البسيوي
21/03/2004, 01:42 PM
باريس ـ القدس العربي ـ من محمد المزديوي:
اليمن دولة عربية عريقة ما في ذلك شكّ، ولكنّ تأثيرَهَا السياسيّ، اليومَ، في الخريطة العربية باهتٌ جدا، إلي درجة أن العديد من القراء العرب لا يعرفونها إلاّ من خلال جلسات المقيت واستهلاك القات وتَأَبُّد التقاليد من خلال حمل اليمنيين الدائم للسلاح والخناجر. ولكنّ اليَمَنَ الذي كان ذاتَ يوم، حديث العرب حين كانت ثمة حرب اليمن وتدخل عبد الناصر وعساكره ضدّ الإمامة ثم تجربة القوميين العرب ثم تجربة اليمن الجنوبي ثم الوحدة المجلجلة، عاد إلي تقوقعه وأصبحت دول عربية صغري مثل قطر وموريتانيا تصنع الحدث أكثر منه، علي طريقَتَيْهِمَا طبعاً.
من هنا تُقرأ آخِرُ القَرامِطة لليمني أحمد الصياد، لأسباب كثيرة، منها أنّها الرواية الأولي لِصاحِبِها، ومنها أنها تَهتَمَّ بِالشأن والشجن اليمنيَيْن، واليمن في هذه الأيام لم يعد يصنع التاريخ، كما أن العلم والحكمة لم يعودا يمانِيَيْن علي تعبير النبي محمد، كما أنها تقرأ لأنّ فيما شذرات وأشياء عن التجربة السياسية التي عرفها اليمن وخصوصا في قسمه الجنوبي، كما تتحدّث عن الوحدة وعن مخاضها العسير الذي ما يزال مستمرّاً لِحدِّ السّاعة. ثم إنّ الرواية تتحدث عن القرامطة، هذه التجربة (المشاعية) الفريدة في الحكم وفي تسيير شؤون الدنيا والدين، وأخيراً وليس آخِراً ، لأنَّ الرِّوَايَة تتحَدَّثُ عن جار اللّه عمر" وهو من قياديّي الحِزب الاشتراكي (نائب الأمين العام) الذي حكم اليمن الجنوبي، قبل أن يتَقَوْقَعَ في لَعِب دور المُعارَضَة.
لقد كانت نهاية الزعيم السياسي اليمني الكبير جار الله عمر مأساوية، وأعادت إلي الأذهان الأحداث التي جرتْ في هذه البلاد التي كانَتْ سعيدةً ذات يوم... هذا القائد الذي كنّا نعرف عنه أنه من شمال اليمن ويُقيم في الجنوب، وبأنه من قياديي الحزب الإشتراكيّ.
تنقَسِم هذه الرواية إلي خمسة فُصُول: الزلزال وحوار الأضداد ولِقاء القَرامطة ورحلة الوحدة إلي الجنوب وحوار الرِّفَاق.
يصور الفصل الأول، وهو أقصر فصول الرواية، وُصُول أبي قيس (وهو هنا جار الله عمر) إلي الآخِرة بعد أن تعرّض لعملية اغتيال مأساويّ. تُصَوِّر الرواية وصوله المُجَلْجِل إلي آخرة نقم والتقاءه بشخصيات خمس هامة القاضي و المشير و الأستاذ و العقيد ثمّ الشيخ الحكيم . كما تصوِّرُ لنا الروايةُ الأحداث التي رافقت سفره إلي هذه الآخِرَة لقد زلزلت الأرضُ وتساقطت الأتربة والأحجار فوق أجسادنا ص.10 علي الرغم من أن القادم الجديد يمتلك جِسْماً نحيلاً، وهو هنا يتحدّثُ لنا عن جسمه أما عن جسمي النحيل فأنا لا أعرف لذلك سبباً، لقد عشتُ بين الغني والفقر كمعظم أهل الدنيا . ص .10 أو كذلك الاستقبال الفاتر والحذر الذي صادفه. يقول العقيد، وهو إحدي شخصيات الرواية: إنه أخطر زعماء المعارضة في الدنيا، هل يُريد معارضتنا في الآخرة؟ ص .14
يَشْهَد الفَصلُ الثاني، حوار الأضداد ، نقاشا مُحتدّاً بينَ الشخصيات المركزية الخمس. وفيه يستمتع القارئ بأحاديث وجدل ومناقشات يمكن للقارئ أن يجدها في كلّ أقطار العالَم العربي. في خضمّ هذه الثقافة السياسية الدامية أحيانا، أو معظم الأحيان. نكتشف شخصية أبو قيس (أي جار الله عمر)، هذا الكائن الأريحيّ ذي الثقافة الواسعة والديمقراطي بامتياز.
يُدَافِعُ أبو قيس جار الله عمر عن الحزبية والتحزب والأفكار باعتبارها حالة صحية وعافية للديمقراطية، فيقول:
لم تَكن هذه الأفكار هدّامة في شيء. لقد كانت وليدة مرحلتها فتأثرنا بها وآمنا. وقد أثبتت الأيام أننا كنا محقين فيما نؤمن به. فقد آمنا صغارا بالوحدة اليمنية والعربية، وأنه لا بد من حماية سبتمبر في الشال وطرد المحتل من الجنوب. غير أن تحقيق الآمال لا يتم بالتمني. كما ندرك أنه لا بد من الحشد والتنظيم. وزاد من قناعاتنا هذه عزم رفاقنا القادمين من بلاد الشام ومصر. فقد كانوا أكثر اطلاعا منا ومعرفة. فبادروا إلي تأسيس الحركة بهدف التأطير والتنظيم، ودافعوا فيما بعد عن ايلول (سبتمبر) في الشمال، بل تمكنوا من طرد المستعمر في الجنوب . ص 39 كما لا ينسي أبو قيس عن معاتبة ولوم مُحَاوَريه في قضية المرأة. حيث يقول: شد انتباهي عدم وجود العنصر النسائي فيها، هذا وضع غير طبيعي قد يؤدي إلي نتائج خطيرة وربما إلي انقراض سكان الآخرة ص 50.
يجد أبو قيس نفسَهُ في وضعية من يتوجب عليه أن يبحث عن حلول مستجدة. فهذه الآخرة تعاني من وضعية غريبة تتجلي في غياب العنصر النسائي. وهو ما يدفع إحدي الشخصيات إلي التصريح بوجود انتشار ظاهرة اللواط التي أصابت الوسط العسكري أكثر من غيره ص 51. والحلّ يمكن في الانفتاح علي آخِرَة أخري، وهنا يقول أبو قيس": الحل هو أن نتحد مع سكان آخرة خزيمة. فهم أقرب لنا. وتلك الآخرة تجمع النساء مع الرجال، بل إنّ النصف الآخر لمعظم سكان آخرة نقم ربما يكون هناك ص 58. وهنا يتصدي أبو قيس لهذه المهمة الصعبة.
الفصل الثالث، لقاء القرامطة، وهو من أجمل فصول الرواية. ونحن لن نكون مخطئين إذ زعمنا بأنّ الكاتب جعل منه محور الرواية. ففي هذا الفصل نقرأ لأول مرة كلمة قرمطي و قرمطية و قرامطة . في صفحة 75 نقرأ وصفا أوليا لهذه القرمطية التي نعرف أنّ القيادة الفعلية هناك بيد امرأة تتسم بالجمال الفاتن والذكاء المتقد والايمان الراسخ. وقد تبني الجميع وجهة نظرها حول الوحدة ص 105. يكتب السارد: (...) استقَرَّ نظرُهُ (أي ابو قيس) أخيرا علي امرأة جميلة لا تبعد كثيراً عن وسط الآخرة المتواجدين فيه، لكن نظراته المتكررة نحو تلك الفاتنة كانت تقابل بتجاهل وكبرياء قل ما شاهده .
نعرف عنها أنها امرأة يعرفها الجميع لكنها تتجاهلهم جميعا، يحبها كل من ينظر إليها لكنها تكره معظم رجال الآخرة. إلإ أن كرهها للرجال لا يعني أنها تحب مثيلاتها . ص78 وأنها أبحرت كثيرا في كتب التراث. وبعد مقارنة وتأمل وتفكير واجتهاد، توقفت كثيراً في بطون الكتب التي شرحت وفسرت فكر الحركة القرمطية. فغاصت في بحارها وشربت من مياهها وارتادتْ وِدْيَانَهَا حتي أصبحت تدعي بالقرمطية ص81
بعدها سيلتقي أبو قيس وهذه القرمطية وستتعمق علاقاتُهُمَا حتي تصبح حميمية وأقرب من علاقة ذوبان الواحد في الآخر. وقد عزّز من هذه الحميمية التقاء وجهتي نظريهما، بل واتفاقهما السياسي والفكري. وستدفع هذه العلاقة الناشئة والقوية القرمطيةَ إلي التصريح أمام الجماهير: (...) هذ أبو قيس القرمطي الذي تأخر في رحيله، أعلن أمامكم جميعا، وليحضر الحاضر الغائب، أنني أحبه ويحبني. نعم، أحبه ويحبني ص.101
في هذا الفصل أيضاً، يُشيرُ الكاتبُ، بطريقة لا تخلو من دهاء، ودون التصريح علناً إلي اغتيال جار الله عمر الذي تعرّض، هو وآخرون، قبل وفاته إلي اتهامات تكفيرية جاحدة وقاتلة. وقد استخدم لهذا الغرض ونفس الأجواء من خلال تصريحات القرمطية: (...) فقد وُجِّهَتْ الي ابن الحوشب وابن الفضل وأتباعهما أبشع النعوت والتهم. فقد اتهمونا بإباحة الأموال والفروج، وقالوا عنا ظلماً أننا نمارس الجنس دون تمييز بين المحللات والمحرمات. ألم تسمع بما أسموه ليلة الإفاضة أو دار الصفوة التي نُسبت إلينا زوراً وبهتاناً؟ ص 90.
(...)ووصل أعداؤنا في اتهامهم لنا إلي نظم أبيات من الشعــــر نُســـبت زوراً إلي زعيمنا علي ابن الفضل يتهم فيهـــا بأنه قد أحل شرب الخمر ونِكاح المحـــارم وإباحــة ما لا يباح . (ص 91).
في الفصل الرابع، رحلة الوحدة إلي الجنوب، يواصل أبو قيس رِحْلَتَهُ الوحدوية وفيها يلتقي مع رفاق فَارَقَهُم في الدنيا منذ زمان. ولا يخلو هذا الفصل من لُمَع تتحدث عن بصيرة الرجل عن قراءاته الذكية للواقع. فهو من القلة الذين لم يكونوا يطلقون الكلمات علي عواهنها. كانت يفكر كثيراً قبل أن يتحدث عن مصطلح يمين ويسار ففي صفحة 146 نقرأ(...) :
كان معنا بعض الإخوة والرفاق ممن لا يعجبهم لا النضج ولا التروي، فاتهموا حافظ باليمين الرجعي وهو في واقع الأمر لا يميني ولا رجعي، مثلما لم يكن من اتّهموه لا يساريين ولا تقدُّميّين. إنَّ المُبالَغَة في استخدام المصطلحات والكلمات والجهل لمحتواها هو ما أزعجه وما يعد مصدر ألمه. لكنّ الجميعَ يَحْتَرِمُ هذا الرَّجُلَ ويقدر مواقفه الشجاعة والناضجة .
وفي الصفحة 152 يستعرض أبو قيس مختلف المراحل السياسية والفكرية والأحداث العسكرية التي مرّ بها اليمن الحديث فنقرأ له: (...) فَصدينا الحصار وصمدت العاصمة أمام الهجمات أما القوي الملكية التي جنّدت بجانبها المرتزقة الأجانب، منهم المُرتَزِق الشّهير بوب دينار هذا المرتزق الذي قام بانقلابات عديدة في دولة جزر القمر.
ملاحظة من الكاتب] وغيره من مُقاوِلي الحرب في العالم. لقد عاشت الحركة إبان مرحلتها الأولي ما يمكن أن أسميه لك أيها الحارس الأمني بشهر العسل مع مصر الناصرية، فعاشت في كنفها وتحت ظلها. لكن شهرالعسل هذا تحول إلي شَهر بَصَل فيما بعدُ، فحاربَتْنَا أجهزة المخابرات المصرية بكل عنف وشدة .
في هذا الفصل يعض الإشارات النادرة التي تتحدث عن حقيقة الرجل وعن الطينة التي جُبِلَ منها: أما عن الحزبية فلا زلت حزبياً في الآخرة مثلما كنتُ في الدنيا. ولا أخفي عليك أن دوري لا يمكن أن يكون إلا في المعارضة. حتي حينما كنت وزيرا لم يذكرني بـأنني جزء من السلطة إلا ذلك المكتب الحكومي الكئيب الذي كنت أكرهه وسرعان ما ما كنت أهجره وأعود إلي مقرّ حزبي. فهناك عملي وهناك مكاني الطبيعي) ! ص.113 أيّ صدق أكبر من هذا!
الفصل الخامس والأخير وهو الفصل المُكَرَّس للرفاق. يلتقي فيه أبو قيس برفاقه الهامّين في الحزب الاشتراكي اليمني، فتاح و سالمين و مصلح و عنتر . في هذا الفصل نكتشف الصدمة التي وقعت علي قلوب هؤلاء الفتية المؤمنين الصادقين بقيمهم النبيلة المتمثلة في الاشتراكية وخدمة الجماهير وحرية المرأة وبناء الانسان الجديد وغيرها من بنود المشروع الاشتراكي، الصدمة التي أثارها خبَرُ انهيار المعسكر الاشتراكي وزوال حزب لينين وكذلك انهيار الحزب الاشتراكي اليمين وانتقاله من موقع الحاكم في بلد ثم المشارك في الحكم ثم القانع بدور هزيل للمعارضة. هذه الأخبار الجديدة التي قام بنقلها أبو قيس إلي رفاقه ما كان لها إلاّ أن تُحْدِثَ ما أحدثته، أي انهيار هؤلاء القادة الأربعة النفسي والفكري وموتهم الثاني في الآخرة. كما أنّ نقل هذه الحقيقة المرة ستؤدي أيضاً إلي اغتيال ثانٍ لـ(جار الله عمر)، وهذه المرة في الآخرة.
تنتهي الرواية نهاية حزينة جدا. ولكنها بهكذا نهاية تفتح باب الأسئلة المُشْرَعَة. وهي أسئلة جارحة من قبيل: هل لا تصلح الديموقراطية للعرب؟ هل نستطيع أن نتحاور بعمق وصراحة من دون اللجوء إلي الخناجر والدبابات (الرواية تقول إن اليمنيين لو كانت عندهم قنابل نووية لاستخدموها)؟
إنّ هذه الرواية الثرية بما طرحَتْهُ من أسئلة لا تنفتح فقط علي الهموم والأشجان اليمنية فحسب، بل إنها تطرح أسئلة نصادفها في كل الأقطار العربية. أسئلة عديدة عن الديموقراية والتداول السلمي للسلطة وحرية المرأة ودور الدين في المجتمع والحريات الفردية والتعددية كذلك واجب ممارسة النقد الذاتي من قبل الأحزاب والمسوؤلين.
وإذا كانت هذه الرواية قد طرحت كلّ الأسئلة فهذا دليلٌ علي أن موت جار الله عمر لم يذهب سدي.
صحيح أنّ اليمنيين كانوا صادقين في معظمهم إبان الوحدة ولكنّ الخاتمة كانت مخيبة الآمال: كنا نقولُ بعد أن أصبحنا خبراء في توحيد الوطن إننا علي أتمّ الاستعداد أن نُزود الألمان بخبرة يمنية ربما كانوا في حاجة إليها . ص191.
إنّ سقوط آخر القرامطة دليل علي أن الطريق إلي الانفراج ما زال بعيداً...
كلمة أخيرة: إنّ الأدب العربي الحديث، وخلافا لكثير من الآداب العالمية الأخري، يخلو من هذا النوع من الأدب، وأقصد الكتابة عن الأصدقاء والوفاء لهم.
إنّ هذه الرواية خير تعبير عن وفـــــاء وحبّ الروائي والكــــاتب أحمــــد الصياد لقائد سياسي عربي نادر من طراز الشهيد الشاهد جار الله عمر .
اليمن دولة عربية عريقة ما في ذلك شكّ، ولكنّ تأثيرَهَا السياسيّ، اليومَ، في الخريطة العربية باهتٌ جدا، إلي درجة أن العديد من القراء العرب لا يعرفونها إلاّ من خلال جلسات المقيت واستهلاك القات وتَأَبُّد التقاليد من خلال حمل اليمنيين الدائم للسلاح والخناجر. ولكنّ اليَمَنَ الذي كان ذاتَ يوم، حديث العرب حين كانت ثمة حرب اليمن وتدخل عبد الناصر وعساكره ضدّ الإمامة ثم تجربة القوميين العرب ثم تجربة اليمن الجنوبي ثم الوحدة المجلجلة، عاد إلي تقوقعه وأصبحت دول عربية صغري مثل قطر وموريتانيا تصنع الحدث أكثر منه، علي طريقَتَيْهِمَا طبعاً.
من هنا تُقرأ آخِرُ القَرامِطة لليمني أحمد الصياد، لأسباب كثيرة، منها أنّها الرواية الأولي لِصاحِبِها، ومنها أنها تَهتَمَّ بِالشأن والشجن اليمنيَيْن، واليمن في هذه الأيام لم يعد يصنع التاريخ، كما أن العلم والحكمة لم يعودا يمانِيَيْن علي تعبير النبي محمد، كما أنها تقرأ لأنّ فيما شذرات وأشياء عن التجربة السياسية التي عرفها اليمن وخصوصا في قسمه الجنوبي، كما تتحدّث عن الوحدة وعن مخاضها العسير الذي ما يزال مستمرّاً لِحدِّ السّاعة. ثم إنّ الرواية تتحدث عن القرامطة، هذه التجربة (المشاعية) الفريدة في الحكم وفي تسيير شؤون الدنيا والدين، وأخيراً وليس آخِراً ، لأنَّ الرِّوَايَة تتحَدَّثُ عن جار اللّه عمر" وهو من قياديّي الحِزب الاشتراكي (نائب الأمين العام) الذي حكم اليمن الجنوبي، قبل أن يتَقَوْقَعَ في لَعِب دور المُعارَضَة.
لقد كانت نهاية الزعيم السياسي اليمني الكبير جار الله عمر مأساوية، وأعادت إلي الأذهان الأحداث التي جرتْ في هذه البلاد التي كانَتْ سعيدةً ذات يوم... هذا القائد الذي كنّا نعرف عنه أنه من شمال اليمن ويُقيم في الجنوب، وبأنه من قياديي الحزب الإشتراكيّ.
تنقَسِم هذه الرواية إلي خمسة فُصُول: الزلزال وحوار الأضداد ولِقاء القَرامطة ورحلة الوحدة إلي الجنوب وحوار الرِّفَاق.
يصور الفصل الأول، وهو أقصر فصول الرواية، وُصُول أبي قيس (وهو هنا جار الله عمر) إلي الآخِرة بعد أن تعرّض لعملية اغتيال مأساويّ. تُصَوِّر الرواية وصوله المُجَلْجِل إلي آخرة نقم والتقاءه بشخصيات خمس هامة القاضي و المشير و الأستاذ و العقيد ثمّ الشيخ الحكيم . كما تصوِّرُ لنا الروايةُ الأحداث التي رافقت سفره إلي هذه الآخِرَة لقد زلزلت الأرضُ وتساقطت الأتربة والأحجار فوق أجسادنا ص.10 علي الرغم من أن القادم الجديد يمتلك جِسْماً نحيلاً، وهو هنا يتحدّثُ لنا عن جسمه أما عن جسمي النحيل فأنا لا أعرف لذلك سبباً، لقد عشتُ بين الغني والفقر كمعظم أهل الدنيا . ص .10 أو كذلك الاستقبال الفاتر والحذر الذي صادفه. يقول العقيد، وهو إحدي شخصيات الرواية: إنه أخطر زعماء المعارضة في الدنيا، هل يُريد معارضتنا في الآخرة؟ ص .14
يَشْهَد الفَصلُ الثاني، حوار الأضداد ، نقاشا مُحتدّاً بينَ الشخصيات المركزية الخمس. وفيه يستمتع القارئ بأحاديث وجدل ومناقشات يمكن للقارئ أن يجدها في كلّ أقطار العالَم العربي. في خضمّ هذه الثقافة السياسية الدامية أحيانا، أو معظم الأحيان. نكتشف شخصية أبو قيس (أي جار الله عمر)، هذا الكائن الأريحيّ ذي الثقافة الواسعة والديمقراطي بامتياز.
يُدَافِعُ أبو قيس جار الله عمر عن الحزبية والتحزب والأفكار باعتبارها حالة صحية وعافية للديمقراطية، فيقول:
لم تَكن هذه الأفكار هدّامة في شيء. لقد كانت وليدة مرحلتها فتأثرنا بها وآمنا. وقد أثبتت الأيام أننا كنا محقين فيما نؤمن به. فقد آمنا صغارا بالوحدة اليمنية والعربية، وأنه لا بد من حماية سبتمبر في الشال وطرد المحتل من الجنوب. غير أن تحقيق الآمال لا يتم بالتمني. كما ندرك أنه لا بد من الحشد والتنظيم. وزاد من قناعاتنا هذه عزم رفاقنا القادمين من بلاد الشام ومصر. فقد كانوا أكثر اطلاعا منا ومعرفة. فبادروا إلي تأسيس الحركة بهدف التأطير والتنظيم، ودافعوا فيما بعد عن ايلول (سبتمبر) في الشمال، بل تمكنوا من طرد المستعمر في الجنوب . ص 39 كما لا ينسي أبو قيس عن معاتبة ولوم مُحَاوَريه في قضية المرأة. حيث يقول: شد انتباهي عدم وجود العنصر النسائي فيها، هذا وضع غير طبيعي قد يؤدي إلي نتائج خطيرة وربما إلي انقراض سكان الآخرة ص 50.
يجد أبو قيس نفسَهُ في وضعية من يتوجب عليه أن يبحث عن حلول مستجدة. فهذه الآخرة تعاني من وضعية غريبة تتجلي في غياب العنصر النسائي. وهو ما يدفع إحدي الشخصيات إلي التصريح بوجود انتشار ظاهرة اللواط التي أصابت الوسط العسكري أكثر من غيره ص 51. والحلّ يمكن في الانفتاح علي آخِرَة أخري، وهنا يقول أبو قيس": الحل هو أن نتحد مع سكان آخرة خزيمة. فهم أقرب لنا. وتلك الآخرة تجمع النساء مع الرجال، بل إنّ النصف الآخر لمعظم سكان آخرة نقم ربما يكون هناك ص 58. وهنا يتصدي أبو قيس لهذه المهمة الصعبة.
الفصل الثالث، لقاء القرامطة، وهو من أجمل فصول الرواية. ونحن لن نكون مخطئين إذ زعمنا بأنّ الكاتب جعل منه محور الرواية. ففي هذا الفصل نقرأ لأول مرة كلمة قرمطي و قرمطية و قرامطة . في صفحة 75 نقرأ وصفا أوليا لهذه القرمطية التي نعرف أنّ القيادة الفعلية هناك بيد امرأة تتسم بالجمال الفاتن والذكاء المتقد والايمان الراسخ. وقد تبني الجميع وجهة نظرها حول الوحدة ص 105. يكتب السارد: (...) استقَرَّ نظرُهُ (أي ابو قيس) أخيرا علي امرأة جميلة لا تبعد كثيراً عن وسط الآخرة المتواجدين فيه، لكن نظراته المتكررة نحو تلك الفاتنة كانت تقابل بتجاهل وكبرياء قل ما شاهده .
نعرف عنها أنها امرأة يعرفها الجميع لكنها تتجاهلهم جميعا، يحبها كل من ينظر إليها لكنها تكره معظم رجال الآخرة. إلإ أن كرهها للرجال لا يعني أنها تحب مثيلاتها . ص78 وأنها أبحرت كثيرا في كتب التراث. وبعد مقارنة وتأمل وتفكير واجتهاد، توقفت كثيراً في بطون الكتب التي شرحت وفسرت فكر الحركة القرمطية. فغاصت في بحارها وشربت من مياهها وارتادتْ وِدْيَانَهَا حتي أصبحت تدعي بالقرمطية ص81
بعدها سيلتقي أبو قيس وهذه القرمطية وستتعمق علاقاتُهُمَا حتي تصبح حميمية وأقرب من علاقة ذوبان الواحد في الآخر. وقد عزّز من هذه الحميمية التقاء وجهتي نظريهما، بل واتفاقهما السياسي والفكري. وستدفع هذه العلاقة الناشئة والقوية القرمطيةَ إلي التصريح أمام الجماهير: (...) هذ أبو قيس القرمطي الذي تأخر في رحيله، أعلن أمامكم جميعا، وليحضر الحاضر الغائب، أنني أحبه ويحبني. نعم، أحبه ويحبني ص.101
في هذا الفصل أيضاً، يُشيرُ الكاتبُ، بطريقة لا تخلو من دهاء، ودون التصريح علناً إلي اغتيال جار الله عمر الذي تعرّض، هو وآخرون، قبل وفاته إلي اتهامات تكفيرية جاحدة وقاتلة. وقد استخدم لهذا الغرض ونفس الأجواء من خلال تصريحات القرمطية: (...) فقد وُجِّهَتْ الي ابن الحوشب وابن الفضل وأتباعهما أبشع النعوت والتهم. فقد اتهمونا بإباحة الأموال والفروج، وقالوا عنا ظلماً أننا نمارس الجنس دون تمييز بين المحللات والمحرمات. ألم تسمع بما أسموه ليلة الإفاضة أو دار الصفوة التي نُسبت إلينا زوراً وبهتاناً؟ ص 90.
(...)ووصل أعداؤنا في اتهامهم لنا إلي نظم أبيات من الشعــــر نُســـبت زوراً إلي زعيمنا علي ابن الفضل يتهم فيهـــا بأنه قد أحل شرب الخمر ونِكاح المحـــارم وإباحــة ما لا يباح . (ص 91).
في الفصل الرابع، رحلة الوحدة إلي الجنوب، يواصل أبو قيس رِحْلَتَهُ الوحدوية وفيها يلتقي مع رفاق فَارَقَهُم في الدنيا منذ زمان. ولا يخلو هذا الفصل من لُمَع تتحدث عن بصيرة الرجل عن قراءاته الذكية للواقع. فهو من القلة الذين لم يكونوا يطلقون الكلمات علي عواهنها. كانت يفكر كثيراً قبل أن يتحدث عن مصطلح يمين ويسار ففي صفحة 146 نقرأ(...) :
كان معنا بعض الإخوة والرفاق ممن لا يعجبهم لا النضج ولا التروي، فاتهموا حافظ باليمين الرجعي وهو في واقع الأمر لا يميني ولا رجعي، مثلما لم يكن من اتّهموه لا يساريين ولا تقدُّميّين. إنَّ المُبالَغَة في استخدام المصطلحات والكلمات والجهل لمحتواها هو ما أزعجه وما يعد مصدر ألمه. لكنّ الجميعَ يَحْتَرِمُ هذا الرَّجُلَ ويقدر مواقفه الشجاعة والناضجة .
وفي الصفحة 152 يستعرض أبو قيس مختلف المراحل السياسية والفكرية والأحداث العسكرية التي مرّ بها اليمن الحديث فنقرأ له: (...) فَصدينا الحصار وصمدت العاصمة أمام الهجمات أما القوي الملكية التي جنّدت بجانبها المرتزقة الأجانب، منهم المُرتَزِق الشّهير بوب دينار هذا المرتزق الذي قام بانقلابات عديدة في دولة جزر القمر.
ملاحظة من الكاتب] وغيره من مُقاوِلي الحرب في العالم. لقد عاشت الحركة إبان مرحلتها الأولي ما يمكن أن أسميه لك أيها الحارس الأمني بشهر العسل مع مصر الناصرية، فعاشت في كنفها وتحت ظلها. لكن شهرالعسل هذا تحول إلي شَهر بَصَل فيما بعدُ، فحاربَتْنَا أجهزة المخابرات المصرية بكل عنف وشدة .
في هذا الفصل يعض الإشارات النادرة التي تتحدث عن حقيقة الرجل وعن الطينة التي جُبِلَ منها: أما عن الحزبية فلا زلت حزبياً في الآخرة مثلما كنتُ في الدنيا. ولا أخفي عليك أن دوري لا يمكن أن يكون إلا في المعارضة. حتي حينما كنت وزيرا لم يذكرني بـأنني جزء من السلطة إلا ذلك المكتب الحكومي الكئيب الذي كنت أكرهه وسرعان ما ما كنت أهجره وأعود إلي مقرّ حزبي. فهناك عملي وهناك مكاني الطبيعي) ! ص.113 أيّ صدق أكبر من هذا!
الفصل الخامس والأخير وهو الفصل المُكَرَّس للرفاق. يلتقي فيه أبو قيس برفاقه الهامّين في الحزب الاشتراكي اليمني، فتاح و سالمين و مصلح و عنتر . في هذا الفصل نكتشف الصدمة التي وقعت علي قلوب هؤلاء الفتية المؤمنين الصادقين بقيمهم النبيلة المتمثلة في الاشتراكية وخدمة الجماهير وحرية المرأة وبناء الانسان الجديد وغيرها من بنود المشروع الاشتراكي، الصدمة التي أثارها خبَرُ انهيار المعسكر الاشتراكي وزوال حزب لينين وكذلك انهيار الحزب الاشتراكي اليمين وانتقاله من موقع الحاكم في بلد ثم المشارك في الحكم ثم القانع بدور هزيل للمعارضة. هذه الأخبار الجديدة التي قام بنقلها أبو قيس إلي رفاقه ما كان لها إلاّ أن تُحْدِثَ ما أحدثته، أي انهيار هؤلاء القادة الأربعة النفسي والفكري وموتهم الثاني في الآخرة. كما أنّ نقل هذه الحقيقة المرة ستؤدي أيضاً إلي اغتيال ثانٍ لـ(جار الله عمر)، وهذه المرة في الآخرة.
تنتهي الرواية نهاية حزينة جدا. ولكنها بهكذا نهاية تفتح باب الأسئلة المُشْرَعَة. وهي أسئلة جارحة من قبيل: هل لا تصلح الديموقراطية للعرب؟ هل نستطيع أن نتحاور بعمق وصراحة من دون اللجوء إلي الخناجر والدبابات (الرواية تقول إن اليمنيين لو كانت عندهم قنابل نووية لاستخدموها)؟
إنّ هذه الرواية الثرية بما طرحَتْهُ من أسئلة لا تنفتح فقط علي الهموم والأشجان اليمنية فحسب، بل إنها تطرح أسئلة نصادفها في كل الأقطار العربية. أسئلة عديدة عن الديموقراية والتداول السلمي للسلطة وحرية المرأة ودور الدين في المجتمع والحريات الفردية والتعددية كذلك واجب ممارسة النقد الذاتي من قبل الأحزاب والمسوؤلين.
وإذا كانت هذه الرواية قد طرحت كلّ الأسئلة فهذا دليلٌ علي أن موت جار الله عمر لم يذهب سدي.
صحيح أنّ اليمنيين كانوا صادقين في معظمهم إبان الوحدة ولكنّ الخاتمة كانت مخيبة الآمال: كنا نقولُ بعد أن أصبحنا خبراء في توحيد الوطن إننا علي أتمّ الاستعداد أن نُزود الألمان بخبرة يمنية ربما كانوا في حاجة إليها . ص191.
إنّ سقوط آخر القرامطة دليل علي أن الطريق إلي الانفراج ما زال بعيداً...
كلمة أخيرة: إنّ الأدب العربي الحديث، وخلافا لكثير من الآداب العالمية الأخري، يخلو من هذا النوع من الأدب، وأقصد الكتابة عن الأصدقاء والوفاء لهم.
إنّ هذه الرواية خير تعبير عن وفـــــاء وحبّ الروائي والكــــاتب أحمــــد الصياد لقائد سياسي عربي نادر من طراز الشهيد الشاهد جار الله عمر .