cartier
02/07/2004, 11:44 AM
حوار لم ينشر مع د. سعيد الفاضلي: "ارتياد الآفاق" مشروع رائد في الثقافة العربية
الرباط - حسن الوزاني:
يعتبر د. سعيد الفاضلي من بين الأكاديميين المغاربة المهتمين بأدب الرحلة، وله إسهامات مهمة في هذا المجال. مؤخراً فاز ب”جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي” عن تحقيقه كتاب “الرحلة الأوروبية” لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، وهي الرحلة التي قام بها مؤلفها سنة ،1919 وتعتبر واحدة من العلامات المهمة الدالة على نوع من الوعي بالآخر الغربي. ويعتبر صدور هذا الكتاب حدثاً مهماً بسبب الإشكاليات التي أثارتها شخصية الحجوي في النصف الأول من القرن العشرين. فالحجوي الذي شغل مكانة بارزة في المغرب الثقافي والسياسي، اعتبر شخصية موالية للغرب الاستعماري في فترة شهد فيها المغرب نظام الحماية الفرنسية. وعندما مات لم يخرج أحد في جنازته، بل واعتبر جثمانه غير مرغوب فيه، فدفن في مكان مجهول خشية أن ينبش قبره ويمثل بجثته. في هذا الحوار مع د. الفاضلي نفتح ملف هذه الشخصية التي يمكن لصدور رحلته اليوم أن تفتح باب رد الاعتبار لها انطلاقاً من وعي جديد يرى في نهج الحجوي الفكري اجتهاداً توزن حسناته وسيئاته في ميزان من الموضوعية.
في دراستك التي قدمت بها لرحلة الحجوي إلى باريس شبهته بالطهطاوي فاعتبرته طهطاوي المغرب.. إلى أي أساس استندت في ذلك؟
- قد يبدو اعتقادي منطوياً على بعض نزوع إلى المبالغة والتهويل، غير أن مَن يطلع على آراء الحجوي ونِتَاجه الثرّ العميق وروح فكره التي تَرْشَحُ من مؤلفاته الفقهية والتاريخية والنوازلية يدرك أن في هذا الإطلاق نوعاً من الغض من شأن علمِ الرجل وتفتحه، ذلك أن الحجوي بالإضافة إلى ما سبق كان من دُعاةِ الإصلاح. ولا شك أن جهله اللغة الفرنسية وعدم نشر رحلته في إبانها حالَ دون تبوئه المكانةَ التي يستحقها.
غير أن مسار الحجوي السياسي وموالاته للمستعمر الفرنسي، ولعب بعض أبنائه أدواراً طلائعية في حكومة ابن عرفة سلطان فرنسا المفروض على المغرب بعد نفي الملك الشرعي محمد الخامس، جعل الرجل يُطرَحُ ونِتاجَه في رف الإهمال. على أن من أوائل من استثمروا مخطوطاته المفكر عبد الله العروي. ومن أبرز المهتمين به بعد ذلك د. سعيد بن سعيد العلوي في جملة من مؤلفاته، إلى أن بدأ الدارسون مؤخراً نفض الغبار عن مخطوطاته القابعة بالخزانة العامة بالرباط.
من هو إذن محمد بن الحسن الحجوي؟
- يعود أصله إلى ثعالبة الجزائر، ومن أبرز أعلام هذه الأسرة عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (1471 م). ولد الحجوي سنة ،1874 وعلى غير عادة علماء عصره عرف بنفسه في مناسبتين: كتابه “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”، هذا بالإضافة إلى ملخص فهرسته المطبوع بعنوان: “مختصر العروة الوثقى”. ويرقى نسبه إلى جعفر بن أبي طالب كما ذكر بذلك في رحلته. غير أن الكتاني شكك في ذلك. عاش حياة حافلة إذ بالإضافة إلى اشتغاله بالتجارة والفلاحة ورحلاته المختلفة واشتغاله بالتدريس والتأليف تولى عدة مناصب منها: أمين ديوانة وجدة سنة ،1902 نائب السلطان في حدود المغرب مع الجزائر، عضو المجلس الأعلى للتعليم، مندوب المعارف 1912 1914 ثم 1921 1939 (وزير المعارف)، رئيس مجلس الاستئناف الشرعي، وزير العدل.
وقد مكنته هذه المناصب من الإسهام في مجريات السياسة المغربية في عصره، كما مكنته من اطلاق مشروع تحديثي طَموح في محاولة للإجابة عن سؤال النهضة، مشروع يمزج بين الدعوة إلى العلم والإيمان به وبين تقبل ما يفيد من الغرب وخوض باب الاجتهاد لتسويغه. كل ذلك أمام تيار ارتدادي منكمش على الذات، يتجلى ذلك من خلال مؤلفه المهم “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”. وعرف بفتاواه المتفتحة التي نُشِر بعضها بذيل كتاب: “الاجتهاد دراسة في الفكرِ السلفي في المغرب”. ولعل ذلك ما جعل مؤلف الكتاب المذكور يقول إن “قراءة الحجوي تجعلنا أمام صورة عجيبة ومثيرة بل ونادرة من حيث قوة الوعي بها، تلك هي صورة الفقيه التاجر التي يوجد فيها جنباً إلى جنب، مع السلفي المتنور، والليبرالي المتمسك بالفكر (السلفي)”.
أين يمكن وضع الحجوي بالنسبة إلى شرائح الفكر المغربي الحديث، هل يمكن اعتباره نهضوياً إصلاحياً؟ أم يمكن وصفه بأنه ليبرالي النزعة غربي الولاء؟
- الواقع أن قراءة مؤلفات الحجوي ومسار حياته تجعلنا نحيزه أقرب إلى الليبرالية لأسباب منها أنه كان ينظر إلى أن جواب سؤال النهضة يوجد في الاقتداء بالغرب والنظر إلى الأمام، فقد ألف كتاب “النظام في الإسلام”، لتأكيد وجود أنماط ثرية من النظام في التاريخ العربي الإسلامي، لكنه لم يقطع بوجود الحل في هذه الأنماط بل دعا إلى ضرورة تبني مبدأ النظام المتجدد في حياة المجتمعات بمعنى أن أحوال الأمم لا تستقر على حال، بل تكون مرغمة على التجديد، حيث تتأثر بالتغيرات الظرفية المحيطة بها وتؤثر فيها، وحول هذه المسألة نراه يقول “نعم كل نظام قابل للتغيير بحسب تطور الأزمان والعوائد والمألوفات وبحسب تغير الأحوال”، شرطُه الوحيد هو عدم المس بالثوابت؛ فهو يصر على الاجتهاد في “الفكر السامي” في كل مناسبة ولا يفتأ يردد أن الحل في العلم. إن دعوة الحجوي إلى الاجتهاد تعني الانفتاح على الحضارة الغربية ومن ضمنها الدولة الحامية، والأخذ بأسباب رقيها وتقدمها، لأن الاجتهاد يمكنها من اقتباس ما هو صالح لها من هذه الحضارة. وفي ذلك يقول “لا يتوهمن أحد أن الدين يزهدنا في كل ما عند غيرنا، لأنه نهانا عن التشبه بهم، فكلا ثم كلا”.
كما يقوم مؤشراً على توجهه هذا إلحاحه على الأخذ بالعلوم الحديثة وتشجيع تعلم اللغات بل وتشجيع الترجمة. وإنشاء المدارس التقنية مع ربط العلم بالتجربة، كل هذا بالإضافة إلى نظرته الاقتصادية السابقة لعصره، ودعوته للتصنيع منطلقاً من الميدان ومن خبرته العملية وعلمه.
وفي قراءتنا لعلاقة الحجوي بالسلطانين العزيز والحفيظ ما يشي بروح توجهه هذا، ففي الوقت الذي اتخذ موقفاً إيجابياً من الأول باعتباره ملِكاً “دفع بخطة التحديث، أو الانفتاح على الغرب، إلى الحدود القصوى التي لم يكن من شأن الوعي الديني أن يجيزها”، فإنه يتحامل على الثاني لارتداده وتراجعه عن توجه سابقه إذ “أهمل هذا السلطان أمور العلم فلم يَبنِ مدرسة ابتدائية-قرآنية لتعليم النشء دينَه ولغته، ولا شيدَ مدرسة حربية لحماية شخصه ومُلكه، إذ كان العلم في نظره، كما يذكر الحجوي، هو علم الدين فقط”.
نهاية مؤسفة
نفهم من خلال الدراسة التي قدمت بها للرحلة أن نهاية الحجوي كانت درامية ويمكن وصفها بأنها نهاية مؤسفة؟
- نعم، هذا صحيح، فقد كان مآل الحجوي مؤسفاً إذ فقَد قدراته العقلية، إلى درجة أنه كان بعد أن بقي في منصبه مدة يوقع الوثائق في حالات كثيرة باسم غير اسمه في لحظات يفقد فيها ذاكرته. كل ذلك في مشهد سوريالي ولكنه رمزي دال على خيبة أمل اتجاه تحديثي في مناخ غير مطاوع. وهو ما أدى إلى عزله. فكانت خيبة أمله في التحديث من الأسباب التي قادته إلى هذا المصير، كما خاب أمل السلطان العزيز الذي آمن بالتحديث في مناخ سياسي عالمي غير ملائم، وفي ظل واقع محلي متخلف، مصير تحديثي تختزله ببلاغة رمزية قصته مع استقدام أول سكة حديديّة للمغرب؛ ذلك أنه رغب في استيراد سكة حديدية ينتقل بها بين قصره وحدائقه بدار دبيبغ بفاس، وفعلاً وصلت إلى فاس قاطرة جميلة وعربتان متقنتا الصنع والزخرفة وأُثْبتت السكة لكن لم يتسن أبداً العثور على عجلات القاطرة رغم كل المحاولات، وفي انتظار ذلك قرر السلطان جر القاطرة بواسطة البغال والجياد.
توفي الحجوي سنة 65_D في الرباط ودُفن في فاس “ولم يحضر جنازته أحد بعدما امتنع الناس من القراءة عليه، وبعد دفنه امتنع سكان القصبة من الصلاة في ذلك المحل الذي دفن فيه، فأُخرجَ من قبره، ونُقل إلى مكان آخر، ورجع الناس إلى الصلاة بالمحل المذكور، وكُتِمَ المحل الذي دُفن فيه. وكان كل ذلك لمواقف الحجوي المساندة للاستعمار خصوصاً بعدما طالب السلطان بعزله سنة 1947 وعدم الاستجابة لطلبه مما جعله يبعث باحتجاج إلى رئيس الجمهورية الفرنسية”.
وماذا عن نتاج الحجوي من المؤلفات والتصنيفات التي وضعها، وهل له رحلات أخرى وضعها غير رحلته الأوروبية؟
- خلف الحجوي زخماً من المؤلفات في ميادين شتى تتراوح بين الفقه والتفسير والتاريخ والتربية والرحلات بلغت حوالي مائة مؤلف أغلبها تأليفات صغرى، على أن أهمها كتاب “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”. وبالإضافة إلى “الرحلة الأوروبية”، له “حديث الأنس عن تونس”، “الرحلة الأندلسية الفيشية”، “الرحلة الحجازية المصرية”، وكلها ما تزال مخطوطة ومحفوظة في الخزانة الملكية في الرباط.
الرحلة الأوروبية
نأتي إلى الرحلة الأوروبية التي قمت بتحقيقها، ما ظروف هذه الرحلة إلى أوروبا، دواعي الرحلة، وظروف قيامها؟
- قام المؤلف بهذه الرحلة سنة 1919 عضواً في الوفد المغربي المشارك في احتفالات العيد الوطني الفرنسي 14 يوليو/تموز الذي قُرِن تلك السنة بالاحتفال بإحراز النصر في الحرب العالمية الأولى. وقد قامت الرحلة على نفقة الدولة الفرنسية، وكان المغرب وقتها واقعاً تحت الحماية.
وقد دامت الرحلة شهراً وعشرين يوماً من 4 يوليو/تموز 1919 إلى 24 اغسطس/آب منه وكانت نواتها محاضرة طورَها المؤلف فيما بعد، شأنها في ذلك شأن كتابه الفكر السامي.
ويدلنا ضبط أوقات الوصول والتنقل بالدقائق كل مرة، وإثبات فحوى الخُطُبِ المتبادلَة، وكذا بعض المؤشرات النصية الأخرى كقوله: “لحضور عيدي الجمهورية وصلح النصر... في يوم واحد وهو 14 يوليو/تموز الجاري”، على أن الحجوي كان يُدون بعض العناصر والنقط أثناء الرحلة، كما تدلنا إشارة جريدة “السعادة”، التي زار مَقرها بعد عودته إلى المغرب مباشرة، على عزمه الكتابة عن رحلته وموافاتها بها، وعلى أن تحريرها كان مباشرة بعد رجوعه من فرنسا 24/8/،1919 وكان الفراغ من تدوينها بعد حوالي أربعة أشهر من عودة المؤلف أي في ديسمبر/كانون الاول 1919.
ولا شك أن المؤلف كان يعمد بعد ذلك بين الفينة والأخرى، إلى تنقيح رحلته وإضافة وشطب ما عَن له، مما يفسر وجود هوامش وطُرر مضافة بحبر مختلف وفي حيز ضيق جداً أحياناً، وكذا بعض التشطيبات الموزعة في ثنايا المخطوط.
العرب والآخر
نشرت الرحلة التي حققت في إطار مشروع “ارتياد الآفاق” هل هذا نتيجة اختيار؟ أم لضرورات خاصة بنوع الكتاب وتعذر نشره في المغرب لحساسيته؟
- لا، أبداً، فالكتاب كان يمكن أن ينشر في المغرب في ظل الانفتاح الذي تشهده الحياة الثقافة المغربية، لكن الكتاب فاز بالجائزة التي يمنحها المشروع، ولذلك كان من المنتظر أن يصدر الكتاب عن الجهة المانحة للجائزة. وفي هذا السياق لابد لي أن أعترف بأن الكتاب محظوظ بصدوره في المشرق لأن هذا من شأنه أن يعرف بالحجوي وفكره بصورة أفضل.. وهو ما يحسب لمشروع “ارتياد الآفاق” الذي تطور بصورة مثيرة للانتباه وتحول إلى مشروع رائد في الثقافة العربية، وأظن أنه سيكون له أثر عالمي، نظراً إلى قنوات التواصل والحوار الجدي والإيجابي التي يضع في اعتباره فتحها مع أوروبا والغرب، فهو مشروع ذو نظرة حضارية وأهداف بعيدة المدى ستترك لا شك بصمات مميزة في هذا المجال الخصب الذي لم يُنتبَه له كثيراً في الماضي، صحيح أننا لا نعدم سوابق اهتمام بالرحلة لكن ذلك كان في الغالب من منظور أحد التخصصات فقط. وقد أبرزت أشغال “ندوة الرحالة العرب والمسلمين: اكتشاف الآخر” في دورة ابن بطوطة المنعقدة بالرباط مؤخراً غنى رؤية المشرفين على مشروع “ارتياد الآفاق” وشمولية التناول المَروم، إذ شارك فيها أساتذة مختصون من مشارب مختلفة، لقد جمعت هذه الندوة ثلة مختارة من الباحثين من تخصصات مختلفة: تاريخ، جغرافيا، أدب، آثار... فتجنبت بذلك نقيصة اقتصار الندوات على تخصص معين بحيث لا يلتقي المؤرخ والأديب، فبالأحرى عالم الآثار والجغرافي، وفتحت باب الحوار بين هؤلاء المتخصصين المتنوعة توجهاتهم ومناهجهم، وقد ظهر ذلك جليا من خلال غنى المناقشات التي كانت تتلو كل جلسة. ولا شك أن تأسيس جائزة ابن بطوطة رافد قوي من روافد هذه الرؤية الحضارية مما أتاح، وسيتيح، إبراز متون رحلية مهمة ظلت إلى عهد قريب غميسة مهملة مخطوطة أو مرقونة في الخزانات والمكتبات.
على أن من أهم الأوراش المعرفية التي فتحها هذا المشروع في نظري، في إطار انكبابه على الأدب الجعرافي والرحلي، موضوع العلاقة بالآخر وسبر أغوارها وخلفياتها، وهو كما نعلم موضوع راهن يوجد الآن في بؤرة اهتمام العالم الإسلامي، في إطار فتح باب التواصل والحوار الحضاري لتقديم الصورة الحضارية الحق للعرب والمسلمين، ولعلي لا أذيع سرا إن قلت إن تلافي جهل الآخر بنا مسؤوليتنا نحن بالدرجة الأولى، ومن ثم تأتي أهمية البحث وتعميقه في هذا الاتجاه من طرف مختصين في شعب علمية مختلفة مُنطلَقها أدب الرحلة.
ك.ص
د. سعيد الفاضلي
الفاضلي يتسلم جائزة ابن بطوطة
:مفتر: :مفتر: :مفتر:
الرباط - حسن الوزاني:
يعتبر د. سعيد الفاضلي من بين الأكاديميين المغاربة المهتمين بأدب الرحلة، وله إسهامات مهمة في هذا المجال. مؤخراً فاز ب”جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي” عن تحقيقه كتاب “الرحلة الأوروبية” لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، وهي الرحلة التي قام بها مؤلفها سنة ،1919 وتعتبر واحدة من العلامات المهمة الدالة على نوع من الوعي بالآخر الغربي. ويعتبر صدور هذا الكتاب حدثاً مهماً بسبب الإشكاليات التي أثارتها شخصية الحجوي في النصف الأول من القرن العشرين. فالحجوي الذي شغل مكانة بارزة في المغرب الثقافي والسياسي، اعتبر شخصية موالية للغرب الاستعماري في فترة شهد فيها المغرب نظام الحماية الفرنسية. وعندما مات لم يخرج أحد في جنازته، بل واعتبر جثمانه غير مرغوب فيه، فدفن في مكان مجهول خشية أن ينبش قبره ويمثل بجثته. في هذا الحوار مع د. الفاضلي نفتح ملف هذه الشخصية التي يمكن لصدور رحلته اليوم أن تفتح باب رد الاعتبار لها انطلاقاً من وعي جديد يرى في نهج الحجوي الفكري اجتهاداً توزن حسناته وسيئاته في ميزان من الموضوعية.
في دراستك التي قدمت بها لرحلة الحجوي إلى باريس شبهته بالطهطاوي فاعتبرته طهطاوي المغرب.. إلى أي أساس استندت في ذلك؟
- قد يبدو اعتقادي منطوياً على بعض نزوع إلى المبالغة والتهويل، غير أن مَن يطلع على آراء الحجوي ونِتَاجه الثرّ العميق وروح فكره التي تَرْشَحُ من مؤلفاته الفقهية والتاريخية والنوازلية يدرك أن في هذا الإطلاق نوعاً من الغض من شأن علمِ الرجل وتفتحه، ذلك أن الحجوي بالإضافة إلى ما سبق كان من دُعاةِ الإصلاح. ولا شك أن جهله اللغة الفرنسية وعدم نشر رحلته في إبانها حالَ دون تبوئه المكانةَ التي يستحقها.
غير أن مسار الحجوي السياسي وموالاته للمستعمر الفرنسي، ولعب بعض أبنائه أدواراً طلائعية في حكومة ابن عرفة سلطان فرنسا المفروض على المغرب بعد نفي الملك الشرعي محمد الخامس، جعل الرجل يُطرَحُ ونِتاجَه في رف الإهمال. على أن من أوائل من استثمروا مخطوطاته المفكر عبد الله العروي. ومن أبرز المهتمين به بعد ذلك د. سعيد بن سعيد العلوي في جملة من مؤلفاته، إلى أن بدأ الدارسون مؤخراً نفض الغبار عن مخطوطاته القابعة بالخزانة العامة بالرباط.
من هو إذن محمد بن الحسن الحجوي؟
- يعود أصله إلى ثعالبة الجزائر، ومن أبرز أعلام هذه الأسرة عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (1471 م). ولد الحجوي سنة ،1874 وعلى غير عادة علماء عصره عرف بنفسه في مناسبتين: كتابه “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”، هذا بالإضافة إلى ملخص فهرسته المطبوع بعنوان: “مختصر العروة الوثقى”. ويرقى نسبه إلى جعفر بن أبي طالب كما ذكر بذلك في رحلته. غير أن الكتاني شكك في ذلك. عاش حياة حافلة إذ بالإضافة إلى اشتغاله بالتجارة والفلاحة ورحلاته المختلفة واشتغاله بالتدريس والتأليف تولى عدة مناصب منها: أمين ديوانة وجدة سنة ،1902 نائب السلطان في حدود المغرب مع الجزائر، عضو المجلس الأعلى للتعليم، مندوب المعارف 1912 1914 ثم 1921 1939 (وزير المعارف)، رئيس مجلس الاستئناف الشرعي، وزير العدل.
وقد مكنته هذه المناصب من الإسهام في مجريات السياسة المغربية في عصره، كما مكنته من اطلاق مشروع تحديثي طَموح في محاولة للإجابة عن سؤال النهضة، مشروع يمزج بين الدعوة إلى العلم والإيمان به وبين تقبل ما يفيد من الغرب وخوض باب الاجتهاد لتسويغه. كل ذلك أمام تيار ارتدادي منكمش على الذات، يتجلى ذلك من خلال مؤلفه المهم “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”. وعرف بفتاواه المتفتحة التي نُشِر بعضها بذيل كتاب: “الاجتهاد دراسة في الفكرِ السلفي في المغرب”. ولعل ذلك ما جعل مؤلف الكتاب المذكور يقول إن “قراءة الحجوي تجعلنا أمام صورة عجيبة ومثيرة بل ونادرة من حيث قوة الوعي بها، تلك هي صورة الفقيه التاجر التي يوجد فيها جنباً إلى جنب، مع السلفي المتنور، والليبرالي المتمسك بالفكر (السلفي)”.
أين يمكن وضع الحجوي بالنسبة إلى شرائح الفكر المغربي الحديث، هل يمكن اعتباره نهضوياً إصلاحياً؟ أم يمكن وصفه بأنه ليبرالي النزعة غربي الولاء؟
- الواقع أن قراءة مؤلفات الحجوي ومسار حياته تجعلنا نحيزه أقرب إلى الليبرالية لأسباب منها أنه كان ينظر إلى أن جواب سؤال النهضة يوجد في الاقتداء بالغرب والنظر إلى الأمام، فقد ألف كتاب “النظام في الإسلام”، لتأكيد وجود أنماط ثرية من النظام في التاريخ العربي الإسلامي، لكنه لم يقطع بوجود الحل في هذه الأنماط بل دعا إلى ضرورة تبني مبدأ النظام المتجدد في حياة المجتمعات بمعنى أن أحوال الأمم لا تستقر على حال، بل تكون مرغمة على التجديد، حيث تتأثر بالتغيرات الظرفية المحيطة بها وتؤثر فيها، وحول هذه المسألة نراه يقول “نعم كل نظام قابل للتغيير بحسب تطور الأزمان والعوائد والمألوفات وبحسب تغير الأحوال”، شرطُه الوحيد هو عدم المس بالثوابت؛ فهو يصر على الاجتهاد في “الفكر السامي” في كل مناسبة ولا يفتأ يردد أن الحل في العلم. إن دعوة الحجوي إلى الاجتهاد تعني الانفتاح على الحضارة الغربية ومن ضمنها الدولة الحامية، والأخذ بأسباب رقيها وتقدمها، لأن الاجتهاد يمكنها من اقتباس ما هو صالح لها من هذه الحضارة. وفي ذلك يقول “لا يتوهمن أحد أن الدين يزهدنا في كل ما عند غيرنا، لأنه نهانا عن التشبه بهم، فكلا ثم كلا”.
كما يقوم مؤشراً على توجهه هذا إلحاحه على الأخذ بالعلوم الحديثة وتشجيع تعلم اللغات بل وتشجيع الترجمة. وإنشاء المدارس التقنية مع ربط العلم بالتجربة، كل هذا بالإضافة إلى نظرته الاقتصادية السابقة لعصره، ودعوته للتصنيع منطلقاً من الميدان ومن خبرته العملية وعلمه.
وفي قراءتنا لعلاقة الحجوي بالسلطانين العزيز والحفيظ ما يشي بروح توجهه هذا، ففي الوقت الذي اتخذ موقفاً إيجابياً من الأول باعتباره ملِكاً “دفع بخطة التحديث، أو الانفتاح على الغرب، إلى الحدود القصوى التي لم يكن من شأن الوعي الديني أن يجيزها”، فإنه يتحامل على الثاني لارتداده وتراجعه عن توجه سابقه إذ “أهمل هذا السلطان أمور العلم فلم يَبنِ مدرسة ابتدائية-قرآنية لتعليم النشء دينَه ولغته، ولا شيدَ مدرسة حربية لحماية شخصه ومُلكه، إذ كان العلم في نظره، كما يذكر الحجوي، هو علم الدين فقط”.
نهاية مؤسفة
نفهم من خلال الدراسة التي قدمت بها للرحلة أن نهاية الحجوي كانت درامية ويمكن وصفها بأنها نهاية مؤسفة؟
- نعم، هذا صحيح، فقد كان مآل الحجوي مؤسفاً إذ فقَد قدراته العقلية، إلى درجة أنه كان بعد أن بقي في منصبه مدة يوقع الوثائق في حالات كثيرة باسم غير اسمه في لحظات يفقد فيها ذاكرته. كل ذلك في مشهد سوريالي ولكنه رمزي دال على خيبة أمل اتجاه تحديثي في مناخ غير مطاوع. وهو ما أدى إلى عزله. فكانت خيبة أمله في التحديث من الأسباب التي قادته إلى هذا المصير، كما خاب أمل السلطان العزيز الذي آمن بالتحديث في مناخ سياسي عالمي غير ملائم، وفي ظل واقع محلي متخلف، مصير تحديثي تختزله ببلاغة رمزية قصته مع استقدام أول سكة حديديّة للمغرب؛ ذلك أنه رغب في استيراد سكة حديدية ينتقل بها بين قصره وحدائقه بدار دبيبغ بفاس، وفعلاً وصلت إلى فاس قاطرة جميلة وعربتان متقنتا الصنع والزخرفة وأُثْبتت السكة لكن لم يتسن أبداً العثور على عجلات القاطرة رغم كل المحاولات، وفي انتظار ذلك قرر السلطان جر القاطرة بواسطة البغال والجياد.
توفي الحجوي سنة 65_D في الرباط ودُفن في فاس “ولم يحضر جنازته أحد بعدما امتنع الناس من القراءة عليه، وبعد دفنه امتنع سكان القصبة من الصلاة في ذلك المحل الذي دفن فيه، فأُخرجَ من قبره، ونُقل إلى مكان آخر، ورجع الناس إلى الصلاة بالمحل المذكور، وكُتِمَ المحل الذي دُفن فيه. وكان كل ذلك لمواقف الحجوي المساندة للاستعمار خصوصاً بعدما طالب السلطان بعزله سنة 1947 وعدم الاستجابة لطلبه مما جعله يبعث باحتجاج إلى رئيس الجمهورية الفرنسية”.
وماذا عن نتاج الحجوي من المؤلفات والتصنيفات التي وضعها، وهل له رحلات أخرى وضعها غير رحلته الأوروبية؟
- خلف الحجوي زخماً من المؤلفات في ميادين شتى تتراوح بين الفقه والتفسير والتاريخ والتربية والرحلات بلغت حوالي مائة مؤلف أغلبها تأليفات صغرى، على أن أهمها كتاب “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”. وبالإضافة إلى “الرحلة الأوروبية”، له “حديث الأنس عن تونس”، “الرحلة الأندلسية الفيشية”، “الرحلة الحجازية المصرية”، وكلها ما تزال مخطوطة ومحفوظة في الخزانة الملكية في الرباط.
الرحلة الأوروبية
نأتي إلى الرحلة الأوروبية التي قمت بتحقيقها، ما ظروف هذه الرحلة إلى أوروبا، دواعي الرحلة، وظروف قيامها؟
- قام المؤلف بهذه الرحلة سنة 1919 عضواً في الوفد المغربي المشارك في احتفالات العيد الوطني الفرنسي 14 يوليو/تموز الذي قُرِن تلك السنة بالاحتفال بإحراز النصر في الحرب العالمية الأولى. وقد قامت الرحلة على نفقة الدولة الفرنسية، وكان المغرب وقتها واقعاً تحت الحماية.
وقد دامت الرحلة شهراً وعشرين يوماً من 4 يوليو/تموز 1919 إلى 24 اغسطس/آب منه وكانت نواتها محاضرة طورَها المؤلف فيما بعد، شأنها في ذلك شأن كتابه الفكر السامي.
ويدلنا ضبط أوقات الوصول والتنقل بالدقائق كل مرة، وإثبات فحوى الخُطُبِ المتبادلَة، وكذا بعض المؤشرات النصية الأخرى كقوله: “لحضور عيدي الجمهورية وصلح النصر... في يوم واحد وهو 14 يوليو/تموز الجاري”، على أن الحجوي كان يُدون بعض العناصر والنقط أثناء الرحلة، كما تدلنا إشارة جريدة “السعادة”، التي زار مَقرها بعد عودته إلى المغرب مباشرة، على عزمه الكتابة عن رحلته وموافاتها بها، وعلى أن تحريرها كان مباشرة بعد رجوعه من فرنسا 24/8/،1919 وكان الفراغ من تدوينها بعد حوالي أربعة أشهر من عودة المؤلف أي في ديسمبر/كانون الاول 1919.
ولا شك أن المؤلف كان يعمد بعد ذلك بين الفينة والأخرى، إلى تنقيح رحلته وإضافة وشطب ما عَن له، مما يفسر وجود هوامش وطُرر مضافة بحبر مختلف وفي حيز ضيق جداً أحياناً، وكذا بعض التشطيبات الموزعة في ثنايا المخطوط.
العرب والآخر
نشرت الرحلة التي حققت في إطار مشروع “ارتياد الآفاق” هل هذا نتيجة اختيار؟ أم لضرورات خاصة بنوع الكتاب وتعذر نشره في المغرب لحساسيته؟
- لا، أبداً، فالكتاب كان يمكن أن ينشر في المغرب في ظل الانفتاح الذي تشهده الحياة الثقافة المغربية، لكن الكتاب فاز بالجائزة التي يمنحها المشروع، ولذلك كان من المنتظر أن يصدر الكتاب عن الجهة المانحة للجائزة. وفي هذا السياق لابد لي أن أعترف بأن الكتاب محظوظ بصدوره في المشرق لأن هذا من شأنه أن يعرف بالحجوي وفكره بصورة أفضل.. وهو ما يحسب لمشروع “ارتياد الآفاق” الذي تطور بصورة مثيرة للانتباه وتحول إلى مشروع رائد في الثقافة العربية، وأظن أنه سيكون له أثر عالمي، نظراً إلى قنوات التواصل والحوار الجدي والإيجابي التي يضع في اعتباره فتحها مع أوروبا والغرب، فهو مشروع ذو نظرة حضارية وأهداف بعيدة المدى ستترك لا شك بصمات مميزة في هذا المجال الخصب الذي لم يُنتبَه له كثيراً في الماضي، صحيح أننا لا نعدم سوابق اهتمام بالرحلة لكن ذلك كان في الغالب من منظور أحد التخصصات فقط. وقد أبرزت أشغال “ندوة الرحالة العرب والمسلمين: اكتشاف الآخر” في دورة ابن بطوطة المنعقدة بالرباط مؤخراً غنى رؤية المشرفين على مشروع “ارتياد الآفاق” وشمولية التناول المَروم، إذ شارك فيها أساتذة مختصون من مشارب مختلفة، لقد جمعت هذه الندوة ثلة مختارة من الباحثين من تخصصات مختلفة: تاريخ، جغرافيا، أدب، آثار... فتجنبت بذلك نقيصة اقتصار الندوات على تخصص معين بحيث لا يلتقي المؤرخ والأديب، فبالأحرى عالم الآثار والجغرافي، وفتحت باب الحوار بين هؤلاء المتخصصين المتنوعة توجهاتهم ومناهجهم، وقد ظهر ذلك جليا من خلال غنى المناقشات التي كانت تتلو كل جلسة. ولا شك أن تأسيس جائزة ابن بطوطة رافد قوي من روافد هذه الرؤية الحضارية مما أتاح، وسيتيح، إبراز متون رحلية مهمة ظلت إلى عهد قريب غميسة مهملة مخطوطة أو مرقونة في الخزانات والمكتبات.
على أن من أهم الأوراش المعرفية التي فتحها هذا المشروع في نظري، في إطار انكبابه على الأدب الجعرافي والرحلي، موضوع العلاقة بالآخر وسبر أغوارها وخلفياتها، وهو كما نعلم موضوع راهن يوجد الآن في بؤرة اهتمام العالم الإسلامي، في إطار فتح باب التواصل والحوار الحضاري لتقديم الصورة الحضارية الحق للعرب والمسلمين، ولعلي لا أذيع سرا إن قلت إن تلافي جهل الآخر بنا مسؤوليتنا نحن بالدرجة الأولى، ومن ثم تأتي أهمية البحث وتعميقه في هذا الاتجاه من طرف مختصين في شعب علمية مختلفة مُنطلَقها أدب الرحلة.
ك.ص
د. سعيد الفاضلي
الفاضلي يتسلم جائزة ابن بطوطة
:مفتر: :مفتر: :مفتر: