المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : مارايكم في هذا الفهم للقرآن الكريم


سلام
24/04/2004, 04:26 PM
لا أمل في الإصلاح إلا بإعادة فهم القرآن الكريم !!
الكل يتحدث عن الإصلاح ، والكل يفهمه بطريقته .
يتحدثون عن الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي .... الخ ، ورغم ذلك فإن الأمور تظل على حالها إن لم تزدد سوءاً . لماذا ؟
لأنه لا يمكن أي يحدث أي إصلاح جوهري في أي شأن من شؤون الحياة مالم يسبقه إصلاح ثقافي عميق وواسع .
هذا ما حدث لدى مختلف الأمم الناهضة عبر التاريخ .
وبما أن القرآن الكريم هو المنبع والمصدر الأساسي لثقافة المسلمين فإنه لا يمكن أن يحدث إي إصلاح جوهري في حياتهم إلا بعد حدوث تغيير عميق في فهمهم للقرآن الكريم .
وإلى الذين يظنون أنهم يحسنون فهم القرآن الكريم . إلى الذين لا يشعرون بأننا نجمد القرآن الكريم ونتغنى بآياته أكثر مما نفهمه . إلى هؤلاء نقول : تعالوا معنا لنرى عبر هذه المشاركة إن كنا نحسن فهم القرآن الكريم أم لا . تعالوا معنا إلى محاولة لإعادة فهم القرآن الكريم بصورة غير مسبوقة ، ثم انظروا في النهاية إلى أين نصل .
على أن كل الذي يلزم لإعادة فهم القرآن الكريم هو التمييز الدقيق بين الوحي وبين الفقه ، بحيث يتم النظر إلى الوحي على أنه يستوعب مجمل التطورات الدنيوية المستقبلية ، وهو من أجل ذلك يحتاج إلى اجتهاد مستمر يكشف ذلك الاستيعاب كلما تقدم الزمن . أما الفقه فهو إنتاج بشري مرتبط بلحظته التاريخية . وحين نتجاوز به حدود زمانه ومكانه فنحن نخلع عليه أهم سمات الوحي .

فلنبدأ بإعادة فهم القرآن المكي . إن المسلمين يؤمنون بأن القرآن الكريم هو خطاب الله للبشر إلى قيام الساعة ، وأنه يخاطب كل العصور وإن تنـزل في عصر بعينه . والواقع أنه حين يتم فهم القرآن المكي انطلاقاً من هذه الرؤيـة فإن كل الذي يلزمنا لاستهلال مسـيرة صحيحة على طريق تحقيق متطلبات إيماننا بامتـداد نصوصه هو النظر إليه على أنه يؤسس لمرحلة الدعوة في كل زمـان ومكان .
إن القرآن المكي بكامله يمكن أن يوضع تحت عنوان " بناء الفرد المسلم " . وداخل هذا العنوان يمكن التمييز بين أربعة محاور تتوزع بينها الآيات المكية. وهذه المحاور هي :
أولاً : التأسيس لقضيتَي الإيمان وحسن العبادة وترسيخهما .
ثانياً : تحديد معالم طريق الصلاح الفردي والاستقامة الفردية.
ثالثاً : تحديد معالم طريق الإصلاح الاجتماعي.
رابعاً : تحديد معالم طريق البناء الدنيوي الشامل .

وهذا التقسيم يستند إلى طبيعة المحمول الأهم والأقوى للآيات المكية . وهو تقسيم يسمح لنا بتناول معظم تلك الآيات واستقصاء مضامينها المباشرة والعميقة .

وقبل الخوض مباشرة في موضوعات القرآن المكي نود التأكيد على عدم جواز الخلط بين شرع من قبلنا وقَصص من قبلنا ، وضرورة استحضار معاني ودلالات القَصص القرآني بنفس درجة استحضارنا للآيات التي لا تحتوي على أي عرض قصصي . والأهم من ذلك أن نتنبه إلى أن التعبير عن عطاءات الوحي التي تعالج التطورات المستقبلية يتم بأسلوب إيحائي غير مباشر .

سنبدأ التفسير بصورة عكسية ، بحيث نتناول في البداية الآيات التي تحدد معالم طريق البناء الدنيوي الشامل .

المحور الأول : معالم طريق البناء الدنيوي الشامل

يتحدث القرآن الكريم عن أمور الإيمان وحسن العبادة بأسلوب مباشر وواضح ، أما أمور البناء الدنيوي الشامل فغالباً ما يتم الحديث عنها بأسلوب إيحائي غير مباشر . والواقع أن ما سيشغلنا خلال معظم موضوعات هذا المحور هو تلمس المعاني الإيحائية غير المباشرة للآيات التي سنعرضها ، فهذا النوع من المعاني يمثل المحتوى الداخلي العميق لتلك الآيات ومحمولها الأقوى والأهم .
إن المسلم يحتاج خلال المرحلة المكية من الرسالة إلى التعرف على أهم المجالات التي ينبغي أن يتوجه إليها نشاطه ، ودرجة ذلك النشاط ، وحدوده ، بالإضافة إلى التعرف على أهم الضوابط والقيم التي يتطلبها حسن الإعداد للمرحلة القادمة ، وهي مرحلة بناء المجتمع المسلم . وفي تقديرنا فإن موضوعات هذا المحور ترسم العديد من المعالم التي تخدم كل هذه الجوانب . فإلى تلك الموضوعات .

أولاً : في خدمة المجتمع

القصة التي نحن بصـدد تناول جانب منها هي قصة يوسف عليه السلام . وهي قصة زاخرة بالمعاني الإيمانية والإنسانية ، إلا أننا لن نتناول منها سوى الجانب المرتبط بالموضوع الذي نحاول دراسته .
نبدأ حديثنا عن ذلك الجانب بعرض الآيات التي تظهر يوسف عليه السلام وهو يمارس دوره في الدعوة إلى الله داخل السجن ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )
ثم يقوم بتأويل رؤيتَي صاحبَي السجن ، ويخرجان من السجن . وبعد ذلك يحين موعد يوسف عليه السلام مع ثواب الله له جزاء صبره واحتسابه . وتبدأ أولى مقدمات ذلك الثواب بالتحقق ? وذلك من خلال رؤيا الملك التي يتعذر تأويلها . وهنا يتذكر الذي نجا من السجن ما يعرفه عن قدرة يوسف عليه السلام على تأويل الرؤى ، ويذهب إلى السجن مستفتياً عن رؤيا الملك ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ )
وبدلاً من أن يتعلم يوسف عليه السلام داخل السجن كيفية كراهية المجتمع والسخط عليه وتكفير أهله ، فإنه لا يكتفي بتأويل الرؤيا ، بل يضيف إليه مشورته بشأن السلوك الرشيد الذي يكفل للناس حسن التعامل مع ما تنبئ عنه الرؤيا ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ )
ويطلب الملك إحضار يوسف عليه السلام ? ولكنه يرفض الاستجابة إلا بعد ثبوت براءته من الذنب الذي سجن بسببه . وتعترف امرأة العزيز ببراءة يوسف عليه السلام وتندم على ما فعلته . وبعدها يحضر يوسـف عليه السلام إلى الملك ( ...... فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ )
ولا يتردد يوسف عليه السلام في ترشيح نفسه للمنصب الذي يتناسب مع قدراته ومواهبه ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )
وهكذا حظي يوسف عليه السلام برحمة الله وفضله جزاء استقامته وإيمانه وصبره ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )
لقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير . ولكن الله لم يعرض قصص كل أولئك المنذرين ، بل اختار من حياة بعضهم ما يخاطبنا ويلهمنا ويهدينا . وقد رأينا من خلال ما عرضناه من قصة يوسف عليه السلام أن ظروف السجن لم تؤثر على أدائه لمهمته في الدعوة إلى الله وخدمة المجتمع الذي يعيش فيه ? وحين زالت المحن وواتته فرصة خدمة أبناء ذلك المجتمع لم يتردد في ترشيح نفسه للمنصب الذي يتفق مع مواهبه وقدراته .


ثانياً : المرأة والعمل البدني الشاق

في سورة القصص نقرأ قولـه تعالى عن موسى عليه السلام ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ . وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ . فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَـارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَـالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ )

حين نتدبر هذه الآيات سنجد أن الأحداث التي لم تستغرق سوى بعض يوم هي جوهر القصة ، أما العشرة أعوام التي قضاها موسى عليه السلام في مدين بعد ذلك فقد تم التعبير عنها بقولـه تعالى [ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ] . فما سبب تفصيل الأحداث التي استغرقت وقتاً يسيراً وإيجاز ما استغرق وقتاً طويلاً من الزمن ?.
إن الجواب المنطقي على ذلك هو أننا إزاء كتاب هداية تتظافر كل آياته وقصصه نحو خدمة هذا الغرض .
لقد احتوى القسم الأول من القصة التي تم عرضها على فلسفة ممارسة المرأة للأعمـال الشاقة التي تتطلب احتكاكاً بعامة الرجـال . ويمكن إيضاح جوانب تلك الفلسفة على النحو التالي :
أ- أن ممارسة المرأة لتلك الأعمال لا تكون إلا للضرورة ? ويتضح ذلك من حرص القرآن الكريم على إبراز قول المرأتين لموسى عليه السلام [ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ] لتبرير أدائهما لذلك النوع من العمل .
ب- يجب أن تظل تلك الممارسة محكومة بالقيم الأخلاقية الفاضلة ، ويتضح ذلك من حرص القرآن الكريم على تحديد موقع الفتاتين بالنسبة لبقية الرجال المجتمعين عند الماء ، وتصريح الفتاتين بأنهما لن تقوما بالسقاية إلا بعد أن يفرغ الرعاة من سقايتهم [ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَـدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ] .
ج- المجتمع يظل مسؤولاً عن عـلاج تلك الضرورة ، ويتضح ذلك من مبادرة موسى عليه السلام إلى السقاية للفتاتين [ فَسَقَى لَهُمَـا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّـلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ] .

ولعلنا في ضوء ذلك نستطيع فهم سبب تفصيل الأحداث التي لم تستغرق سوى بعض يوم ، ثم التعبير عن السنوات العشر اللاحقة بقوله تعالى [ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ] .
والواقع أنه يصعب العثور على أنموذج يفوق ما تضمنته هذه القصة للتدليل على أن القصص المكي يقصد منه هداية المسلم وحسن بناء شخصيته ، وإعداده إعداداً سليماً لمرحلة بناء المجتمع .

ثالثاً : المرأة والعمل الذهني

ملاحظة :
[ قد يبدو للبعض أن الفهم الذي سنستنبطه من الآيات التي سيتم عرضها يخالف بعض نصوص السنة النبوية . وبهذا الخصوص نود الإشارة إلى أنه سيتم لاحقاً تناول موضوع السنة النبوية بما يزيل أي تعارض موهوم بين ما تضمنته الآيات القرآنية التي سنعرضها وبين ما صرحت به بعض الأحاديث النبوية ]

لا شك أن عالمية الإسلام إنما تنطلق من تجاوز النص القرآني لحدود الزمان والمكان . والقول بخلاف هذه الحقيقة يستلزم الحكم بتراثية القرآن ، سواء أراد القائل ذلك أم لم يرد .

والقصة التي نحن بصدد تناولها تتحدث عن جانب من الملك المعجز الذي أنعم الله به على سليمان عليه السلام حين دعاه قائلاً ( ..... رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) فكان أن حظي بعطاء الله المباشر الذي يتجاوز النواميس والسنن المألوفة . وسنلمس في الآيات القادمة صوراً من سلوك سليمان عليه السلام إزاء تلك النعم . وهي صور تهدف إلى تزويد المسلم بالمعايير والمقاييس التي يمكنه الاستهداء بها في اختيار الحاكم ومحاسبته ، ناهيك عما تحمله الآيات من إشارة إلى الأعمال الذهنية التي يتاح للمرأة ممارستها .

تبدأ الآيات بحديث سليمان عليه السلام عن النعم التي أنعم الله بها عليه ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ] ثم تعرض الآيات إحدى صور تلك النعم ، حيث يقول تعالى [ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ].
ولننظر إلى تصرف سليمان عليه السلام حيال هذا السلطان المعجز [ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ] إنه يقابل النعم والمعجزات بالمزيد من التواضع والإيمان . وحذار من الظن بأن هذه الآيات لا تخاطبنا ، إنها جزء من قرآننا الذي نتعبد به إلى قيام الساعة ، ومعها نعايش الجانب الغيبـي من الأحداث بنفس الدرجة التي نعايش الجانب المرئي منها ، ولا يعرض لنا من الأحداث إلا ما يحمل الهداية والدروس والعبر .
وعودة إلى بقية الآيات حيث نعايش صورة أخرى من الأحداث من خلال قوله تعالى [ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ] إنها قوة في الرقابة والجزاء ، ولكنه يقابلها قوة في العدل وإطلاق الفرص للمواهب والكفاءات . وهكذا وجدنا الهدهد يعلن أنه أحاط بما لم يحط به سليمان عليه السلام [ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) .
وهنا نود أن ننبه إلى أن القصص القرآني يحمل قدراً من التصوير المجازي والتشبيهي ، وهو ما يصدق على بعض الأحاديث المنسوبة إلى النمل والهدهد في الآيات السابقة والأحاديث المنسوبة إلى السماء والأرض في آيات أخرى .
إن آيات القصص تهدف إلى تصوير بعض الأحداث والوقائع وتوظيفها توظيفاً فاعلاً في هداية المسلم وبناء شخصيته . وإجمالاً فإن بعض النعم التي أنعم الله بها على سليمان عليه السلام هي معجزات خارقة للنواميس ، تحقيقاً لقوله تعالى [ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ]

وعودة إلى بقية الآيات حيث نلمس صورة للأعمال الذهنية التي يمكن للمرأة تأديتها بنجاح ، حيث يقول تعالى ( قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ . قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ . إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ] وتطلب رأي معاونيها معلنة أن هذا هو نهجها الذي لا يمكن أن تحيد عنه [ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ] ويقدمون لها رأيهم [ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ) ولكنها بحكمتها توقعت أسوأ الفروض ، وهي أن يكون سليمان عليه السلام من الملوك الذين يبحثون عن الزعامة والمجد ، وهي تعلم أن ذلك الصنف من الحكام يفسد أي مجتمع يحل فيه ويذل كرام أهله ، ولو تحققت أسوأ الفروض وهزم جيشها فسيلقى مجتمعها نفس المصير ، ولذلك قالت في آية تكاد تكون منسوخة من فكرنا ووعينا ( ..... إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ]. وكان لا بد لها من التحقق مما إذا كان سليمان عليه السلام من ذلك الصنف من الملوك أم أنه صاحب مبدأ وعقيدة ، ولذلك عمدت إلى إرسال هدية إليه لتعرف على ضوء تصرفه نوع الغاية التي يبتغيها [ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ . فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ . ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ] ثم عمد سليمان عليه السلام إلى مواجهة ملكة سبأ بالدليل المادي الذي يثبت لها أنه ليس من الباحثين عن المال والزعامة [ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ] وهكذا لا تزيده المعجزات والنعم إلا تواضعاً وإيماناً وتسليماً [ قَالَ نَكِّـرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ . فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ . وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ] وكان لا بد لسليمان عليه السلام أن يريها مزيـداً من الدلائل التي تزيل توهمها بأنها قد تكون إزاء ملك يبحث عن المـال والسلطان [ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّـةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ] وهكذا أيقنت ملكة سبأ أنها قد أخطأت حين ظنت أن سليمان عليه السلام يبحث عن المال والمجد الدنيوي [ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .

ولا مجال للظن بأن الله قد أنزل قصة ملكة سبأ في القرآن الكريم وعرض لنا من تصرفات تلك الملكة ما هو حكيم وراشد وإيماني كي نستنتج عدم جواز ممارسة المرأة لذلك النوع من الأعمال ، بل لقد قصدت الآيات السابقة أن تعرض لنا أنموذجاً للأعمال الذهنية التي تستطيع المرأة ممارستها بكفاءة واقتـدار ، وإلا فما هو المضمون غير المباشر الذي تحمله تلك الآيات ?.
إن علينا أن ندرك أهمية النظر إلى جوهر الأداء السياسي دون الانخداع بشكله أو مظاهره أو الدعاية التي يحاول ترويجها .

رابعاً : في خدمة الناس

إلى الذين يقرؤون آيات القصص كما تقرأ الحكايات والروايات . إلى الذين يتغنون بآيات القصص بينما يخصصون التدبر والتفكر لأقوال فلان وفلان . إلى هؤلاء نقول : تعالوا معنا لنتدبر آيات القصص ، وستجدون أنها هي الأولى بالتدبر والتفكر ، كما أنها تتجاوز حدود الزمان والمكان . وانظروا معنا إلى الآيات التالية :

يقول تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا . إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا . فَأَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا . قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا . وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا . ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا . كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا . ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا . قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا . قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا . آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا . فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا . قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا )

ورغم أن القصص القرآني لا يحتاج إلى التأصيل التاريخي ، إلا أن تفسير هذه القصة يتطلب ذلك .

لقد تعددت الآراء بشأن شخصية ذي القرنين . ورغم ذلك فإن المطلعين على تاريخ الشرق القديم لن يجدوا صعوبة في التسليم بأن القصة تتحدث عن الملك الفارسي " قورش " ( 558 ق.م - 530 ق.م ) .

وقد يتساءل البعض عن سبب الرمزية والغموض الجذاب الذي يطبع القصة ؟ والواقع أن هذا الغموض يجعلنا نلجأ إلى الرواية التي نقلت بشأن سبب نزول القصة ، حيث روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة للسؤال عن محمد صلى الله عليه وسلم وإخبارهم بصفاته وأقواله ، باعتبارهم أهل كتاب وعندهم ما ليس عند قريش من علم الأنبياء . فخرجا حتى أتيا المدينة ، فسألا أحبار المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره وبعض قوله ، فقالوا لهما : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقوِّل . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ؟ . فإنه كان لهم أمر عجيب ، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فأقبلا حتى قدما على قريش فقالا : قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد . فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه ، فقال : أخبركم غداً بما سألتم عنه ، ولم يستثن ( لم يقل إن شاء الله ) . فانصرفوا ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله في ذلك إليه وحياً ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ( خاضوا في الأخبار السيئة ) وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة . ثم جاءه جبريل بسورة الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية ( أصحاب الكهف ) - وفيها [ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً . إلا أن يشاء الله ] - والرجل الطواف ( ذو القرنين ) . وجاء جواب سؤالهم عن الروح في السورة السابقة لسورة الكهف وهي سورة الإسراء .

ولما كان لا يوجد علاقة خاصة بين اليهود وأصحاب الكهف أو الروح فقد أتى جواب القرآن على هاتين المسألتين خالياً من الغموض والرمزية . أما في قصة ذي القرنين فقد حمل الجواب قدراً من الغموض والرمزية ، لأن لليهود علاقة خاصة بتلك القصة . فذو القرنين ( قورش ) هو الذي خلص اليهود من السبي وسمح لهم بالعودة إلى فلسطين وأمر بإعادة بناء معبدهم عام 538 ق.م ، بعد أن كان نبوخذ نصر قد دمر القدس وسبا بني إسرائيل إلى بابل . وقد وردت الإشادة بقورش في أسفار عزرا ( 1 : 1-3 ) وإشعياء ( 44 : 28 ) و ( 45 : 1-3 ) .

وحين نتأمل موقف أحبار اليهود من تساؤل كفار قريش فإننا نستطيع أن نلمس أنهم لم يهتموا بالأمر إلا بالقدر الذي يظهر علمهم وقدرتهم . وآية ذلك أنهم حولوا المسألة إلى ما يشبه الألغاز والأحجيات بدل أن تكون مدخلاً للبحث عن الحق والسعي إليه . ومن ناحية أخرى فإن كفار قريش لم يكن لهم علم بإجابات الأسئلة التي طرحوها على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بالقدر الذي أوضحه لهم أحبار اليهود ، هذا إن كانوا قد أوضحوا شيئاً . أي أن الطرف الأصيل في موضوع الأسئلة ليسوا كفار قريش ، بل اليهود . وكما أشرنا فإن السياق الذي يمكن وضع أسئلتهم في إطاره هو سياق التذاكي والتعالم لا سياق البحث الصادق والمباشر عن الحق . ومن ثم فقد استهدفت الآيات - في تقديرنا - الرد على ذلك التذاكي والتعالم ، ليس في كل الموضوعات التي تضمنتها الأسئلة ، بل في الموضوع الذي ظن اليهود أنهم الأعلم والأوثق صلة به . حيث لم يتم التعرض لقصة قورش مع اليهود ، بل تمت الإشارة إلى الأحـداث الأخرى الهامة التي حفلت بها قصته . وبالتالي فإن من كان يقصد من أحبار اليهود مجرد السخرية والاستهزاء والتذاكي والتعالم فإن القصة ترد كل ذلك إليه . أما من كان يقصد البحث عن الحق فإنه لن يعوزه سوى القليل من الجهد للتحقق من أن القرآن الكريم قد أجاب على سؤاله .

وحيث أن التفسير الصحيح للقصة يتطلب الإحاطة بجانبها التاريخي ، لذا فإن من المهم عرض ذلك الجانب ، وذلك باختصار غير مخل .

يعد قورش مؤسس أقدم دولة في فارس ، وهي الدولة التي يسميها الفرس الدولة الهخامنشية ، بينما يسميها اليونانيون الدولة الأخمينية . وكان قورش زعيماً لإحدى القبائل التي تسكن إقليم فارس التابع لحكم الدولة الميدية ، وهي الدولة التي كانت تمتد عبر الأراضي الواقعة إلى الجنوب الغربي من بحر قزوين . وقد سخط أهل فارس عليهم لظلمهم واستبدادهم ، فسعوا إلى قورش ليحكمهم ويخلصهم من ظلم الميديين ، فتحالف قورش مع نبونيد ملك بابل ، فغضب أزتياج ملك الميديين من هذا التحالف الموجه ضـده ، وطلب من قورش الحضور إليه لتبرير موقفه ، ولكن قورش رفض الطلب ، فاعتزم الملك الميدي القضاء على هذا العصيان بالقوة ، ووقعت حرب بين الطرفين تمكن قورش من الانتصار فيها ، وأخذ الملك أسيراً وعامله معاملة حسنة وكريمة . وبانتصاره وحد قورش بين الشعبين الفارسي والميدي مقيماً الإمبراطورية الأخمينية . ثم بدأ قورش بعد ذلك يتوغل باتجاه الغرب ، وعندما اجتاز نهر الهاليس ليهاجم مملكة ليديا الواقعة في القسم الشرقي من بلاد الأناضول أحس حلفاء ليديا ( حكام بابل ومصر واسبارطة ) بعظم الخطر الذي يتهددهم . وبعد معركة متكافئة بين جيش قورش والجيش الليدي ظن كرويسوس ملك ليديا أن قورش لن يتابع الحرب في فصل الشتاء فانسحب باتجاه عاصمته سارديس ، ولكن قورش لحق به ، ووقعت المعركة عند أبواب العاصمة ، واستطاع جيش قـورش هزيمة الجيش الليدي واحتلال سارديس عاصمة ليديـا عام 546 ق.م [ تشير المراجع التاريخية إلى أن مدينة سارديس كانت على درجة كبيرة من الازدهار والبهاء المادي ، حتى أن اليونانيين كانوا يسمون أشياءهم النفيسة باسم سارديس الذهبية ] إلا أن قورش عامل ملكها معاملة حسنة . ثم استولى بعد ذلك على المستعمرات اليونانية في آسيا الصغرى وعلى الكثير من الجزر اليونانية . ويذكر المؤرخون أن انتصارات قورش لم تكن ترافقها الأعمال الدموية أو أعمال التدمير التي كانت متبعة في ذلك العصر ، بل كان يشفق على الشعوب المغلوبة ويحسن معاملتها ويحترم عقائدها الدينية غاية الاحترام .

وبعد هذه الرحلة من الفتوحات باتجاه الغرب قفل قورش راجعاً باتجاه الشرق ، وظل يفتح البلاد الشرقية فيما بين عامي ( 545 ) و ( 539 ق . م ) حتى وصلت حدود إمبراطوريته إلى نهر السند . ثم عاد راجعاً باتجاه بابل واستطاع فتحها . وقد أظهر الكثير من الاحترام لعقائد أهل بابل الدينية ، وعامل جميع السكان والأسرى معاملة حسنة ، ولم يحاول تغيير أوضاعهم العامة وأنظمتهم الاقتصادية والاجتماعية والإدارية . ثم أصدر عام 538 ق.م أمره بإعادة بناء المعبد في القدس والسماح لليهود بالعودة إلى فلسطين . وقد أتاح فتح بابل فرصة السيطرة على كافة البلاد التي كانت خاضعة لها ، وبذلك شمل نفوذ قورش بلاد ما بين النهرين وسورية وفلسطين . ثم اتجه إلى الشمال الشرقي من امبراطوريته حيث حاول صد الهجمات التي كانت تقوم بها قبائل الماساجيت البربرية ، وهي قبائل تسكن فيما بين بحر قزوين وبحيرة آرال . وتذكر بعض المراجع أنه قد أقام خط دفاع لحماية الحدود الشمالية الشرقية لبلاده من غارات تلك القبائل . وفي حين تذكر بعض الروايات التاريخية أنه قد لقي حتفه في إحدى المعارك التي خاضها ضد تلك القبائل ، تؤكد روايات أخرى أنه قد مات ميتة طبيعية في قصره .

يمكن الرجوع إلى المراجع التالية :
- حسن بيرنيا : تاريخ إيران القديم ، ترجمة الدكتور محمد نور الدين عبدالمنعم والدكتور السباعي محمد السباعي ، القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، ص75 وما بعدها .
- طه باقر وآخرون : تاريخ إيران القديم ، جامعة بغداد ، 1979م ، ص47 وما بعدها .
- د . إبراهيم رزقانه وآخرون : حضارة مصر والشرق القديم ، مكتبة مصر ، ص418 وما بعدها .
- د . أنطون مورتكات : تاريخ الشرق الأدنى القديم ، ترجمة توفيق سليمان وآخرين ، ص367 وما بعدها .
- من ترجمة محمد كفافي وآخرين : تراث فارس ، دار إحياء الكتب العربية ، 1959م ، ص28 وما بعدها .

حين نتأمل قصة قورش فإننا سنجد أن اليهود كانوا جزءاً من قصة فتح بابل ، كما أنهم يعرفون قصة فتح ليديا وكانوا يعقدون الآمال على نجاح ذلك الفتح ، أملاً في تحريرهم . وحيث أن أسئلة أحبارهم التي نقلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتخذت شكل الألغاز والأحجيات ، لذا فقد تضمنت الإجابة القرآنية قدراً من الاجتزاء والتصوير الفني ، وذلك لإظهار مدى محدودية وضآلة إحاطتهم بالقصة التي يملكون بشأنها أكبر قدر من المعرفة والثقة . حيث لم يتم التعرض للقصة التي كانوا جزءاً منها ( فتح بابل ) كما أن الجزء الآخر الذي يعرفونه من القصة ( فتح ليديا ) تمت صياغته بطريقة فنية رفيعة .
ولنحاول قبل عرض تفسير قصة ذي القرنين تذكر بعض الخصائص العامة للقصص القرآني ، ومنها : أن ذلك القصص هدفه هداية المؤمنين ، وعلى وجه الخصوص فإن القصص المكي يهدف إلى حسن بناء الشخصية المسلمة ، إلا أن ذلك يتم في إطار فكرة ومنطق الاختبار والامتحان . كذلك فإن القصص القرآني يحمل قدراً من التصوير المجازي والتشبيهي ، كما أن التعبير عن العطاءات القرآنية التي تناسب التطورات المستقبلية يتخذ شكل الحديث الإيحائي غير المباشر .

بعد التأصيل التاريخي لقصة ذي القرنين وإيضاح سبب نزول الآيات التي تحمل القصة وطبيعة وأسلوب الخطاب القرآني في عرض القصص الذي يؤسس لتطورات المستقبل ، نحاول تفسير الآيات .

تبدأ الآيات بجملة تقريرية تتضمن تحديد الشخصية التي سـأل كفار قريش عنها عنها ، حيث يقول تعالى [ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ] أي : إنهم يسألونك عن ذي القرنين [ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ] وهنا يوضح القرآن الكريم أنه لن يعرض كل قصة ذي القرنين ، بل سيوضح جانباً منها . ثم يعرض القرآن الكريم صورة من أحداث الرحلة الغربية لذي القرنين ، حيث يقول تعالى [ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا . فَأَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا . قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا . وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ] .

والواقع أن هذه الآيات تتحدث عن فتح قورش لمدينة سارديس عاصمة مملكة ليديا ، إلا أن الآيات صيغت على نحو قصد منه تحدي عقول المستهزئين من اليهود والمشركين ، ولذلك فقد اشتملت على قدر كبير من التشبيه والمجاز .
لعل أولى المقاطع التي تحتاج إلى نقاش هي قوله تعالى : [ وَجَدَهَا - الشمس - تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ] والعين الحمئة هي : العين التي يختلط فيها الماء بالطين ، فكيف يمكن للشمس أن تغرب في مثل تلك العين ؟ .
يذكر المفسرون أن الآيات كانت تتحدث عن ذي القرنين وتنقل صوراً من رحلاته وأعماله ، والحديث عن غروب الشمس هو حديث منسوب لذي القرنين ، حيث يقول تعالى [ وَجَدَهَا ] أي أنها بحسب رؤية ذي القرنين لها كانت كذلك ، مثلما يرى الإنسان الشمس تغرب وراء الجبل أو في الصحراء .
والواقع أنه يصعب التسليم بدقة هذا التفسير ، ذلك أن الإنسان يمكن أن يتخيل أو يعتقد أن الشمس تغرب وراء الجبل أو في الصحراء أو في البحر ، إلا أنه لا يمكن أن يتخيل أنها تغرب في عين ماء بها طين ، لأن العين صغيرة الحجم إلى درجة لا تكفي لإحداث ذلك الخيال ، أما الجبل والصحراء والبحر فهي كبيرة بدرجة تكفي لإحداث ذلك الخيال . ولذلك فإن المنطق السليم يقتضي التحقق من درجة الحقيقة والمجاز في قوله تعالى [ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ] .

الواقع أن تأمل الأسلوب الذي وصف به القرآن المواقع الثلاثة التي بلغها ذو القرنين يؤكد أن الأسلوب القرآني كان غاية في المجاز . فجملة " العين الحمئة " هي عبارة عن وصف مجازي لحالة المدينة الليدية " سارديس " التي كانت تجمع بين التقدم المادي من ناحية ، والانهيار الخلقي والاجتماعي من ناحية أخرى . فتم تشبيه تقدمها المادي بعين الماء - بما تتميز به من تدفق وعذوبة ونفع - وتم تشبيه حالة الظلم والفساد المستشري فيها بالطين الذي يختلط بماء العين العذب فيعكر صفوه ويذهب عذوبته ويوقف تدفقه . وسنلمس مدى دقة هذا التعبير حين نتعرض لوصف القرآن الكريم لحالة القوم الذين لقيهم ذو القرنين في رحلته الشرقية .

أما المقطع الثاني الذي يستحق النقاش في الرحلة الغربية لذي القرنـين فهو قوله تعالى [ فَأَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ] حيث يثور تساؤل مؤداه : وهـل للشمس مكان محدد تغرب فيه ؟ .
الواقع أن كل مكان على الأرض يمكن أن يكون مغرباً للشمس ، في حين أن الآية تتحدث عن مكان معين ذهب إليه ذو القرنين .
لعل البعض يعتقد أننا إزاء معضلة فكرية طاحنة ، وقد تعزز مطالعة التفسيرات المختلفة هذا الاعتقاد . إلا أننا نرى أن القضية أهون من أية معضلة ، فجملة " مغرب الشمس " ليست جملة مكانية ولا يمكن أن تكون كذلك ، بل هي جملة زمانية تعني : وقت غروب الشمس . والذين يعتقدون أن جملة " مغرب الشمس " تشير إلى مكان معين يلغون الآية السابقة لتلك الجملة ، وهي قوله تعالى [ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ] . وهذه الآية تكاد تكون سر القصة ، فقد تكرر ورودها قبل كل رحلة أشارت إليها القصة القرآنية .

إن قوله تعالى [ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ] ، [ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ] ، [ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ] هو الذي يشير إلى الأمكنة التي بلغها ذو القرنين . وعلينا أن نتذكر ما سبق أن أشرنا إليه من أن القرآن الكريم لا يعرض القصص عرضاً تاريخياً ، كما أن هذه القصة على وجه التحديد تتضمن رداً على اليهود الذين حاولوا تحدي الرسول صلى الله عليه وسلم وإثبات عجزه ، الأمر الذي يتطلب الارتقـاء فوق المعنى المعجمي للقصة . ومهما اختلفت تفسيراتنا لقوله تعالى [ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ] فإنها لن تكون بعيدة عن معنى " فاختار هدفاً " أو " فقرر شيئاً محدداً " . ولا شك أن المكان يعد من أول مفردات ذلك الاختيار أو القرار ، وبالتالي فإن الاعتقاد بأن جملة " مغرب الشمس " تشير إلى المكان يتضمن مخالفة للمعقول وإلغاء لقوله تعالى [ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ] .

وفي ضوء ما سبق عرضه يمكن القول بأن قوله تعالى [ فَأَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ ] تعني " فاختار هدفاً . فما وصـل ... " ليس إلى مغرب الشمس بل إلى الهـدف الذي اختاره ، وقد كان وصوله [ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ] أي : وقت غروب الشمس .

وهكـذا فإنه يمكن تفسير الآيات التي عرضت الرحلـة الأولى لذي القرنـين على النحـو التالي :
[ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ] أي : هيأنا لـه كل أسباب التمكن والتصرف ويسرناها لـه [ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ] فأتبع ما وهبه الله لـه بأن اختار هدفاً محدداً [ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ] فلما وصله وقت غروب الشمس [ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ] وجد الشمس تغرب في منطقة تشبه العين التي يختلط فيها الماء بالطين ، فهي منطقة متقدمة من الناحية المادية إلا أن ذلك التقدم مشوب بالظلم والفساد [ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ] وهم المدافعون عنها [ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ] والقول هنا قول إلهام ، لأن ذي القرنين ليس نبياً [ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا . وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ] وهذا القول أيضاً قد لا يكون قولاً كلامياً ، بل كناية عن واقع الحال ، وهو يشير إلى إيمان ذي القرنين وعدله .

وعلى نسق التفسير السابق يمكن تناول بقية القصة ، حيث يقول تعالى [ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ] أي : ثم اختار هدفاً محدداً . فلما وصله وقت طلوع الشمس [ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ] أي : وجد الشمس تطلع على قوم عـراة ، لا يوجد ما يحجب أشعة الشمس عن أجسادهم . وحيث أن الرحلـة الأولى كانت باتجاه منطقة حضارية متقدمة ، وهي مملكة ليديا ، فقد تم تشبيه ذلك التقدم بعين الماء ، وتم تشبيه الظلم الذي يعكر صفو تلك الحضارة بالطين الذي يختلط بالماء العذب . أما الرحلة الشرقية فكانت باتجاه منطقة بدائية ، وقد اكتفى القرآن الكريم في وصف تلك المنطقة بالإشارة إلى أنه لا يوجد ما يستر أجساد أهلها عن أشعة الشمس ، أي أنهم عراة . [ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ] أي أن أفعال ذي القرنين وإمكاناته ومواهبه ليست خارج علم الله وحكمته ورقابته .

ثم يعرض القرآن الكريم الرحلة الثالثة لذي القرنين ، حيث يقول تعالى [ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ ] أي : ثم اختار هدفاً محدداً . فلما وصل إليه - ومكان ذلك الهدف هو المنطقة التي كانت تتعرض لهجمات القبائل البربرية ، وفق ما يتبين من الروايات التاريخية - [ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ] أي أن المكان يقع في منطقة معينة بين الحاجزين ( وقد يكون المقصود بهما بحر قزوين وبحيرة آرال أو أي حاجزين طبيعيين ) . وهكذا فإن جملة " بين السدين " لا تحدد المكان بدقة ، بل تحدد الاتجاه الذي يقع فيه المكان ، مثلما حملت الألفاظ التي أشارت إلى الرحلتين الأولى والثانية ما يدل على أنهما كانتا باتجاه الغرب والشرق . [ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا - قبل الحاجزين - قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ]. هنا ينتهي الغموض وتتوسع الآيات في سرد تفاصيل تلك الرحلة ، لأن تلك التفاصيل بعيدة عن متناول اليهود ، بالإضافة إلى أن لها علاقة بأحداث أخرى ، وفق تفصيل ليس هذا وقت أو مكان استعراضه [ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ] ويرفض أخذ المقابل منهم ، ولكنه يطلب منهم مساعدته [ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا . آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ – قطعه الضخمة - حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ - جانبي الردم أو السد - قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا – نحاساً مذاباً - فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا . قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ] .

ما الذي تريد هذه الآيات أن تقوله لنا ؟ .
أياً كان الغموض الذي أحاط بالقصة فإن المعلومـات التي ظلت واضحة على الدوام هي أننا إزاء شخصية عظيمة يسر الله لصاحبها أسباب التمكن والتميز فاستخدم ما وهبه الله إيـاه استخداماً حسناً . كان مؤمناً عاملاً وعادلاً ورحيماً ، ساعد من يحتاجون إلى مساعدته وقدم مثلاً فريداً في حسن استخدام النعم والمواهب .

ولا مجال للتواصل مع هذه القصة بنفس طريقة التواصل مع أي فن أو أدب أو تاريخ ، بل لابد من استقبالها كهدى من رب العالمين ، لا يختلف الهدف منه عن هدف سائر القصص المكي ، وهو حسن بناء الفرد المسلم وحسن إعداده للمهمة التي تنتظره في المرحلة المدنية .

لقد كان العنوان الذي تناولنا تحته الآيات السابقة هو " في خدمة الناس " . ونأمل بعد أن يحسن المسلم تدبر الآيات التي تم عرضها أن يكون قد استوعب جانباً من الواجبات التي تنتظر أصحاب المواهب ، وصوراً من العمل الصالح الذي يرضى الله عنه .
خامساً : العلوم الدينية

كما ذكرنا فإنه لا أمل في حدوث أي إصلاح مالم يتم عبر البوابة الثقافية . ولعل موضوع العلوم الدينية يعد مثالاً صارخاً للتغيير الثقافي المطلوب .

لا شك أن جملة العلوم الدينية ستستدعي إلى ذهن القارئ الكريم المعرفة السائدة عن تلك العلوم ، ولذلك فإننا نبادر إلى التذكير بأننا نعمل على الانتقال إلى مستويات معرفية جديدة كلما كان ذلك ممكناً . ومن ثم فإن من المهم التخفف من المعرفة السائدة ، ولو مؤقتاً .

إن القرآن الكريم يقدم منهجاً متكاملاً للحياة ، وبالتالي فإن حديثنا عن العلوم الدينية هو حديث عن كل العلوم التي يحث القرآن الكريم على اكتسابها أو يسمح به أو يسكت عنه .

وبخصوص هذه المسألة فإن القارئ الكريم حين يكون قد ساوى بين أهمية استقصاء وتتبع المعاني المباشرة والمعاني الإيحائية غير المباشرة للآيات القرآنية فإنه قد يدهش حين يعلم أن العلوم الفقهية والتشريعية لا تحتل سوى المرتبة الثانية في ترتيب العلوم التي حث القرآن الكريم على اكتسابها ، بينما تبقى المرتبة الأولى ، وبتفرد صارخ ، من نصيب العلوم العلمية والتطبيقية .

إن آيات الأحكام التي أنتجت ثروتنا الفقهية والتشريعية الضخمة تقل عن خمسمائة آية ، أما الآيات التي تتحدث عن عالم الأنفس والآفاق فهي تبلغ ما يقرب من ألف آية قرآنية ..

والواقع أننا ابتعدنـا كثيراً عن المنطق القرآني . فالجوانب التي حسمها الله في بعض آيات ونهى عن الاستغراق في بحثها - صورة عالم الغيب - استأثرت بالنصيب الأوفـر من وقتنا وجهدنا ، والجوانب التي سمح القرآن بتعلمها وظل يلفت النظر إلى ميادينها في ما يقرب من ألف آية بقيت من أبعـد الميادين عنا ومن أقلها استحواذاً على وقتنا وجهدنا ، الأمر الذي جعل فكرنا وواقعنا بمنأى عن الكثير من ثمارها .
ولا مجال للتوهم بأن نزول ما يقرب من ألف آية قرآنية تلفت النظر إلى عالم الأنفس والآفاق كان للتسلية أو تحصيل البركة أو أن ذلك من متطلبات الحياة الصحراوية الجيدة !!

إن العلوم العلمية والتطبيقية تقدم إحدى أهم وسائل التأثير في حركة التاريخ وإحدى أعظم وسائل تحقيق متطلبات إكمال المسيرة البشرية على هذه الأرض وإحدى أكبر محفزات إعادة فهم خطاب الوحي وتجديد الوعي به ، ومن ثم فإن البعد عن الاشتغال بها هو بمثابة هجر لجزء كبير من القرآن الكريم وابتعاد عن استخدام إحدى أهم بوابات التواصل معه وتحقيق جانب من رسالته في الحياة .

إن الآيات التي تتحدث عن عالم الأنفس والآفاق لا تهدف إلى تقديم معلومات علمية للمسلمين ، فلذلك كان سيجعلها أداة صد عن الإسلام في العصر الماضي وأداة تخدير لمسلمي هذا العصر .

إن الهدف الإيحائي غير المباشر لتلك الآيات هو لفت أنظار المسلمين إلى ذلك العالم وحفزهم نحو اكتشافه واكتناه أسراره . وإذا كان إنتاج العلوم الفقهية والتشريعية يستلزم اعتماد المنهج القياسي والاستنباطي ، فإن الآيات التي تتحدث عن عالم الأنفس والآفاق تعمل على إيجاد العقلية التي تنـزع نحو المنهج الاستقرائي ، بحيث يمكنها بعد ذلك الوصول إلى المنهج التجريبـي الذي تستلزمه العلوم التطبيقية ، وإن كان المنهج الاستنباطي سيحكم جميع النتائج .

وهكذا فإنه يمكننا القول بأن المعاني المباشرة لمختلف الآيات التي تحدثت عن عالم الأنفس والآفـاق تستهدف خدمة قضايا الإيمان وحسن العبادة ، بينما المعاني الإيحائية غير المباشرة لتلك الآيات تهدف إلى تنبيه العقول المسلمة إلى ذلك العالم وحفزها نحو استقرائه وفهمه واكتشاف أسراره وسننه وقوانينه .

إن الأنفس والآفاق هي أكثر الأشياء التي أقسم الله بها ، وقد ظل ذلك القسم يتردد في الكثير من السور ، وبأسلوب بليغ ومثير . وإذا كانت المعاني المباشرة لمثل تلك الآيات لا تفتقر إلى الوضوح ، فإن معانيها غير المباشرة تستهدف أو على الأقل تسمح بربط العقل المسلم بذلك العالم وإغرائه باكتشافه ودراسته . بل إننا نستطيع القول بأن دارسي العلوم العلمية ، متى ما صحت عقيدتهم وأخلصوا في أداء عملهم ، فإنهم قد يصبحون أقرب إلى العلوم الدينية من كل الناس ، بمن فيهم الفقهاء ومن يوصفون عادة بأنهم رجال الدين . ولننظر بوعي وتدبر إلى العوالم التي تشير إليها كل كلمة في قوله تعالى ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ )

إن هذه الآيات تشير إلى معظم ميادين العلوم العلمية ، وقد سماها الله آياته ، أي أن متعلميها والباحثين فيها يتعلمون ويبحثون في آيات الله . فمن غيرهم يحظى بهذا الشرف ؟! ولنتذكر أن العلوم الفقهية والتشريعية تجمع بين البحث في آيات الله وأفكار وأفعال الإنسان ، لا الإنسان ذاته مثلما هو الحال في العلوم العلمية .

ولننظر إلى من أطلق الله عليهم لقب العلماء في قوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ )

والآيات القرآنية التي تتحدث عن عالم الأنفس والآفـاق تعمل بصورة مباشرة على لفت أنظـار جميع المسلمين إلى ذلك العالم وربطهم به ، باعتباره عالم الدلائل التي ترشد إلى الخالق . ولذلك فقد جاءت صياغة تلك الآيات على نحو يناسب مختلف العقول . بل إن مجرد حديث القرآن عن العوالم التي لم تكن أسرارها معروفـة في العصور الماضية ( عالم الأجنة ، الفلك ، البحـار والمحيطات ، الحشرات ، النبات ، الحيـوان ) كان ينبغي أن يحفز الكثيرين من علماء الكلام وغيرهم على اقتحـام تلك العوالم بكل قـوة ، ما دام القرآن يلحُّ على أنها هي ميادين دلائل الإيمـان وأن صـورة عالم الغيب لا يعلم تأويلها إلا الله .

وأكثر من استحضار عـالم الأنفس والآفـاق إلى ذهن قارئ القرآن ، فإن الآيات المكية تحث الناس مباشرة على اكتشاف كل مـا في الأرض والسماء والتفكير في كيفية خلق جميـع المخلوقات ، فيقول تعالى :
- ( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...... )
- ( فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ....... )
- ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ....... )
- ( أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ . وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ )
وآيات أخرى كثيرة ، مكية ومدنية ، تظل تواجه قارئ القرآن في الكثير من السور .

ولسنا بصدد محاكمة الواقع ، ولكننا نـود من كل مسلم أن يحـاول الإجابـة على الأسئلة التالية :
- لماذا أنزل الله حوالي ألف آية تتحدث عن عالم الأنفس والآفاق ؟
- ولماذا نزلت معظم تلك الآيات في المرحلة المكية على وجه التحديد ؟
- وما هو المعنى الإيحائي غير المباشر الذي تحمله تلك الآيات ؟
- وإذا كنا مطالبين بتطبيق كل آيات القرآن الكريم وحسن العمل بها فكيف يكون تطبيق الآيات التي تتحدث عن الأنفس والآفاق ؟
وحين يحسن المسلم الإجابة على هذه الأسئلة فإنه يكون قد قطع شوطاً كبيراً على طريق تدبر القرآن المكي وأصبح يعرف قدراً كبيراً من متطلبات حسن العلاقة بالدنيا .

وتبقى قضية تستحق النقاش . فالبعض قد يستشهد بالتجربة الغربية للتدليل على الأخطار التي قد تحملها العلوم العلمية ، فالكثير من الأفكار الإلحادية استندت إلى تلك العلوم . والواقع أن مثل هذا الاستشهاد على درجة كبيرة من المشروعية والوجاهة ، ولذلك فإن آيات القرآن الكريم لا تتجاهله .

إن القرآن الكريم يحتوي على قصة تستهدف - في تقديرنا - إيضاح المنهج الذي يمكن عن طريقه تجنب الانحرافات الفكرية الكبرى ومن بينها الأفكار الإلحادية ، كما أن القصة تستهدف إيضاح المنهج الذي ينبغي أن تستهدي به المسيرة العلمية .

وفي سبيل حسن فهم تلك القصة فإننا نفضل تقديم تعريف موجز حول التجربة الغربية ، وذلك في الحدود التي يتطلبها اكتشاف المعاني الإيحائية التي تحملها القصة التي نتهيأ لعرضها .

إن التجربة الغربية ينبغي أن تدرس في إطار الواقع الذي خرجت منه والظروف التي واجهتها . فصورة الدين التي عرفتها أوروبا تمثل - في كثير من جوانبها - الخط الموازي للعقل والعلم والتحدي الحقيقي الذي واجه الحركة العلمية وحاول وأدها . وبقدر ما شكلت تلك الصورة قوة دفع قصوى باتجاه ما هو عقلي وعلمي من خلال مناقضتها ومجابهتها للعقل والعلم بقدر ما كان ذلك الدفع طرداً عن كل ما هو ديني .
وبعيداً عن هذا الجانب فإن ما يهمنا تتبعه هو الأسباب غير الدينية التي أسهمت في ظهور الأفكار الإلحادية .
ولعل من المناسب قبل ذلك التذكير بأنه حتى على الصعيد الإسلامي فإن الجانب المباشر من خطاب الوحي يقدم صورة تقريبية ومبسطة للغيب - ومنه قضية الخلق - تقربه إلى مختلف العقول وتهيئ عقول العلماء للاصطدام بصورة الواقع وحقائقه المعقولة على نحو يسمح بإعادة فهم خطاب الوحي واكتشاف مضامينه العميقة وعطاءاته الكامنة . وفي ظل مثل هذا المناخ فإن الأفكار الإلحادية قد تجد بعض فرص الظهور والشيوع .

فلنأخذ من هذا الحديث قضية الدهشة والمفاجأة التي يولدها الاصطدام بصورة الواقع ، ولنحاول التعرف على أهم الأسباب التي أسهمت في ظهور الأفكار الإلحادية والانحرافات الفكرية الكبرى في محيط العطاء الفلسفي الغربي ، ولعله يمكننا التعرف على تلك الأسباب إذا نحن حاولنا اكتشاف الأخطاء الجوهرية التي اكتنفت المسيرة الفلسفية الغربية .

وبأكبر قدر ممكن من الإيجاز والتبسيط والتحديد نقول : إن بإمكاننا اكتشاف تلك الأخطاء من خلال تأمل البعدين التاليين :

البعد الأول : يتعلق بالمناخ الذي أسهم في إفراز العطاء الفلسفي الغربي . وفي تقديرنا فإن أهم سمات ذلك المناخ هي :
1- ضخامة وعظم الهزات والصدمات التي أحدثتها الكشوف العلمية المتتالية .
2- الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة التي شهدتها أوروبا .

أما البعد الثاني فله جانبان :
الجانب الأول يتعلق بطريقة تعامل الفلاسفة مع الحقائق والشواهد التي حملتها الكشوف العلمية .
أما الجانب الثاني فيتعلق بمدى تاثير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على العطاء الفلسفي .

لقد أحدثت الكشوف العلمية المتتالية الكثير من الصدمات والهزات التي كانت كفيلة بالشك في كل شيء والتساؤل حيال كل شيء وطرح كل شيء . وحين كان يظهر اكتشاف علمي جوهري يكفي لهدم القناعات السائدة كان الفلاسفة يستخدمون الحقائق الجزئية التي حملها الاكتشاف في وضع تصورات شمولية وإصدار أحكام مطلقة . وبعد أن يستقر الطرح الفلسفي الجديد يظهر اكتشاف علمي ينقضه أو يعدل بعض جوانبه أو يفتح المجال لرؤية مختلفة فينبري الفلاسفة مرة أخرى لاستخدام الحقائق التي حملها الاكتشاف الجديد في بناء مفهوم فلسفي جديد ..... وهكذا . ومن ردود الأفعال تلك انطلقت معظم الفلسفات التي شهدتها أوروبا .
كما أن أوروبا قد مرت بالعديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي كان لها أبلغ الأثر على العطاء الفلسفي . فالآثار السلبية للنظام الرأسمالي كانت السبب الجوهري في تشكل وشيوع الفلسفة الماركسية ، والدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية كان السبب الجوهري في قوة شيوع الفلسفة الوجودية خلال القرن العشرين .

وهكذا فإنه يمكن القول بأن الأخطاء التي اكتنفت العطاء الفلسفي الغربي تعود إلى عاملين :
الأول : استخدام الحقائق الجزئية التي حملتها الكشوف العلمية في بناء تصورات شمولية وإصدار أحكام مطلقة . ولعل ذلك يصدق على معظم الفلسفات والنظريات الشمولية التي شهدتها أوروبا ، ومن بينها التعميم الذي تحمله نظرية دارون وبعض أفكار فرويد وغيرهما .
الثاني : سيطرة الآثار السلبية للأزمات التي مرت بالمجتمعات الغربية على الرؤى والطروحات الفلسفية .
ولعلنا نتفق على أنه لا يصح القفز إلى الاستنتاجات الشمولية وإصدار الأحكام المطلقة حين تظهر اكتشافات علمية جزئية مهما كانت مثيرة أو تحدث أزمـات عارضة مهما كانت طاحنة . ولو أن الفلاسفة لم يندفعوا كل ذلك الاندفاع وراء مجـال الرؤية الأحادي الضيق الذي أتاحته الاكتشافات الجزئية التي عايشوها أو تأثروا بها ، ولو أنهم حاولوا البحث عن الحقائق الكبرى بمعزل عن أسر الأزمات العارضة . لو أنهم فعلوا ذلك لما ارتفعت الأفكار الإلحادية - والانحرافات الفكرية عموماً - إلى مصاف العقائد التي تشكل الوعي وتهدي الفكر وتحكم السلوك .

فلنتـذكر الآن رؤى يوسف عليه السلام وصاحبَي سجنه وملك مصر وتأويـل تلك الرؤى ، ولنحـاول تطبيـق ذات الأمر على الحديث الذي عرضنـاه حـول المسيرة الفلسفية الغربية ، وذلك من خلال إدخـال ذلك الحديث إلى دائرة التكثيف والرمزية بأقصى قـدر ممكن .

ذكرنا أن الأخطاء التي اكتنفت العطاء الفلسفي الغربي تعود إلى عاملين :
الأول : استخدام الحقائق الجزئية التي حملتها الكشوف العلمية في بناء تصورات شمولية وإصدار أحكام مطلقة . ولعل ذلك يصدق على معظم الفلسفات والنظريات الشمولية التي شهدتها أوروبا ، ومن بينها التعميم الذي تحمله نظرية دارون وبعض أفكار فرويد وغيرهما .
الثاني : سيطرة الآثار السلبية للأزمات التي مرت بالمجتمعات الغربية على الرؤى والطروحات الفلسفية .
وقلنا إن الفلاسفة لو لم يندفعوا كل ذلك الاندفاع وراء مجـال الرؤية الأحادي الضيق الذي أتاحته الاكتشافات الجزئية التي عايشوها أو تأثروا بها ، ولو أنهم حاولوا البحث عن الحقائق الكبرى بمعزل عن أسر الأزمات العارضة . لو أنهم فعلوا ذلك لما ارتفعت الأفكار الإلحادية - والانحرافات الفكرية عموماً - إلى مصاف العقائد التي تشكل الوعي وتهدي الفكر وتحكم السلوك . ثم اقترحنا إدخـال هذه المعطيات إلى دائرة التكثيف والرمزية بأقصى قـدر ممكن . وإذا كان قد تم لنا ذلك فإنـه يمكننا تأمـل الرحلة العلمية التي اشتملت عليهـا الآيـات التالية :

( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا . فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا . فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا . قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا . قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا . فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا . قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا . قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا . قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا . قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ] وهنا تبدأ الرحلة العلمية [ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا . فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا . فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا . أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا . وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْـرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا )

إن هذه القصة تشير إلى مصدر الانحراف الذي يمكن أن يلحق بالمسيرة الفلسفية ، وتشير كذلك إلى المبادئ التي ينبغي أن تستهدي بها المسيرة العلمية .

وفي بداية القصة نلمس بوضوح مقدار العزيمة التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها ، وهو ما يتضح من قول موسى عليه السلام [ لَا أَبْرَحُ - لا أزال مستمراً في السير - حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ - ملتقاهما - أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا - دهوراً طويلة لا نهاية لها - ] . وبعد أن أخذ منه التعب مأخذه اكتشف أنه قد نسي طعامه ، فعاد مع فتاه إلى المكان الذي نسيا فيه طعامهما . ومن ذلك المكان تبدأ الرحلة العلمية مع من وصفه الله بأنه [ عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ] . ويطلب موسى عليه السلام من المعلم أن يعلمه ما يمنحه ويوفر لـه الرشـد والسداد [ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْـدًا ] وهنا يبـدأ أول دروس طلب العلم [ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ] فالعلم بحر واسـع لا قبل لأحـد بالإحاطة به [ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ] ولكن موسى عليه السلام أكد أنه سيتحلى بالصبر وينفذ ما هو مطلوب منه [ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ] وهنا أشار المعلم إلى أهم الالتزامات التي ينبغي على موسى عليه السلام مراعاتها [ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ] . وإثر ذلك انطلقا . وإذ بموسى عليه السلام يفاجأ ببعض الأحداث التي صدمته وأذهلته ، فما كان منه إلا أن اكتفى بما تبدى له من الأحداث واندفع يضع الاستنتاجات ويطلق الأحكام . ولكن المعلم كان يذكره في كل مرة بما سبق أن أوصاه به من ضرورة التحلي بالصبر إلى أن تنجلي كافة جوانب الأحداث وعدم الانسياق وراء جانب من الأحداث أو صورة جزئية منها واتخاذها مصدراً للعلم الشمولي والأحكام المطلقة .

وحين نحـاول الربط بين أحـداث القصة ومعالم المسيرة الفلسفية الغربية فإنه يمكننا القـول بأن الأحـداث المثيرة التي وقعت خلال رحلة موسى عليه السلام مع المعلم تشبه الكشوف العلمية المتتالية التي صدمت العقـول وأذهلتها . وردود فعل موسى عليه السلام إزاء تلك الأحـداث تشبه المواقف الخاطئة التي اتخذهـا الفلاسفة إزاء الكشوف العلمية التي عايشوها أو تأثروا بها ، حين اتخذوا الحقائق الجزئية التي حملتها تلك الكشوف مصـدراً للعلم الكلي والأحكام المطلقة . ووصايا المعلم المتتالية بضرورة التحلي بالصبر تشير إلى المنهـج القويم الذي ينبغي أن تستهدي به المسيرة الفلسفية [ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا . فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ] .

أما الحادثة الأخيرة فتشبه حالات الأزمـات العارضة التي حركت ووجهت أفكار الفلاسفة . حيث نجد موسى عليه السلام والمعلم يصلان إلى إحدى القرى ، ومن وحي القصة يتبين أنهما كانا جائعين ولا يملكان المال اللازم لشراء الطعام ، ولذلك فقد طلبا من موسري القرية إطعامهما ، ولكنهم أبوا فعل ذلك دون مقابل ( أبوا أن يضيفوهما ) وأثناء ذلك وجدا جداراً يكاد ينهدم ، وبعيداً عن كل تأثيرات الأزمة الطارئة التي يمران بها عمد المعلم إلى ذلك الجدار فأقامه . أما موسى عليه السلام فكان وقع الأزمة يسيطر على تفكيره ومنطلقاته ، الأمر الذي جعله لا يحتمل تصرف المعلم ، بل أفصح عن ردة فعل لا يصعب على المرء التنبُّه إلى أن الأزمة هي التي أفرزتها ووجهتها . لقد كان يريد الحصول على أجر لشراء بعض الأكل . وفي تقديرنا فإن تصرف موسى عليه السلام يشير إلى الأخطاء التي وقع فيها الفلاسفة حين سيطرت الآثار السلبية للأزمات التي عايشوها على رؤاهم ومجهوداتهم . أما روح التجرد التي أظهرها المعلم فتشير إلى المنهج القويم الذي ينبغي أن تستهدي به المسيرة الفلسفية [ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ] .

أما تأويل الأحداث فيمكننا أن نستلهم منه العديد من المبادئ والقيم التي ينبغي أن تستهدي بها المسيرة العلمية . فحادث السفينة يشير إلى أن جهود العلماء ينبغي أن يكون لها وظيفة وهدف ، وأن يتم توجيهها إلى ما فيه نفع الناس وخيرهم [ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ] وحادث الغلام يشير إلى المجال الحقيقي الذي ينبغي أن تنصرف إليه جهود العلماء وهو المستقبل [ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ] وحادث الجدار يشير إلى أنه لا ينبغي استعجال رؤية ثمار الجهود العلمية ولا ينبغي ربطها بأية مقاييس مادية [ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ] ثم يوضح المعلم أنه لم يفعل كل ما سبق بوحي إرادته [ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ] أي أن كل أحداث هذه الرحلة العلمية لم تكن سوى مشاهد تعليمية وقعت بأمر الله ووحيه .

http://www.wasatyah.com/vb/showthread.php?threadid=19744

سلام
25/04/2004, 12:30 PM
سادساً : حكم العائلات والعصابات السياسية

حكم العائلات والعصابات السياسية يؤدي بالضرورة إلى الاستبداد ويشل على المدى الطويل فرص نمو وتطور المجتمعات ويهدد استقرارها ووحدتها ، ولذلك فقد كان للقصة القرآنية التي تشير إلى ذلك النمط من الحكم شأن خاص ، فهي أكثر القصص التي ركز القرآن الكريم على عرض أحداثها . وقد نزلت كل الآيات التي تعرض صـور تلك الأحداث في المرحلة المكية من الرسالة ، وهي كما أسلفنا مرحلة بناء الفرد المسلم وحسن إعداده لما ينتظره من مهام . وحيث أننا نحاول التعرف على معالم طريق البناء التي رسمها القرآن الكريم للفرد المسلم في مرحلة التأسيس لإقامة المجتمع المسلم ، لذا فإننا سوف نحاول الاقتصار على عرض الآيات التي يمكن أن نتعرف من خلالها على قوانين حكم العائلات والعصابات السياسية .

وابتداءً ، نود أن نشير إلى أننا لا نقصد من استخدام مصطلح العصابات السياسية الإساءة لبعض أنظمة الحكم أو إدانتها ، بل نقصد توصيفها باستخدام أكثر المصطلحات تعبيراً عنها وتصويراً لأوضاعها وأحوالها . وهذا المصطلح ينطبق على أنظمة الحكم غير العائلية وغير المتولدة عن إرادة المجتمع . فهي تجسد شكل وسلوك وروابط أفراد العصابات ، ولكنها عصابات تعمل في ميدان السياسية ، كالأنظمة الانقلابية التي تدعي أنها أنظمة جمهورية أو جماهيرية ، وكالجماعات المسلحة التي تتصرف في شؤون الأمة وقضاياها دون تفويض واضح ومؤكد من عموم أو غالبية أصحاب هذه الشؤون والقضايا .

نبدأ حديثنا عن الاستبداد بعرض الآية التي تشير إلى الأسلوب الذي يعمل من خلاله زعيم العائلة أو العصابة السياسية على تثبيت دعائم استعباده للناس ، وهو أسلوب " فرق تسـد " كما يشير إلى ذلك قولـه تعالى ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ] ويحظى بنو إسرائيل بسنة الله في التغيير [ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) . وتتتابع الآيات إلى أن يأمر الله موسى وهـارون بالذهاب إلى فرعون ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي . اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى . قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى . فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) . ولكن زعماء العائلات والعصابات السياسية لا يكاد يشغلهم سوى الحديث عن النعم التي أنعمـوا بها على رعاياهم ( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ . وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ] يشير إلى الرجل الذي وكزه موسى فقضى عليه [ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ . فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ]!!. وزعماء العائلات والعصابات السياسية لا يزلزلهم شيء قدر محاولة نزع السيادة عنهم ، ولذلك تراهم يقابلون من يحاول نزع تلك السيادة بالسخرية منه واستعداء الآخرين عليه [ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ]!!. وحين لا تنفع السخرية والاستعداء يكون نصيب داعية نزع سيادة العائلة أو العصابة هو التخويف منه والتشكيك فيه [ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ]. وهكذا ، فإن السبل موصودة أمام أي سيادة أخرى غير سيادة زعيم العائلة أو العصابة السياسية [ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ] وهنا نلاحظ أن القدسية في عهد فرعون اتخذت شكلاً صريحاً ومباشراً ، أما في ظل حكم العائلات والعصابات السياسية التي عرفها تاريخنا وحاضرنا فقد اتخذت القدسية مضموناً عملياً عميقاً وواسعاً إلى أبعد الحدود ، فهم فوق المساءلة والمحاسبة والنقد . هم لا يُسألون عما يعملون ، وكل الإمكانات مسخرة لتثبيت وترسيخ دعائم حكمهم المطلق وكل المنابر لا تكاد تعرف سوى الثناء عليهم والإشادة بهم وتمجيدهم .
لقد قدم موسى عليه السلام حججاً حسية لا يجرؤ على تكذيبها إلا مكابر [ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ . قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ . وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ] فكيف كان رد فعل زعيم العائلة أو العصابة السياسية إزاء هذه الحجج الدامغة ؟.
لقد عمد كأي زعيم مماثل في أي زمان ومكان إلى استثارة بقية أفـراد العائلة أو العصابة السياسية للدفاع عن امتيازاتهم [ قَاللِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ . قَالُـوا أَرْجِهْ وَأَخَـاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّـارٍ عَلِيمٍ ) .

والشعب حين يفقد سيادته ويصبح حقه الوحيد هو الخضوع لسيادة زعيم العائلة أو العصابة السياسية فإن مبادئه تتحطم وولاءه لوطنه يهتز ، ويصبح كل همِّه هـو الحصول على الأموال والمناصب . وهكذا بادر السحرة فرعون بقولهم ( ...... إِنَّ لَنَا نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ). وتلك هي العلاقة التي تربط أي زعيم عائلة أو عصابة سياسية بالمستعبدين لديه . وكلما زاد حجم الخضوع والـذل زاد حجم الطغيان ، كما نلمس في قـول بعض السحرة ( ...... أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ . قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) . وتقع المواجهة بين موسى عليه السلام والسحرة ، ويرون من الحق ما جعلهم يكفرون بسيادة زعيم العائلة أو العصابة السياسية . فكيف استقبل الزعيم ذلك الموقف ؟.
لقد جعـل موسى عليه السلام كبير السحرة ، فقـال ( ...... إِنَّه لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ....... ) واستغرب خروج السحرة على طاعته ، وعدَّ ذلك مؤامرة تستهدف ضرب مكتسبات الشعب ( قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) .
ويصدر الحكم بحق المتآمرين الذين كفروا بسيادة زعيم العائلة أو العصابة السياسية ( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) . وهنا نرى أثر التحرر من أسر الأوثان البشرية ، فالسحرة الذين كان كل همهم قبل منازلة موسى عليه السلام هو الحصول على الأموال والمناصب تتغير مقاييسهم تماماً بعد انهيار القيد الذي كان يأسرهم ( قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ . وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) .
ورغم أن أفراد العائلة أو العصابة السياسية رأوا من الحق ما وقر في نفوسهم إلا أنهم ظلوا على استكبارهم وعلوهم ، كما قال الله عنهم ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ . وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ..... ) .

وجهد بقية أفراد العائلة أو العصابة السياسية يظل منصباً على ضمان استمرار زعيمهم في استعباد بقية الشعب ، وذلك حفاظاً على الامتيازات والمكتسبات ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَـوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَـالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) . ويظل أفراد العائلة أو العصابة يزينون لزعيمهم سوء أعماله ويضخمون لـه أوهامه حتى يصدقها ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ) .

وكان لا بد بعد ذلك من القيام بحملة إعلامية واسعة ضد الشرذمة المتآمرة ، وإخبار الشعب بأن الاحتياطات قد وضعت لضمان عدم تكرار المؤامرة ( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ).

وحين توأد الحرية فإن فرص الإصلاح تتقلص ، وهكذا لم يؤمن لموسى عليه السلام إلا بعض قومه ( فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) .

ويستمر زعيم العائلة أو العصابة السياسية في تحقير ذكاء شعبه وازدراء وعيهم ، فتراه يحدثهم عن حرصه على حمايتهم من المخربين والمفسدين ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) .

ويحاول من آمن من آل فرعون ثني الطاغية وأعوانه عن المساس بموسى عليه السلام ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ] وهنا يعلن زعيم العائلة أو العصابة السياسية قانون الطغاة الأبدي الذي نراه يتكرر مع كل عائلة أو عصابة سياسية [ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ).

ويعرض القرآن الكريم موقف موسى عليه السلام وقومه من أعمال فرعون ، ثم يشير إلى سنن الله في ابتلاء فرعون وقومه وتمحيص ما في قلوبهم ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ . وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ).

ويستمر زعيم العائلة أو العصابة السياسية في إعلان استعباده للناس وملكيته لكل شيء ، وهي نفس الفلسفة التي يتصرف بوحيها كل زعماء العائلات والعصابات السياسية ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) .

ثم يشير الله إلى مسؤولية الشعوب عن صناعة الطغاة ، وذلك حين تتخلى عن سيادتها وتمنحها للعائلات والعصابات السياسية ، حيث يقول تعالى ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) .

ويحين موعد نهاية الطاغية ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ).

حقاً ، إن كثيراً من الناس لغافلون عن آيات الله . ولذلك فهاهي أكثر قصة تكرر عرضها في القرآن الكريم للتحذير من حكم العائلات والعصابات السياسية ، ورغم ذلك كل البلاد العربية ومعظم البلاد الإسلامية لا تعرف غير هذا النوع من الحكم !!

اليوم أو صباح غد بمشيئة الله نتعرف على الحكم الإسلامي الراشد ، وكيف يمكن أن يتحقق في العصر الحديث ،،،،مكمن الداء هو حكم العائلات والعصابات السياسية .

ويا لها من مفارقة . فأكثر انحراف تكرر عرض صوره وتفاصيله وسننه وقوانينه في القرآن الكريم يصبح أكبر وأوسع وأعمق وأطول حقيقة معاشة في حياة المسلمين !!

إنه لا أمل في صلاح أحوالنا وأوضاعنا ما دمنا نضفي الشرعية على حكم العائلات والعصابات السياسية . لا أمل في صلاح أحوالنا وأوضاعنا ما دمنا لا نشعر بأن الانتقال إلى حكم العائلات والعصابات السياسية هو انتقال حقيقي وشامل وواسع إلى قوانين وسنن حكم فرعون . لا أمل في صلاح أحوالنا وأوضاعنا ما دمنا نصف الحكم العائلي بأنه خلافة ، بينما الرسول صلى الله عليه وسلم يصفه بأنه ملك عضوض ، ويصف حكم العصابات السياسية بأنه ملك جبرية . لا أمل في صلاح أحوالنا وأوضاعنا ما دمنا لا نشعر بالمغزى العميق الذي يحمله إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأن من أنشأوا الحكم العائلي هم فئة باغية تدعو الناس إلى النار !!!

الآن ، ما هو البديل عن حكم العائلات والعصابات السياسية ؟!

هذا ما سنتناوله في الفقرة التالية التي نختم بها المحور الأول من المحاور التي يخدمها القرآن المكي ، وهو محور البناء الدنيوي الشامل .

سابعاً : سيادة الأمة وشورى المجتمع

يخطئ من يظن أن الوحي يسمح لفرد أو عائلة أو عصابة سياسية باغتصاب إرادة الأمة ، بل ويخطئ كثيراً من لا يرى بنية معرفية وقانونية كاملة وواسعة تنطلق من مبدأ سيادة الأمة وتصب في مصلحته .

إنه لا يكاد يوجد في خطاب الوحي حول الحياة الدنيوية للمسلمين ما هو أوضح من مبدأ احترام إرادة الأمة . بل إن الوحي رغم تشديده على نزع صفة العصمة عن غير الأنبياء والرسل فإنه يكاد يعطيها للأمة . ولقد استطاع الفقهاء تأصيل مبدأ سيادة الأمة حتى في الشؤون الدينية الخالصة ، وجعلوا تلك الإرادة مصدراً أساسياً من مصادر التشريع ، بل وضعوها مباشرة بعد الوحي ، وذلك عبر ما سمي بالإجماع . وعلى الصعيد السياسي وجد مفهوم البيعة وفكرة أهل الحل والعقد ، ولكنهما لم يوضعا في إطار مبدأ سيادة الأمة أو أن ذلك لم يكن ممكناً ، باعتبار أن السيادة كانت قد انتقلت من الأمة أو من صفوة الأمة - عموم المهاجرين والأنصار - إلى أصغر وأضيق الوحدات الاجتماعية والسياسية وهي وحدة العائلة والعصابة السياسية . وحين تنتقل السيادة من الأمة أو من صفوتها إلى العائلة أو العصابة السياسية فإن قوانين السياسة تكاد تنقلب رأساً على عقب . ولننظر إلى ما حدث في عهد الخلافة الراشدة وإلى ما حدث بعدها في ضوء قوانين سيادة الأمة أو صفوتها وسيادة العائلات والعصابات السياسية .

لقد كان مجتمع الصحابة الكرام مجتمعاً أمياً خالياً من الوعي السياسي العميق ، وكانت الخلفية الثقافية وتجارب المجتمعات الأخرى والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية مليئة بمعوقات توسيع وتطوير وترسيخ مبدأ سيادة الأمة أو صفوتها . ورغم ذلك فقد أدى التطبيق التلقائي لتكاليف الدين وقيمه في عهد الخلفاء الراشدين إلى اتباع عدة طرق للوصول إلى الحكم لم يكن من بينها أبداً طريقة القوة ، بل كانت تنتمي جميعها إلى أساليب التوافق والتراضي والقبول العام أو الغالب . وإذا كانوا لم يدركوا ولم يشعروا بالمبدأ السياسي الذي كانوا يعملون في إطاره فإن بإمكاننا نحن القول بأنهم كانوا يخضعون لمبدأ سيادة صفوة الأمة ويترجمون هذا المبدأ ويجسدونه .

هذا المبدأ هـو الذي أسهم في منع أي خليفة راشد من توريث الحكم إلى أحد أبنائه أو أفراد عائلته . هو المبدأ الذي أسهم في عدم تفردهم - إجمالاً - بالأمور العامة وأسهم في إعاقة وإجهاض سنة تولية الأقارب والأصهار ، وكان التساهل الذي حدث في احترام هذا المبدأ في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه أحد أهم أسباب انهيار الخلافة الراشدة ونشوء الحكم العائلي . هو المبدأ الذي أسهم خلال القسم الأول من عهد الخلافة الراشدة في إقرار وحدوث المساءلة والمحاسبة وسيادة الشريعة وقواعد العدالة والمساواة على الجميع . هو المبدأ الذي أسهم في احترام بيت مال المسلمين وعدم أخذ الخليفة ما يجاوز نفقته ونفقة أهله أو ما يمكن أن نسميه بالتعبير الحديث الراتب .

هذا ما حدث حين كانت السيادة للأمة أو لصفوتها . وحين انتقلت السيادة إلى العائلة أو العصابة السياسية منذ عهد بني أمية إلى لحظتنا الراهنة فإن ما تحقق هو نقيض كل هذه القواعد والمبادئ .

لقد أصبح السيف والانتماء إلى العائلة أو العصابة السياسية هما الطريقتان الوحيدتان للوصول إلى الحكم وللحفاظ عليه ، وأصبحت أبرز وأهم مؤهلات الحاكم هي النجاح في اغتصاب وإلغاء إرادة الأمة أو السيطرة عليها والتلاعب بها . أصبحت الوسيلة الوحيدة لانتقال الحكم هي توريثه للأبناء أو أفراد العائلة أو العصابة السياسية أو نجاح عائلة أو عصابة جديدة في اغتصاب إرادة الأمة . لم يعد أمر المسلمين شورى بينهم بل أصبح أمرهم بيد العائلات والعصابات السياسية . أصبح معيار التولية الأول هو الولاء وليس الكفاءة . وبالطبع فإن الولاء موجـود بصورة تلقائية وناجزة لدى الأقارب والأصهار وأفراد العصابة السياسية . لم يعـد الحاكم يُسأل عما يفعل ولا تنطبق عليه وعلى الكثيرين من المقربين منه بعض أحكام الشريعة وقواعـد العدالة والمساواة . أصبح بيت المال للعائلة أو العصابة الحاكمة لا للأمة .

هذه هي القوانـين السياسية التي تحققت وستظل تتحقق مـع كل حكم لا تكون السيادة فيه بيد الأمة .

الآن ، كيف تتحقق هذه السيادة ؟!

سلام
25/04/2004, 06:58 PM
طريق الخلاص الوحيد

لا سبيل إلى الخلاص من الاستبداد وكل المظالم المرتبطة به إلا بالخروج من حكم العائلات والعصابات السياسية . ولا سبيل إلى الخروج من حكم العائلات والعصابات السياسية إلا بتحقق مبدأ سيادة الأمة . ولاسبيل إلى تحقق هذا المبدأ إلا عن طريق الشورى .

ولأن قوانين العائلات والعصابات السياسية قد شوهت مفاهيم الخلافة والشورى والبيعة وبيت المال وأهل الحل والعقد ونقلت علم السياسة إلى عالم المحرمات وجعلت السياسة والسياسيين من الناحية الواقعية أكثر قدسية من الدين والرسل فإنه يهمنا أن نبدأ بتصحيح الوعي حول قيمة الشورى .

وفي هذا الخصوص نود الإشارة إلى أن الاختلاف حول معنى الشورى يكاد يكون معادلاً لإلغائها ، والاختلاف حول ما إذا كانت معلمة أو ملزمة هو بمثابة الاتفاق على كونها معلمة لا ملزمة . والواقع أن ظهور العائلات والعصابات السياسية قد لا يحتاج لأكثر من مثل هذا الاختلاف .

وفي سبيل الانتقال إلى مرتبة فهم جديدة ومحل مسؤولية جديد على صعيد علاقتنا بقيمة الشورى نقول : لا يحسبن أحد أن ورود الشورى في نصين قرآنيين ، أحدهما مكي والآخر مدني ، هو من قبيل التكرار أو التأكيد أو أنه من الأسرار التي تستعصي على الفهم . وبكلام مختصر ومحدد نقول : هناك نوعان من الشورى ، إحداهما ملزمة بأقصى ما يكون الإلزام ، وهي شورى المجتمع ، وبها ورد النص المكي الذي سنعرضه بعد قليل . والأخرى لا إلزام فيها ، وهي شورى الحاكم أو الاستشارة ، وبها ورد قوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) .

وللأسف فإن معنى الشورى الحاضر في أذهاننا لا يكاد يتجاوز معنى الاستشارة الوارد في هذه الآية ، الأمر الذي أدى إلى تغييب الشورى الأهم والأخطر والأعظم ، وهي شورى المجتمع الواردة في القرآن المكي .

لننظـر إلى الآيات التالية التي تتحدث عن القيم والتكاليف الكبرى في حياة المؤمنين كجماعـة ومجتمع وأمة .

يقـول تعالى ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ . وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ )

إن ورود الشورى وسط هـذه السلسلة من القيم والتكاليف الكبرى في حياة المؤمنين لم يأت عبثاً ولا هو من قبيل التحسين اللغوي ، بل هو تأكيد لمفهومها وكشف عن أهميتها وتضييق لاحتمالات الذهول عنها أو الخلط بينها وبين الشورى المعلمة ( غير الملزمة ) وهي شورى الحاكم .

وهنا نذكر بما سبقت الإشارة إليه من أن القرآن المكي يعرض متطلبات بناء الفرد المسلم وإعداده للمرحلة القادمة ، وهي مرحلة بناء المجتمع المسلم ، الأمر الذي اقتضى ورود النص الخاص بشورى المجتمع في المرحلة المكية من الرسالة . ذلك أن الشورى ما لم تكن قيمة مغروسة في عقل ووجدان كل مسلم ، أو على الأقل غالبية المسلمين ، فإنه لا أمل في رؤيتها على أرض الواقع إلا بصورة مختزلة وشائهة .

الأهم من ذلك أن الآيات السابقة تربط الشورى بعموم المؤمنين كجماعة ومجتمع وأمة ، بعكس شورى الحاكم التي ينصرف خطاب الآية فيها إلى شخص الحاكم . وحيث أن الآيات المكية التي تم عرضها تسبق في نزولها مرحلة نشوء المجتمع المسلم فإن ذلك يدل على ضرورة خضوع كافة الأمور المجتمعية - وعلى رأسها ما يتعلق بالسلطة السياسية ، نشوءاً واستمراراً - لحكم الشورى المستنبط من قوله تعالى [ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ] بكل ما للحكم من قـوة وحسم وإلزام . وهنا ، وهنا فقط ، يتحقق ويتبلور ويتجسد مبدأ سيادة الأمة .

وهكذا ، فبعد أن نبهت الآيات المكية إلى طبيعة وخطورة حكم العائلات والعصابات السياسية ، جاءت الآيات السابقة لترينا بوضوح أن الشورى ينبغي أن تحتل في سلوك وضمير المجتمع المسلم مكانتها المرموقة إلى جوار الإيمان بالله والتوكل عليه واجتناب كبائر الإثم والفواحش ، والتسامـح [ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ] وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وردع أي عدوان . وما لم نفقه هذه الحقائق ونعيد صياغة فكرنا وثقافتنا لتنسجم معها فإننا سنظل نهدم مبدأ سيادة الأمة وننتج حكم العائلات والعصابات السياسية ، ومعه سنظل نعايش الاستبداد ونحميه ونحرسه ، وذلك مهما حسنت نوايانا ومهما تعاظمت شكوانا من المستبدين والطغاة .

وليس مهماً أن يتم الاختلاف بشأن آليات تحقيق شورى المجتمع ، ذلك أن الاختلاف سيدور حينئذ في محيط الصحة والخطأ لا في محيط الطاعة والمعصية . ولذلك فإن المهم هو النظر إلى تلك الآليات - أياًَ كان مصدرها - بوصفها وسائل ، لا نصيب لها من الاحترام والقبول إلا بقدر تحقيقها وخدمتها لمبدأ سيادة الأمة وقيمة شورى المجتمع ، وذلك وفق ما يرشد إليه قوله تعالى [ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ] سواء تعلق الأمر بالسلطة السياسية أو تعلق بأي أمر مجتمعي آخر . وإذا كان من الوارد التماس بعض العذر للمسلمين في عدم تحقيق شورى المجتمع قبل ظهور فكرة وآليات الديمقراطية فإنه لا عذر لهم بعد أن حقق غيرهم ما كانوا أولى بتحقيقه .

إن الوعي العميق بمبدأ سيادة الأمة واحترامه والدفاع عنه من شأنه أن يقود إلى القبول بكل وسائل وأدوات الإصلاح السياسي والالتفاف حولها ، مثل الدستور الذي هو الوثيقة اللازمة لبلورة وتنظيم سيادة الأمة وتثبيت وإرساء قيمها الكبرى ، والانتخابات التي هي الوسيلة الأنسب لاختيار ممثلي الأمة ، والأحزاب السياسية التي تجسد مبدأ التنافس ، وهو أهم وأقوى محفزات تطوير الأداء السياسي ، والإعلام السياسي الحر ، وهو أعظم وأمضى وسائل الرقابة ومحاربة الفساد . وبالتأكيد فإن حكم العائلات والعصابات السياسية لا بد أن يكون خصماً لدوداً لهذه الوسائل والأدوات ، فهي تعكس وتجسد مبدأ سيادة الأمة في حين أن حكم العائلات والعصابات السياسية يعكس ويجسد مبدأ سيادة العائلة أو العصابة .
وحين تسـود العائلة أو العصابة فإن الدستور يمكن أن يستنسخ من دساتير أعرق الدول الديمقراطية ، إلا أنه لا بد من إعاقته وتكبيله وكسر هيبته من خلال قوانين الطوارئ والقوانين الاستثنائية ، ولا بأس أن يُحترم فيه كل شيء إلا الأشياء الجوهرية ، لأنها لا بد أن تنال من سيادة العائلة أو العصابة السياسية ، والانتخابـات لا بد أن تجابه وإن أُقرت فلا بد أن تُزوَّر وأن يتم التحكم فيها بكل الوسائل الممكنة ، لأنها تعكس مبدأ سيادة الأمة المناقض لمبدأ سيادة العائلة والعصابة ، والأحزاب يمكن أن تتوالد وأن تنعـق بكل شيء إلا أنها لا بد أن تبقى داخل شرنقات محكمة ولا يمكن السماح لها بأن تنمو وتتطور لتجسد مبدأ التنافس فهو مبدأ يناقض تماماً مبدأ سيادة العائلة والعصابة ، والإعـلام السياسي يمكن أن يعرف بعض الحياة ، ولكن فقـط في محيط الدكاكين الحزبية شبه الخاويـة أو في مواجهة الآخرين ، أما خارج هاتين الدائرتين فهو يمكن أن يتطرق إلى كل شأن إلا أهم الشؤون الجديرة بالرقابة وأعظم وأشنع صور الفساد ، نظراً لأنه لا يقترف تلك الأفعـال ولا يتصدى لأهم الشؤون سوى العائلة أو العصابة السياسية التي لا يجوز المساس بها ؟!

وهكذا فإن حكم العائلات والعصابات السياسية لا بد أن يكون بالضرورة خصماً لأهم وأمضى وسائل وأدوات الإصلاح ، فهي ضد مبرر وجوده .
والمعضلة الكبرى التي نواجهها هي أن الثقافة السياسية التي تشكلت منذ عهد بني أمية إلى لحظتنا الراهنة هي ثقافة حكم العائلات والعصابات السياسية ، أي الثقافة المناقضة لثقافة الإصلاح .

إن كبرى المهام الملقاة على عاتقنا هي الإسراع بإحياء مبدأ سيادة الأمة والعمل على الارتقاء بالوعي وتحرير الإرادة ، وذلك من خلال التعاطي النقدي الصارم مع ثقافة الاستبداد الراسخة والمتجذرة . ورغم أن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى الكثير من الجهود العلمية الجماعية المنظمة فإنه يهمنا في هذا المقام أن نشير إلى ما يلي :

- ليس لمسلم من الحقوق السياسية ما يفوق حقوق الآخرين . وهذا أمر ينسجم مع مبدأ سيادة الأمة ومع قيم العدالة والمساواة والشورى ويتلاءم مع سيرة الخلفاء الراشدين عند من يميزون بين تلك القيم الأصيلة والكبرى وبين الشعور بالأولوية الذي كان موجوداً لدى بعض الصحابة الكرام .
ولنتخيل أن علياً كرم الله وجهه تولى الخلافة مباشرة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو أن أحداث الفتنة لم تقع . حينئذ هل كنا سنبحث في نصوص الدين عما يهدم مبدأ سيادة الأمة ويؤصل ويرسخ ويعزز الانقسام السني الشيعي الذي نعاني منه منذ تداعيات أحـداث الفتنة الكبرى ؟!.
إن ذلك يثبت أن المشكلة هي في الأصل مشكلة تاريخية وليست دينية ، إلا أن تلك المشكلة قادت في النهاية إلى إعادة تفسير بعض نصوص الوحي وأحداث التاريخ على نحو ينسجم مع الانقسام والغلو الذي أعقب هدم واستبعاد مبدأ سيادة الأمة ، ومن ذلك سوء فهم الأحاديث التي أشارت بصورة غير مباشرة إلى أهلية الإمـام علي كرم الله وجهه للخلافة وحملت توجيهاً غير مباشر بعدم مجابهة ولايته ، وذلك حين تتحقق من خلال شورى المجتمع التي ورد النص عليها في القرآن الكريم وطبق المسلمون الأوائل - بشكل أو بآخر - جوهرها ، وذلك في إطار خلفيتهم السياسية وأوضاعهم الاجتماعية التي كانت مليئة بمعوقات تطوير شورى المجتمع . الأحاديث التي أشرنا إليها والتي استبطنت أحداث الفتنة الكبرى بغية إرشاد المسلمين إلى سبيل الخروج منها نُزع عنها طابعها الاستشرافي ونُقلت من قبل أتباع بعض الفرق الشيعية من دائرتها الخاصة والجزئية المتعلقة بوضع الفتنة إلى دائرة عامة وكلية ذات طابع تكليفي يهدم مبدأ سيادة الأمة ويناقض قيمة الشورى ولا ينسجم مع بعض المعطيات الواضحة لرسالة الإسلام ولا مع الخط العام لسيرة المسلمين الأوائل ومنهم الإمام علي كرم الله وجهه .

- الإنتقال الجزئي خلال عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه من الرابطة المجتمعية التي تجمع صفوة الأمة إلى الرابطة العائلية ، بالإضافة إلى ما أحدثته حالة الفتنة من شحن وفـراغ واحتقان وتهيج وإذكاء للانفعالات ، ناهيك عن الطموح السياسي الأصيل والطبيعي الذي تصاعد مع وضع الفتنة وجذب الكثيرين نحو عالم السياسة الزئبقي . كل ذلك أدى إلى بعض المواقف الخاطئة التي لم تكن تستهدف هـدم سيادة الأمة من خلال تحويل الخلافة إلى ملك ، وهي بالتالي لا تقدح في خيرية ولا في فضل من قاموا بها . أما ما قلب المواقف الخاطئة بالنسبة للبعض إلى انحرافات متعمدة فهو هـدم سيادة الأمة واستبدالها بسيادة العائلة ، وهو أكبر وأخطر انحراف حـدث في تاريخ المسلمين . ورغم ذلك فإنه لا يسوغ ولا يجوز سب من ارتكبوا هذه الأفعال أو سب غيرهم ، فذلك منهي عنه شرعاً حتى في مواجهة غير المسلمين ، ناهيك عن أن المسؤولية عن الانحراف الجماعي الذي حدث لا تقف عند حـدود شخص بعينه أو أشخاص بعينهم ، بل تتعداهم إلى عموم الأمة التي أسهمت بدرجات متفاوتة وبصور مختلفة في حدوث ذلك الانحراف وفي استمراره وتجذره واتساعه .

- يوجـد أحاديث فهمها الكثيرون من أتباع الفرق السنية على نحو يتناقض مع مبـدأ سيادة الأمة ومع قيمة شورى المجتمع ، وهي الأحاديث التي حثت على طاعة الحكام حتى وإن ظلموا . فهذه الأحاديث أخرجت من سياقهـا الصحيح ، وهو سياق تحقق مبـدأ سيادة الأمة ووجـود حكام ممثلين لإرادتها ومعبرين عنها ، ووضعت في السياق الخطأ ، وهو سياق سيادة العائلة أو العصابة السياسية ووجـود حكام مغتصبين لإرادة الأمة . هذا من جانب ، ومن جانب آخر فقد تم الخلـط بين الموقف السياسي والسلوكي الآني المستحسن اتخـاذه في مواجهة أئمة الجـور مراعاة للمصلحة ودرءاً للمفسدة ، وبين الرأي الفكري والفقهي الذي يجب عرضه وإيضاحه وتأصيله والدعوة إليه والعمل على تحقيقه والانتصار لـه بكل الوسائل الممكنة .

- مفهوم أهل الحل والعقد سيظل من المفاهيم النظرية التي لن ترى النور إلا في ظل حكم خاضع لإرادة الأمة ومتولد عن شورى المجتمع . أما في ظل حكم العائلات والعصابات السياسية فأهل الحل والعقد وأهل القطع والربط وأهل أهم الأشياء لا يمكن أن يكونوا غير أفراد تلك العائلات والعصابات .

- لا خـوف من الأمة ، بل الخوف كل الخـوف من مستعبديها ( العائلات والعصابات السياسية ) ومستبعديها ( أهل التكفير والتخوين والتسفيه والقتل ) . والواقع أن فوضى التكفير والتخوين والتسفيه والقتل هي إفراز طبيعي لحالة انهيار وضياع سيادة الأمة . فحين تفقد الأمة سيادتها فإن تلك السيادة تصبح نهباً لكل عائلة أو عصابة ولكل متضجر من حكم العائلات والعصابات .

- يوجد في دنيا السياسة عالمان متناقضان ، أحدهما هـو عالم الاستبداد والفساد وكل المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتأذى منها الناس . ولا يكاد يوجد ما هو أسهل من الدخول إلى هذا العالم ولا يكاد يوجد ما هو أصعب من الخروج منه . فهو لا يتطلب سوى وجود منفذ يسمح بإضفاء المشروعية على حكم العائلات والعصابات السياسية . أما العالم الآخر فهو عالم الشورى والإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتشوق إليها الناس . ولا وسيلة للوصول إلى هذا العالم إلا عبر إحياء مبدأ سيادة الأمة ونزع المشروعية عن حكم العائلات والعصابات السياسية وإغلاق كافة المنافذ التي تؤدي إليه . ولعله قد آن لنا أن نعي أنه لا يوجد طريق ثالث يقيم الحياة الدنيوية أو يقعدها ، فإما أن تكون السلطة بيد الأمة ، وإما أن تكون بيد العائلات والعصابات السياسية .

هذا ما أحببنا قوله حول المحور الأول من محاور القرآن المكي ، وهو محور البناء الدنيوي الشامل .

سننتقل إلى محور آخر ، وهو محور منهج التغيير كما يعرضه القرآن المكي . وهنا يسرنا أن نوجه دعوتنا إلى أهل العنف ليطلعوا على آيات يمرون عليها مرور الكرام ويخالفونها آناء الليل وأطراف النهار . الدعوة ليست موجهة فقط إلى أهل العنف ، بل موجهة إلى كل من يعتقد أنه عالم أو طالب علم شرعي . وفي تقديرنا فإن الباحث المنصف بعد الاطلاع على ما يقوله القرآن المكي حول منهج التغيير سيشعر بأننا نحتاج فعلاً وفوراً إلى إعادة فهم القرآن الكريم وإلى تجديد التراث تبعاً للفهم القرآني الجديد.

سلام
26/04/2004, 12:54 PM
المحور الثاني للقرآن المكي : معالم منهج التغيير
مشاهد العنف والقتل والقمع والتكفير التي تحدث في الكثير من البلدان المسلمة ، وعلى وقع التفجيرات والاغتيالات وغياب روح التسامح ولغة الحوار ، يحق للمرء أن يتساءل : هل نحن أمام تجسيدات وانعكاسات وإفرازات لمنهج التغيير الذي يعرضه القرآن الكريم ، أم أننا أمام نتائج الانفصال الطويل عن عطاءات القرآن الكريم المتجددة ؟!

ما هو منهج التغيير الذي يعرضه القرآن الكريم ، أهو منهج الانقلابات والعنف والقسر والقمع ، أم هو منهج السكون والحث على طاعة الظالمين والتشجيع على السكوت عن الحق بحجة الفتنة والمصلحة وما إليها ؟!

الواقع أنه إن وجدت مشروعية لبعض جوانب هذين المنهجين فإنها تظل مشروعية مؤقتة وطارئة واستثنائية ، وذلك في الحدود التي تؤدي إلى استعادة أو ترسيخ وتثبيت أو الوصول إلى منهج التغيير الأصيل والممتد الذي يعرضه القرآن الكريم ويشدد عليه ويرغب فيه ، وهو منهج التغيير الإصلاحي السلمي والعقلاني والأخلاقي .

قد يقال بأن نماذج التغيير التي وردت في القرآن المكي تعالج الأوضاع في مرحلة الدعوة ، وقد تجاوزت المجتمعات الإسلامية هذه المرحلة ، ومن ثم فإنه لا وسيلة لتغيير الأوضاع إلا من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل الوسائل الميسورة . ونحن إذ ننبه إلى أننا سنعيد التعريف بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يهمنا في هذا المقام أن نؤكد على أن ذلك المبدأ إنما يمثل تعريفاً إطارياً للموجهات التي ينبغي أن تعكسها وتجسدها جهود التطوير والتقدم على الصعيدين المجتمعي والأممي ، إلا أن ذلك المبدأ لا يشتمل على أية وسائل أو أساليب أو أولويات أو ضوابط للتغيير ، فكل هذه الجوانب موكولة للآيات المكية التي تعرض منهج التغيير . ثم إن الاحتجاج الذي ذكرناه إنما يعكس ويجسد الرؤية التراثية للقرآن الكريم ، وهي رؤية مهلكة ومميتة . فبدلاً من أن يكون القرآن الكريم صالحاً لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة فإن هذه الرؤية تجعله صالحاً لمدة ثلاثة عشر عاماً لدى المسلمين وصالحاً لدى غير المسلمين إلى أن يصبحوا مسلمين !!. هذا تحجيم وتجميد هائل لكلام الله المحفوظ والمتجاوز لحدود الزمان والمكان . ولأجل ذلك فإننا نؤكد على أن الآيات المكية التي نتهيأ لعرضها تقدم منهج التغيير الأصيل والممتد والملزم في كل زمان ومكان .

وابتداء ، نود أن نشير إلى أن كان يلزمنا أولاً تجديد فهم السنة وتجديد فهم موضوع الحرب والسلام لإشعار القارئ الكريم بأنه قد آن أوان التواصل مع عشرات الآيات القرآنية المعطلة . وهو جهد سنقوم به مستقبلاً بمشيئة الله . أما في هذا المقام فإننا نكتفي بالإشارة إلى أن الكثير من نصوص السنة القولية ليست عامة الخطاب ولا مطلقة الامتداد ، بل هي تعالج أوضاعاً مؤقتة ومرحلية ، وذات الأمر يصدق على الحرب الهجومية ، وسنثبت ذلك من القرآن الكريم بإذن الله .

لماذا نقول هذا الكلام ؟

لأن هناك عشرات الآيات المعطلة ، بل منهج التغيير القرآني بكامله ، بسبب عدم تجديد فهم السنة النبوية وموضوع الحرب والسلام .

ليأخذ القارئ الكريم هذا الكلام على علاته ، وليتصور مؤقتاً أنه مأمور بأن يستلهم منهج التغيير من القرآن الكريم ، وليتأمل النتائج !!
إنه لا يلزمنا لفهم منهج التغيير كما يعرضه القرآن المكي سوى الإحساس بأن الآيات التي سيتم عرضها تخاطبنا في لحظتنا الراهنة . إن تلك الآيات مجمدة في باب " قصص من قبلنا " وأحياناً في باب " شرع من قبلنا ". ونحن نود استحضارها إلى باب " فقه التغيير في القرن الخامس عشر " . ونأمل من القارئ الكريم أن يتنبه للمقاطع التي تظهر باللون الأحمر ، ثم ليتصور كيف كان يمكن أن تكون تلك المقاطع مليئة بالحث على القتل والعنف والقهر والقمع لو أن ذلك هو منهج التغيير الذي يعرضه القرآن الكريم .

أولاً : نوح عليه السلام

التغيير الإصلاحي لا يقبل النظرات العجلى والحماس الأهوج أو المنطق الأعوج . إن سلاحه الوحيد هو الحجة المقنعة وقوة الصبر والاحتمال .

إن وضوح الآيات التي سنعرضها يجعلنا نتورع عن القول بأننا نعمل على الوصول إلى مستوى معرفي جديد ، إلا أن غياب منهج التغيير الذي ترسمه تلك الآيات عن وعينا وواقعنا يدفعنا إلى الظن بأننا نعمل على الوصول إلى أهم المستويات المعرفية الجديدة ، وإلى أولى الآيات :

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ . فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ . قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ . وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ . وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ . وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )

ونحن لن نتجه نحو التفسير ، بل سنعمد مباشرة إلى طرح الأسئلة التالية :

- ما هو منهج التغيير الذي تعرضه هذه الآيات ؟ أهو منهج القتل والانقلابات والعنف والقمع ؟!
- أي الفريقين كان صاحب حجة وأيهم كان يزدريها ؟
- ما الأولويات التي وجه الداعية جهوده نحوها ؟
- أي أسلوب كان يتبعه في دعوة قومه ؟
- ماذا كان رد فعله عندما لم تلق دعوته الاستجابة المطلوبة ؟
- ثم هل نحن أمام قصص تاريخي يحاول أن يمطرنا بسيل من المعلومات العادية والمملة ، أم أننا أمام عرض لمنهج وأدوات ووسائل التغيير . ولأننا مطالبون باستلهامها والعمل بها فقد أمرنا بالتعبد بتلاوتها إلى قيام الساعة ؟!

وصور أخرى ينقلها لنا القرآن الكريم من حياة نوح عليه السلام مع قومه ، ترينا أن الدعاة كانوا دائماً أصحاب حجة ودعاة إصلاح سلمي وعقلاني وأخلاقي ، وأن العنف والسخرية والتشويه والغرور والجحود لا موطن لها أبداً في حياة حملة الدين ، بل تظل بأيدي عبدة الشهوات والمصالح والأهواء : ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ . قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ . وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ . إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ . قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِـينَ . قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ . فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحـًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

ترى هل نحن أمام سلسلة من عمليات الاغتيال والنسف واستغلال الفرص ، أم أننا أمام داعية سلاحه الحجة وردود فعله إقرار حرية الجميع في تصديقه أو تكذيبه ؟.

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ . فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ . إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ).

ترى هل أنزل الله كل هذه الآيات وأمرنا بتدبرها وفهمها والتعبد بها إلى قيام الساعة من أجل التسلية أو تحصيل البركة ؟

هل نجد فيها أوصافاً للأرض والرجال والنساء والفنون والآداب في عصر نوح عليه السلام ؟

وبوضوح أكثر : ما هي الرسالة الجوهرية التي تحملها هذه الآيات ؟ .

بإمكان من يجيب أن يختار الإجابة التي يرتضيها ، أما نصوص القرآن فهي تؤكد على جانب الهداية الذي تحمله آيات القصص ، حيث يقول تعالى ( ....... هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ).

الصياد العنيد
26/04/2004, 07:35 PM
الحمد لله انهم وجدوا ان الحل والخلاص هو في الشورى الذى سار عليه الاباضية بينما تشبش غيرنا بالقرشية والعلوية فلما وجدوا فشلها قصدوا الشورى.

سلام
27/04/2004, 04:45 PM
عشرات إن لم تكن مئات الآيات القرآنية المعطلة حول منهج التغيير !!
لماذا هي معطلة ؟!
لأن المسلمين لم يدركوا بعد أن القرآن الكريم يحمل الكثير من التكاليف التي تخص المستقبل ولا تخص عصر الرسالة والعصور المشابهة له ، وأن أحكام الحرب الهجومية هي أحكام مؤقتة ومرحلية ، وأن الكثير من نصوص السنة القولية تحمل خطاباً مؤقتاً ومرحلياً . هذه الأقوال قد تثير امتعاض وفزع البعض ، إلا أنه لا يفزعهم أن تعرض أمامهم مئات الآيات القرآنية المعطلة أو شبه المعطلة .

فلنواصل عرض الآيات المكية التي تعرض منهج التغيير ،،،،

التغيير مهمة من أصعب المهام . ولا شك أن صعوبته تزداد حين يظل يقابل بالتكذيب الدائم والسخرية والجحود . فلننظر إلى صورة لكل ذلك ، ولنتأمل الأسلوب الذي لجأ إليه الداعية بعد أن وصلت جهوده إلى طريق مسدود ( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ . يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا . مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا . أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا . وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا . وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا . وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا . لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا . قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا . وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا . وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا . وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا )

ترى هل أنزل الله هذه الآيات وأمرنا بتدبرها وفهمها والتعبد بها إلى قيام الساعة من أجل التسلية أو تحصيل البركة ؟
أين نجد فيها ظلاً للعنف أو القمع أو الهدم والتخريب ؟!

لا مجال للظن بأن نصر الله يتنـزل بالأماني والأهواء ، فهو لا يتنـزل إلا لمن يستحقه . وبعـد رحلة نوح عليه السلام الطويلة والشاقة مع قومـه لم يبق أمامه سوى التضرع إلى الله سبحانه وتعالى بأن ينجيه هو والمؤمنين معه . وعندما حل ميعاد الإجابة جاء رسول الوحي إلى نوح عليه السلام .
( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ . وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ . حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ . وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ . قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ . وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ . قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ )

ترى هل نحن بحاجة إلى شـرح الدروس التربوية والإيمانية التي حوتها هذه الآيات ؟ .
إنه لا يلزمنا لحسن تدبر آيات القصص المكي سوى الإحساس بأننا أمـام آيات تخاطبنا وتعرض لنا منهج التغيير الذي ينبغي علينا اتباعه وتعمل على حسن إعدادنا للمهمة التي سنقـدم عليها ، وهي مهمة بنـاء المجتمع المسلم .

ثانياً : هود عليه السلام

وتتكرر المواجهة وإن اختلفت التفاصيل ، ويرسل الله هوداً إلى قومه لدعوتهم ، ولكن كبار المنتفعين من الانحراف يظلون حماة للضلال والفساد ، وأعداء للصلاح والإصلاح .

( وَإِلَى عَادأَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ . قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ . أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ )

ويتكرر السلوك الدعوي الرشيد ، ويتكرر التكذيب والجحود ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ . يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ . وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ . قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )

وقوم عاد كانوا يعيشون حالة تقدم مادي ، ولكن انحرافهم طغى على كل شيء ونال مقومات تقدمهم ذاتها ، فأصبحوا يوظفونها في التجبر والعبث والضلال ، فضلاً عن استمرارهم في التكذيب والجحود :
( كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمأَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ . إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ . وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) .

وإزاء كل هذه الآيات نعيد طرح تساؤلاتنا :
- ما هو منهج التغيير الذي اتبعه الداعية ؟
- ما هو سلاح الداعية وأسلوبه والأولويات التي كان يسعى إلى تحقيقها ؟
- من هم الذين يحرسون الفساد والانحراف ، وما وسيلتهم في ذلك ؟
- كيف لنا أن نتواصل مع هذه الآيات ، ومن أي منظور نستقبلها ؟
ولن نأخذ الجواب من غير ما تنـزل به القرآن ، فالله تعالى يقول ( هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ )

سلام
28/04/2004, 12:20 PM
ثالثاً : صالح عليه السلام

أنموذج آخر يقدم لنا القرآن الكريم صوراً مختلفة من أحداثه ، وتتعدد صور عرضه . كل ذلك من أجل التأكيد على المعاني التي ينبغي أن تترسخ في عقل ووجدان المسلم بشأن منهج التغيير . في إحدى تلك الصور نجد قوله تعالى :
( وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ . قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ . قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ . وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ )

ونقرأ صورة أخرى للأحداث من خلال قوله تعالى :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودأَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ . قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ . وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ . قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )

إنه نفس المنطق يتكرر ، حيث يظل الدعاة هم حملة الحجة وأرباب الرفق واللين ، في حين يظل الملأ الذين كفروا واستكبروا يجابهون كل ما لـه علاقة بالإصلاح ، ويتسابقون نحو تشويه سمعة الدعاة وتهديدهم والتضييق عليهم .

وإلى المزيد من صور التكذيب التي نلمسها في مواضع عديدة ، منها قوله تعالى :
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ . فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ . أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ . سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ . إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ . وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ )

وقولـه تعالى ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ . وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ . قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ . مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ )

وفي موضع آخر نقرأ قوله تعالى ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ )

ولا بأس من إعادة التذكير بأننا نقرأ هدى من الله يري المسلم معالم منهج التغيير كما جسدها بعض الأنبياء والمرسلين والصالحين ، ومن ثم فإن التواصل مع هذا الهدى يتطلب استحضاره والعمل على تمثله على الدوام .

رابعاً : لوط عليه السلام

واجه لوط عليه السلام مجتمعاً تفشى فيه الشذوذ الجنسي بدرجة كبيرة ، إلى الحد الذي أصبح فيه السلوك السوي جريمة تستوجب العقاب ، كما قال تعالى ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ )

ويظل لوط عليه السلام ثابتاً على مبدئه ، يكرر دعوة قومه للإيمان وترك ما هم عليه من الانحراف . ولكنهم يقابلون كل ذلك بمزيد من التكذيب :
( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمأَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَأْتُـونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ . قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ . قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ . رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ )

وتصل الأمم الجاحدة أقصى درجات التكذيب والعناد حينما تزدري حكمة الخالق الحكيم وتستهين بعذابه أو تحاول تحديه ، كما قال تعالى عن قوم لوط ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) وهنا حل موعد قوم لوط عليه السلام مع سنة الله التي لا تتخلف ، فجاء رسل الله إلى لوط عليه السلام ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ] إنه لا يهدف إلا إلى صلاح قومه واستقامتهم ، ولذلك فقد عرض عليهم الزواج من بناته ولكنهم أبـوا ، وفي ذلك نقرأ قولـه تعالى [ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ . قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ] ويشعر لوط عليه السلام بالأسى لأنه لا يملك من القوة أو المكانة ما يساعده على حماية ضيوفه [ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ] وهنا يكشف الرسل عن مهمتهم [ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ . فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ )
هـذه الآيات ليست للتسلية أو تحصيل البركة ، بل هي للاهتـداء بها واستلهامها ودوام الانتصار لها .

خامساً : شعيب عليه السلام

أنموذج آخر من نماذج منهج التغيير يعرضه القرآن الكريم . ولن نجد في هذا الأنموذج ما يشذ عن الخط العام الذي سبق أن تأملناه في النماذج السابقة . فالدعاة يظلون حملة الحجة والمنطق ، لا يبحثون عن منصب أو مال أو شهرة ، بل هدفهم الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً . والمنتفعون من الفساد والانحراف يظلون يتبعون كل السبل لإحباط مجهودات الدعاة ، ولا وسيلة لهم غير التهديد بالرجم والطرد ، واتهام الدعاة بالجنون والضلال والإفساد وسائر التهم . ولننظر إلى شيء من ذلك من خلال قوله تعالى :
( وَإِلَى مَدْيَنأَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ . وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ . قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ . وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ )

إننا أمام نماذج من الحوار المستمر ، وأحاديث العقول والقلوب . حين لا نتدبرها ونعايشها فنحن نكاد نمسخها ونميتها .
( وَإِلَى مَدْيَنأَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ . وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . قَالُـوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ . قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . وَيَا قَـوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَـوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَـوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ . وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ . قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُـولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ . قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ )

ومن جديد نكرر طرح تساؤلاتنا :
- لماذا أنزلت كل هذه الآيات ولماذا طولبنا بحسن تدبرها وحسن العمل بها ؟
- ما هو منهج التغيير الذي تعرضه ؟
- ما الحكمة من نزولها في المرحلة المكية على وجه التحديد ، وهي كما ذكرنا مرحلة بناء الفرد المسلم ؟
- لماذا تعهد الله بحفظها إلى قيام الساعة ؟
- أهي للتسلية والتبرك أم للترديد والتغني ؟
لا شك أنه آن لنا أن نردد بكل اطمئنان أنها أنزلت للاهتداء بها .