ابن بطوطة
06/06/2004, 10:28 PM
undefinedقطرة ماء" بقلم مرتضى حسن محمد صالح، السودان
طق طق طق... توالى سقوط قطرات الماء على السطح اللامع، داكن الخضرة، للبطيخة التريانة، المترعة، الموضوعة في أسفل الزير.. كان الزير المصنوع من الفخار المحروق جديدا بعد ،لذا فان سطحه البني المحمر كان ينز وينضح بالماء، مثل جبين المتعرًق، ومستعمرات الطحالب الخضراء لم تجد سبيلها بعد للبناء بين سطحه وحافلة الحمالة ثلاثية الأرجل المصنوعة من الحديد التي يتكئ عليها... والقماش الملفوف بعناية على حافة الحمالة الحادة القاسية يحول بينها و بين ان تكسر زير الفخار..
الوقت بعيد منتصف النهار، وشمس الظهيرة الحارقة،في أواخر "مارس" تلهب ظهر الأرض بنيران سياطها اللاذعة. حتى البهيم الصغير، المربوط داخل راكوبة القش المفتوحة من جوانبها الأربعة، كان يقلب بأرجله الرفيعة في بقايا عيدان الذرة المتناثرة في أرجاء المكان بحثا عما يسد به الرمق ربما، وقتلا لسكون الملل الجاثم بلا ريب. وكان بين الفينة والأخرى يطلق ثغاءه الرفيع يشق به صمت المكان مناديا أمه التي انطلقت إلى المراعى في الصباح و لن تؤوب منه إلا آخر النهار.
سوى ذلك، لا صوت الا صوت الدجاجة الراقدة فوق تسع بيضات لها قرب حافة السياج المصنوع من عيدان الذرة. كت كت كت... كتكتات تناجي فراخا صغار داخل البيض مازالت، وان كان أوان فقسها قد اقترب، وصوت الطاحونة- طاحونة الدقيق- البعيد من مسافة ستة طرقات أو أكثر، يصل في صورة دقات مكتومة كأنها تخرج من باطن الأرض.
كان الصبي النحيل "احمد ود الخزين" بردائه وقميصه الأبيضين حافيا عند حافة الزير، يراقب في صمت قطرات الماء المنثالة على "يافوخ" البطيخة الكبيرة بيضاوية الشكل، والتي تنبئ خضرتها الداكنة و الخطوط السوداء العريضة مثل اوراق شجرة المانجو التي تمتد بين قطبيها، بان داخلها سيكون بالغ الحمرة والطراوة، وحين يتم تقطيعها الى شرائح مثل قمر السبوع وتقديمها في الصينية الألمون الجديدة التي اشترتها امه من باب المستشفى مؤخرا، فلا حد هناك لحلاوتها.. تنزل في الجوف باردة شهية ونادرة، لا كمثل أي شيء. كان ينتظر قي شغف وبصبر نافد ساعة الغداء، ويحس منذ الآن طعم البطيخة اللذيذة الباردة الشهية وهي تنزل في جوفه...
فاغر الفم، يابس الحلقوم، يحس بظمأ بالغ ودقات قلبه تتسارع. كانت هذه هي الحال التي وجد "احمد" نفسه عليها حين استيقظ فجأة في حلكة تلك الليلة المظلمة، بالغة السخونة، من ليالي الخرطوم، والهواء الراكد في الشقة المغلقة يكاد يحبس الأنفاس.. أضاء النور الخافت لساعة معصمه ونظر إليها في نعاس ووهن. كانت تشير الى الثانية والنصف صباحا، وحانت منه التفاتة إلى خانة التاريخ فوجدها تشير إلى السابع والعشرين من مارس.. جر خارج الفراش جسدا ناحلا، رغم سني عمره التي جاوزت الثلاثين، ومضى يتلمس طريقه نحو ثلاجة المطبخ، باحثا عن قطرة ماء يروي بها هذا الظمأ.
(منقول من موقع هيئة الإذاعة البريطانية القسم العربي)
طق طق طق... توالى سقوط قطرات الماء على السطح اللامع، داكن الخضرة، للبطيخة التريانة، المترعة، الموضوعة في أسفل الزير.. كان الزير المصنوع من الفخار المحروق جديدا بعد ،لذا فان سطحه البني المحمر كان ينز وينضح بالماء، مثل جبين المتعرًق، ومستعمرات الطحالب الخضراء لم تجد سبيلها بعد للبناء بين سطحه وحافلة الحمالة ثلاثية الأرجل المصنوعة من الحديد التي يتكئ عليها... والقماش الملفوف بعناية على حافة الحمالة الحادة القاسية يحول بينها و بين ان تكسر زير الفخار..
الوقت بعيد منتصف النهار، وشمس الظهيرة الحارقة،في أواخر "مارس" تلهب ظهر الأرض بنيران سياطها اللاذعة. حتى البهيم الصغير، المربوط داخل راكوبة القش المفتوحة من جوانبها الأربعة، كان يقلب بأرجله الرفيعة في بقايا عيدان الذرة المتناثرة في أرجاء المكان بحثا عما يسد به الرمق ربما، وقتلا لسكون الملل الجاثم بلا ريب. وكان بين الفينة والأخرى يطلق ثغاءه الرفيع يشق به صمت المكان مناديا أمه التي انطلقت إلى المراعى في الصباح و لن تؤوب منه إلا آخر النهار.
سوى ذلك، لا صوت الا صوت الدجاجة الراقدة فوق تسع بيضات لها قرب حافة السياج المصنوع من عيدان الذرة. كت كت كت... كتكتات تناجي فراخا صغار داخل البيض مازالت، وان كان أوان فقسها قد اقترب، وصوت الطاحونة- طاحونة الدقيق- البعيد من مسافة ستة طرقات أو أكثر، يصل في صورة دقات مكتومة كأنها تخرج من باطن الأرض.
كان الصبي النحيل "احمد ود الخزين" بردائه وقميصه الأبيضين حافيا عند حافة الزير، يراقب في صمت قطرات الماء المنثالة على "يافوخ" البطيخة الكبيرة بيضاوية الشكل، والتي تنبئ خضرتها الداكنة و الخطوط السوداء العريضة مثل اوراق شجرة المانجو التي تمتد بين قطبيها، بان داخلها سيكون بالغ الحمرة والطراوة، وحين يتم تقطيعها الى شرائح مثل قمر السبوع وتقديمها في الصينية الألمون الجديدة التي اشترتها امه من باب المستشفى مؤخرا، فلا حد هناك لحلاوتها.. تنزل في الجوف باردة شهية ونادرة، لا كمثل أي شيء. كان ينتظر قي شغف وبصبر نافد ساعة الغداء، ويحس منذ الآن طعم البطيخة اللذيذة الباردة الشهية وهي تنزل في جوفه...
فاغر الفم، يابس الحلقوم، يحس بظمأ بالغ ودقات قلبه تتسارع. كانت هذه هي الحال التي وجد "احمد" نفسه عليها حين استيقظ فجأة في حلكة تلك الليلة المظلمة، بالغة السخونة، من ليالي الخرطوم، والهواء الراكد في الشقة المغلقة يكاد يحبس الأنفاس.. أضاء النور الخافت لساعة معصمه ونظر إليها في نعاس ووهن. كانت تشير الى الثانية والنصف صباحا، وحانت منه التفاتة إلى خانة التاريخ فوجدها تشير إلى السابع والعشرين من مارس.. جر خارج الفراش جسدا ناحلا، رغم سني عمره التي جاوزت الثلاثين، ومضى يتلمس طريقه نحو ثلاجة المطبخ، باحثا عن قطرة ماء يروي بها هذا الظمأ.
(منقول من موقع هيئة الإذاعة البريطانية القسم العربي)