المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : "برترام توماس" في جبال عُمان


البسيوي
28/06/2004, 11:31 AM
يشير “جيرار لكليرك” في كتابه الانثروبولوجيا والاستعمار، الى ان الانثروبولوجي يزعم أحيانا بما له من علم ومعرفة، انه في الموقع المناسب الذي يتيح له فهم الشعوب الاصيلة، بل واتخاذ الموقف اللازم تجاهها، فالمواطن الذي يكتم مشاكله ولا يعرضها على الاداري (الغربي بالطبع)، وان كان هذا مهتما بالانثروبولوجيا، يعرضها بسهولة اكبر على شخص مستقل نسبيا عنه أو غريبا عن اهدافه المباشرة. وعلى الرغم من كل نواياه “الطيبة” لا يستطيع الاداري “الغربي، الكولونيالي” ان يفهم الشعوب الأصيلة فهما حقيقيا، ان نظرته لا تكون في احسن الحالات إلا جزئية ومشوهة.



صحيح ان بإمكان السياسي ان يكون انثروبولوجياً، يضيف لكليرك، فهذا ما حصل بالفعل أحيانا بخاصة مع الرحالة البريطاني “برترام توماس” ولكن بما ان الانثروبولوجيا قد حصلت على استقلاليتها، لذا كان على السياسي ومنهم توماس ترك وظائفه القديمة، ولذا ينزع الاداريون الانثروبولوجيون الى الاختفاء لحساب الانثروبولوجيين التطبيقيين.

لم يكن “توماس” اداريا بريطانيا، ورحالة فقط، كان له ريادة اجتياز صحراء الربع الخالي، فسجل هذا الانجاز باسمه في الغرب، بل كان انثروبولوجيا تخفى تحت رداء الاداري، لينقلب وهو يتجول في مناطق متفرقة من عمان، الى انثروبولوجي واثنولوجي وقبل هذا وذاك الى “كولونيالي عريق”، رغم انه بمجرد مروره بمناطق بعض القبائل “الجبلية بخاصة ومنهم القرا” فإنه بات خبيرا بعاداتهم وتقاليدهم وأصولهم ومعتقداتهم، الى الحد الذي جعله يصدر أحكاما حول ابناء هذه القبائل أقل ما يمكن ان نصفها بالتسرع، ان لم يكن بالتجني الكامل المملوء بالتحامل العرقي، المتأتي من النظرة الاستعلائية التي لا يمكن ان تخفى على القارئ الحصيف.

** اثناء فترة استعداداته لرحلته التي اجتاز خلالها صحراء الربع الخالي يذكر “توماس” انه اختار لمرافقته مجموعة من البدو من قبيلة الرواشد. هم سهيل وخويتم ومعيوف. وقد اختار “ثيسجر” بعده ايضا عددا من بدو الرواشد لمرافقته اشتهر منهم “بن كبينة” و”بن غبيشة”. ويصف توماس هذه القبيلة بأنها “أهم قبيلة في منطقة الرمال الجنوبية ولم اكن لأستطيع اجتياز الربع الخالي بنجاح من دون مساعدتها” وقد وجد “توماس” بالفعل الاستعداد لدى هذه القبيلة لمساعدته. فكرت في تجهيز فرقة تحملني الى بعض عيون الماء الواقعة على حافة الصحراء حيث يحتمل وجود ثلاث من هذه العيون، وان اعهد الى قبيلة الرواشد بانتظاري هناك لتأخذني الى وجهتي وقد بنيت هذا القرار على أساس العلاقة السابقة التي تربطني بهذه القبيلة وما لمسته من استعداد لديها لمساعدتي.

وحين التقى “خويتم” و”معيوف” كشف لهما عن خطته لاجتياز الرمال بمساعدة من قبيلتهم بعدما اخذ عليهم عهدا بعدم افشاء السر، ووعدهما بمكافأة سخية ان التزما بذلك. وبعد هذا الاتفاق “خرجا مودعين وكانت لهجتهما الى حد كبير تبين معدنهما الصلب وقوة ارادتهما” ثم تحركا في طريقهما الى منطقة الجبال حيث كان هناك احد زملائهما ويدعى “سالم طميطم”، وكان الغرض من التوجه اليه ان يزودهما بأفضل انواع الجمال ومن هناك يتسللان سرا الى الصحراء.

وقد علق “توماس” على عودتهما ببعض رجال القافلة التي سترافقه آمالا كبيرة وإلا سيكون الفشل من نصيبه، وبقي ينتظرهما في ظفار “يحدوني أمل ضعيف في نجاح المهمة التي جئت من اجلها”. وعند اقامته في ظفار يصف المنطقة بأنها تعد من المناطق المحظوظة “فهي تتميز بمناخ فريد، اذ تهب عليها الرياح الموسمية القادمة من الهند خلال شهور الصيف، فتسبب هطول امطار غزيرة عليها وتحيلها الى فردوس مقيم، وعلى هضاب هذه المنطقة تتكاثر اشجار اللبان التي يرجع لها الفضل في شهرة هذه المنطقة. فهذا المحصول القيم مصدر رخاء منطقة ظفار على مر العصور، وظفار تلك التي نعنيها هي غير ظفار الريان التي تقع في اليمن” ويتحدث عن القبائل التي تستوطن المنطقة فيذكر بأنهما “قبيلة القرا التي تقيم في منطقة الجبال، وتعتمد في حياتها على الرعي وزراعة اللبان، وقبيلة آل كثير التي تعيش على الصيد والزراعة في القرى الواقعة على السهل، وعندما يضطرب البحر في شهور الصيف الممطرة وتهب العواصف ويتعذر الصيد تهاجر هذه القبائل من السهل الى المرتفعات حيث تتوافر المراعي ويحل موسم حصاد اللبان”.

مدينة صلالة

وفي مدينة صلالة التي وصلها لمقابلة احد “أغنى تجار المنطقة” حل ضيفا عليه ونزل في قصره، ويصف مباني المدينة العالية المتعددة الطوابق والمبنية من الاحجار المنحوتة من تربة السهل بأنها تشكل منظرا ساحرا فضلا عن الزخرفة والتشكيلات المتنوعة والتي كانت في مجموعها رمزا لعصر من العصور، حيث تعتبر زخرفة السقوف التي تسمى بلهجة اهل المنطقة ب “التباشير” السمة المميزة للبيوت الكبيرة وتتم هذه الزخرفة في زوايا السقوف وفي الاطراف وهي تشبه الزخرفة التي كانت سائدة في بترا ومعان في عهد النبطيين. وقد علمت بأن هذا النوع من الزخارف منتشر في منطقتي الشحر والمكلا وغيرهما من مناطق حضرموت ولم ير ما يشابه هذه النقوش والزخارف في عمان.

ومن الاسئلة المتوقعة التي يمكن ان يوجهها بدو المنطقة لرجل اجنبي يختلف عنهم في الشكل والحجم واللون واللغة، حيث يذكر توماس ان احد شيوخ القبائل سأله يوما: لماذا أنتم ايها الاوروبيون كبار الحجم بينما نحن لسنا كذلك؟

يقول: فأجيت، لعل السبب في ذلك هو المناخ والتربة. فرد عليه الرجل البدوي: ان العالم هو الله. اننا اصغر قامة من اجدادنا، انظر الى القبور في منطقة خور روري تجد ان طول الواحد منها عشرين قدما، لقد كانت اجسام اجدادنا بهذا الحجم وتلك القامات، يقول توماس: فأومأت اليه بالايجاب مؤكدا على قوله، الله العالم فعلا. حتى لا امس شعوره الديني.

ليعود ويتحدث مجددا عن السمات العرقية والسلالات، ويورد معلومات في هذا الصدد كتبها الجنرال ميتلاند، المقيم السياسي البريطاني في عدن في ذلك الوقت “يذكر توماس ان معرفته بالمنطقة بدأت من عام 1915 الى ان قام برحلته الاولى عام 1927”.

ويذكر د. جواد علي في مؤلفه “المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام: “ان عرب شبه الجزيرة العربية ينحدرون على ما يبدو من اصلين مختلفين ومتميزين. فالنظرية السائدة عن قسمات العربي، هي انه الرجل الطويل اللحية الأملس الوجه كالصقر، غير ان عرب جنوب شبه الجزيرة اصغر قامة وأخشن تقاطيع وأكثر سمرة وغير ملتحين تقريبا، وتجمع كافة المصادر على ان عرب الجنوب ينحدرون من أصل حبشي. ومع ذلك فيبدو من الغرابة بمكان ان نقرر ان المصريين وعرب القارة الافريقية هم العرب الاقحاح بين العرب الساميين، اما عرب الشمال فهم عرب مستعربة أي انهم عرب بالتجنس والاستيطان اكثر كونهم عربا بالسلالة.

بل ان علماء التاريخ العرب والحديث انفسهم يذهبون الى ان العرب ينحدورن من أصلين: قحطان وعدنان ومع ذلك فإن العرب الذين يقطنون الآن مناطق من شبه الجزيرة العربية من احد هذين الأصلين ينتمون في الواقع الى سلالات متباينة”.

وكما نرى هنا فإن “توماس” كرحالة اهتم بعلم الانساب والسلالات وقبله كثير من الرحالة والعلماء الاوروبيين امثال جليسر وبيرتون وراتنجز وبعده ايضا من الباحثين المهتمين بعلم السلالات من السوسيولوجيين والانتروبولوجيين والاتنوغرافيين والآثاريين، فقد اهتم الغرب بهذا العلم لأهميته في رسم تصورات متكاملة عن شعب معين أو أمة معينة عاشت أو ورد ذكرها في كتب التاريخ، أو تحديد صورة مجتمع من المجتمعات البدائية منها أو الحديثة وعلاقة ذلك بحدث معين من احداث التاريخ، هنا تنتفي التهمة الموجهة للعرب بأنهم أمة عصبية أي متعصبة لعرقها، أو هي أمة تعلي من شأن القبيلة أو ما الى ذلك من التهم، والحقيقة ان البحث في اسباب عناية العرب بأنسابهم موضوع يطول الحديث فيه، ولكن ما يهمنا هنا ان الدين شذّب عصبية العربي وان كانت عصبيته لا تعبر تعبيرا سلبيا عن “تفوق عرقي” بقدر ما كانت تعبر عن هوية وانتماء لقبيلة كانت تمثل للبدوي في صحراء مترامية الاطراف سلطة وحيدة يمكن ان تحميه وتحمي حقوقه ودمه قبل نشوء الدول يمكن ان يلجأ اليها طلبا للحماية. اننا نجد ان كثيرا من الأمم الشعوب الاخرى تنتمي الى آباء واجداد، وليس العرب وحدهم، فهيلين، هوجو دورس، ومنه اخذ الهيليون اسمهم هذا. وكان للرومان فالفرس وللهنود وللاوروبيين أجداد انتموا اليهم واحتموا بهم وتعصبوا اليهم على نحو ما نجده عند العرب و”الاسرائيليين” وبقية الساميين. وكما اهتم توماس بعلم السلالات، اهتم ايضا بتاريخ الحضارات التي كانت سائدة في منطقة شبه الجزيرة العربية، فيذكر ان الكتب والآثار المتخلفة في المناطق الجنوبية الغربية من الجزيرة تدل على وجود حضارات سبئية أو معينية قديمة قد اندثرت قبل ظهور الاسلام في القرن السادس بعد الميلاد. كما ان هناك آثاراً لمستعمرات اغريقية وآرامية، كذلك فقد تعرضت هذه المنطقة للغزو الحبشي والروماني خلال تاريخها. ثم يتساءل: من يكون هؤلاء العرب يا ترى؟ ويكمل بالقول: “لو افترضنا ان الاجابة عن هذا السؤال من اختصاص علماء الاجناس، كما هو الأمر فعلا، فإن جمع الأدلة والمعلومات عن عرب الجزيرة العربية يعتبر أمر مهما وعلى الاخص خلال هذه الرحلة التي اقوم بها”.

وقد جمع بالفعل مجموعة من الجماجم البشرية القديمة وأرسلها الى انجلترا لدراستها. ويروي كيف استطاع ان يحصل على جمجمة انسان في غفلة من مرافقيه وجدها بالصدفة في كهف مهجور: “اثناء رحلتي خلال عامي 1929 1930 كنت في منطقة حاسك، مررت بالصدفة بأحد الكهوف ويبدو ان بعض الحيوانات المتوحشة قد هاجمت ذلك الكهف في وقت من الاوقات وكان الوقت نهارا، ففكرت في التوقف في هذا المكان واخترت منطقة قريبة من الكهف ولم يعرف أي انسان بأن الجمجمة التي كانت في ذلك الكهف قد انتقلت الى خيمتي، ولكن عظمة الفك لم تكن في الجمجمة كما ان القسم الاكبر من الهيكل لم يكن موجودا. وقد أخذت هذه الجمجمة معي الى مسقط، ومنها الى كلية الجراحين الملكية في لندن”.

دراسة لهجات القبائل

كما اهتم “توماس” بموضوع لهجات القبائل من الناحية اللغوية Phelology حيث درس لهجات قبائل الشحرة والمهرة والبطاحرة والحراسيس، بل وأعد جدولا خاصا بهذه اللهجات يتألف من 500 كلمة لكل منها. كما استخلص بضعة قواعد لغوية بسيطة، وأرجع اصول هذه اللهجات الى المجموعة السامية. ويذكر ان هذه اللهجات لها جذور اساسية في اللغة الحبشية اكثر مما في اللغة العربية على حد قوله. وهنا ايضا يستشهد بآراء للغويين متخصصين حيث يفصل الأمر بالقول في هذا المجال “فالفصائل القبيلة التي تتكلم لغة الشحرة هي قبائل القرا والشحرة وبورحمة وبيت الشيخ، واللهجة المهرية تتكلمها قبائل المهرة، ولهجة البطاحرة تتكلمها قبائل البطاحرة، ولهجة الحراسيس تتكلمها قبائل الحراسيس وعفار.. وبالنسبة للهجة الشحرية فلا يفهمها الذين يتكلمون اللهجات الاخرى ويصعب التفاهم بينهم، ولم اكن اعرف من قبل بأن الدكتور ماكسمليان بتنر عالم اللغات الألماني قد تعرض الى موضوع اللهجتين الشحرية والمهرية وذلك في سياق تعليقه على المعلومات التي سبق ان جمعها الدكتور موللر في كل من حضرموت وسومطرة خلال رحلته الى شبه الجزيرة العربية سنة 1902 ثم حول ما جمعه الكونت لاندبرج.. عن رحلته الى المنطقة خلال 1899 1989 ويبدو ان لهجة الحراسيس والبطاحرة تختلف عن لهجة المهرة ولكن لم يقم احد بالبحث في هذا الموضوع”.

وتحدث عن “الختان” كعادة من العادات ذات الأهمية البالغة عند قبائل المنطقة حين سأله بدويان: هل تمارسون يقصدان الانجليز الختان؟ يقول فرددت عليهما بالايجاب ولكني قلت ان الختان ليس اجباريا عندنا. فقالا: معنى هذا ان هناك بعض الاشخاص لم تجر لهم عملية الختان؟ فرددت عليهما بالايجاب.. وهنا قال محدثاي “غفر الله لكم” ثم يضيف توماس معقبا على كلام سائليه، يعتبر الختان من العادات ذات الأهمية البالغة بين هذه القبائل ويختلف عنه في انحاء شبه الجزيرة العربية الأمر الذي يوحي بأن للختان جذوراً تكاد تكون مستقلة”. ثم يورد وصفا لطقوس عملية الختان، وكيف و”اين تجرى، والغريب أنه يقارن بينه “كعادة” وما كان متبعا في مصر في العصور القديمة، ثم يصف الاحتفالات المصاحبة لهذه المناسبة ولكنه لا يأتي أبدا على المسألة ربط عملية الختان بالدين الاسلامي ولا يتطرق اليها ولو تلميحا.

كما ذكر بعض معتقدات القبائل حول السحر ورد العين الشريرة وطرق عدم الاصابة بها، فيذكر بأن “هناك اعتقاداً بين سكان القرى الساحلية بأنه عندما يبني احدهم بيتا فإن أول شيء يفعله عند بناء البيت هو دق مسامير طويلة في الاركان الاربعة منه بقصد رد العين. وعندما يتم بناء البيت يقوم صاحبه بذبح خروف على عتبته كقربان يحفظ البيت من الشر ويديم لأهله الخير، وذلك على غرار ما نفعله نحن في الغرب عندما تسكب زجاجة من النبيذ عند تدشين البواخر. وفي بعض مناطق عمان يقوم صاحب البيت بعد الانتهاء من بنائه بذبح ماعز ورش شيء من دمها عند عتبة البيت. وهذا التقليد معمول به في ظفار ايضا وان كان يختلف في تلك المنطقة بعض الشيء حيث تجرى العملية في اثناء بناء المنزل، وليس عند الانتهاء منه، ويوزع لحم تلك الماعز على عمال البناء، وأما الدم فيرش بطريقة عشوائية على جدران المنزل”. “كما تكسر بيضتان عند عتبة البيت وبيضتان اخريان على السلم ومثلهما على السطح” وما زالت الى اليوم الدراسات والبحوث حول هذه المواضيع المرتبطة بمعتقدات وعادات الشعوب من قبل الانثروبولوجيين والفلكلوريين، ويمكن ان نذكر هنا أهم المواضيع التي تطرق اليها توماس ودونها في كتابه “العربية السعيدة” والذي يعد سفرا يكاد يكون شاملا حيث لم يحوِ فقط ما يمكن ان نطلق عليه وصف خط سير الرحلة، بل هو مجموعة من البحوث والاستقصاءات والاستطرادات تدخل في صلب تاريخ منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن أهم تلك المواضيع يمكن ان نجد اضافة لبعض العادات والمعتقدات المرتبطة بالسحر والزواج والختان فقد تطرق الى موضوع، الاضرحة ومواقعها، وأكثر القبائل خبرة بالطرق التي تؤدي الى الرمال، وعنايته ببعض النقوش والخطوط على بعض الصخور التي صادفها، خيمة الرحالة وأجهزته، وحياة الجمل في الصحراء، وذكره لأهم الأودية ووصفها، كما تحدث عن البدوي ومقدرته على حل الغاز الصحراء، كما استعان كما ذكرنا بمعلومات أو بآراء أوردها رحالة سابقون امثال ويمان بيري وبيرتون وفون ريد وغيرهم. ويمكن وصف اسلوب توماس في تسجيله لمشاهداته بأنه اسلوب علمي ووصف ايضا من قبل روبن بيدول بأنه “اسلوب متكلف”، ويفتقر الى اللمسات الفنية والادبية التي تذكر برومانسية وشاعرية الصحراء لكنه يبقى اسلوبا عن منطقة الربع الخالي وقبائله وعادات وتقاليد ومعتقدات تلك القبائل وجغرافية المنطقة وآثارها. وبعدما يتحدث المؤلف عن فصل الغوص في البحر بحثا عن اللؤلؤ، يكمل القول وبتلك النبرة نفسها بنبرة المسؤول السياسي المرافق لموكب السلطان وكأحد افراد الحاشية:

“وجلس جلالة السلطان ورفاقه معي على الشاطئ. وقضيت ساعة في قراءة كتاب لرحالة اسمه “بلجريف” وهو انجليزي، من اصل يهودي، ثم حل الظلام، فتوقفت عن القراءة، وأنا اشعر ان بلجريف هذا هو من احسن رحالة ظهر في الجزيرة العربية، وهو أروع من كتب في أدب الرحلات عنها. وأمضينا تلك الليلة في استرخاء تام على الشاطئ، نستمع الى بعض الغناء، ونشاهد الرقصات التي كان بعض العبيد والبدو يؤدونها، كما تبادلت مع جلالة السلطان بعض الفكاهات، وسمعنا اصوات الجياد تملأ الهواء، وطلقات المدافع من فوق الحصن تبعث بتحياتها الينا”.

ومعظم صفحات الكتاب تصف تلك العلاقة الوطيدة والشخصية بين المؤلف وسلطان البلاد، وتدوين ليوميات الرحلة، ووصف للمناظر الطبيعية التي يمر بها الموكب، ومظاهر الاحتفالات والولاء التي يبديها البدو من خلال الزغاريد التي تأتي مع موكب للجمال جاء للتحية، وبعد صلاة العشاء “الجلوس للاستماع الى الشعراء الذين كانوا يلقون القصائد” وعادة ما كانت “المدافع تطلق تحياتها” عند اقتراب الموكب من الحصون والقلاع، ومنظر “اصطفاف مجموعات من الشيوخ والشخصيات البارزة للتحية” يتكرر بين فقرة وأخرى.

وربما المخاطر التي عناها المؤلف يمكن ان نستخلصها من هذه الحداثة التي حدثت له عندما خطط للقيام برحلة بالجمال عبر شبه الجزيرة، وربما كانت تلك التحركات مجرد “تمرينات” لرحلته التي اجتاز فيها رمال الربع الخالي بمساعدة بدو المنطقة في ما بعد:

“قادتني مطيتي الى ما وراء عمان، حيث هذا المنظر البهيج الذي نراه، كما قادتني الى قوافل اصدقائي القدامى، رجال بني كعب والمقابيل، الذين يتركون الشاطئ الآن متجهين الى حدائق النخيل في صحار. وصحبني قائد السفينة ه.م.س. لويان من مسقط الى حيث تمنى لي حظا سعيدا، ثم ودعني قبل ان ينطلق الى البحر. وفي الطريق امامنا رأينا آثار برسي كوكس، وصمويل زويمر، مما يشهد على ان الرجل الابيض قد قام برحلات الى هنا من قبل”.

وجاءني شيخ عجوز يحمل رسالة، وامسكني من ذراعي ثم قال لي: “اقرأ هذه” وتقول الرسالة: “بعد السلام ورحمة الله وبركاته، لقد عاد اخي لتوه وأبلغني بالمعاملة الحسنة التي لقيها عندكم، وانني آمل انكم لن تضروا المسلمين، وانما ستعملون ما يرضي الله ويرضيهم، ومن المحتمل ان يأتيكم بعض النصارى يطلبون ان تقوموا لهم ببعض الأعمال التي قد يكون لها عواقب وخيمة عليكم وعلينا. ولا بد من رفض أي عميل، حفاظا على كرامة العرب، وآمل ألا يخدعنكم متاع الدنيا لأنها فانية. وهناك قول عربي مأثور هو: النار ولا العار”.

ويبدو ان هذه الرسالة التحذيرية هي التي أثارت مخاوفه هو شخصيا، وأحس بأنه ومهما كان موقعه ومركزه السياسي فهو يبقى شخصا غير مرغوب فيه، لذلك نراه يعلق على ما قرأه بالقول:

“لقد قرأت الرسالة، ثم اعدتها الى الشيخ، وقد ادخلت الرسالة الحزن الى قلبي، حيث اني كنت اعتقد ان الطريق الى الداخل سيكون مفروشا بالزهور، فالكرم العربي يضرب به المثل في الحقيقة، ولكن ليس في هذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة العربية”. أي انه عد انسان هذه المناطق متوحشا، لا يرحب بالغريب، وبعيد عن المدينة والتحضر. ويعزو سبب ذلك الى ان:

“فالانسان يخاف هنا، وهو يرتعب ويشعر بالخطر كذلك، والبدوي الذي يفاجأ بوصول الاجنبي الغريب يعتبر ذلك بشرى غير سعيدة”، ولم يذكر بالطبع بأن هذا البدوي البسيط لا يثق به ولا بأمثاله، لأنه لا يتوقع منه الخير أو على الأقل لا يتوقع منه ان ينظر اليه نظرة منصفة نوعا ما أو يفيده بشيء لذلك يطلق تحذيره الواضح لكل من يفكر في الغرب من الوصول الى هذه المناطق: “على المسافر هنا ان يكون مستعدا لكل طارئ”.

اننا نشم هنا من أسلوب توماس، وبعده ثيسجر، رائحة منبعثة من “عرقية اوروبية كاثوليكية Europeocentrisme” طالما ميزت كتابات الاكثرية الساحقة من الرحالة الغربيين الأوائل، رحالة القرن السادس عشر، الذين يمكن وصفهم بنوع من الصليبيين المتأخرين، الذين كانوا يسافرون ضمن “عالم مغلق” في زمن كانت فيه الامبراطورية العثمانية تدق ابواب اوروبا الكاثوليكية.

“.. ويعتبر الجبل واحدا من تلك القرى التي قد ادهشتها مجيئنا، وطالب شيوخها بمقابلة معنا في الحال، ولكن الوقت كان متأخرا، وكنت متعبا للغاية، وكان لي معهم حديث في الصباح، حيث وصلت تعليمات للجبل من شيخ النعيم في البريمي لمنعي، وكان القرويون طيبين معي، ولم اكن انوي البقاء هنا، فعند طلوع الفجر خرجت الى الوادي الرئيسي، الى وادي عبيلة، حيث اضطررت الى اسابيع كاملة يقيم على ابواب عمان قبل ان يدخلها”. ثم يعود الى مقارنة صفات “الفرد الاوروبي” بهؤلاء القبليين المتوحشين الذين ينزل بينهم ضيفا على سلطان البلاد معززا مكرما، ومع ذلك نراه يتحدث عن فوضوية هذا البدوي المتوحش وعبادته لمظاهر القوة: “واذا كان الفرد الاوروبي يعتقد ان الحكومة امر لا بد منه، فإن ذلك يبرر الى حد ما لرجل القبيلة ان ينتفض على السلطة، فالقبلي لا يكن احتراما فطريا للنظام والقانون وانما العكس هو الصحيح، كما ان العدالة والمساواة بوصفهما اعتبارات مجردة لا تتأثر باهتمامه، فضلا عن ان مظاهر الحياة المدنية وأجهزتها مثار احتقار وسخطه. ومن ثم فإن الرجال المسؤولين عن ادارة شؤونه لا بد وان يقدروا فيه تلك الصفات يقصد غير المتحضرة وان يدركوا ايض ان القبلي يعبد القوة دون سواها، وانه في المدى البعيد لا بد وان يتلاءم بشكل أو بآخر مع اشكال الاقتناع بالوضع، أي بالتهويد بالقوة، واذا تعذر ذلك فبالحقائق، واذا ما تجردت انت من مظهر القوة فإنه قد يسلبك أموالك أو حياتك ان استطاع”. ثم يواصل نبرة التحامل هذه، ليصل الى ما يريد ان يفصح عنه بصراحة الرحالة الصليبيين المتأخرين: “فرجل القبيلة البدائي، يقسم البشر الى قسمين: المسلمين والمشركين. وأما نظرية التسامح تجاه المسيحيين، أو اليهود باعتبارهما من أهل الكتب السماوية، فإنها تقتصر على رجال الدين، أما البدوي فلم يعرفها قط..”.

على ان هذا الجفاء وعدم الرغبة في التعاون معه لم يقتصر على البدو ابناء القبائل في صحراء الربع الخالي فقط، بل حتى ابناء المدن كانوا يشاركونهم عدم الارتياح هذا، لذلك فهو يصف اهالي مدينة صور حين مر بها: “من الصعب ان تجد أحدا يتعاون معك، وكانت هناك دائما معارضة من ساكنيها”.

عمار السنجري
الخليج الثقافي

الصقر الذهبي
28/06/2004, 11:52 AM
أعتقد أن كتاب توماس حول رحلاته اسمه ( البلاد السعيدة ) اليس كذلك يا بسيوي ؟