» الدور تمامًا؛ كأنه في حالة إغماء حقيقية.
انحنى أحد رجلي الإسعاف؛ داعب وجه الشاب، ثم نظر إلى زميله وقد مط شفتيه. تجمع الناس من جديد. يعرف البقال أن كل هذا سينفض بعد دقائق معدودة، سيهزون الشاب هزات قليلة، سيفيق بعدها ويذهب إلى حال سبيله ويعود البقال ـ هو الآخر ـ إلى عمله الذي تعطل؛ وبعد ذلك لن يطلب من تليفونه أي جهة رسمية مهما حدث أمامه..
رجل الإسعاف الآخر انحنى؛ لامست ركبتاه الأرض جسّ وجه الشاب وصدره. وزميله أحنى رأسه آسفًا. وقفا. قال أحدهما: لا نستطيع حمله، لقد مات.
صاح البقال: لم يمت، لم يمت، افحصاه جيدًا!!
قال رجل الإسعاف: إنه عملنا ونعرفه جيدًا.
ـ لم يمت، لقد كان يتظاهر بالإغماء.
نظر البقال إلى مساعده صائحًا: احك لهم يا ولد عما حدث.
لكن مساعده كان يبكي تأثرًا. نظر البقال إلى الناس الموجودين قبل نوم الشاب: قولوا لهما إنه فعل هذا من أجلي.
الرجال دهشوا، قال أحدهم لرجلي الإسعاف: لا شك أنكما أخطأتما الفحص.
دفع أحدهما الرجل في ضيق: سنرسل له سيارة الموتى. وشقت الإسعاف طريقها وسط جمهرة الناس ودهشتهم!!
:rolleyes: :rolleyes:
تجمع الناس أمام دكان البقال في شارع «ابن الخطاب» بالإسكندرية: رجل مسن كان يسير تحت الرصيف فوقع فجأة. لم تصدمه سيارة ولا احتك به أحد إنما وقع من نفسه!!
خرج البقال من دكانه مسرعًا ومعه رجاله، وجدوا الرجل لايتكلم، حملوه بمساعدة بعض المارة، وضعوه قريبًا من الدكان، قال أحد الرجال:
ـ اتصلوا بالإسعاف.
تكرر ذلك القول كثيرًا. الرجل المسن ما زال في وضعه لا يتحرك. اقتربت امرأة من الحشد وسألت: هل مات؟
نظروا إليها دون قول، فهم لايعلمون إن كان مات أم لا.
ـ اتصلوا بالإسعاف.
قال أحد مساعدي البقال: أتصل بالإسعاف يا معلم؟
تردد قليلاً ثم قال: اتصل.
قال مار كافح طويلاً حتى وصل إلى مرأى الرجل المسن: إنه في حاجة إلى تنفس صناعي.
قال آخر: بل هو مريض بالصرع، والتنفس الصناعي لن يجدي معه.
قالت امرأة من مكانها: يا ابني الناس تعاني «الأنيميا»، تقع دون أن يلمسها أحد.
أدار مساعد البقال قرص التليفون: ألو...
اقترب المار من جسد الرجل، تحسس جبهته وصدره. ثم أمسك يده وقال: ما زال حيًا.
قال البقال: دعوه في حاله، الإسعاف ستأتي بعد قليل.
كان مساعده ما زال يملي العنوان: نعم، شارع ابن الخطاب.
وضع سماعة التليفون وخرج إلى الشارع. فتاة شابة انحنت فوق جسد الرجل المسن. أراد البقال أن يصرخ فيها، لكنه اكتفى بزفرة حارة: «كل من هب ودب يفحص جسد الرجل، كلهم تحولوا إلى أطباء وحكماء!!».
فتحت حقيبة يدها، أخرجت زجاجة عطرها، بللت منديلها ومسحت وجه الرجل، فاحت رائحة العطر، فأخذ الرجل يتحرك، صاح أحد الرجال: تحرك الرجل تحرك.
البقال أسرع إليه ،فحصه معها، ردد في أذنه بصوت عال: الله أكبر الله أكبر.
قالت الفتاة للناس: أرجوكم افسحوا قليلاً. ابتعدوا حتى يجد الهواء ليتنفس.
ابتعد بعضهم، وزاحم بعضهم أكثر ليروه وهو يتحرك.
حرك الرجل ساقيه، ثم شدهما لجسده في عصبية، وفتح عينيه نظر حوله في دهشة.
ابتسم البقال، ساعد بعضهم الرجل ليقف. أخرج مساعد البقال مقعدًا من الدكان، أجلسوه فوقه.
ردد الرجل في ضعف: الحمد الله، الحمد لله.
أخرج المساعد دورق مياه، صب له كوبًا، رشفه الرجل في أناة، ابتعد بعضهم، الفتاة صافحته وسارت سعيدة؛ فقد أنقذته، قام الرجل فجأة قائلاً: أشكركم.
صاح البقال فيه: إلى أين؟!
ـ سأذهب إلى عملي. لقد تأخرت كثيرًا.
ـ تذهب الآن، والإسعاف؟
قال أحد الرجال في دهشة: لقد أفاق، فماذا تريد منه؟!
ـ إذا جاءت الإسعاف ولم تجده، سأدفع غرامة إزعاج السلطات.
ـ قل لهم: «إنه أفاق وذهب إلى عمله».
ـ لن يصدقوني.
صاح الرجل: لكني في عجلة.
كان البقال بدينًا قصيرًا، يتحرك قليلاً، ولايخرج من بيته إلا في الصباح عندما يذهب إلى الدكان. في حاله، لا يتدخل في شؤون أحد؛ ولايحب أن يتدخل أحد في شؤونه. ردد البقال في أسى: ذنبي أنني أردت إنقاذ حياتك؟! ثم نظر إلى مساعده غاضبًا: أنت السبب، أنت الذي اتصلت بالإسعاف، وأعطيتهم عنوان الدكان. نظر مساعده إليه في أسى، ودخل الدكان حزينًا.
يحاول الرجل المسن أن يسرع، فهو يعمل باليومية؛ وإذا تأخر اليوم؛ لن يجد من يعطيه أجرته. قال شاب صغير يرتدي ملابس التمرينات الرياضية: سأنام بدلاً منه إلى أن تأتي الإسعاف.
اقترب الناس، تجمعوا حوله ثانية. قال أحد الرجال: يمكنك أن تتظاهر بالإغماء إلى أن تأتي الإسعاف.
ـ نعم. لكي أحل المشكلة.
قالت امرأة: افرشوا له بجوار الدكان.
أخرج مساعد البقال غطاء من الدكان وفرشه. نام الشاب، أغمض عينيه. لاحظ الناس أن منظره لا يوحي بالإغماء، بل هو لا يستطيع أن يتظاهر بالنوم فعيناه تتحركان. قال أحد الرجال:
ـ غطوه حتى لا يراه أحد.
ـ أخرج مساعد البقال غطاء آخر وغطاه به.
يتجمع الناس متسائلين، ويجيبهم الآخرون: شاب أغمي عليه وهو سائر وينتظر الإسعاف!!
والبقال يتمتم ما الذي جعله يستجيب لرأي مساعده ويطلب الإسعاف. كان في دكانه. ماله هو وكل هذا الذي يحدث. ألم يجد ذلك المسن سوى هذا المكان ليقع فيه؟!
الشاب لا يتحرك. قال رجل يعرف الحكاية من أولها لزميله: لقد نعس الشاب من طول نومته.
كانت الحكاية مسلية لبعض الواقفين، خصوصًا مساعد البقال الذي ترك عمله وأخذ ينظر إلى الشاب النائم في فضول شديد.
وجاء صوت الإسعاف من بعيد. زفر البقال: «لقد جاءت أخيرًا وسيرتاح من كل هذا العذاب».
أفسحوا الطريق لدخول رجال الإسعاف. دخل رجلان، رفعوا الغطاء عن الشاب، كانت العينان مغمضتين، والجسد مشدودًا. ابتسم البقال وقال لنفسه: الولد «سابك» الدور تمامًا؛ كأنه في حالة إغماء حقيقية.
انحنى أحد رجلي الإسعاف؛ داعب وجه الشاب، ثم نظر إلى زميله وقد مط شفتيه. تجمع الناس من جديد. يعرف البقال أن كل هذا سينفض بعد دقائق معدودة، سيهزون الشاب هزات قليلة، سيفيق بعدها ويذهب إلى حال سبيله ويعود البقال ـ هو الآخر ـ إلى عمله الذي تعطل؛ وبعد ذلك لن يطلب من تليفونه أي جهة رسمية مهما حدث أمامه..
رجل الإسعاف الآخر انحنى؛ لامست ركبتاه الأرض جسّ وجه الشاب وصدره. وزميله أحنى رأسه آسفًا. وقفا. قال أحدهما: لا نستطيع حمله، لقد مات.
صاح البقال: لم يمت، لم يمت، افحصاه جيدًا!!
قال رجل الإسعاف: إنه عملنا ونعرفه جيدًا.
ـ لم يمت، لقد كان يتظاهر بالإغماء.
نظر البقال إلى مساعده صائحًا: احك لهم يا ولد عما حدث.
لكن مساعده كان يبكي تأثرًا. نظر البقال إلى الناس الموجودين قبل نوم الشاب: قولوا لهما إنه فعل هذا من أجلي.
الرجال دهشوا، قال أحدهم لرجلي الإسعاف: لا شك أنكما أخطأتما الفحص.
دفع أحدهما الرجل في ضيق: سنرسل له سيارة الموتى. وشقت الإسعاف طريقها وسط جمهرة الناس ودهشتهم!!
:rolleyes: :rolleyes: