المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : اقرأ يوميا مقالا فكريا منوعا (( طبق العقل اليومي ))


الطالع السعيد
05/03/2004, 07:38 PM
عرضت مجموعة من المقالات للدكتور رضوان السيد في الفترة السابقة على الرابط الاتي:

الإصلاح الإسلامي: المفاهيم والآفاق (حلقات مسلسلة) لـ.د: رضوان السيد (http://om.s-oman.net/showthread.php?s=&threadid=110717)

وابدأ من الآن ان شاء الله بعرض طبق العقل اليومي -ان شاء الله- من مقالات الكاتب الدكتور خالص جلبي:
----------------------------------------------------------

الطبق الأول ( أهمية المعرفة )

أهم ثلاث مشاكل تواجه الإنسان عالجتها أول سورة نزلت في القرآن وهي (المعرفة) وتطويرها بالقلم. و(الطغيان) بمجرد الاستحواذ. والشعور بالاستغناء في جانبين الغنى بالملك والاستغناء عن حاجة الآخرين. ومشكلة (الطاعة) لمن تكون وتحرير إرادة الإنسان. وهذه الأمور الثلاثة تشكل علاقة متشابكة متداخلة فلا يمكن استعباد الإنسان إذا تعلم. ومن هنا كانت أهمية المعرفة لأنها تعني ثلاثة أمور تحرر الإنسان من الوهم والخرافة وإمكانية زيادة المعرفة بدون حدود. ونقل المعرفة للآخرين بواسطة نظام اللغة المفتوح. ولعل أهم ميز الإنسان هي النطق والتعبير والترميز للأشياء. واليوم نعرف من الناحية التشريحية أن دماغ الإنسان يوجد فيه في الناحية اليسرى أي نصف الدماغ الأيسر منطقة خاصة مسؤولة عن الكلام. وإذا أصيبت هذه المنطقة بجلطة (خثرة دموية) أصيب الإنسان بالخرس فلا ينطق وإن كان يتذكر الكلمات كما قد تكون الإصابة أشد فلا يتذكر الكلمات ولا يتمكن من استحضارها ولا يستطيع النطق بها. وهذه المنطقة الموجودة في الدماغ الأيسر خاصية مميزة للإنسان ولا يحملها أي كائن آخر. وهناك منطقتان قريبتان من بعض واحدة للقواعد والثانية للمرادفات اللغوية اسم الأولى بروكا والثانية فيرنيكيه وبينهما جسر واصل لتبادل المعلومات باستمرار. وهذه الإمكانية هي التي تجعل الإنسان ينمو مثل كائن عملاق وليس فردا محدودا. أي إن نظام اللغة يتيح له امتصاص خبرات كل من سبقه ومن حوله زمانا ومكانا. وبهذه الطريقة يتعلم الطفل مخزون الثقافة الإنسانية كلها في مدى سبع سنوات قبل دخول المدرسة وقبل تعلم الكتابة. وهي مجموع الخبرات والقيم السائدة والعادات المتعارف عليها عموما في المجتمع من الحرام والحلال والعيب. وبواسطة الدماغ يتعامل الإنسان مع الكون ويشكل التصورات عن الكون المحيط به. وهكذا فإن الإنسان بواسطة التفسيرات التي تقدم له يتكون اجتماعيا على شكل قالب محدد. وهكذا اعتقد الناس قديما أن الشمس والقمر آلهة ثم تبدل التصور وعرفنا أن الشمس لا تزيد عن نجم مستعر وأن القمر كوكب مستقبل عاكس للضوء. بكلمة ثانية فإن نوع المعرفة يحدد للإنسان الشيء وموقفه منه بالتقديس أو المعرفة العادية. كما في علاقة الإنسان مع الكواكب والنجوم. وإذا كانت هذه المعرفة حررت الإنسان من الخوف من الكواكب أو قوى الكون المختلفة وعرفت أن الرعد لا يزيد عن انفراغ كهربي والكهرباء قوة من خمس قوى أساسية في الوجود فيمكن أن يحدث نفس الشيء لتعامل البشر مع بعضهم البعض وأن البشر خلقوا أحرارا ومتساوين عند الولادة ولا يفضل أحد أحدا إلا بالتقوى والإنتاج والمعرفة. ولكن مشكلة البشر أنهم لا يعتنون بعقولهم بقدر عنايتهم بمعدتهم. وهو أمر يعود سببه إلى الغذاء الذي ترتبط به الحياة. ولكن البشر في غمرة الحياة يتفنون في الأطعمة والأشربة والملذات وينسون تربية عقولهم وإرادتهم وهذا يفتح باب الشر كله باختلال التوازن. واليوم مع انفتاح الثقافات على بعض وتعميم المعرفة ووصول كل إنسان إلى أي معلومة يمكن القول باطمئنان إن ما ينتظر الإنسان شيء كبير من التحرر والقوة بقوة المعرفة. وهذا هو السبب في إلحاح القرآن على نشر المعرفة. وفي الوقت الذي كان الكهنة عند الفراعنة وسومر يصادرون المعرفة لحساب طبقة محدودة فإن الرسل أتوا بالصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى لنشر المعرفة وتعميمها على الجماهير. ويقول المؤرخ البريطاني ويلز في تاريخه معالم تاريخ الإنسانية إن الورق حرر عقل الإنسان. واليوم يلتقط الإنسان المعلومة بسرعة الضوء وعلى الهواء بأمواج عاتية من محيط الإنترنت. هل أصغيت لأزيز ريح البحر عند فتح الإنترنت إنها شبكة مخيفة من الاتصالات الإنسانية ليس في قدرة أحد الإمساك بها فقد حطم العلم الجغرافيا وكل ألوان المراقبة وبذا كانت المعرفة تحررا كاملا.

يتبع طبق العقل الثاني

الطالع السعيد
06/03/2004, 01:23 PM
الطبق الثاني ( المتعة العقلية )

هناك حديقة لا يأكل منها إلا الصابرون. ولا يتمتع بفاكهتها إلا المطهرون. وأعظم الطهارة من هموم القلب. وكتب ويل يدورانت عن اللذة العقلية وهي لحظات تأتي قليلا وبالصبر يمكن أن تتكرر وتزداد عمقا ويطول وقتها فإذا استغرق فيها الإنسان أدرك أن هناك جنة يغشاها الإنسان ويستعد لدخول جنة المأوى نزلا عند ربك خالدين فيها أبدا. والحياة مزيج من متعة وألم وعذاب وفرح وحياة وموت فلا تخلص الأمور وتصفى أبدا. وحاول جماعة العقاقير والمخدرات دخول هذا العالم من البوابة الخلفية مغلوطا. ويبدو أن في تكوين دماغنا أماكن عجيبة لإفراز أو تقبل مواد وإثارة مواد دماغية تعمل هلوسة ومتعة صحيحة أو مزورة. ولكنها ولو كانت مزورة هي حقيقة تحدث أمام أعيينا سوى أنها تحدث الإدمان والانفكاك عن الواقع والمرض.

ولو لم تكن مترافقة بهذه الأعراض لتناولها الناس مثل شرب الشاي. ويعرف الأطباء هذه الأعراض على المدمنين. واعتبر الفيلسوف النمساوي فيتجن شتاين أن الثروة عبء على الفيلسوف فقام بتوزيع ثروته الطائلة على أصدقائه وأقربائه وارتاح. واستمر يعمل بكدح فيعيش من عمل يده. وإن أحب الأعمال إلى الله ما كان من عمل اليد. وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده. ومحمد إقبال كان محاميا يأخذ بضع قضايا فيعيش منها فإذا فرغ منها وكسب ما يعيش به رجع إلى جنته العقلية فأوى إلى ربوة ذات قرار ومعين. وسبينوزا الفيلسوف الهولندي كان يعيش من صقل عدسات النظارات ويتبلغ بها في الحياة الدنيا وباقي وقته كان متفرغا للعمل العقلي الهادئ وكتب في حياته أربعة كتب قال عنها المؤرخ ويل ديورانت في كتابه قصة الفلسفة إنه كان من الأفضل لنابليون أن يفعل مثل هذا ولكن كل ميسر لما خلق له. والأطباء يأخذون أتعابهم من تخفيف آلام الناس. وبراين تريسي ذكر في كتابه أسس علم نفس النجاح أن هناك ستة شروط للنجاح منها الشرط الثالث المتعلق بالكفاية المالية ولكن بعض الناس لا يشبعهم شيء ولو كان المال من بنك مفتوح لقالوا هل من مزيد؟ ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وآينشتاين كان يبحث عن عمل بسيط يعيش منه ويعطيه الوقت كي يتفرغ لعمله الأساسي فكان أعظم عمله وهو يعمل موظفا في دائرة براءة الاختراع في بيرن في سويسرا ونال جائزة نوبل ليس على النسبية بل العمل الكهرضوئي. والغزالي ذكر عن التصوف أمورا عجيبة وأنها عالم لا يعرفه إلا من ذاقه ولكن يجب فيه العزلة كيف تصفو النفس من الكدر فهذا شرط للخلاص. وبوذا لم يصل إلى النرفانا لولا مجاهدة النفس. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.

ويروى عن ابن تيمية أن هناك جنة في الأرض يدخلها الناس قبل دخول الجنة. ولكن ما أوسع الطريق الذي يقود إلى الهلاك والكثيرون يسلكونه. وما أضيق الطريق الذي يقود إلى الخلاص وقليلون يسلكونه.

ولكن من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. هكذا جاء في الإنجيل. وكان يكلمهم بأمثال وكان يكلمهم كمن له سلطان وليس مثل الكتبة والفِرِّيسين. ومن كانت له أذنان للسمع فليسمع؟

(يتبع)

أبو شيخة
06/03/2004, 11:29 PM
شكرا لك

الطالع السعيد
12/03/2004, 01:00 AM
Originally posted by أبو شيخة
شكرا لك

لا شكر على واجب

الطالع السعيد
12/03/2004, 01:02 AM
الطبق الثالث ( كيف نفرق بين الناجح والفاشل؟ )

أتذكر من طفولتي أن والدي كان يقول إن بائعة اللبن لا تقول عن لبنها إنه حامض قط. ولا يقوم المجرم بالجريمة دون مبررات. ولم يحل الجدل قضية يوما. والفاشل يلوم الأقدار والناجح يلوم نفسه. وفي يوم دخلت على رجل من أقربائي فقرأ أبياتا من الشعر يرثي بها نفسه ويقول عن حظه إنه مثل الطحين الذي ألقي فوق الشوك في يوم ريح عاصفة ثم طلب من القوم جمع الطحين. قال قريبي إن من أشقاه ربي كيف أنتم مسعدوه وهو بهذا استراح من العناء وكان فاشلا في الحياة وفي النهاية مات بفشل كلوي. واليوم يمكن تطبيق نفس الكلام عن أي جدل خاصة مع المتشددين. ومنه نفهم لماذا نهي الناس عن الجدال في الحج ومقارنته بالرفث والفسوق. ويعلمنا القرآن ألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن. وما حوصر الإنسان في حجته إلا ألحن فيها ولم يعترف بالخطأ ولو كان في أنصع صوره. واستفدت من صديق أرسل لي في الإنترنت فروقا ذكية بين الناجح والفاشل أعرضها بتعديل عليها. فالفرق بين الناجح والفاشل أن الناجح يفكر في الحل والفاشل آخر ما يفكر فيه الحل وينسب فشله إلى قوى خارجية. والناجح بذلك لا تنضب أفكاره والفاشل لا تنتهي أعذاره. والناجح يساعد الآخرين. والفاشل يتوقع المساعدة من الآخرين. والناجح يرى حلا لكل مشكلة والفاشل يرى مشكلة في كل حل. والناجح يقول الحل صعب لكنه ممكن. والفاشل يقول لا يوجد حل. والناجح لديه أحلام يحققها والفاشل يعيش على الأوهام وإمكانات يبددها. والناجح يقول عامل الناس بنزاهة والفاشل يقول اخدع الناس. والناجح يرى في الدنيا أملاً والفاشل يرى الدنيا ألماً. والناجح يختار فيقول والفاشل يقول كيفما اتفق. والناجح يولي وجهه إلى عظائم الأمور والفاشل يتعلق بالقشور وسفاسف الأمور.

وباختصار فالناجح يصنع الأحداث والفاشل تصنعه الأحداث. وحسب برتراند راسل فإن كل النهضة العقلية في أوروبا تدين لمئة دماغ ولو حيل بينها وبين الظهور لما كان هناك تنوير ولبقيت الكنيسة تسوق الناس إلى محاكم التفتيش ولعاش الناس ألف سنة أخرى في الظلمات. والناس الناجحون حسب بريان تريسي عالم النفس قليلون ربما لا يتجاوزون 5% من الناس. ويصفهم بأنهم أولئك الذين حققوا أنفسهم. ومن مدرسة علم النفس الإنساني قال إبراهام ماسلو كلاما قريبا من هذا حينما قال إن حاجيات الإنسان تشبه الهرم تبدأ من الحاجات الفيزيولوجية مثل الطعام والشراب والجنس واللباس والمسكن وتنتهي بتحقيق الذات. وحسب عالم النفس البريطاني هادفيلد فإن رحلة الحياة تمشي وفق رحلة الاكتمال. كما يقول القرآن "طبقا عن طبق". ومن عشق الأشياء الكبيرة كبر دماغه وعظم اهتمامه وإلا عاش أبد الدهر بين الحفر. والناس منهم من ذاب بين الأشياء وهم الحمقى والثرثارون، ومنهم من تكلم في الأشخاص فارتفع درجة ولكنه أزعج وخلق العداوات.

(يتبع)

الطالع السعيد
17/03/2004, 08:51 PM
الطبق الرابع (حماقة المدخنين وجدل الإنسان المحير )

يقول القرآن عن الإنسان "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا". ومن هذا الجدل المحير شرب الدخان مع المعرفة الأكيدة أنه مضر، ولكن الناس يدخنون بشراهة حتى يفاجؤوا بسرطان في الفك والرئة أو انسداد شرايين القلب فلا يتعظون، ويعملون عملية قلب ويتابعون التدخين بعد العملية، ومنهم من قال لي إن أنا مت فلفوني بكفن من التنباك واغرسوا شجرة تنباك فوق قبري تمتص عظامي من جذورها طعم الدخان. والدخان هو رفيق العمر وتسلية بالحياة والأنيس في الوحدة ويتمتع الكثير بتدخينه في دورات المياه. وأنا قمت بإحصائية لمعرفة سبب الإقلاع عن التدخين فكانت خمسة أسباب أهمها مواجهة الموت أو التعرض لبتر الطرف ولا يفعل هذا الكل. والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعمل ضد غرائزه وضد الحكمة؛ فلم نسمع أن كلبا أعلن الصيام أو أن شجرة حاولت الانتحار، ولكن الإنسان يصوم في رمضان فيجوع مريدا وينتحر بالسيجارة أحمقَ. وروى لي أحدهم أن أخاه المهندس أصيب بذبحة صدرية ففتح صدره مثل الكتاب وزرعت شرايين جديدة في قلبه بدل الشرايين المهترئة المحترقة من الدخان. ولكنه عاد إلى التدخين بعد العملية ولم تنفع معه الموعظة أو تفيده النصيحة أو زجر الأطباء. حتى فاجأته النوبة القلبية الثانية فسافر إلى أمريكا فأجرى له العملية جراح مغامر فنجا. ثم عاد إلى التدخين حتى فاجأته النوبة القلبية الثالثة فتاب ولكنه يعيش نصف حياة. وقرأت قصة مؤثرة في مجلة الريدرز دايجست والمجلة لم تعد تنشر باللغة العربية بكل أسف وكانت تأتي بقصة جميلة في نهاية كل عدد. ومنها قصة هذا الجراح الأمريكي الذي كانت مهنته استئصال أورام الرئة وكان مدخنا حتى أصيب يوما بسرطان الرئة من وراء التدخين. وعندما راجع زميله قدم له صورة الصدر الشعاعية وقال له ما تقول في هذه الصورة فلما رآها الطبيب الشعاعي سأله لمن هي؟ أنكر الرجل حتى يبقى طبيب الأشعة حياديا وهادئا في حكمه فيما لو عرف أنها لصديقه جراح الصدر. تأمل طبيب الأشعة الصورة وقال له: بكل أسف إنه سرطان رئة بل وسرطان متقدم لا تنفع معه جراحة لشدة انتشاره، ويقول الجراح في القصة وهو في سكرات الموت إنه لو كان نادما على شيء فهو عدم إقلاعه عن التدخين في الوقت المناسب. وأنا شخصيا كنت أعمل في مدينة جيلزنكيرشن في المنطقة الغربية من ألمانيا في قسم جراحة الأوعية الدموية وكنت الوحيد الذي لا يدخن بين أربعة. مع أنهم كانوا يشترطون على مرضاهم أن يتركوا التدخين قبل أي تدخل جراحي على الشرايين لإصلاحها! فكنت أتعجب من تصرفهم! والأنكى أنهم كانوا في الاجتماع الصباحي يضيف بعضهم بعضا نوع السجائر الذي يلف بالأصابع بمتعة وهم يقولون تفضل حقنة من مادة منشطة للأوعية الدموية وهم يتغامزون ويضحكون. فهذه هي الجدلية المحيرة عند الإنسان أنه يفعل ضد نفسه وهو يعلم أنه يؤذي نفسه استجابة للهوى والرغبة واللذة العاجلة. ومعظم مرضى السكري لم يغيروا طريقتهم في الطعام إلا بعد كشف مرض السكر عندهم يحرق الأقدام ويصيبهم بالغانغرينا ونوبات القلب. ومن عائلتي كنت أنصح إحداهن دون ملل أن تخفف وزنها لمكافحة مرض السكري لأن نصف علاجه تخفيف الوزن والرياضة ولكن الجواب كان أن أم علي وزنها خمسين كيلو وعندها السكر عالٍ، ويبدو أن أقل الناس فائدة من الطبيب هم أهل الطبيب. والمهم فقد كانت هذه السيدة العاقلة تأكل ما تشاء بما في ذلك القطر السكري المركز ثم تنظر في مقدار السكر في الدم وتحقن نفسها بالأنسولين حتى فاجأها غانغرينا الساقين دفعة واحدة ولكن كان الوضع متأخرا حتى على البتر. وهناك من المرضى من يرفض البتر ويقول أريد أن أذهب إلى القبر دفعة واحدة وليس بالتقسيط. والمهم فكل داء له دواء إلا الحماقة الإنسانية. وجمال الدين الأفغاني وفرويد عالم النفس مات كل منهما بسرطان الفك من وراء التدخين. "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا".

(يتبع)

الطالع السعيد
19/03/2004, 01:38 PM
الطبق الخامس (الخير والشر والتتابع التاريخي)

يقال عن الصحابي حذيفة بن اليمان أن الرسول صلى الله عليه وسلم أطلعه على بعض الأسرار فحفظها، وأنا أستبعد هذا فالرسالة ليست أسرارا بل بلاغاً مبيناً للناس وهل على الرسل إلا البلاغ المبين.
ويقال: بناء على المعلومة الأولى إن عمر رضي الله عنه ما كان يصلي على أحد إلا بحضور الصحابي المذكور خوفاً من أن يكون من المنافقين والله أمر ألا نصلي على أحد من المنافقين أبداً...هكذا علمونا.
اليوم أستبعد أنا الخبر مرة أخرى فعلينا ظواهر الناس ولله البواطن. ولم يكن عمر رضي الله عنه ليفعل غير هذا والأمر يحتاج إلى تحقيق.
ويقال: إن عمر ر ضي الله عنه كان يسأل حذيفة بن اليمان باعتباره حافظاً لبعض الأسرار هل ذكرني الرسول صلى الله عليه وسلم منهم؟ وهو قول إن صح يمكن حمله على شدة ورع عمر رضي الله عنه ولكنه مستبعد بعمومه.
وإن كان الإنسان لا يعرف نفسه على أي دين هو فمن الأفضل أن يتأكد من عقله؟

ومع هذا فالقرآن ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لم يعرف كل المنافقين كما جاء في سورة التوبة "لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم" وكل هذا الحديث هو مقدمة لحديث مثير جاء في صحيح البخاري وقفت أمامه طويلا وهو يفتح الطريق
لفهم عملي تاريخي لتطور الأمور والأحاديث والنصوص بشكل عام إن لم تفهم على صورة "بانوراما" تشوش الإنسان. ومن هذه الأحاديث ذلك الذي ينص على أنه لا يأتي زمن إلا وبعده شر منه؟ فهنا نرى التاريخ على صورة انحطاط. والأمر ليس كذلك.
فربما استولى هذا الشعور على بعض الصحابة حينما رأوا بأعينهم تبدل الأمور بعد معركة صفين خلال جيل واحد كيف أن الحكم الراشدي انتهى وبدأت حقبة الملك الأموي وهو أمر لم يكن أحد يتصوره في المنام بسبب قوة الزخم الذي جاءت به النبوة وعمق التحول في حياة الناس.
وأنا من كتابتي هذه الموجزة أريد تهيئة الشباب لتصور في رؤية التاريخ بأن له تواتراً معيناً من الانخفاض والارتفاع فهذا قانونه، وحديث حذيفة
بن اليمان الذي بين أيدينا، يوضح ذلك وتجب رؤيته على هذه الصورة الواقعية المريحة.
فليست الأمور كلها شرا بل تواترا مثل حركة موجات القلب علوا ونزولا وتقدما وتأخرا بين الشر والخير. جاء في الحديث المروي في صحيح البخاري في باب الفتن الجزء الثاني ص 56 ما يلي: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله سبحانه بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن؟ قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله فصفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك). وفي علم النفس هناك ظاهرة تعرف بالاستقطاب أي إن الحزين يمتص كل الرؤى السلبية من العالم حوله فيراها ضبابياً حزينا وكذلك الأمر في حالات السعادة. وفي الحديث الخير في أمتي إلى قيام الساعة.

(يتبع)

الطالع السعيد
21/03/2004, 09:50 AM
الطبق السادس (التعصب أوله تدين خاطئ ونهايته دماء؟):

التعصب أوله تدين خاطئ ووسطه حماس وقلة وعي وخاتمته جريمة وقتل وسفك دماء. والتعصب ليس سمة الإسلاميين بل كل الأيديولوجيين. سواء كان الظواهري أو بول بوت أو شارون. وكل من يؤمن بالقتل سبيلا لحل المشكلات. وهناك من العلمانيين والحداثيين من هم أشد تعصبا من جماعة بن لادن. فالتعصب مرض يضرب العقل مثل الكوليرا والملاريا. والجراثيم لا تفرق بين العقائد والمعتقدين. ورأت الملائكة في الإنسان أنه كائن يسفك الدماء فقالوا "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء". ونبع الجريمة هو اختلال نفسي من فساد في التصور. وعندما يعجز المنطق والحكمة يسود التعصب والهرج. ومن زعق فارتفع صوته لا يعني عمقا في الحجة بل ثخانة في الحبال الصوتية وطبقة صوتية أعلى. وأعلى طبقة في الصوت تذكر بنهيق الحمير. وعندما قتل ابن آدم الأول أخاه كان بسبب الحسد وقلة العقل. ومن أقدم على الجريمة ليس بالناجح بل الفاشل. فلم يتقبل منه قربانه قال لأقتلنك. وهذه القصة في القرآن حافلة بالرموز لمن يتأملها. وهي تعرض أسلوبا جديدا في فك الصراعات بالتخلي عن القوة من طرف واحد. ولكن هذا يحتاج إلى وعي جديد. والثقافة تلقن الطفل منذ أيامه الأولى رد الاعتداء بأشد منه. وذكرت لي سيدة عن طفلها أنه لا يقاتل الآخرين فتسلطوا عليه. فهي تريد تربيته بضرب الآخرين وليس التفاهم معهم. والتعصب لفكرة معناه عدم مراجعتها. وعدم المراجعة يعني موت الفكرة. لأن مزايا الحياة التكاثر والحركة مثل النبات والحيوان. والجماد لا يتكاثر ولا يتحرك. ولو تركت صخرة أبد الدهر لم تتحرك بل حركها المتحرك حولها من ريح أو ماء. وكذلك الأفكار. فعندما يجمد الإنسان على فكرة قد تعطيه لونا من الراحة والطمأنينة الخادعة ولكن تموت بفعل الطقوس والتكرار الممل ولا يشعر بهذا من يمارسها. فالميت لا يشعر والحي يشعر. والحماس لفكرة لا يعني صحتها. بل تحكي قصة تعلق صاحبها بها. وصحة الفكرة تأتي من تناسقها مع السياق الكوني ولو لم تعجبنا. وهناك من الوظائف الحيوية ما يعترض عليه البعض. وسألني بإلحاح أحدهم لماذا كان البراز البشري قبيح الرائحة؟ قلت له هو دليل العافية. وفي الجنة سيكون عرقنا ومخلفاتنا مثل رائحة المسك ولكنها في الأرض ليست كذلك. والرائحة جعلت هكذا. ورائحة القدمين مزعجة عند البعض ولكنها تعتبر أفضل من رائحة المسك والعنبر عند البعوض فيهجمون على صاحبها. والفكر التعصبي عند صاحبه مثل رائحة القدمين الكريهة التي يشتهيها البعوض ويهرب منها البشر. ولم يكن أشد حماساً من الخوارج لفكرتهم ولا أشد وطأة على المسلمين منهم أو سفكاً للدماء مثلهم. ونجا البعض من سيوفهم حينما قال لهم: أنا مشرك فأجيروني قالوا قد نجوت تحت قوله تعالى "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره" ومن رأى الحياة على نحو حدي انكفأ لأحد الأطراف بسرعة. وأعظم آفة في الفلسفة فكرة الثنائية. والمدمنون يزداد تناولهم للحشيش مع الوقت وينقلب مزاجهم في لحظة. وأنتوني أيدن شق حرب السويس تحت مزاج خطير من هذا النوع. والكون يقوم على التنوع. والضوء ليس أبيض ولا أسود. بل مزيج من طيف متدرج من سبعة ألوان تحف به أشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية عند الأطراف. وكذلك كانت الروائح سباعية والمذاقات. بل والعواطف كما كشفها علم النفس الحديث. ومنه كان الطواف سبع مرات. وكتب أحدهم كتابا كاملاً عن كون بنظام سباعي بدءا من سبع مدارات للإلكترونات وانتهاء بالطواف حول الكعبة. وهو رأي قد يكون فيه قدر من الصحة.

(يتبع)

الطالع السعيد
24/03/2004, 08:18 PM
الطبق السابع (السيطرة على العالم إلى الأبد ):

في الدراسة التي جاءت في كتاب (العبقرية والإبداع والقيادة) لمؤلفه (دين كيث سايمنتون) ظهر العسكريون في ذيل القائمة. ولكن العجيب أن من قاد البشرية هم العسكريون! وفي بلدان العروبة المنكوبة قفز العسكريون إلى قمة السلطة وهم تلاميذ (بكالوريا). وثقافة أحدهم لا تزيد عن "توجيهي"! وهكذا فإن (البلطجية) هم الذين يمسكون مقود التاريخ في عالم العربان على ما يبدو، وفي المقالة التي نشرتها صحيفة الاتحاد بتاريخ 10 مارس 2004 بقلم (جيمس مان) حاول الرجل أن يظهر الهدف الفعلي لغزو العراق. ونسب ذلك إلى خطة دفاعية اعتمدتها أمريكا للاستيلاء على العالم. وزعم الرجل أن هذا هو السر المكنون الذي أتحفنا به. وهو لا يزيد عن خبل يضاف إلى خبل البنتاجون في فهم الأبدية. فهم يريدون أن يبنوا مدرعة من أسلحة متفوقة لا تنبغي لأحد من بعدهم كما جاء في دعاء سليمان عليه السلام: رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. والجميل في هذه المدرعة الجديدة أنها ستمكن أمريكا من السيطرة على العالم إلى الأبد! أكرر (إلى الأبد) والصحف تنشر وخاصة إذا جاء الكلام من أمريكي. ولكن الأبد هو لرب العزة والجلال. ومن خاصمه الأبدية قصمه ولا يبالي. فهذه هي حكمة التاريخ. ولكن سخرية التاريخ مع القوى العظمى كبيرة. والحمد لله أن أمريكا تفكر على هذا النحو لأن المقتل سيأتي منها. وفي الإنجيل يسبق السقوط الكبرياء. وفي القرآن "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين".

ويذكر المؤرخ البريطاني (جون آرنولد توينبي) في دراسته الشيقة عن التاريخ أن الإخفاق في تقرير المصير يأتي من مصادر شتى. ويقول إن التحدي هو الذي يوقظ الناس فيدفعهم إلى أن يسلكوا طريق بناء الحضارة. وإذا كانت منبهات يقظة الحضارة منوعة فإن (النهاية) في تدمير الحضارة واحدة ومشتركة بين كل الثقافات مثل بياض الشعر عند جميع العباد. ففي البداية قد يكون لون الشعر خرنوبياً أو أسود أو أشقر ولكن في النهاية يبيض لون الشعر فيتحدون في اللون والهرم. سبحانه جلت حكمته. ويبدو أن مصير أمريكا لن يختلف عن الاتحاد السوفيتي وقد خلت من قبلهم المثلات. وجورباتشوف وكل العالم لم يكن يتصور هذا السقوط المدوي للاتحاد السوفيتي. وأمريكا سوف تعاني من مصير كل القوى العظمى وهي ليست محصنة ضد مرض الأمم. وأمريكا اليوم لها أكثر من ستين قاعدة في العالم وبدأت في وضع قاعدة جديدة في الشرق الأوسط. ولكن الشعوب قد تصمت مثل الجبل أو المحيط فإذا غضبت كان التيفون والبركان. وحسب دراسة توينبي في كتابه مختصر دراسة التاريخ فإن آشور حينما جاءها الأجل لم يكن ينقصها عتاد أو تقنية حربية بل كانت تهتم جدا لتطوير الآلة الحربية. ومما جاء في تقرير (جيمس مان) عن استراتيجية التخطيط الدفاعي أن أمريكا سوف تصرف من النفقات ما يجعل الصين أو غيرها لا تفكر في اللحاق بها لفارق البون. ولكن القوة تأتي من العدل وليس من التسلح. وقد تضبط الأوضاع بالمخابرات والسلاح إلى حين ولكن الستازي في ألمانيا فعل كل شيء يمكن فعله بما في ذلك حفظ روائح المشتبه بهم ثم أصبح النظام أثرا بعد حين فمزق كل ممزق وأصبح أحاديث كما أصبح صدام مصدوما في ملفات التاريخ. وفي يوم زعق هتلر أن الرايخ الثالث سيبقى ألف سنة فعاش 12 سنة فقط وذبح النازيون جميعا كما غرق فرعون وجنوده أجمعون. وهذا الكلام ينطبق علينا أيضاً. ففي يوم زرت قصر الحمراء في غرناطة فتعجبت من حماقة القوم فمن دخله ظن أنه قصر شيد للأبد كما تحلم أمريكا بحكم العالم بالقوة إلى الأبد. ولكن دورة التاريخ تدعو للتفاؤل فهي تمشي نحو الأفضل والزبد يذهب جفاء. ولن تخرج أمريكا عن هذا القانون. ومن بغى طغى. ومن طغى جن. ومن جن ارتكب أعظم الحماقات فقضى على نفسه.

(يتبع)

الطالع السعيد
28/03/2004, 05:42 PM
الطبق الثامن (سجن جليدي):

أصيب العالم بالدهشة والشك عندما أعلن الطاغية "ستالين" تشجيعه للبحث العلمي بإرسال السفينة "تشيليوسكين" في بعثة استكشاف إلى القطب الشمالي, فهم لا يعرفون عن هذا الرفيق أنه يرسل البعثات إلا إذا كانت بعثات إلى القبور أو المعتقلات الجماعية. وبالفعل وفي جو من الحماس أقلعت سفينة الأبحاث مزودة بالفحم والمؤن ما يكفيها لفترة 18 شهرا من مدينة "ليننغراد" التي كان اسمها مدينة القديس بطرس "بطرسبرغ" فحورت إلى اسم الزعيم الشيوعي "لينين" وعاد اليوم إلى البلد اسمها بعد انهيار الأوثان الشيوعية. أبحرت الباخرة في يوليو 1933م تحت إمرة القبطان "أوتو شميت" ولعله من أصل ألماني وفي داخلها 113 شخصا منهم امرأة حامل وبعد عبور 2000 ميل باتجاه بحر الشمال لاكتشاف سيبريا من طرف المحيط الشمالي بدأت السفينة تحاط بجبال من الجليد المحطم فعلقت هناك وكان ذلك في 15 أغسطس بعد خمسة أسابيع من الإقلاع وعند بحر كارا. فاتصلوا بالراديو بموسكو فجاءت محطمة الجليد (كراسين), وهي واحدة من 9 كان يمتلكها الاتحاد السوفيتي يومها, فأزاحت الجليد وأقلعت من جديد ولكن بعد قطع مسافة 6000 ميل رجعت فعلقت من جديد وعلى مسافة 15 ميلا من مضيق بهرنك, وهو المضيق الذي يفصل بين سيبريا الروسية وألاسكا الأمريكية, وبالأصل فقد كانت ألاسكا تابعة للاتحاد السوفيتي حتى باعها القيصر الروسي بحماقة يعجز عنها هبنقة وأشعب معا حيث اعتبرها أرضا تغطيها الثلوج وبعيدة جدا عن موسكو ولا فائدة منها فباعها بسبعة ملايين من الدولارات. إن قصص الملوك والقياصرة مع الثروات عجيبة وعندما أطيح بقيصر روسيا عام 1917م (نيقولا الثاني) كان يمتلك ثروة قدرت بـ112 مليار دولار. عندما علقت تشيليوسكين من جديد بالجليد جربوا كل الوسائل الممكنة بما فيها استخدام المتفجرات فعجزوا ولم يكن ممكنا إرسال محطمة جليد إضافية وبقوا محبوسين في صقيع الشمال والعواصف الثلجية. وبعد حين جاء أناس من قبائل "تشوبتشي" من أهل سيبريا الأصليين على زحافاتهم وكانت أقرب محطة في "كاب فيلين" تبعد 200 ميل فأخذوا معهم ستة أشخاص ومريضا واحدا على زحافات خشبية تسوقها ******. أثناء هذا كان "إبراهيم فاكيدوف" ولعله من أبناء المسلمين يدرس ذبذبات الاهتزاز الثلجي فتوقع الكارثة وفعلا ضربت عاصفة ثلجية مروعة السفينة في يوم 13 فبراير من عام 1924 بعد شهرين من انحباسهم في الثلوج وبدأت السفينة في الغرق تدريجيا. وسارع الناس فانتشلوا ما استطاعوا وأهمها جهاز الراديو للاتصالات. وعندما علم ستالين بما حدث أرسل اثنين من الطيارين المدربين وكان عليهما عبور أوروبا والوصول إلى أمريكا وألاسكا ليصلوا إلى مضيق بهرنك حيث غرقت السفينة وبقي الناس في العراء في ظروف مخيفة.

وهكذا بدأ الطيران يحاول إنقاذ الناس حتى تمكن ومات واحد من البعثة. وأصبح (أوتو شميت) ورفاقه أبطالا للاتحاد السوفيتي. ومن أعجب الأخبار التي اقترنت بكارثة سفينة البعثة العلمية أن الأمريكيين عرضوا مساعدتهم فرفضها ستالين واليوم يكشف اللثام عن وجود معسكرات اعتقال تضم 12 ألف معتقل سياسي خاف ستالين أن ينفضح أمره ويعرف بهم فيما لو وصلت المساعدات الغربية إلى تلك النواحي. كان الطاغية قد بدأ يخطط لتحويل سيبريا إلى معسكرات سخرة يرسل إليها كل المغضوب عليهم سياسيا. وقصة العلم كانت آخر ما يفكر فيه ستالين. مثل قصة الغواصة كيرسل التي غرقت عند حدود النرويج كيف رفضت روسيا المساعدة الغربية لإنقاذ الطاقم أو انتشال الغواصة وانكشف اليوم أن الغواصة كانت تحمل طوربيات جديدة تصل سرعتها إلى 500 كلم /ساعة وهي سرعة لم يصل إليها أحد فخشيت روسيا أن يعرف الغرب التقنية الجديدة لصواريخ ما تحت الماء. وهكذا كان ستالين يبحث عن تأسيس سجن جليدي للمعارضة السياسية فهذا كان الهدف الفعلي من سفينة الأبحاث تشيليوسكين.

(يتبع)

الطالع السعيد
30/03/2004, 01:28 PM
الطبق التاسع (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ):

إن صح الخبر الذي جاء من العراق فهو كشف علمي في فهم علاقة سيكولوجية الشعوب بنظام الحكم. فقد نقلت استطلاعات الرأي البريطانية أن أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب العراقي يعلنون عن "الحاجة لزعيم عراقي قوي منفرد". أي صدام جديد؟ وترجمة هذا الكلام أن بعض الشعوب لا تنبت الطواغيت من فراغ. والقرآن يقول "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا". وهناك من المؤرخين من يفسر علاقة التاريخ بالأمراض ويزعم أن انحطاط روما كان خلفه البعوض الذي نشر مرض الملاريا. وعندما تتوطن ثقافة مريضة لا يمكن استئصالها مع كل الإحاطة بمسبباتها والعلاج. ومنذ أكثر من مئة سنة يعرف المصريون سبب مرض البلهارسيا وطرق علاجه. ولكن المصريين ما زالوا يبولون في الترع. وهذا أمر لا علاقة له بالطب بل بالثقافة المهيمنة. وفي الهند يندلع الطاعون من حين لآخر بسبب تقديس الجرذان. ولا يوجد كتاب عني بتاريخ اليهود مثل القرآن فهو يذكر موسى أكثر من مئة مرة.

ونحن نظن أن مرض بني إسرائيل خاص بقوم عاشوا في الألف الثانية قبل الميلاد. ولكن مرض بني إسرائيل مرض إنساني يمكن أن يصيب أي قوم. وطالما كان مرض (أهل كتاب) فهو ينطبق على كل (أهل كتاب) والمسلمون منهم. ويبدو أن عندنا حصة كبيرة حالياً من أمراضهم. والقرآن يذكر عن عبادة العجل أنه تحول إلى ثقافة خالطت العقول والضمائر فقال بتعبير مبني للمجهول (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). أي حصل تشرب لفكرة معينة فتسربت إلى الثقافة كما في فيروس الإيدز الذي يتسرب إلى الكود الوراثي فيتشرب به ويعلق. والثقافات تمرض كما تمرض الأجسام. وقصة صدام ليست وحيدة أو منفردة بل هي مكررة في نسخ ميتة في أمكنة أخرى. وصدام اليوم ذهب مثلا وسلفاً للآخرين. وما زال يدافع عنه أناس ليسوا سذجا ولا مغفلين بل يلبسون معاطف المحامين وبالمئات. وهناك في الصحافة العربية من يعتقد أنه بطل في تاريخ العروبة. وعندما يتطوع مئات المحامين من الأردن للدفاع عن شقي العوجة فالموضوع يخرج عن دفاع إلى مظاهرة وطنية. وصدام مجرم يحق له أن يدافع عن نفسه أو يدافع عنه محام أو أكثر ولكن أن تصل موجة الحماس إلى مئات فهو مؤشر خطير ومرض عضال في الثقافة العربية. وعندما هزم تشرشل في معركة جاليبولي على الساحل التركي عام 1915م استقال وهو تشرشل الذي لا يهزم ولكن الأتراك أذلوه وهزموه وهو احترم نفسه فاستقال. أما في عالم العروبة فلو عاد صدام لهتفت الجماهير تحيي البطل الذي هزم ثلاثين دولة ولاخترع اسما لمعركة جديدة اسمها أم الهزائم. ولكن العرب أميون لا يقرأون والهزيمة والانتصار كلمات وليست حقائق وإذا تم استبدال الحقائق بالكلمات فإن القاموس يكسب كلمة ويخسر الواقع حقيقة ويعيش العرب في عالم السحر.

(يتبع)

sheryan
30/03/2004, 04:52 PM
شكرا للاخ الطالع السعيد...
اتمنى من المشرفين تثبيت الموضوع اذا امكن ذلك...
سأعود لقراءته لاحقا ان شاء الله تعالى...

بوركتم جميعا... :)

الضوء الساطع
31/03/2004, 04:07 PM
Originally posted by sheryan
شكرا للاخ الطالع السعيد...
اتمنى من المشرفين تثبيت الموضوع اذا امكن ذلك...
سأعود لقراءته لاحقا ان شاء الله تعالى...

بوركتم جميعا... :)

اخي الكريم
نتعمد عدم تثبيت المواضيع المتجددة الطرح ، لان طارح الموضوع اذا التزم بعرضه اليومي فهذا كفيل بجعل الموضوع في الصفحة الاولى دائما ليضمن اطلاعا
اكبر

الطالع السعيد
09/04/2004, 01:29 PM
اعتذر عن الانقطاع لفقدان الرقم السري

الطالع السعيد
09/04/2004, 01:31 PM
الطبق العاشر (مرض الغرور والكبرياء ):

قالت لي أخت فاضلة إن أستاذاً لامعاً من أوروبا زارهم فلم يصدقوا أنه بينهم وأكرمهم بزيارته فاحتفلوا به أيما احتفال وكانوا قد قرأوا له بعضاً مما جرى به قلمه . وكانت كتبه تشير إلى فهم وثقافة وغزارة اطلاع، وكان هذا الرجل يشغل منصباً جامعياً مرموقاً في بلد غربي . تقول الأخت إن الجلسة انفضت وهم أزهد الناس به ولم يتشجعوا لأخذ عنوانه لمتابعة الاتصال به. وبقدر ما كان كبيرا في عيونهم قبل اللقاء بقدر ما صغر في عيونهم وسقط مع اللقاء. والسبب في هذا أنهم لم يسألوه عن شخص إلا قال لهم إنه لا يعرف شيئاً أو إن عمله غير مبدع وهو ينقل لا أكثر أو إن بضاعته قليلة أو دعوكم منه أو إن معظم أفكاره منحولة ومكررة إلى غير هذا من انتقاص الناس والسخرية بهم. وكلها مؤشرات أنه هو الأعلى وهو (الفهيم) وهو البطل المغوار الذي لا يشق له غبار. ولا يوازيه أحد أو يقترب منه إنسان في التحصيل العلمي. وينقل عن الغنوشي التونسي قوله "إن الكثير من الكبار صغروا في عيني لما اجتمعت بهم إلا مالك بن نبي فلم يتضاءل حجمه بل زاد". ومن خلال خبرتي الشخصية في ميداني العمل الطبي الجراحي والكتابة لاحظت أمراضاً جديرة بالتنبيه عليها والإشارة إلى خطرها. فالحسد بين زملاء المهنة الواحدة يصل في بعض مراحله إلى تدمير العمل الجماعي من خلال الكيد والحفر والحسد لبعضهم البعض. وأحياناً يتعجب المرء وهل يمكن أن يعمل الحسد بين الأطباء أو المفكرين وهم من الشرائح الفكرية الاجتماعية الراقية؟ والجواب أن مقدار المرض بمقدار الذكاء. فالذكاء وحده لا يقود للخير بل قد يكون مصيبة على صاحبه ومع فرط الذكاء قد يكون الخبث والأذى. وهكذا عندما نسمع ببعض المعارك بين أصحاب القلم أو سرقة أحدهم كتاباً كاملاً ونسبته لنفسه يتعجب الإنسان هل يمكن أن يحدث هذا والجواب نعم لأنهم بشر ممن خلق وعندما يبقون حرفيين فإنهم لا يختلفون عن أي مهنة أخرى فلا يختلف طبيب عن ميكانيكي سيارات ولا يتميز كاتب عن أي مهني. وهناك في دماغنا المتوسط مكان خاص للعواطف متصل بالفصوص الأمامية من الدماغ بمعنى أن الذكاء وحده لا يهدي إلى سواء السبيل بل لابد من مزجه بجرعة من الحكمة. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. ووصف الله نبيه أنه آتاه الكتاب والحكمة. ومن الأمور الجميلة التي قرأت عن ابن خلدون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عزل زياد بن أبيه عن العراق وكان من أذكى العرب فقال له يا أمير المؤمنين: أ لعجز أم خيانة؟ فلم يكن يتصور عزله إلا بهذين السببين. ولم يخطر في باله شيء آخر يدل على عبقرية الفاروق عمر. فقال له لم أعزلك لكليهما بل كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس. ويعقب ابن خلدون فيقول إن الحاكم يجب ألا يكون مفرط الذكاء لأنه سيتعب من حوله. ويبدو أن كل حقل في الحياة فيه الاستعداد للإصابة بمرض ما فهو قانون وجودي على ما يبدو. وفي خلايا النحل يتسلط القراد وهو نوع من الفطريات فيهلك الخلية. وفي الهندسة تعتل البناية مع الوقت فتتشقق. وفي البيولوجيا نصاب بأمراض خفيفة مثل الرشح أو المزمنة مثل القصور الكلوي أو الخطير المهلك مثل السرطان. وفي عالم النفس يبدو أننا نصاب بأمراض من مثل هذه المستويات الثلاثة ولعل من أخطرها مرض الكبرياء والغرور والانتفاخ الفارغ مقابل التحلي بالزهد والقناعة والتواضع وجاء في الإنجيل (الكبرياء تسبق السقوط) و(من يضع نفسه يرفعها ومن يرفع نفسه يضعها) بمعنى أن التواضع يرفع الإنسان والغرور والكبرياء يدمرانه. وفي الحديث القدسي عن الله تعالى: أن الكبرياء إزاري والعظمة ردائي فمن نازعني إياهما قصمته ولا أبالي. ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. والغرور مرض يدل على قلة العقل والحماقة وعدم النضج و ينفر الناس وكل إنسان معرض للإصابة به وهو مرض خطير لا يتفطن له صاحبه ويعلم به كل من حوله مثل رائحة المتعرق. والخلاص منه بكلمتين تذكران الموت والبلى اللذين لا يبقيان شيئا. وأن يتذكر الإنسان ما في أحشائه من القذارات ومن أي قذارة خرج.

الطالع السعيد
11/04/2004, 03:43 AM
الطبق العاشر (هل العاطفة ذكاء ؟ ):

منذ مائة عام تم الكشف عن طرق لتحديد الذكاء عند الناس وأصبحت طرقا يعتد بها وتقرر بواسطتها مصائر الناس وأنا شخصياً أتذكر أنني أردت التقدم إلى وظيفة في أوروبا فخضعت لهذا الامتحان ولفت نظري دقته في اكتشاف مواهب الإنسان إلى درجة أن عقلي بدأ يشتغل على ثلاثة محاور فمن جهة كان لابد من التركيز على اللغة التي هي ليست اللغة الأم بالنسبة لي فكان الحديث باللغة الألمانية. وثانياً حصر الذهن للإجابة على الأسئلة التي تعتمد الذاكرة والنباهة والبديهة. وثالثاً أمتعني الفحص فبدأت أسخر ذاكرتي لحفظ طرائقه. ولكن المفاجأة أن علم النفس بدأ يكتشف بحراً غنياً لم يتم كشفه عند الإنسان. فقد عمد (هوارد جاردنر Haward Gardner) العالم السيكولوجي بكلية التربية بجامعة هارفارد إلى بلورة مفهوم جديد للذكاء صدر ذلك في كتاب بعنوان (أطر العقل Frames of Mind) حيث رأى أن المدرسة السابقة التي أسسها (ستافورد ـ بينيه Staford-Binet) لا تتناول إلا حيزاً من اكتشاف شخصية الإنسان ومهاراته. وظهر واضحاً ومن خلال إحصائيات مدروسة أنه ليس كل من نال فوق 120 من فحص الذكاء المرموز له (IQ) سيكون ناجحاً في الحياة. والجانب الجديد الذي كشف النقاب عنه جاردنر هو أن ذكاء الإنسان ليس ثلاث زوايا من المنطق والعمليات الحسابية أو البراعة اللفظية بل هناك حسب ما كشف عنه جاردنر ما لا يقل عن سبعة جداول معرفية تكشف ذكاء الإنسان وأهمها الجدول الاجتماعي أي النجاح في بناء العلاقات الإنسانية وكما جاء في كتابه: (إن الذكاء في العلاقات المتبادلة بين الناس هو القدرة على فهم الآخرين وما الذي يحركهم وكيف يمارسون عملهم وكيف يتعاون معهم) وفيما يتعلق بذكاء الشخصية الاجتماعية وتميزها حدد أربع مواصفات: (القيادة والمقدرة على تنمية العلاقات. والمحافظة على الأصدقاء. والقدرة على حل الصراعات. والمهارة في التحليل الاجتماعي) ويقول جاردنر إن الفروع السبعة من الذكاء ليست إلا حقولاً بدائية لاكتشاف مواهب الإنسان وهناك في الواقع أكثر من عشرين بوابة لاكتشاف الذكاء الإنساني. والذكاء الأكاديمي لا يعد المرء لتقلبات الحياة المخيفة والذكاء الفعلي كما يقول صاحب كتاب الذكاء العاطفي (دانيل جولمان) هو أن: (تكون قادرا على حث نفسك باستمرار في مواجهة الإحباطات والتحكم في النزوات وتأجيل إحساسك بإشباع النفس وإرضائها والقدرة على تنظيم حالتك النفسية ومنع الأسى أو الألم من شل قدرتك على التفكير وأن تكون قادرا على التعاطف والشعور بالأمل). ومن الأمور التي أظهرت صحة هذه النظرة أن خمسة أطفال من المتفوقين في فحص الذكاء ونالوا فيه 125 ـ 133 لم يحظ إلا واحد منهم بتفوقه في ثلاثة مجالات. وتفوق واحد منهم فقط في التفاهم الاجتماعي. ولكن مشكلة هذا الكشف الجديد أنه غامض بعض الشيء وليس له اختبارات واضحة كما أنه لم يفرز هذا الذكاء عن (المعرفة واللغة) فلم يصل إلى لب المشكلة كما يقول جولمان. ولقد حاول تلميذ جاردنر وهو (بيتر سالوفي) أن يعين خمسة أشكال من هذا الذكاء هي الوعي بالنفس وإدارة العواطف ومنها القدرة على تهدئة النفس وتحفيز النفس أي توجيه العواطف في خدمة هدف ما والتحكم في الانفعالات والتقمص الوجداني أي التعرف على عواطف الآخرين. وأخيرا توجيه العلاقات الإنسانية وتطويع عواطف الآخرين، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.

(يتبع)

الطالع السعيد
13/04/2004, 11:58 PM
الطبق الحادي عشر ( الحرب من وجهة نظر علم الطب):

يقول برتراند راسل الفيلسوف البريطاني في كتابه "السلطان" إن أفعى البوا إذا التهمت فريستها نامت أشهرا براحة. ولكن كزركسيس ملك الفرس الذي قام بحملته العسكرية في القرن الخامس قبل الميلاد على اليونان لم يكن بحاجة للطعام أو الزوجات أو العز والجاه. وهو يأكل كل يوم ما تأكله أفعى البوا في سنة. ويحاول الفيلسوف أمام ظاهرة الحرب والقوة اكتشاف الدافع أو جهاز التحريك الأساسي في غرائز الإنسان. وبالفعل فقد حاول العديد من العلماء سبر غور الإنسان بحثاً عن الغريزة أو المحرك الأساسي للإنسان في الحياة فاختلفوا وما زالوا فالإنسان أعقد من كل ماكينات العالم. فأما مدرسة التحليل النفسي فقد انقسمت بدورها إلى آراء وحسب فرويد فما يحرك الإنسان مشاعر الجنس، وحسب آدلر روح المنافسة والتفوق. وهذا يلقي الضوء على الحرب الطاحنة التي اندلعت في ربيع 2003م على أرض العراق حينما بدأت أمريكا تحاول التهام البلد. وقد يكون أحد الدوافع وضع اليد على البترول ولكن قد يكون من غطرسة الروح الإمبراطورية فهذه عقدة ليس لها حل. وهو سر أشار إليه كاتب أمريكي. وهو كذلك نهاية التحليل الذي قدمه أوري أفنيري الصحفي الإسرائيلي السلامي عن دافع حرب 1991م حينما وصل إلى قريب من هذه الحقيقة. وقد يكون خلفها تحريض اليهود، وكلما أشعلوا نارا للحرب أطفأها الله. وقد يكون طرف منها كراهيات شخصية وأحقاداً موروثة يقاتل من أجلها جنود بسطاء لحساب طواغيت عتاة ليس لهم في النزاع لا ناقة ولا جمل كما يقول المثل. وفي القرآن تأكيد على الاستقلالية الفردية أن الإنسان يأتي يوم القيامة فردا ويزحف الناس فرادى كما خلقهم الله أول مرة ولا ينفع حميم حميما يود أحدهم لو يفتدي بأمه وأخيه وفصيلته التي تؤويه. وأهمية هذه الفكرة كما ورد في القرآن الكريم أن الإنسان يجب ألا يتبع ما ليس له به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. وتحرير هذه النقطة يقود إلى تحرير الإنسان من سيطرة شياطين الإنس والجن. والمهم يمكن استخدام علم الطب وتوظيفه في ظاهرة الحرب. وهناك مرض عجيب هو التعظم حيث يتعرض كل جرح أو أذية في الجسم إلى عظم وهي حالة يصاب بها شخص واحد في أمة تعد بالملايين. ويدرس طبيب في فيلادلفيا هذا المرض حاليا وقد تم التوصل إلى معرفة أن هناك بروتيناً هو المتسبب في المرض اسمه BMP-4 وأن كثرته في الخلايا تفضي إلى المرض وقال الطبيب لو عرفنا مضاده للجمناه. وبالفعل اكتشفوا المادة المضادة له واسمها نوجين ولكن المفاجأة كانت أن القضية ليست مثل السيارة فيها محل لدعس البنزين وآخر للفرامل. بل إن هناك العديد من العناصر الأخرى المتراكبة أخذت أسماء مثل صماد.. سمورف.. ساني..شنوري.. بامبي.. وكلها بروتينات تقوم بالتأثر والتأثير المتبادل فيما بين بعضها البعض وهو يذكر بعناصر تخثر الدم الذي بدأ من عنصر فزاد عن 12 وكلها تؤثر ببعضها البعض. أو المسؤول عن ضغط الدم فقد عثر على أكثر من 200 جين تتفاعل لإرساء الضغط الدموي في حدوده الطبيعية. وهذا يعني أن أحدنا حينما تنكسر فيه عظمة أو يجرح بأي جرح بسيط ينجو من مرض التعظم الذي يعني تحوله إلى تمثال حي واقف مثل قطعة خشب متيبسة لا يستطيع الجلوس أو إلى تمثال يتحرك بيدين ثابتتين وفم مغلق لا يفتح أو مفتوح لا يغلق. وشاهدي من هذا العرض الطبي أن ظاهرة الحرب تشبه المرض تماماً فهي ظاهرة معقدة ومن التسطيح أن تبسط ويقال إن سببه عنصر واحد.

(يتبع)

الطالع السعيد
15/04/2004, 02:24 AM
الطبق الثاني عشر (انتهت الحرب ولكن لم يفهم العرب بعد ):

في صباح 16 يوليو 1945 انتهت الحرب عندما انفجر السلاح النووي التجريبي في آلامو جوردو بعد أن وضع الإنسان يده على وقود الشمس فأشعلها على الأرض بدرجة حرارة 100 مليون درجة مئوية. عرف العلماء أن الحرب وضعت أوزارها ولكن السياسيين المنافقين لم يفقهوا هذا التطور يومها. وهم اليوم يراهنون على إبقاء العالم تحت امتيازاتهم لآخر لحظة كما يفعل طغاة العالم الثالث بعد أن لم يبق مكان للطغيان. وهذا الكلام يعني تصديق مذهب ابن آدم المقتول لأنه لم يدافع عن نفسه, وعندما اختلف ولدا آدم قال أحدهما ليس من حل للمشكلة إلا بالقتل فطوعت له نفسه قتل أخيه. ويقول رشيد رضا في تفسير المنار إن كلمة (فطوعت) تعني أنها أخذت وقتا طويلا من الجدل الداخلي قبل الاستقرار على عزيمة القتل. أما الثاني فقال لن أحل المشكلة معك بالقتال والقتل ولو نويت على ذلك ومددت يدك إلي (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك أني أخاف الله رب العالمين) . وقال الأول سوف أدمرك (لأقتلنك). بعد هذا نشأ دينان أو مذهبان في التاريخ لحل المشاكل من يؤمن بالضرب والحرب والقتل ومن يؤمن بالحوار والسلام. وبينهما نشأت مذاهب عديدة مثل نظرية الضابط الألماني (كلاوسفيتز) الذي كان في عهد الجنرال المشهور (فون مولتكه ) وكتب كتابه الشهير (عن الحرب) بحيث اعتمدته كل الكليات العسكرية في العالم واعتبر كتابا تأسيسياً لفهم علاقات البشر. والكتاب ينص على قاعدة أساسية أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل جديدة. والهدف منها تطويع إرادة الخصم لإرادتنا. أي أن السياسة تريد لي ذراع الخصم فإن لم تنفع كسرنا رأسه بالهراوة. والسؤال مرة أخرى لماذا يتحارب البشر ولا يحلون مشاكلهم بالحوار والتفاهم وهناك متسع للجميع؟ وعندما تقاتلت روما وقرطاجنة في العالم القديم على السيطرة في حروب مدمرة استمرت قريبا من قرنين استنزفت الطرفين إلى حافة الدمار وكان يمكن أن يحدث العكس وهو تعاون الطرفين على اكتشاف العالم وتقاسم الخيرات بينهما وعلى العالم كما يفعل الروس والأمريكان حاليا. وبدلاً من تدمير أساطيل لا تنتهي في الحرب كان يمكن إرسال عشر معشارها لاكتشاف أمريكا بسبق ألف وخمسمئة سنة ولكن لماذا يجن الناس؟ إن الحرب لا عقلانية كما يقول الفيلسوف والفيزيائي (فيرنر هايزنبرغ). إنه الجشع الإنساني وقلة العقل وضعف التربية الذي أورث العداوات وفجر الحروب. ولم تهدأ إلا بين الكبار وعندما أخذت تطورا نوعياً وليس بسبب أخلاقي بل بسبب تطور آلة الحرب التي تجاوزت حجم مليون ديناصور. وأمام الجنس البشري الكثير حتى يتعلم من حماقاته وتسمو مداركه. ويبدو أن الجسم يمرض وسببه جرثومة أو فيروس. والمجتمع يمرض بالحرب من خلال وحدة مرض مختلفة هي الفكرة الشريرة. والحرب هي آخر المطاف في علاقات التوتر بين الناس. والكراهيات هي الجذور العميقة لتفجر النزاعات المسلحة. ولذا فإن الحرب تبدأ في الرؤوس قبل استخدام الفؤوس كما يقول عالم النفس السلوكي (سكينر). والحرب هي قتال جماعة لجماعة ولكن الحرب لا تنفجر من فراغ بل من تصورات ومخاوف. ويحلل العسكري الفرنسي فيكتور فيرنر في كتابه الحرب العالمية الثالثة ـ الخوف الكبير, الظروف التي ولد فيها قرار الحرب في عام 1914م على حين غفلة وبسرعة غير معقولة مثل عمل المجانين تماما. إن العالم تطور مع ألوان مرعبة من المعاناة ومع تطور السلاح ووصوله إلى الذروة توقف عن التطور لأنه لم يعد بالإمكان أن يتطور أكثر. ويروى عن القائد البريطاني هوراس نيلسون الذي حطم أسطول نابليون في معركة أبي قير عندما رأى كمية القتلى تأثر, فلم يكونوا يعرفون الحرب الشاملة وخلال ساعات مات من الفرنسيين حوالي 1700 عسكري ومن الإنجليز أقل وربما وصل العدد الإجمالي إلى 3500 قتيل في ساعات فأصيب الطرفان بالرعب من حجم الخسائر واليوم تعتبر هذه الخسائر لاشيء. فأين عينا الجنرال نيلسون لترى تطور الأسلحة الحديثة؟

(يتبع)

الإباضي
15/04/2004, 03:22 AM
بارك الله فيك على هذه المواضيع القيمة...

الطالع السعيد
16/04/2004, 03:36 PM
بارك الله فيك على هذه المواضيع القيمة...

اتمنى ان تكون هذه الاطباق مفيدة للقراء

الطالع السعيد
16/04/2004, 03:39 PM
الطبق الثالث عشر (من أسرار النوم العجيبة ):

في عام 1924م استطاع طبيب ألماني هو هانس بيرجر أن ينتبه إلى دراسة كهرباء الدماغ فعمد إلى صبي لف رأسه بلفافة فضية أوصلها بأسلاك كهربية ثم بدأ بالإصغاء إلى ما يقوله الدماغ. ولدهشته فقد اكتشف أن الدماغ بحر لجي تتكسر أمواجه على شواطئ الجمجمة فنسمع طرفا من موسيقاه الخفية. ثم اكتشف أن هذه الموجات شتى فمنها البطيء ومنها السريع على أربع أنغام ألفا وبيتا وتيتا وأخرى. ولكن الأعجب هو ما اكتشفه الأمريكي ناثانيل كلايتمان ومساعدوه أويجن أسيرنسكي وويليام ديمنت عام 1953م عن حركة عجيبة للعينين وبسرعة وفي لحظات مع أن الأجفان مغلقة وكأن النائم يحدق في شيء مع أنه لا يبصر. ثم قام العلماء بمقارنة مخطط الدماغ الكهربي مع حركات العينين السريعة ليميطوا اللثام عن عالم جديد نعيشه هو عالم النوم. وكان كل الظن أن النوم هو راحة للدماغ. وأن النوم لا يعني الحلم لكل واحد. وأن الدماغ ينام على نحو واحد من الغيبوبة. وتبين أن المعلومات الثلاث خطأ. فالدماغ يعمل وهو في النوم سوى أنه يحول نشاطه من مستوى لآخر مثل من كان يركض فبدأ يتسلق الجبال. والحلم هو حقيقة لكل الناس. ولو لم ير بعضهم أحلاماً. وهي ميزة لكل الكائنات بما فيها القطط والكلاب والخيول. وثبت أن أعظم عذاب للإنسان هو حرمانه من النوم. وثبت ثالثاً وهو الأعجب أن الدماغ يسبح في النوم في معارج منوعة مثل من يمشي في معرض من جناح لآخر. والقصة على الشكل التالي فنحن حينما ننام ندخل في دورات تتراوح بين أربع أو خمس في كل ليلة. وفي كل دورة ننام حوالي سبعين إلى تسعين دقيقة فتكتمل الدورة. ونفس الدورة الواحدة المكررة تتكون بدورها من حلقات متدرجة نزولاً إلى العمق في أربع مراحل. بحيث أن الناظر إلى مخطط الدورات يرى أمامه أنها أشبه بموجات البحر فعلاً. تزداد تسطحا مع كل دورة جديدة. وعندما ندخل النوم ننحدر بسرعة ويمسك بنا العمق وكأنه الموت. وفي الدورة الأولى يكون النزول إلى قاع اللاوعي حادا وطويلاً خلاف الدورات الأخرى التي لا تهبط إلى هذا العمق من الموت من دون موت؟ وعندما يخرج الإنسان من الدورة الواحدة يحصل أعجب الأمور حيث يدخل في مرحلة الحلم وهي تستغرق في العادة عشر إلى عشرين دقيقة، تتكرر مع كل دورة، وفيها تتحرك العينان، وتسبح الروح فترى عالماً جديدا، وكأن حركات العيون تبحث عما افتقدته في النهار لتجده في ظلمات المنام. وبعد أربع إلى خمس دورات يكون الإنسان قد حلم أكثر من ساعة وشبع نوما. ولكن من يتذكر هو من يوقظ بعد كل دورة أو من النوع الذي يفيق بعد كل دورة. وأنا من هذا النوع فأرى الكثير من المنامات خلافا لمن حولي ليس لأنهم لا يرون، بل لأنهم يستغرقون في النوم، فتفوتهم هذه الرؤى المدهشة التي تحفظها الذاكرة.

(يتبع)

الطالع السعيد
20/04/2004, 02:10 PM
الطبق الرابع عشر (حوادث الطرق ):

يمشي على الأرض 500 مليون سيارة منها 200 مليون فقط في الولايات المتحدة. وتقذف أرحام المعامل من هذه الآلة القاتلة 120 ألفاً يومياً. ويموت من وراء تدفق هذه الدواب المعدنية إلى الشوارع كل سنة 40 ألف إنسان في أمريكا وحدها بمعدل قتيل كل 12 دقيقة. وقتل خلال القرن المنصرم 25 مليون إنسان أي أكثر ممن قتلوا في الحرب العالمية الأولى. إنها حشوة من رصاص بوزن 2000 كجم على الأقل. وخلال العشرين سنة الفائتة ارتفع عدد الإصابات بمقدار الضعف وانحدرت نسبة الوفيات إلى النصف بسبب وسائل الأمان. وما حصل في المملكة كان معكوسا عما جرى في أمريكا وظهر إلى السطح من إحصائيات القتلى خلال السنوات الفائتة ما ترتجف منه المفاصل. ونحن في حالة حرب غير معلنة ساحاتها الشوارع وضحاياها السيارات وما حوت والطرقات وما دب عليها من بشر وكائنات. إنها أسلحة مرخصة يطير السائق محلقاً منها إلى الأرض في أشلاء. وهي أشد أدوات القتل صرامة ومضاء في هذا العصر. إنها لكل المراهقين والعابثين والمتهورين والمسرعين والجاهلين أداة قتل بها يقتلون الناس أو يؤذونهم على مدار الساعة. وعندما بدأ اختراع السيارة استبشر الناس خيرا إنها أداة راحة لنقل العباد، والذي تبين أنها تنقلهم إلى الدار الآخرة في صورة دماء تسيل ودماغ يندلق من القحف. وكان أول قتيل في هذه المعركة (هنري ليندفيل) عام 1898 م عندما استقل سيارته فرحاً بين لندن وبرايتن. وكان أول من لفت النظر إلى خطورة هذه الدابة (رالف نادر) فخرج على الناس بمقال أفزع الرأي العام أن المصائب سببها ليس فقط السائق بل نوعية السيارة ووسائل الأمان فيها فكتب بعنوان (غير آمنة وفي أية سرعة) وشنت شركة (جنرال موتورز) حملة بغرض تشويه سمعته وجرت مطاردته في أروقة مجلس الشيوخ بعناصر استخبارات وصدر عام 1967 م أول قانون اتحادي لإجبار شركات السيارات على الانصياع لقواعد السلامة. أما (لاري باتريك) فقد هزته أحداث الفواجع في الطرقات وكان متخصصاً في (الميكانيكا الحيوية) فتطوع بنفسه في إجراء تجارب الصدم على نفسه لمدة ست سنوات بأكثر من 200 تجربة وفي إحداها كاد يهلك بصدمة على الصدر. يقول الدكتور (أندرو برجس) المختص بحوادث الطرق: إن الارتطام ليس واحداً بل ثلاثة. السيارة تنطح السيارة. والسيارة تطحن الضحية داخلها. والأعضاء الداخلية ترتطم بأقفاصها الخارجية مثل القلب الذي يصطدم بالأضلاع والمخ بالقحف وهكذا. ويشبه (لي شيورد) البريطاني الذي يقوم بالتمثيل الحي لحوادث الطرق على نفسه من خلال سيارة معدة للارتطام المخيف في أفلام جيمس بوند أن أحدنا في الحادثة يشبه حبة العنب التي ترج لأقصى حد في مرطبان زجاج. وهو يخاف من طرقات بريطانيا أكثر من تجربة المجازفة. ومن الغريب أن التجارب التي جربت على الجثث أثبتت أن الجمجمة عندنا تتحمل صدمة تفوق 400 مرة سرعة الجاذبية بصدمة 4000 رطل للحظات. وتقول الاختصاصية (أليسن سمايلي) من جامعة دين في ديترويت إن الإنسان مع السرعة تتضاءل ساحة نظره إلى ثقب قطع معدنية تركز في فترة عشر الثانية قبل الانتقال لأخرى. وعندنا زمن لا يزيد عن ثانية ونصف الثانية للتحكم بالسيارة. وهي عمليا مسافة 135 قدما بسرعة 60 ميلاً في الساعة. ومع حماقة الإنسان بدأت التكنولوجيا تصمم سيارة عاقلة لا تستجيب لمزاج السائقين المتهورين فتقيس السرعات والمسافات والأرض فلا ترتطم وقد قامت جامعة كارنيجي ميلون في أمريكا بدفع سيارة تمشي 5000 كلم دون حادث واحد ولحقتها شركة جنرال موتورز فدفعت إلى الشارع بمجموعة منها. وتبقى النصيحة التي لن يسمعها أحد: القيادة بهدوء وحذر، فالسرعة أم الحوادث والطيش أبوها.

(يتبع)

مهنا بن راشد السعدي
20/04/2004, 06:14 PM
جزاك الله خيرا

الطالع السعيد
22/04/2004, 01:42 AM
مرحبا بك يا اخي في الموضوع

الطالع السعيد
22/04/2004, 01:49 AM
الطبق الخامس عشر (نزهة الفيلسوف ):

من عادتي أن أخرج لنزهة الفيلسوف كل يوم كما كان يفعل الفيلسوف "كانت" فكان الناس يربطون ساعاتهم على خروجه. ولم يتأخر قط إلا في يوم واحد حينما وقع تحت يديه كتاب جان جاك روسو عن التربية الاستقلالية فالتهمه في يوم وبعض يوم. وهذه القصة التي رويتها لصديقي كانت ونحن نخرج للتفسح على طريقة الفلاسفة الرواقيين الذين كانوا يفضلون تطارح الأفكار في الهواء الطلق في رواقات ممتدة طويلة للمشي. وأتذكر من طفولتي عندما كنت أساعد والدي في عمله في الدكان أنه كان في أيام العيد يبيع نوعا من السكاكر زهيد الثمن رديئا قاسياً على العض وكان هذا معروضا بوفرة في مقدمة المحل في أوعية كبيرة في الوقت الذي كان يبيع من داخل المحل سكاكر فاخرة طرية المأكل أنيقة التغليف في علب جميلة فكنت أتعجب وأنا طفل من ذلك فأسأله عن السر؟ كان يقول لي: يا بني هذه السكاكر التي في الداخل كما ترى قليلة ليست مثل التي في الواجهة الكثيرة. فالموضوع ببساطة أن أهل المدينة عندهم من المال ما يشترون هذا الفاخر. أما أهل الريف فهم فقراء ولذا فهم يشترون الرخيص ومحلنا لا يعيش على العائلات القليلة في المدينة بل الكم الكبير من أهل الريف الذين يستهلكون الكثير من هذه السكاكر الرديئة. وهي لنا رديئة أما لهم فهي أجود من الجيد فأسنانهم طاحنة ومعدتهم هاضمة وهم يكدحون طول النهار في الحقول. وكان سبب روايتي للقصة قول صديقي إن فلاناً لمع في الفضائيات دون أثارة من علم. قلت له إن الميديا رهيبة فهي تلمع التافه وترفع الوضيع وتظهر على الشاشة الرقيع الذي يجيد الحكي والثرثرة. وهناك من الثرثارات والثرثارين الذين لا يعرفون العلم ولكنهم مصدر ثقافة لقوم لا يعقلون لأنهم (شاطرون) في الحكي! والمفكر يعصر دماغه ثم يخرج الكلمات. والببغاوات تكرر الكلام بسرعة بدون أن تفهم. والمهم هو شكل يعجب الناس وحنجرة تقرقع وصوت عالي الطبقة ونفاق بدون حدود. والبارحة تصفحت مجلة لأن فيها مقالة لكاتبة لا بأس بها وليس من عادتي تصفح المجلات لأن الكثير منه سخف لغو ومضيعة للوقت والكثير ممن يكتب لا يتعب على بحثه ومصادره هزيلة وليس في جعبته ذلك الزاد المعرفي. كما أنه ليس من عادتي مشاهدة المحطات الفضائية. وكلما أصغيت إلى صياح وزعيق المتكلمين وتبادلهم الشتائم والتشكيك وتفاهة المعلومات وضحالة المستوى أتندم على الوقت الذي أضعته معهم. وأعرف أن العالم العربي هذه الأيام قد كسفت شمسه وخسف قمره من تاريخ العالم. ولذا فأنا في نهاية نهاري ألجأ إلى قناة الديسكفري بعد يوم مليء بالبناء المعرفي فأجد فيها علماً مكثفاً مفيداً ويأتي مترجما وهم يصرفون على برامجهم بسخاء فيربحون اكثر. ولكن مشكلته أن فيه اشتراكاً بمبلغ كبير. وأنا علمت نفسي ألا أبخل في العلم فأنفق بدون تردد وبسخاء لأنه أعظم استثمار. والمهم فعندما تصفحت المجلة المذكورة وقع نظري على كاتبتين وأحيانا على كتاب ذكور حتى لا أتهم بالعنصرية، وأرى أنهم قد كتبوا أو كتبن كلاماً نثريا على أساس أنه شعر حديث. فقلت في نفسي هل لو أتينا بطالب ثانوية متوسط المستوى من أي مكان سيكتب أقل من هذا؟ إنها العلاقات على ما يبدو أكثر من الكفاءات. وفي أمريكا قامت مجلة بتجربة فريدة حين استقبلت المقالات مفصولة عن الأسماء للتقييم لتكتشف أن أفضل المقالات كانت من أناس مجهولين ومن شابات في مقتبل العمر ومن أوساط بسيطة. والمهم فاليوم يقبل الناس على استهلاك التافه والرديء من المحطات الفضائية كما كان والدي يبيع السكاكر الرديئة مضطرا لأن هذا الذي يشتريه الناس وعليه يقبلون ومن زاده يتغذون.

(يتبع)

الطالع السعيد
22/04/2004, 10:11 PM
الطبق السادس عشر (مرض فقدان الذاكرة الزهايمر ):

(مواجهة) الشيء غير (توقع) الشيء أو القراءة عنه وهو ما حدث معي عندما اجتمعت بعائلة أصيب أحد أفرادها بهذا المرض. وكنت قد سمعت بهذا المرض وقرأت بعض الشيء عنه وصاحبه أي اسم مكتشفه هو طبيب ألماني اسمه (ألتس هايمرAltzheimer). وباعتبار أن هذا المرض لا يعود للحقل الذي أعمل فيه فلا نواجهه يومياً ولكنني باعتباري أهتم بالوجود بكل تظاهراته فقد تأملت بخشوع وبكثير من التأثر المريضة. وأهم ما في المرض أن حامله لا يظهر عليه المرض من الوهلة الأولى سواء في مظهره أو لباسه فهو يسلم عليك ويلبس لباسه عادياً ويأكل ويشرب كما يفعل الناس ولكن مشكلته في (الذاكرة) ويمر في مراحل. وتمسح الذاكرة تدريجيا كما يحدث في أقراص الكمبيوتر(ديليت Delete ). قالت السيدة التي قابلتني وهي تروي عن والدتها إنها أحياناً تظنني أمها وأحياناً تصحو فترجع وتعرف أنني ابنتها. وهي الآن عندما تنظر إلى الزجاج تظن أن هناك أشخاصاً قادمون وهي لا تزيد عن ظلال. وبينما هي تحدثنا دخل قوم آخرون علينا فسلمت عليهم ثم عادت فسلمت علينا. قالت ابنتها لقد نسيت أنها سلمت عليكم وهي تسلم عليكم الآن مجددا باعتباركم جدداً عليها فقد نسيت أنها تعرفت عليكم قبل لحظات. قلت لها هل إذا خرجت من البيت تستطيع العودة مجددا إليه. قالت لا إذا خرجت من البيت لم تعد تهتدي إليه أبدا حتى نأتي فنأخذ بيدها ونقودها إلى غرفتها فتتذكرها بعد حين؟ قلت لها هل تؤذي أو هي عدوانية قالت لا. قلت وهل تستطيع أن تقوم بالأعمال المطبخية مثلاً فتساعدكم في تقطيع البصل أو الطماطم؟ قالت أما البصل فهي تقوم بنزع القشرة الرقيقة الداخلية عنه قبل كل شيء أما الطماطم فهي تسعى بكل طريقة أن تنشف ما بداخلها من ماء. وفي يوم كانت في حوض الغسيل إسفنجة فظنتها قطعة لحم. قالت البنت بصبر إنها باختصار فقدت الذاكرة القريبة كلية والأمر يزداد انتكاسا مع الوقت. ونحن نعرف أن الذاكرة أنواع فالقريبة لا بد منها لتدبير أمورنا ومع تقدم السن تزداد الذاكرة البعيدة حدة. قلت لها كيف وضع الذاكرة البعيدة هل تتذكر الأشياء القديمة؟ قالت كانت كذلك في البدء ثم بدأ المرض يفترس هذا الكنز أيضاً بالتدريج. وأصبح الدماغ مفككاً إلى حد خطير. قالت في البداية لم نعرف ماذا حدث لها تماما ولكن الأطباء تبين لهم أنها دخلت حلقة المرض تماما. ثم تابعت ابنة المريضة وعلى وجهها الحسرة إن أمي ترجع تدريجياً إلى عهد الطفولة بدون طفولة؟ وكانت في البدء تتذكر أمها وهذا بدأت تفقده تدريجياً. كانت البنت مشغولة بها طول الوقت للإجابة على أسئلتها مثل طفل السنتين عندما يتعرف على العالم فيسأل عن كل شيء جديد؟ ولكن مشكلتها أنها تنساه لتسأل عنه من جديد فالذاكرة أصبحت غربالاً لا تمسك شيئا، وخرجت من المنزل والبنت تقول لها سنخرج بعد قليل اطمئني. كانت المريضة تقول لابنتها يا أمي متى نرجع إلى البيت؟ فقد انقلبت البنت في نظر المريضة إلى أم لتخسر ذلك بعد لحظات فتنقلب العلاقة وتعرفها أنها ابنتها ومن جديد تنسى ثم تتذكر أنها ابنتها. وباختصار لقد ضاعت المريضة في عالم من ضباب الذاكرة فلا تفسر شيئا أو تمسك شيئا.

(يتبع)

الطالع السعيد
23/04/2004, 04:09 PM
الطبق السابع عشر ( كيف يبرمج بنو آدم؟ ):

يتشكل الإنسان بشكل جوهري في مرحلة ما قبل المدرسة فيتبرمج في خرائط ذهنية لا فكاك منها ويخطئ من يظن أن المدرسة هي التي تشكل الإنسان. والواقع أن الإنسان حينما يأتي إلى المدرسة يكتمل البناء الذي تشكل وانتهى بأقوى من خرسانة بناء مسلحة. وهذا يحدث ضمن سجن من أربعة أسوار من (البيولوجيا) و(التاريخ) و(الثقافة) و(الجغرافيا). ويشكله المجتمع بأقوى من صهر الحديد في مصانع الصلب. فيخرج منا طائرة أو حاوية قمامات. وهذا يعني أن كثيراً مما نتصرف يحصل من خلال عالم (اللاوعي) الذي كشفه علم النفس التحليلي. والقرآن حينما يتحدث في أول سورة البقرة يخص المؤمنين بأربع آيات والكافرين باثنتين لوضوح الصنفين ولكنه يشرح المنافقين في 13 آية مما يجعل حصتهم أكثر بسبع مرات من حصة الكافرين. وهو يقول عنهم إنهم عندما يمارسون الفساد (لايشعرون). وعالم (اللاشعور) هو الذي يتحدث عنه علم النفس الحديث؛ فالإنسان مكون من ثلاث طبقات منضدة فوق بعضها البعض. في الأعلى (ما فوق الوعي) وهي رقيقة جداً وهي موضع التماع بريق الأفكار الإبداعية الفجائية. وطبقة (الوعي) وهي تمثل 5% من كياننا النفسي وهي تشبه ضوء المنارة على ساحل المحيط عندها القدرة في تركيز الضوء على بقعة محددة لوقت محدد مثل تجميع الأشعة في الليزر. فإذا انقضت تحولت المنطقة إلى ظلام دامس. وتحتها طبقة (اللاوعي) التي تمثل 95 % من طاقاتنا العقلية التي تحركنا من حيث (لا نشعر). وعالم (اللاشعور) يمثل المحيط الواسع الذي يضم شخصيتنا. وفيه مستودعات (الخبرات) و(العواطف) و(الأخلاق) و(العقد النفسية). ومن ظلماته تتشكل الأحلام فنعيش حياتنا الثانية. ونحن في العادة نقود السيارة ونشرب فنجان القهوة ونزرزر قميصنا برتابة آلية. والروتين سيئ ورائع في نفس الوقت. لأنه بقدر ما يقتل الإبداع بقدر ما يريحنا. ولو كان إفراز الهورمونات وخفقان القلب مرتبطين بالفكر لسقط العقل في شباك الطبيعة العمياء. وحتى الكلام يسيطر عليه (اللاوعي) مع أنه أكبر تجليات الوعي. فنحن حينما نتكلم لا نفكر كيف تمر الكلمات من الدماغ إلى جهاز الصوت، ولو فكرنا في كيف نفكر لانقطع كل تفكير. ولو تأملنا جسدنا لرأينا فيه تداخل ثلاث مستويات بنفس اللحظة من (الإرادة) و(نصف الإرادة) و(اللاإرادة) وهو تحليل تقدم به المؤرخ توينبي عن معنى حرية الإرادة في تشكيل التاريخ. والكلية تنظف الدم على نحو أعمى دون تفكير، ويمكن أن نحبس أنفاسنا لدقيقة. ولكننا نتميز عن النبات والحيوان، فالنبات ينمو ولكن لا يعرف لماذا ينمو أو كيف ينمو بل هو في قبضة قوانين آلية. وتعرف القطة كيف تبحث عن طعامها ولكنها لا تملك تعليل ملوحة ماء البحر. كما لا يقدم الكلب على الانتحار ولم نر شجرة أضربت عن الطعام وأعلنت الصيام ولكن الإنسان يفعل ذلك. وهكذا فهناك كيانان رئيسيان يتحكمان بنا ولكنهما متصلان على شكل طريق أحادي الاتجاه في الغالب. مثل السيالة الكهربية التي تمر عبر الوشيعة متحولة من تيار ذي قوة إلى تيار مختلف القوة. والوعي هو الذي يشحن أولاً فإذا تشبع نقل الفكر إلى اللاوعي. وهذا التيار مستمر على مدار الساعة كما يشحن الدينمو بطارية السيارة. ويتدفق تيار المعلومات باتجاه واحد كما في السيالة الكهربية عندما تمر في محول كهربي من قوة 110 إلى 220 فولت. وما يصل إلى أرض (اللاوعي) ينحبس فيه ويتحول إلى قوة تشغيل خفية.

(يتبع)

الطالع السعيد
26/04/2004, 03:00 AM
الطبق الثامن عشر ( قصص ألف ليلة وليلة ):


يعتمد أصل القصص الألفية على حادثة معبرة عن مشكلة المرأة المركزية في المجتمع. فالملك شهريار جاءه أخوه ليشكو له خيانة زوجته. ولكن أخاه بدوره اكتشف خيانة زوجة الملك شهريار. ومن هنا تبدأ حبكة الروايات الألفية فالرجلان انطلقا في الأرض ليريا مصيبة رجل آخر أكبر من مصيبتهما. حتى كان اليوم الذي رأيا عملاقا يخرج برأسه من لجة الماء ثم يستلقي على الشاطئ بعد أن ينزل من رأسه صندوقاً احتفظ به لزوجته. وتخرج الزوجة من الصندوق لتطلب الفاحشة من الرجلين. فلما ترددا وقد ذاقا الخيانة كفاية هددتهما بإيقاظ زوجها العملاق فيقتلهما سوية. ثم لتقول المرأة إنه لا شيء يحجز المرأة عن الفاحشة إلا ضميرها. ويرجع شهريار إلى قصره وقد امتلأ حقدا على كل أنثى ليبدأ بالزواج كل ليلة من واحدة ويقوم بإعدامها في الصباح وتتوالى الأيام وتتعاقب الإعدامات. حتى قامت شهرزاد الذكية بحل المشكلة كما يفعل علماء النفس فتقدمت لتكون زوج الجبار. وفي الليلة الأولى تقفز إلى الواجهة أختها دنيازاد التي تطلب من أختها أن تروي حكاية. وتبدأ الحكاية الأولى برجل الأحلام الفقير. والحياة حلم وتحت أقدام كل واحد منا ثروة عليه اكتشافها. تقول القصة إن رجلاً غنيا في بغداد نكب في ثروته فأصبح من البائسين حتى كانت الليلة التي رأى فيها في المنام أن يذهب إلى مسجد في القاهرة فيعثر على ثروة. ولكن مصيره كان السجن بعد أن رابهم أمره وبحثه. وعندما جاءه رئيس الشرطة حدثه بمنامه فضحك منه جدا وقال لقد رأيت في المنام هذه الليلة ما رأيت ثم بدأ يقص عليه مكان بيت الغني البغدادي وهو يتعجب من دقة وصف بيته التعيس ثم أطلقه رئيس الشرطة بعد أن رأى فيه أنه لص أكثر من غبي. وعاد الرجل بسرعة على ظهر حماره ليفتش بيته وليعثر على كنز هائل. ولكن شهريار قطعت القصة من منتصفها ولم يكن بد للملك أن يؤجل حكم الإعدام حتى يعرف نهاية الحبكة. وهكذا توالت القصص قصة خلف قصة وقصة في قصة في منعرجات ذهنية ما لها من قرار. وعندما وصلت إلى قصة عاطف رقم 242 حكت قصة هارون الرشيد وهو يتصفح كتابا ثم يطلق ضحكة مجلجلة ويتعجب الوزير إلى درجة القلق والخوف من شدة ضحك أمير المؤمنين ثم لينطلق في سلسلة مغامرات لا نهاية لها وبعد عودة طويلة سارع إلى نفس الكتاب ليعرف ما كان خلف ضحك مولاه ليكتشف أنها كانت قصص مغامراته. وعند هذه القصة عفا الملك عن شهرزاد وتابعت قصصها حتى القصة الواحدة بعد الألف ليكتشف الملك أنه رزق بذرية منها. والقصة كما يقول علماء النفس تدخل إلى اللاوعي ويعشقها الأطفال وتقوم بترميم النفس المهدمة المحطمة المنشطرة والإجرامية كما حصل مع شهريار فقامت بعلاجه على نحو غير مباشر وجعلته إنساناً يحس بمشاعر الآخرين. ولا أصح من التلميح بدون تصريح. ولا أقوى من الكناية بدون المواجهة. ولا أفيد من الترميز بدون إفصاح. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

(يتبع)

الطالع السعيد
30/04/2004, 03:03 AM
الطبق التاسع عشر ( انقراض اللغات):

على وجه الأرض أكثر من ستة آلاف لغة بعضها كما في أستراليا لا يتكلمها أكثر من مئة شخص، وينقرض كل سنة العشرات منها. وفي آلاسكا كان السكان المحليون يتكلمون بعشرات اللغات واليوم لا يدرس الأطفال أكثر من لغتين. وفي أمريكا بين الهنود الحمر كان التواصل يتم بأكثر من 175 لغة واليوم لم يبق سوى عشرين. وفي بلاد القفقاس هلكت شعوب وانقرضت معها لغاتها ومنهم شعب (الوبيخ) الذي أرخته القصة المروعة (آخر الراحلين) ما قرأها أحد إلا وملأ الدمع عينيه وسال على وجنتيه.

وأنا أصبت بالصدمة لمدة أسبوعين عندما قرأتها. وأنصح كل واحد بقراءتها. وهذه الأمة لم يبق منها في النهاية سوى رجل واحد اسمه (زاورقان) عاش في تركيا في سنوات عمره الأخيرة وروى ملحمة شعب لم يبق منه من يقص خبرهم.
ومآس من هذا النوع يعج بها التاريخ الإنساني وليست جديدة. وفناء شعوب وارد في التاريخ. وفي يوم حمل ستالين كامل الشعب الشيشاني إلى مجاهل سيبريا. وفعل الآشوريون قريباً من هذا مع اليهود. ومسحوا شعوبا كاملة من الخريطة وسووا معظم مدن الشرق الأوسط بالأرض كما روى المؤرخ البريطاني توينبي في كتابه دراسة التاريخ.
وحكم المغول نصف العالم في يوم وهم الآن بقايا شعب ضائع متخلف في آسيا الوسطى. وقناة الديسكفري نقلت مكان عرش جنكيزخان الذي كان يرجف العالم منه فلم يبق منه سوى خمط وأثل والعرب خسفت شمسهم من التاريخ لولا القرآن العظيم الذي يتعلمه الهنود والإيرانيون والأكراد والأتراك حبا بالإسلام والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم أكثر من العرب! واليوم يوجد في الإنترنيت مشروع اسمه مشروع (حجر رشيد) ويسمى بالإنجليزية (روسيتا ستون Stone Rosita)
يحاول خبراء الكمبيوتر أن يضعوا قرصاً على شكل مجهري يضع الفصل الأول من التوراة المعروف بسفر التكوين في أكثر من أربعة آلاف لغة من اللغات المعروفة على وجه الأرض. وتمنيت من علماء الإسلام أن يفعلوا الشيء نفسه مع القرآن. والعرب والأتراك قصروا كثيرا في التاريخ حيث كانوا مقتدرين أيام العثمانيين فضيعوا فرصة تاريخية لا تعوض في الوصول إلى الأمريكيتين. وكان الأسطول العثماني يومها جبارا ولكن لم ينتبهوا إلى هذا الفتح المبين فخسروا لعبة التاريخ وفاز الفقراء الأوروبيون فوزا عظيما واليوم يكدس الأوروبيون في خزائنهم ثمانية قروش من كل تسعة قروش ونصف من ثروات العالم أجمع. والسؤال: هل انقراض اللغات جيد بمعنى أنه يدخل البشر إلى لغات جديدة وبالتالي يقربهم من بعضهم أكثر أم إنه سيئ لأنه مع اللغة تنقرض ثقافة كاملة وتجارب شعب ممتلئة وحكمة تراكمت عبر التاريخ من قصص وأساطير لا تنتهي؟ وسواء بكينا أم هللنا فإن العولمة تمضي بعجلتها الساحقة فتدمج البشر بعضهم ببعض ومعها تنطحن ثقافات كثيرة وفي جوفها لغاتها المحلية الخاصة. والشيء المحزن هو قصص هذه الشعوب فمع اللغة يندثر تاريخ هذه الأمة ما لم تحفظه اللغة الجديدة بدقة التي يتحول شعبها إليها كما في الهنود الحمر الذين التهمتهم اللغة الإنجليزية. ولكن من جانب آخر فإن اندماج البشر في لغات محدودة يجعل البشر أقرب. واليوم في كندا يحصل هذا الدمج الثقافي السلمي بصورة جميلة.

(يتبع)

الطالع السعيد
02/05/2004, 12:25 AM
الطبق العشرين ( القنوات الفضائية هذه الأيام؟ ):

سألتني قارئة متتبعة من الرياض عن القنوات الفضائية وفائدة قناة الديسكفري وخوفها على أولادها من القنوات المشفرة إذا فتحت لهم أن يتدفق مأجوج ومأجوج من طوفان الفساد عليهم فهم من كل حدب ينسلون. وجوابي أصيغه على الشكل التالي: لا يعني للطفل إن فتح كتابا أنه أصبح فيلسوفا. ولا إذا رسم مجنون خرابيط على ورقة أنه أصبح سيد العاقلين وإمام الفنانين. ومهما حصنت الطفل من شلل الأطفال فالوقاية الفعلية هي لقاح البوليو. ولا يعني وجود قنوات فضائية أنها سترفع مستوى الوعي فهي لا تزيد عن أداة تساهم في نشر الضلال عند الضالين ورفع الوعي عند الواعين. وحتى مع نزول القرآن ساخناً فلم يكن ارتكاس الناس واحداً. وذكر القرآن هذه الحالة النفسية مرتين في نهاية سورة التوبة فقال مرة أنها لن تزيد إيمان كل الناس: "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون" بل إن الآية لتحدث في المنافقين من النفور ما يتعجب منه الإنسان لولا أن القرآن ذكر ذلك فقال: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم (لا يفقهون). والكلمة الأخيرة هي بيت القصيد فعندما يسحب الفهم من القوم لا يستفيدون من القرآن وهو كلام الله المنزل والحقيقة النهائية التي ما بعدها حقيقة. ومن كان له أذنان تمتع بالموسيقى. ومن بلغ سعد بالزواج. والأصم لا يعرف ما هي الموسيقى. والطفل لا تعني المتعة الجنسية له أي شيء مثل شرح معادلة صعبة في رياضيات التفاضل والتكامل لفلاح أمي من ريف أفغانستان. والقنوات الفضائية العربية تعمل اليوم بنفس الطريقة. فهي تكرس الوثنية ونسمع عبرها ألفاظ لا ينطقها إلا وثنيون فهل عادت الأوثان إلى بلاد العربان؟ وقناة الديسكفري أتابعها منذ فترة فشعرت أنها تعرض برامج قد صرف عليها وبذل في إخراجها الجهد الكبير وينصح برؤيتها. مع هذا فالبناء المعرفي ليس له طريق مختصر أو سريع. والكتاب هو سبيل الوعي المنهجي. وكتابي بعنوان الزلزال العراقي لم يتجرأ الناشر من طباعة أكثر من 1500 نسخة منه. والعقل العربي الفارغ بالأصل يزداد فراغاً بهجوم القنوات الفضائية عليه مثل ضواري السفاري التي تتهارش على الغزلان المسكينة. والقناة التي يرتفع فيها الصوت أحب إليه فهي دليل الحياة. وما من حياة بل هو مصح أمراض عقلية يتبارى فيها مقدمو البرامج مع أنصاف المثقفين والمهرجين والفنانين والكاذبين السياسيين.

(يتبع)

الطالع السعيد
02/05/2004, 10:57 PM
الطبق الحادي والعشرين ( وميض العبقرية برق في سماء الفكر ):

كتب الفيلسوف (وايتهد) كتابا بعنوان مغامرات الأفكار. ونحن نعرف في التاريخ عددا من العلماء من لمعت العبقرية عندهم في لحظة صفاء فقنصت من الحقيقة قبساً.
ومن تاريخ مغامرات الأفكار نأخذ عينة تركت آثارها على الجنس البشري بختم لا يزول. وهم عينة من العلماء وصلوا إلى هذا الفيض العجيب من الأفكار والقوانين الجديدة تحت تأثير وميض عجيب في لحظة مباركة. منها سقوط التفاحة عند (اسحق نيوتن) التي أوحت له بفكرة الجاذبية وكان أبوه يأكلها أو يطعمها الحمار. وأوحى تراقص غطاء إبريق الشاي الذي يغلي إلى العالم (دينيس بابان) بفكرة ضغط البخار فتم استخدامه قبل مائتي سنة وسيرت على القضبان القطارات تحت تأثير ضغط الماء المغلي المحبوس. وكان كل الناس يرون تراقص غطاء إبريق الماء الذي يغلي فلم يفهموا منه سوى أن يقوموا فينزلوا الإبريق عن النار وما زلنا نفعل ذلك حتى اليوم ولم تكن كذلك لدينيس بابان. أما (آرشميدس) فقد جاءه الإلهام وهو في حوض الماء عندما انزاح الماء عن جسمه فأدرك في لحظة من وميض العبقرية قانون الطفو والوزن النوعي للذهب فركض من الحمام عاريا يصيح أوريكا أوريكا أي وجدتها وجدتها. ويعني أنه عثر على الحل والتفسير لتاج الملك هل هو ذهب حقيقي أم مغشوش؟ ومن قانون أرشميدس في الطفو تمشي اليوم سفن الحديد العملاقة في المحيطات وكأنها الأعلام. وفكرة اختراع ماكينة الطباعة جاءت لـ (يوهان جوتنبرج) وكأنها أشعة شمس نافذة تقول له ماذا يفعل؟ وكانت قبله فكرة بسيطة من أي خاتم عليه نقش يكفي أن يكبر سطح الخاتم إلى صفحة ويوضع عليه حبر ويطبع فوق صفحة ورق. هذه الفكرة البسيطة كانت قد أنهت نساخ الورق في بغداد بشكل خرافي ولكن وميض العبقرية يحتاج إلى شروط ووسط. وأما (ابن خلدون) فقد انتبه إلى قوانين الاجتماع خلال هدأة من الفكر استمرت خمسة أشهر في حياته الصاخبة التي استمرت 75 سنة بين تونس والأندلس ومصر ولولا هذه الأشهر المباركة الخمسة في قلعة عريف لما وصل إلى يدنا هذا الإنتاج الفذ الذي وصفه صاحبه بالحكم القريبة المحجوبة التي جاءته على نحو مفاجئ. أما شامبليون عالم الآثار الفرنسي الذي فك أسرار اللغة الهيروغليفية فجاءته أيضاً في ليلة ليلاء بعد جهد مكثف استغرق أكثر من 14 سنة ثم التمعت الفكرة في لحظة واحدة من وميض العبقرية فخر على الأرض مغشيا عليه لأن الفراعنة وكهنتهم خرجوا عليه دفعة واحدة يتحدثون ويروون له حياة كاملة كانت ميتة مغيبة في ضمير الغيب والعدم لمدة ثلاثة آلاف سنة ويزيد. أما آينشتاين فقد ولدت في ذهنه (النسبية) وهو يتصور نفسه معتلياً شعاعاً من الضوء وخيل إليه في لحظة أنه ثابت فقال بثبات سرعة الضوء ومن أسرار الضوء ولدت النظرية النسبية الخاصة بكل تطبيقاتها ومنها تفجير الذرة والسلاح النووي. أما (آوجست كيكول) فقد فهم (حلقة البنزين) في الكيمياء العضوية بمنام قام عليه ثعبان بفحيح وهو يأكل ذيله فأدرك سر الحلقة البنزينية. وفي ليلة تاريخية وصل الفيلسوف (رينيه ديكارت) عام 1630 جنوب مدينة أولم في ألمانيا إلى منهجه التحليلي المشهور (المقال على المنهج) وحرب الثلاثين عاما الضروس تأكل الأخضر واليابس في الأرض الألمانية. أما الفرنسي (باسكال) فقد خرج بأجمل نظرياته في ليلة محمومة كاد يغشى عليه من الألم فكتب (الخواطر). وفي غابات الأمازون كان (الفرد راسل والاس) يهذي تحت تأثير الحمى ولسع البعوض وفي أتونها انقدحت في ذهنه نظرية انتخاب الأنواع. ومشكلة العبقرية أن كل واحد منا يمكن أن تنقدح عنده ويصل إليها ولكننا بطريقة ما نطفئ هذا النور الفطري فينا فيعيش أحدنا في ظلمات ليس بخارج منها حتى يفاجئه الموت فيقول "هل إلى مرد من سبيل"؟

(يتبع)

الطالع السعيد
13/05/2004, 02:55 AM
الطبق الثاني والعشرين ( الحنين إلى الخلود ):

مجموعة من الباحثين الأمريكيين يشقون الطريق إلى استمرار الحياة في الخلايا في رحلة تقترب من الأبدية، ويحتفلون باكتشافهم (نبع الشباب) الكيمياوي من خلال أنزيم خاص (تيلوميراز) يهب التجدد في الجسم، ويمنح الخلايا ديمومة الحياة واستمرار انقسامها وتكاثرها، ولكن حماس الخلايا واندفاعها في عشق الحياة، لا يعني سريان هذا القانون على هيكل الجسد ككل، فيتملص من قبضة الشيخوخة، أو يفر من قدر الموت, أغرى الشيطان آدم بفكرة الخلود وقدم الدين فكرة الخلود، بفكرة جنة الخلد التي أعدت للمتقين، حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأكثر ما يسحر في الفكرة الصمود أمام الموت، فلا يتآكل الإنسان ويتوقف الزمن، ويتخلص الإنسان من قبضة المرض والشيخوخة والخوف والحزن والضعف والكآبة، ويؤتى بالموت على هيئة كبش أملح فيذبح وينادى بالخلود. تقول الأساطير اليونانية إن الساحرة (سيرسا) حاولت أن تمنح الخلود (لأوديسوس) الضائع عبر البحار والقفار في رحلة العودة من اجتياح طروادة وهدمها بعيداً عن زوجته الحبيبة ( بينلوبي) كي يسقط في أحضان الساحرة الماكرة. وتصور ملحمة (جلجامش) من الألف الثالثة قبل الميلاد رحلته إلى أرض (أتنابشتيم) البعيدة (ربما دولة البحرين الحالية) يحضر منها زهرة اللوتس كي تهب الخلود لصديقه (انكيدو) ولكن الحية في رحلة العودة تبتلعها ولا ينجو (جلجامش) من الموت، كما لا يعبر انكيدو إلى الخلود في جو حزين من حيرة الإنسان أمام صدمة الموت. ويجلس جلجامش يبكي وتجري الدموع على خديه ويستعيد كلمات (أتنابشتيم): (ليس هناك خلود. هل نبني البيوت لتبقى إلى الأبد؟ هل يستمر فيضان الأنهار؟ ليس هناك خلود من قديم الزمان. النائمون والموتى كم يشبهون بعضهم بعضاً. أي جلجامش إلى أين تتعجل المسير؟ إنك لن تجد أبداً تلك الحياة التي تبحث عنها! عندما خلق الله الإنسان جعل الموت من نصيبه، ولكنه أبقى الحياة في حوزته، أما أنت ياجلجامش فاملأ بطنك بأطايب الطعام. امرح وابتهج نهاراً وليلاً. البس الجديد واغتسل بالماء. داعب الطفل الصغير الذي يمسك بيدك. واجعل زوجتك سعيدة، فهذا كله أيضاً من نصيب الإنسان).البيولوجيا تحاول التمرد على الموت بظاهرة السرطان, فيموت الإنسان وتبقى خلاياه المتسرطنة تتكاثر بجنون لا يعرف التوقف. وحاول الفراعنة بناء جبال مروعة من الأحجار المرصوصة تتحدى الزمن عسى أن يتحرروا من قبضة الفناء إلى عتبة الخلود. وقربت الفيزياء بواسطة النسبية بشقيها (الخاصة والعامة) فكرة الخلود عن طريق سرعة الضوء (يتوقف الزمن مع سرعة الضوء) والكتلة الكبيرة, فإذا قارب الإنسان سرعة الضوء توقف الزمن، وإذا استوى على مسطح عرضه السموات والأرض توقف الزمن، في تأطير غير مباشر لفكرة الخلود والاقتراب منها. وأشار القرآن إلى امتداد العمر في نموذجين: نوح الذي عاش تسعة قرون ونصفاً ويزيد (لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً) ومجموعة الشباب الذين هربوا إلى كهف قصي تضمهم فجوة منه في نجاة من مجتمع مشرك أحادي الرؤية يقتل كل إمكانيةِ تفتحٍ للإنسان تهرب منه حتى ****** (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) تجاوزوا في رقدتهم الثلاثة قرون بطريقة التبريدKRYO من خلال قوانين فيزيائية كونية وبيولوجية (التقليب وعدم التعرض للضوء في فجوة باردة). وفي داخلنا حنين فلسفي إلى فكرة الخلود جعلت الأميرة (صوفيا شارلوتنبرج) تُسِرُّ لفيلسوف التنوير (لايبنتز) أثناء حوارات فلسفية عميقة أنها تنتظر الموت كتجربة تنضم إلى الشخصية، وتبقى الذاكرة الأخيرة والتجربة النهائية التي تنضم للتجارب والذكريات من دون عودة منها. إنها تتلهف على الموت فهو سيبوح لها بكثير من الأسرار، ويحل لها كثيراً من الاستعصاءات العقلية التي لم يوفق الفيلسوف في حلها, فرحلة الموت تبقى شيقة جديرة بالإثارة لما تتوقع فيه من كشف الغطاء.

(يتبع)

الطالع السعيد
14/05/2004, 04:08 PM
الطبق الثالث والعشرين ( تقليم الأشجار وتقليم الأفكار):

الشجرة كائن حي والأفكار كائنات حية. وتتسم الحياة بالحركة والتكاثر والحس والإفراز والتمثل. ولكن أهم ميزة على الإطلاق للتمييز بين الحي والميت هي التكاثر، وكذلك الأفكار فهي تنمو وتتكاثر. والله وصف الكلمة الطيبة بأنها تشبه الشجرة الطيبة تنتج ثمراتها كل حين بإذن ربها. كما وصف الله الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة. وهذا يعني أن الكلمة الطيبة تتكاثر وتكبر فتصبح شجرة تأوي إليها الطيور وتعطي ثمراتها في كل حين بإذن ربها. وأن الكلمة الخبيثة تتكاثر وتصبح شجرة. ولكن مصير الشجرتين مختلف. فنتيجة الكلمة الطيبة أنها تدوم. ونهاية الكلمة الخبيثة أنها تجتث من فوق الأرض مالها من قرار. وهذا يفسر ظهور الكثير من الأفكار الشريرة وانتشارها مثل الأمراض المدمرة والأوبئة القاتلة. وقديما كان ينتشر الطاعون فيحصد نصف أهل المدن ثم ينصرف فلا يعلم أحد من أين جاء ولماذا ذهب؟ وأمراض الأفكار هكذا مثلما حصل مع فكر الخوارج الذي يحصد من حين لآخر مثل طواعين العصور الوسطى. والأمراض تنتشر بوحدات خاصة. وكذلك الأمراض الاجتماعية. و(الوحدات الإمراضية) في أمراض الجسم هي الجراثيم والفيروسات. والوحدات الإمراضية في الأمراض الاجتماعية هي (الأفكار). ومرض الكوليرا خلفه ضمات الهيضة ومرض السل عصيات السل. ومرض العنف خلفه جراثيم (الكراهية والتعصب). وكما كان لأمراض البدن تظاهرات من أعراض وعلامات وسير ووحدات إمراضية ووسائل تشخيصية وعلاج، كذلك الحال في الأمراض الاجتماعية. ولكن بكل أسف لم يتطور (الطب الاجتماعي) بقدر تطور الطب العضوي البدني. والكائن الحي يتصف بالتكاثر، والصخرة جماد لا يتكاثر، والفيروس هو حلقة الوصل وجسر العبور بين الحياة والموت؛ فهو يتبلور مثل الملح، وهو يتكاثر مثل الخلايا. ولكن حتى يتكاثر لا بد له من خلية يتسرب إليها وهذا هو وجه الخطر في انتشار الفيروس أي اعتماده على الخلايا الحية التي تعيد إنتاجه. وأخطر الفيروسات هي العكوسة القلوبة ما يعرف بالرتيروفيروس مثل فيروس الإيدز فهذا الفيروس يتسلل إلى الكود الوراثي في نواة الخلية فيصبح قطعة منها وتعيد الخلية إنتاجه وكأنها تعيد إنتاج نفسها وهي تنتج في الواقع وسائل دمارها كما هو الحال في الأنظمة الشمولية التي يتسرب إلى أجهزة الأمن فيها شرار الخلق فيدمرونها ولو بعد حين. وفي حديقتي شجرة تين زرعتها بنفسي فخرجت بفرعين منذ البداية ونصحتني زوجتي بقص أحدهما فلم أفعل وليتني فعلت إذا لاستوت على جذع واحد. وهذه الشجرة تذكرني بالحياة ففي الشتاء تتساقط الأوراق وفي الربيع تدب فيها الحياة فتعطيني أملاً بتجدد الحياة وأن الموت لا يزيد عن كسوف مؤقت. وعندما زرعت بعض الأشجار في حديقتي تأخرت في النمو وأنا متعجب حتى اكتشفت أنها كانت تؤسس جذورها تحت الأرض قبل أن تبزغ فوق الأرض بفروع خضراء زينة للناظرين. وكما كان تقليم الشجر مفيدا فيدفع الحياة في اتجاه جديد كذلك الحال في تقليم الأفكار. وأفكارنا تكبر مثل أولادنا. والفكرة الجيدة تنمو مثل الكائن الحي دوما بالتقليم والتشذيب. وأنا أعكف منذ عشرات السنوات على بعض الأفكار فأعيد صقلها كل مرة لأجدها زادت تألقا وبهاء ونموا. ومنها فكرة اللاعنف حيث اكتشف كل يوم أنها ليست مجرد أفكار بل عالم كامل لوحده وجغرافيا مختلفة وكوكب ينزل الفكر على سطحه بإحداثيات كونية مختلفة مثل الضغط والحرارة وتوزع الغازات. والفكرة الجيدة يجب أن يعنى بها الإنسان من وقت لآخر فيعيد اختبارها وترتيبها وترابطها مع نظام الفكر. والكتاب الجيد يجب أن نعيد قراءته مرات ومرات. وهذه الرحلة لانهاية لها لأنها حياة تدوم وتكبر وسبحان الحي الذي لا يموت فتوكل عليه.

(يتبع)

الطالع السعيد
20/05/2004, 04:25 PM
الطبق الرابع والعشرين ( الجبت والطاغوت):

تكرر هذا المصطلح المزدوج في القرآن. والجبت ديني والطاغوت سياسي. والجبت هو اغتيال العقل بالأوهام. والطاغوت استلاب الحرية بالقوة. وأهم كتب الفيلسوف الهولندي(سبينوزا) كانت في اللاهوت والسياسة. وكلمة (الجبت) وردت مرة واحدة في سورة النساء ولكن كلمة (الطاغوت) جاءت متفرقة في ثمانية مواضع مما يوحي بغموض الطاغوت أكثر من الجبت فلزم توضيحها؟ وفي أول سورة البقرة آيتان للكفار وأربع للمؤمنين ولكن ثلاث عشرة آية في شرح المنافقين. وفي التاريخ تعانق الجبت والطاغوت في زواج مشؤوم بأشد من سم السيانيد والأكسجين. وفي مصر الفرعونية كان الكاهن يوحي إلى الناس أن فرعون من نسل الآلهة. سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
وكان الطواغيت في التاريخ يركبون على ظهور العباد بتصريح ومباركة من الكهنة.

ويروي المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت نفس السيناريو المزعج عن حضارات الشرق الأدنى في الخمسة آلاف سنة الفائتة. والكفر والإيمان حالتان نفسيتان أكثر منهما جدل عقدي. ومنه تكلم القرآن عن انشراح النفس بالإيمان وكأنه النور المتدفق وانقباضها بالكفر وكأن صاحبها عرج به في السماء فكان صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء؟ وليس هناك من مأساة في التاريخ مثل استلاب حرية الإنسان واغتيال عقله. وذكر القرآن عن سحرة فرعون وتأثيرهم في الناس أنهم استرهبوهم وجاءوا بسحر عظيم. ومهمة الأنبياء في التاريخ كانت من أجل تحرير الإنسان من القيدين. وامتحن الأنبياء وعانوا الكثير من أجل تخليص الإنسان من مفهوم الصنم وأن لا يعبد الشمس ولا القمر ولكن يعبد الله الذي خلقهن. والإنسان العادي لا يفهم هذه الأمور ولكن كهنة الجبت هم الذين يوحون إلى الإنسان العادي أن يعبد الأصنام. وهم أي الكهنة يقفون في حراسة مشددة للعقيدة السياسية السائدة لأنهم مستفيدون. والمعركة هنا سياسية تدور حول الامتيازات وليست صراعا لاهوتيا كلاميا. ومنه كانت معركة الأنبياء محتدمة عنيفة في التاريخ. والكهنة يوحون إلى الناس أن الله يريد هكذا والله بريء من أقوال الكهنة. ومشركو قريش زعموا أن الله هو الذي دفعهم للشرك فقالوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء. وكان جواب القرآن هل عندكم من علم فتخرجوه لنا. وفي أول سورة نزلت تناولت طرق تحرير الإنسان من الوهم والقوة بالتعليم وعدم الانصياع فليس هناك شيء يطلق الإنسان من كل القيود مثل التعليم والتمرد بدون سلاح. وحسب فرانسيس بيكون أن ما يقف بين الإنسان والحقيقة هي الأوهام وهي رباعية من أوهام السوق وأوهام القبيلة وأوهام المسرح وأوهام الكهف. وحسب رأيه أن التخلص من الأوهام ليس سهلا ولكنه ليس مستحيلا.

والمعرفة هي طاقة التحرر. والأنبياء قلبوا وجهة النظر في التفكير فقالوا إن الشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون. وهذا يعني أن لا نلوم أمريكا أو الصهيونية أو الشيطان بل نتدرب بصرامة على أن نلوم أنفسنا في كل مشكلة نواجهها. وهذا خلق يصعب الوصول إليه. والسبب أن لوم الآخرين مريح ولكنه يعطل الجهد. ومواجهة النفس أو نقد الذات من أكثر الأمور إزعاجا وإحراجا ومن لم يصدق فليجرب نقد من حوله ليرى النتيجة. والخلاصة التي نخرج بها أن أعظم تحديين يواجهان العقل الإنساني التخلص من الخوف من القوة والحرص بدأب على تطهير العقل من الأوهام بسلاح المعرفة وعدم الطاعة.

الطالع السعيد
30/05/2004, 09:14 PM
الطبق الخامس والعشرين ( لعبة المرايا العاكسة ):

تعكس المرآة الحقيقة ولكنها أيضاً السلاح الأمثل للخداع. وليس هناك من مكان يشوه الحقيقة مثل مرايا السيرك فيظهر الإنسان في أشكال شتى كاريكاتورية بين النحافة والبدانة والانتفاخ. وحتى نرى وجوهنا نحتاج إلى مرآة واحدة ولكن حتى نرى قفانا نحتاج لاثنتين. وحتى نرى الأبعاد الثلاثية فإننا نحتاج لثلاث مرايا.

وهناك في السيارات مرايا خاصة لكشف الزاوية الميتة. وهي المسافة الخطيرة حين تقترب منا سيارة بجانب السائق فلا يراها بمرآة الرأس داخل السيارة أو الجانبية فقامت شركة المرسيدس مثلا بإضافة خاصية إلى المرايا الجانبية لكشف هذه الزاوية القاتلة. ولكن الأهم في المرايا هي اللعبة السياسية الاجتماعية في عالم الفكر.

وكتب مالك بن نبي فصلا عن آلية استخدام المرايا العاكسة في تشويه الشخصيات في اللعبة الفكرية في البلاد المستعمرة في كتابه شروط النهضة. وعقد روبرت غرين في كتابه القوة فصلا مطولاً لدراسة هذا القانون النفسي. والسراب هو لون من المرايا الكونية الخادعة. ويروى في الأساطير عن الميدوسا الغرغونية أنها كانت كائناً مخيفاً شعرها ثعابين سامة ولسانها يتدلى أمامها ما رآها أحد مواجهة إلا وتجمد بشكل حجر. ولم يقض عليها إلا البطل اليوناني بيرسيوس. وكان ذلك بواسطة خداع المرآة.
فقد صقل البطل الإغريقي درعه البرونزي إلى درجة انعكاس سطح المرآة ثم تقدم باتجاه الكائن المرعب فلم تر الميدوسا سوى وجهها الذي اطمأنت إليه ولم تنتبه إلى الخطر المختبئ خلف الدرع حتى وصل إليها فاحتز رأسها القميء المرعب. ونحن في المرايا عادة نرى وجوهنا كما نحب أن نراها ولكن نغفل عن التجاعيد والشقوق والندبات. ولو تأمل الإنسان سطح جلده كما يفعل الطبيب مع مكبرة لهاله الأمر واستهوته أحزان. والمرآة ليست حقيقة بل هي ضوء عاكس مقلوب ولكن لا ننتبه لهذا في العادة. ونحن نحتار في أجهزة التصوير بين الحين والآخر في وضع الصورة على الشكل الصحيح حتى نهتدي لذلك بالتحليل العقلي فنضع الأصل مقلوبا حتى نأخذ الصورة الكوبي على الوجه الصحيح. والمرآة كانت مشكلة لنارسيوس الذي اشتهر في الأساطير بالمرض النرجس فهذا الشاب وقع في غرام صورته على سطح الماء فلما انتبه إلى أن من يحب ليس له وجود انتحر بؤسا وحزنا. وتحكي الروايات أن أرنبة قالت لمن حولها لسوف أخلصكم من الأسد المفترس بحنكة وحكمة، قالوا وكيف ذلك وهو يفترس منا العشرات على يد اللبوة الشريرة قالت انظروا ما أنا فاعلة ثم إنها توجهت إلى الأسد على أساس أنها ستكون عشاءه في تلك الليلة فقالت له لقد اعترض طريقي أسد مثلك فلم يترك مسبة ولا عارا إلا وألحقها بك فزأر الأسد حتى ارتجت الغابة وقال أين هو هذا الذي يتحداني؟ قالت الأرنبة للأسد: هو في مكان قريب. ثم إنها مشت أمامه وهي ترتجف رعبا أن يغير رأيه في الطريق فيفترسها في لحظات. حتى وقفت على سطح بئر وقالت له: إنه ينتظرك هنا يا ملك الغابة، وكان ضوء القمر عاكسا بما فيه الكفاية فرأى صورته فزأر به: أيها الشقي فارتج البئر بأشد، ولم يكن يشتم شتيمة أو يرسل تحديا إلا وجاءه مضاعفا من صوت الصدى؛ حتى أعمى الغضب الأسد؛ فقفز إلى قعر البئر يلتمس غريمه؛ فكانت منيته في تلك القفزة إلى قعر البئر. ويقول (روبرت غرين) صاحب كتاب (لعبة شطرنج القوة) إن المرآة العاكسة يمكن إثارة حنق الخصم فيها والتستر خلفها. ونحن نعرف هذه الآلية النفسية عند الأطفال حينما نقلد أحد الناس فنفعل ونتكلم ونتصرف كما يفعل. فليس هناك أغيظ من هذا. لأن آلية المرآة تري الشخص على حقيقته فيتأمل نفسه في شكلها المزعج. كما أن العكس صحيح كما فعلت ماري مونسي مع الملك لويس الرابع عشر حينما لم يسعفها جمالها بل ذكاؤها فكانت تتبدى له فتظهر في كثير من القول على شكل مرآة عاكسة آماله وطموحاته على شكل رومانسي فوقع في غرامها من معسول الكلام أكثر من رشاقة القد. ولله في خلقه عجائب.

الطالع السعيد
01/06/2004, 02:56 AM
(26)

قصة الغربان والحدأ والثعلب:

جاء في كتاب الخرافات الهندية أن فريقا من الغربان والحدأ (جمع حدأة) ضمتهم غابة فاختلفوا حول الغنائم ثم تقدم شيوخ وعقلاء الفريقين فوصلوا إلى اتفاق ينص على تقاسم الفرائس مناصفة أيا كانت. وفي يوم وقع ثعلب في مصيدة نصبها الصيادون. ثم إنه ما زال يعالج نفسه للخلاص حتى خرج مثخن الجراح أقرب للموت منه إلى الحياة فكان يمشي خطوة ويسقط حتى أنهكت قواه فاستسلم إلى الأرض. فاجتمعت فوقه مجموعة من الغربان التي طارت بالخبر إلى جماعتها وما هي لحظات حتى كان يحلق فوق رأس الثعلب المسكين غيمة من طيور الغربان والحدأ. نظر كل فريق في وجه الآخر وقالوا القسمة بيننا حسب الاتفاقية فأي نصف تريدون من هذه الفريسة؟ قالت الغربان نريد نصفه العلوي وقالت الحدأ حسنا سنأخذ النصف السفلي ففيه الأفخاذ والحشى واللحم الطري. ثم اقترب الفريقان من الثعلب المتماوت وهو يفتح عينا ويغمض أخرى ويقول سنرى من يأكل من؟ فلما أصبحت الحدأ قريبة منه رفع رأسه بتثاقل ثم قال: يا معشر الحدأ كنت أظنكم أفقه من في الغابة فكيف تضحون بنصفي العلوي وتتركونه للغربان التي هي دونكم خلقة وأقبح منظرا وأبشع لونا وفي نصفي العلوي خلاصة مكري ودهائي، فيه رأسي ومخي أنا أبو حصين الثعلب المكار؟ أما نصفي السفلي ففيه قاذوراتي ومخلفات أقدامي ويبوسة كوارعي فأي نصف اخترتم أيها البلهاء؟ نظرت الحدأ في بعضها وقالت الرأي ما قال أبو حصين فكيف لم يخطر في بالنا رأسه المكار ودماغه الداهية ولقد قيل في الأمثال من قديم الزمان إن من يأكل دماغ الثعلب ازداد حنكة، فليس في الغابة أشد منه مكرا ودهاء وهل سمعتم ما فعل الثعلب يوما بالديك؟ قالت حدأة وماذا فعل؟ قالت أخرى: زعموا أن ثعلباً جائعاً اقترب في يوم ريح وبرد من ديك وهو يتظاهر بالموت فنظر إليه الديك وقال ما بال أبي حصين يمشي اليوم متثاقلاُ على غير عادته قال يا صاحبي هي الآجال كما تعرف وأنا اقترب أجلي اليوم فأنا أكثر الصلاة والتوبة وأطلب الصفح منكم معشر الديكة فقد أسأت إليكم كثيرا واعتديت عليكم الدهر كله وبلغني من أخبرني أن ديكا في الناحية الفلانية هو سيد الحكماء فاذهب فاستفد من حكمته وأظنه أنت المقصود فانتفخ الديك وصفق بجناحيه زهوا. وفي هذه الأثناء كان الثعلب قد اقترب أكثر ولكن ليس بالقدر الذي ينقض فيه على الديك ثم قال له: أيها الديك الحكيم نحن اليوم في مطر وبرد وريح فإذا اشتدت الريح ما أنت فاعل وهل يمكن أن أتعلم منك فقد آذاني البرد قبل موتي؟ قال الديك بانتفاخ أكبر الأمر بسيط أضع رأسي تحت جناحي المقابل فإن جاءت الريح من اليمين طويته تحت جناحي الشمال والعكس بالعكس فلا أحس بالقر. قال له الثعلب حسنا. والله إنكم قوم أذكياء نجباء معشر الديكة. ولكن يا صاحبي هب أن الريح جاءت من اليمين والشمال فماذا تفعل؟ قال أضم جناحي الاثنين فأخفي رأسي كاملاً. قال الثعلب وقد اقترب مقدار ذراع أكثر. ولكن كما تعرف يا صاحبي فالكل يدعي ما تدعون ولكن لا يحسنون ما تحسنون. وقديما قيل إن التفكير بالشيء والحديث عنه غير مواجهته والتصرف حياله فهذا يفرق الخبير عن الجاهل. قال الديك حسناً نحن اليوم في برد وريح فانظر ما أنا فاعل وتعلم. ثم إن الديك نفض جناحيه وأخفض رأسه ثم أخفى رأسه بين جناحيه وكان الثعلب قد اقترب ما فيه الكفاية فانقض عليه فأكله. قالت الحدأ حينما سمعت القصة والله إنه غدار مكار ذكي ويحسن الانتفاع برأسه ودماغه ففيه سره والأكل منه يرفع الذكاء عندنا. ثم إن الحدأ رجعوا إلى الغربان فقالوا نحن نريد النصف العلوي. قالت الغربان ولكنكم وافقتم للتو على أخذ نصفه السفلي. قالت الحدأ: غير العلوي لا نريد. فتشاورت الغربان وقالت إنه أمر دبر بليل ولا شك أنهم رأوا من الثعلب ما أربأهم فغيروا رأيهم فقالوا للحدأ: ونحن لا نبدل ولا نغير ولا نريد سوى العلوي قالت الحدأ: بل أنتم تأخذون النصف السفلي. ومازالوا في جدل حتى انفجرت العداوة ونسي القوم شيوخهم وعقلاءهم وبدأوا في الاقتتال في السماء فوق رأس الثعلب وهو يتأملهم بابتسامة راضية. وفي ساعة من نهار كان الكثير منهم قد سقط ميتا فوق الثعلب والقليل الذي بقي حيا تابع قتاله في مكان آخر. وبقي الثعلب الجريح يقتات من جثث الحدأ والغربان أياما حتى التأمت جراحه وقوي على المشي وغادر المكان بصحة وعافية ومرح وهو يقول: "يستفيد الضعفاء من مشاجرات الأقوياء".

الطالع السعيد
02/06/2004, 11:36 PM
(27)

كتاب (في الأسفل تماماً)

الألماني (جونتر وال راف) والأمريكي (ويل ديورانت) نموذجان للكتابات المبدعة أو ما يعرف بقانون بيضة الذهب. فأما الأول فاختفى في هيئة تركي بئيس (علي) ينطق الألمانية وهو يتعتع فيها، غيَّر سحنته ولوَّن شعره الأشقر إلى السواد الفاحم فبدا أصغر بعشر سنوات، وركَّب شوارب غليظة سوداء مستعارة، ولوَّن قزحيته من الأزرق إلى البني الغامق، وبدأ يعس في ظلمات المجتمع الألماني لمدة سنتين كاملتين. لم يترك (صحيفة) إلا واندس فيها يكشف عن الانحرافات، ولا (مطعماً) من نموذج (مكدونالد) إلا وانخرط في عمال النظافة وتهيئة السندويش من الركن الخلفي ليكتشف كارثة التلوث، بل طرق باب الكنيسة ليتنصر هو المسلم التركي المهاجر المعذب فلفظته الكنيسة! وانسحق في معامل الصلب حيث العمل المرعب في أجواء الحرارة الخانقة. اقتحم الكاتب الألماني (جونتر وال راف) لجة المجتمع الألماني العميق فتوغل في كل مظلمة، وتعرض لأكثر من مشكلة، وانزلق في أكثر من ورطة، وكاد يفتك به النازيون الجدد المتعصبون وهو مرض لمسناه في المجتمع الألماني ولطالما رأينا على الجدران في العديد من الأمكنة أيها الأجانب انقلعوا من بلادنا أو بما معناه (الأجانب بره) وتفحص الرجل سلوك العديد من المؤسسات، واستكشف أسرار الكثير من المصانع. فلم يترك عنصرياً إلا وتجسس وراءه للتنبه إلى أسباب جرأته في عداوته لغير الألمان، ولا جريدة مشهورة إلا وترصد ما يرجع إليها حاصل عملها، وشدة بأسها، وعظم انتشارها (بعض الجرائد بلغ عدد قرائها 11 مليوناً وبعد كشف أوراقها نزل الرقم إلى تسعة ملايين ؟؟). بعد انقضاء الأجل تنفس الصعداء وطفى إلى السطح فأخرج كتاباً بعنوان (التركي علي ـ في الأسفل تماماً)، طباعة مؤسسةkiepenheuer& witsc.)) عمل الكاتب الألماني لم يذهب أدراج الرياح بل ترجم إلى 13 لغة حية (لم يترجم بعد إلى العربية ؟) ولم يسرق كتابه بطبعات وهمية كما حصل مع بعض كتبي، ولم يستول عليه قراصنة الطباعة في عالم ما تحت الأرض فيعيدوا تصويره، وعاد عليه بريع خيالي خصص منه مبلغ 13 مليون مارك لإنشاء مشروع سكني في مدينة دويسبورج الألمانية لبنايات تعيش فيها عائلات ألمانية وتركية بشكل مشترك ومثل الرجل أمام العديد من المحاكم غير هياب بسبب فضيحة العديد من المؤسسات الألمانية. أما النموذج الثاني فهو الكاتب الأمريكي (ويل ديورانت) الذي عمر إلى ما بعد التسعين، وشاركته زوجته في إنتاج أعظم موسوعة للتاريخ، فاقت الأربعين مجلداً (قصة الحضارة) والذي كان يقرأ فيه خمسة آلاف كتاب قبل أن يكتب الجزء الواحد منه، فضلاً عن عشرات الرحلات العلمية، لكنه قبل مشروعه التاريخي الذي عكف عليه لمدة نصف قرن في ريف هادئ من كاليفورنيا، كان قد أنجز كتاباً بسيطاً هو باكورة أعماله، عن تبسيط للفكر الفلسفي، أعطاه اسم (قصة الفلسفة) يعتبر من أجمل وأبدع ما كتب في مضمار الفلسفة وأنا قرأت بعض فصوله ربما عشر مرات. وقاعدة القراءة المفيدة تقول: اقرأ كتاباً جيداً عدة مرات، ولا تقرأ العديد من غثاء الكتب مرة واحدة. ديورانت المؤرخ تحرر من الضغط المالي وتفرغ لمشروعه بسبب الريع الذي جاءه من كتابه قصة الفلسفة مما أعطاه حرية التأليف والحركة والبحث والزيارة والتفرغ الكامل لمشروعه. كان ريع كتاب (قصة الفلسفة) بملايين الدولارات عند أمة تقرأ، وكتاب يطبع مئات الآلاف من المرات، كل نسخة محسوبة وقسم من ربحها يعود إلى جيب المفكر الكاتب، عطاء غير مجذوذ، تحت أي غيمة بيع الكتاب في العالم، حيث لا يسرق السارقون ولا ينقبون، ولا يصور المزورون نسخاً وهمية. وهناك قراصنة في البحار وقراصنة في عالم التوزيع والنشر، مشكلة القراصنة البحريين انتهت منذ زمن بعيد، أما قراصنة السطو على الكتب فتحدث بدون سفن يرفرف عليها علم أسود بجمجمة وعظام. مسكين الكاتب والمفكر المعدم في العالم العربي، وهنيئاً للمفكر الكاتب في خط الشمال. عندما يتضور الكتاب والمفكرون جوعاً، يتعرضون لمحنة أن تؤجر أو تشترى أقلامهم.

الطالع السعيد
14/06/2004, 02:21 AM
(28)

ما هو الزمن؟

كلنا يشعر بالوقت ولكن لو طلبت من أحدهم أن يحدد لك الوقت ما هو لعجز عن ذلك فهذا هو سر الزمن. وعندما نريد تحديده نلجأ للحركة مثل الساعة. ونحن نظن أن هناك ساعة واحدة هي التي نضعها في أيدينا أو نزين بها الجدران أو نستعملها كمنبه وهي الساعة الزمنية ولكنها ليست الساعة الوحيدة فهناك الساعة البيولوجية وهي مغروسة داخل دماغنا ولا نشعر بها إلا عند الانتقال السريع في المسافات، وعندما يسافر المرء بالطائرة باتجاه الغرب إلى أمريكا أو كندا قادما من الشرق الأوسط فإنه يمشي مع حركة دوران الأرض حول الشمس فيكسب الوقت وهكذا فمن يخرج من بريطانيا إلى كندا فإنه يخرج في الساعة الثانية عشرة ظهرا ويصل في الساعة الواحدة ظهرا وكأنه لم يقطع إلا ساعة من نهار مع أنه طار لفترة سبع ساعات ويستطيع متابعة أعماله في كندا في بقية النهار، ويحصل العكس حين يأتي الإنسان من نيويورك إلى جدة فإنه يخسر يوماً لأنه يمشي بحركة الطائرة مضافاً إليها حركة الأرض المعاكسة. وشاهدي من قصة دوران الأرض هو اختلال الساعة البيولوجية عند الإنسان الذي يصل إلى أمريكا وكندا فيبقى جسمه يشعر بالليل نهارا والنهار ليلاً، ويقال إن هذا يتطلب في المتوسط عشرة أيام حتى يعود إلى توازنه الأولي ويقولون إنه من الحكمة تعريض الجسم إلى ضوء النهار ما أمكن حتى يتكيف الدماغ ويتطابق مع التحول الجديد وسبحان من طوى المسافات. وتحضرني هنا قصة مثيرة من رحلة (ماجلان) فهو عندما بدأ باختيار الرجال الذين سوف يرافقونه في الرحلة تقدم إليه رجل إيطالي اسمه (جافيتا) قال له لست ذلك البحار الذي يعرف الملاحة والأنواء كما أنني لست بذلك المقاتل الذي يعتمد عليه أو الطباخ الماهر وكل ما أتقنه هو الكتابة فإن أخذتموني معكم كتبت عن الرحلة. أي كان أشبه بالمراسل الصحفي حسب مصطلحات عصرنا وكان (ماجلان) حكيما في أخذه معه لأن معظم الرجال ماتوا في الطريق بمن فيهم (ماجلان) ولم يرجع من أصل 380 بحارا إلا 18 ومن السفن إلا أصغرها ولم يكن هناك من فائدة مادية هائلة من الرحلة ولكنها غيرت وجه التاريخ وانقلبت محاور العالم من ذلك الوقت وعرف أن الأرض كرة وتحول مركز العالم من المتوسط إلى الأطلسي وحبس العرب في عالم في زنزانة البحر المتوسط وكتب التاريخ بمداد أحمر بخط من اليسار إلى اليمين. والمهم أن جغرافية العالم تغيرت منذ ذلك الوقت وأصبح العالم ليس فيه زاوية إلا وتم كشفها وشاهدي من هذه القصة المثيرة أن المدعو (جافيتا) عندما وصل مع الرهط الذين بقوا أحياء إلى إسبانيا اكتشف مذهولاً أنه اكتسب يوماً في مذكراته فحسب دفتره الذي كان يؤرخه على نحو دقيق يوما بيوم يجب أن يتوافق مع تاريخ أقل بيوم عندما وطئت قدماه الأرض الإسبانية ولم يعرفوا تعليلاً واضحاً يومها ونحن نعرف اليوم أن من يدور حول الكرة الأرضية يكسب يوماً فيعيش عمراً أطول بـ 24 ساعة.

الطالع السعيد
17/06/2004, 05:49 PM
(29)

هل هناك أساس كيمياوي للخوف؟

لاتوجد ضمانات في الحياة ولا لثوان وإذا كنا نعمل عقود عمل لمدة سنة فلا يوجد عقد ضد الموت ولو إلى لحظات ونعيش في وضع بغرابة ولكن بامتلاء وكأن الموت لا يتربص بنا عند كل زاوية؟ ولكن لماذا لاتوجد ضمانات في الحياة ولماذا خلقنا محفوفين بالمخاطر تطوقنا عن اليمين والشمال عزين. ومن أعجب الاختبارات عن ميل الإنسان لركوب المخاطر واقتحام لجج المجهول ماقام به الدكتور الكندي (يو) وهو من أصل صيني حينما اهتدى إلى خميرة في الدم تختصر بكلمة ماو؟ (MAO) لها علاقة بروح المجازفة واقتحام المخاطر. فهي تعمل مثل الفرامل داخل العضوية فإذا ارتفعت أصبحنا أكثر حذرا وإذا تدنت هجمنا بجسارة على المصاعب. قام الدكتور (يو) بأول تطبيق لهذا فذهب إلى سجن في مدينة (ساسكواتشن) في وسط كندا حيث يحتشد أعتى القتلة والمجرمين وقام بفحص كمية الخميرة المذكورة في دمائهم فلاحظ بشكل واضح تدنيها عند الناس العاديين من أمثالنا. وعندما سمع الطبيب الإسباني (فرناندو غاليندو) هذا الخبر أثاره هذا الموضوع لفحص الدم عند مصارعي الثيران لأنهم يتعرضون للتوتر الأقصى وهم يواجهون الثيران المرعبة الجامحة وكأنها العاصفة القاتلة.

والكثير منهم قضى نحبه على قرني ثور هائج. وكانت النتيجة صاعقة: إن كمية الخميرة في دم مصارعي الثيران في حدودها السفلية تماماً عند القاع تكاد تنضب من دمائهم وكأنه لايوجد فرامل تجاه الخوف. ومن الغريب أن هذه الخميرة تتراوح في دمائنا من شخص لآخر منذ الولادة، وتزداد مع تقدم السن، كما تفيض فيضا في دماء النساء إلا قليلاً منهن، وهذا يعني أن أحدنا مع الكهولة يصبح أقل ميلا للمجازفة، كما أن النساء أبعد عن اقتحام المخاطر، ولعل الله غرسها في بيولوجيا النساء من أجل حفظ الجنين والحياة؛ ولذا فإن كل الذين يذبحون في ساحات الحرب هم من الذكور العدوانيين ومحبي المجازفة. وقام بعض علماء النفس كما فعلت (جودي هوكس) من ساسكواتشن في كندا بدراسة نفس النتيجة على امرأة تخاف من دخول السوبر ماركت والمحلات العامة وتبين وجود كمية كبيرة من الخميرة في دمها أوصلتها إلى حالة اللجم من الحركة بالفوبيا وتصاب بالفزع مع دخول المحلات العامة. ويبدو أن الله وضع فينا الميل للمخاطرة مثل وضع الملح في الطعام فبدون هذه الروح لا تتغير الحياة الإنسانية، ومع نقصها ننقلب إلى التهور المهلك، ومع زيادتها ننحصر في مثلث الرعب فنرزح تحت سلاسل الخوف. كذلك فإن كل الحياة تقوم على المخاطر حتى لو هربنا منها، ففي أمريكا يموت كل سنة 300 إنسان حتف أنفهم في مغاطس الماء وهم يستحمون، ويموت أكثر من 2500 ممن سقط من درجة عتبة البيت أو السلالم حسب بعض الإحصائيات؛ فالعالم ليس آمناً تماماً، والموت أقرب لأحدنا من شراك نعله. وفي أمريكا بقيت الصحافة لفترة تكتب عن موت الشابة (ليا بيتس) التي ماتت في ظروف غامضة حتى عرف المحققون أنها ماتت تسمماً بالماء بكل بساطة. وأما الشاب (مارك دوغيت) من بريطانيا وعمره 24 سنة فقد ذهب ليحتفل بعيد ميلاده الرابع والعشرين فتراهن مع من حوله من الشبان عن استعداده لتجرع أربع وعشرين كأساً من الشمبانيا، وفعلاً قام بدلق تلك الجرادل من الكحول في معدته، والشباب والبنات من حوله يصفقون له؛ فلما انتهى أكملها بكأس إضافي زيادة في التحدي والمتعة، ولكنه بعد أن خرج من الحانة تقيأ معظم ما شرب، أما البقية من الكحول فقد قضت عليه فلم يرجع إلى بيت أبويه قط. وخلاصة القول إن الخوف جيد لحفظ الحياة, وزيادته أو نقصه لا يخدمان الحياة, فالزيادة تقرب من حافة الجنون والنقص يدفع إلى التهور.

الطالع السعيد
25/06/2004, 04:13 PM
(30)

ليس هناك أعظم من ضبط النفس ولا أوخم في العواقب من فقد السيطرة على الأعصاب والوقوع في الخطأ. وأنا شخصياً أتذكر نفسي في بعض المواقف فأندم عليها وأراجع نفسي فاكتشف أن ضبط النفس أسلم عاقبة وأحمد ذكراً. وأتذكر حتى تعبيرات الوجه مع الغضب كيف تذهب بالنضارة ويمتقع اللون ويبشع الشكل. وأعلم في نفس الوقت الفائدة العظمى التي اكتسبتها من التشبع بالروح السلامية. وعندما وصف الله نبيين بالتتابع هما يحيى وعيسى عليهما السلام ختم قصة كل واحد بكلمة السلام ثلاثية مكررة، سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً. وتحية أهل الجنة السلام.

ووصف القرآن بأن كسب القلوب يأتي بالدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. ولكنها أخلاق لا يصل إليها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. ,وترافق انفراط عقد النفس في العادة بإظهار أقبح ما في النفس من قذارات، وتتحرك إلى السطح الغرائز البدائية، ويعلو الصوت وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير، ويتحول الوجه إلى قطعة غير محببة لو أبصر صاحبها نفسه في المرآة هذه اللحظة لساء الأمر واستولت عليه أحزان. ويغلي البدن كأنه في جحيم، وأما أخلاط البدن الداخلية فتضطرب كلها.

ومن هنا كان الهدوء والسلام دواءً وكان الانفعال مرضا قاتلاً يرفع الضغط ويسمم المزاج ويضعف القلب ويدفع خلايا البدن إلى التحول السرطاني، ويضع الأعصاب تحت توتر غير عادي وتدخل الروح في مستنقع حقيقي من القاذورات الروحية والمادية. وأعظم خلق يمكن أن يُمنَحه المرء هو قدرة ضبط النفس في مرجل الغضب وضباب الشهوة وانعدام التوازن في الخوف والانهيار في ساعات الحزن الشديد والرعب الأعظم. وينقل لنا الطب صورة قاتمة عما يحدث داخل البدن عندما ينفعل الإنسان حيث يستنفر الجسم طاقته الاحتياطية للدخول في حالة حرب، وهذا يعني تسارع النبض وارتفاع التوتر وزيادة العبء على القلب وانحباس المثانة والإمساك فتتضرر الأمعاء، وتعصر المعدة فيتقرح الجدار مع الوقت. وتنقبض البؤبؤة ويزداد ميل الدم إلى التجلط حتى لا ينزف الإنسان كثيرا لأنه في حالة حرب.

وأعرف شخصاً اشتغلت معه لفترة لم أره لحظة واحدة في أي موقف منفعلاً فعرفت أنها صفة قيادية وهذه رسالة لكل من يشغل منصباً حساساً: (لا تنفعل أو روض نفسك على ضبط الانفعال ) وإلا فاترك مكانك لأن تصرفاتك سوف تنعكس على مصائر الناس، في حين أتذكر من جنوب المملكة موقفاً لا أنساه حينما كان أحد المسؤولين مشتبكاً في خلاف مالي إداري مع ممثلي شركة، كان وجهه مصفراً ممتقعاً يحمل كل المعاني السلبية ومازالت صورته محفورة في مخيلتي حتى اليوم.

إن القرآن يقص علينا رحلة الوصول إلى مرحلة الإحسان في ثلاثة أمور: القدرة على الإنفاق مع عسرة اليد وضبط النفس عند الانفعال والمغفرة للآخرين في الإساءة. والواقع أن هذه الأمور الثلاثة صعبة جداً وثقيلة على النفس فالناس بخيلة في العادة وهي لا تعطي مع وجود فائض المال والمحتاج.

ونحن ننفعل بدون مبرر وبأدنى إثارة وتحرش. وأخيراً نحن لا نعرف أن نغفر للآخرين بتصرف أسيء فهمه ويأكل الحقد قلوبنا. وأذكر أنا في تاريخي الشخصي أنه مر علي وقت تألمت فيه من أذية آخر ولكن شعور الغفران غسل قلبي وتطهرت وسامحته بدون أن أعلن ذلك ورجعت النفس إلى سوائها وأنا أنام دوماً بشكل ممتاز لأن الغل والحسد والغضب والانفجار والحقد تقتل صاحبها في النهاية فهي مشاعر سلبية مثل القنابل الموقوتة تنفجر في صاحبها في النهاية.هذه المشاعر يجب أن نزرعها في قلوبنا وننميها بسماد الحب وضوء المودة وماء المعرفة بدون توقف حتى تصبح شجرة باسقة نستظل بها يوم لا ظل إلا ظله.

ابو ذر الغفاري
25/06/2004, 05:37 PM
جميل جدا.....
شكر لك......
ننتظر المزيد.....
هذه المواضيع التي يجب اثراؤها لا مواضيع الفتن......
والسلام عليكم.....

محب الصلاح
25/06/2004, 05:48 PM
جميل جدا.....
شكر لك......
ننتظر المزيد.....
هذه المواضيع التي يجب اثراؤها لا مواضيع الفتن......
والسلام عليكم.....

وننتظر كذلك مواضيع ابي ذر الغفاري التي طال انتظارها !

الطالع السعيد
05/07/2004, 09:44 PM
(31)

الذاكرة القريبة والبعيدة ومكانهما في الدماغ

تعتبر آلية عمل الذاكرة حتى الآن لغزاً محيراً من عدة جهات فهل هناك مركز لها؟ ثم كيف تختزن المعلومات بالضبط؟ بل كيف تتشكل أصلاً؟ وما هي بوابة دخولها؟ كما أن الذاكرة ليست واحدة بل اثنتان القريبة التي لا بد منها لممارسة الحياة والثانية التي تشتد إنارة مع تقدم العمر. وبالنسبة للقريبة فقد تمكن فريق علمي في جامعة بون في ألمانيا في مركز الصرع الذي يعتبر الأعظم في العالم من كشف النقاب عن بوابة تشكل الذاكرة أي أول الخيط كما يقال. والذي وضع هذا السر بين أيديهم رجوعهم إلى حالة غريبة حدثت في أمريكا على المريض (هاري مورجان) من (مانشستر) من ولاية (كونيكتيكت) الذي كان يشكو من نوبات صرعية وبرسم المخ وتصويره تبين وجود ورم في منطقة الدماغ الوسطى مما جعل الجراح الأمريكي (ويليام سكوفيل) يومها يقترح على المريض إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم. ويوم 23 أغسطس من عام 1953م تم استئصال كتلة بحدود 8 سم من المنطقة الصدغية وقرن آمون وما جاورها. وعندما استيقظ المريض من التخدير كانت قدرة التذكر عنده قد محيت بالكامل كما لو أن يداً جاءت فعطلت آلة هائلة تلتقط المعلومة ثم تقوم بتخزينها. فحتى ذلك التاريخ قبل العملية كان الرجل يتذكر الأشياء أما بعدها فقد أصبح رجلاً آخر. صحيح أنه يقوم بنشاطه العادي فيحسب ويعد ويحزم حقيبته ويسلم على ضيوفه ولكن لا يتذكر أي شيء قبل ذلك، فإن دخل الزائر عليه مرة أخرى بعد ثوان نسي أنه قابله قبل لحظات. وإن وضع مفتاحه في مكان نسي مكانه ولو كان قبل ثوان. وإن تحدثت معه بكلمة عن شيء فهمه بدون مشكلة ولكن بعد تركه للحظات تكون الكلمة وما حولها قد تبخرت ودلفت إلى مستودعات النسيان. فلقد تحولت ذاكرة السيد مورجان إلى غربال تتسرب منه كل قطرة من الذاكرة الحديثة. وبكلمة ثانية كانت (آلة) تشكيل الذاكرة عنده قد انعطبت بدون رجعة أو أمل في الإصلاح. وبالمقابل فقد بقيت الذاكرة القديمة المحفوظة قبل العملية على ما هي عليه، فهو يتذكر الطفولة كما أن الخبرات القديمة التي تشكلت حافظت على نفسها. ولكن المشكلة كانت في أي إضافة جديدة للذاكرة، وهذا يعني أن عملية تراكم الخبرة توقفت، لأن الإنسان ينمو بنمو الخبرات التي تأتي من الحفاظ عليها بواسطة آلية الذاكرة. وكانت هذه المسألة قد شغلت بال طبيب كندي يعمل في الأمراض العصبية وأبحاثها هو وايلدر بنفيلد حيث قام بإدخال الكترودات (مسابر) في غاية النحافة ودرس خارطة قشر الدماغ وتعرف على تضاريس دماغنا بشكل مثير ومنه تحريض الذاكرة حيث عرف أن تحريضاً كهربياً لمناطق بعينها يحرض ليس صوراً بل أفلاما متحركة لذاكرة دفنت في العالم السفلي للذكريات. وحالة المريض (هاري مورجان) التي نذكرها الآن بعد مرور قريب من نصف قرن فهو مازال يعيش في نزل للمسنين حيث كان قد أجرى العملية وعمره 27 سنة. ويعتبر ما حدث بالنسبة له كارثة كاملة ولكنها بالنسبة للطب كنز لا يقدر بثمن لأنه أمكن معرفة أن هناك أساسا ماديا وطرقا عصبية محددة ومناطق بعينها تشكل الذاكرة. واليوم في جامعة (بون) في قسم مرضى الصرع يقوم فريق علمي مكون من ثلاثة الأول طبيب العصبية (جيلين فيرنانيث) والفيزيائي (يورجن فيل) وعالم النفس التجريبي (بيتر كليفر) بدراسة أدمغة المرضى المصابين بالصرع، ويستعينون بقسم الجراحة الذي يزرع الكترودات قياس لالتقاط موجات الصرع ومكان تشكيلها حتى يمكن التداخل لاحقاً على نحو محدد لإزالة بؤرة إشعال النوبة الصرعية (3) وكذلك معرفة الآثار المترتبة على الجراحة فيما لو كانت في منطقة مسؤولة عن الذاكرة أو سواها كما حدث سابقا مع هاري مورجان.

الطالع السعيد
11/07/2004, 03:15 AM
(32)

قصة روزاليند فرانكلين وكشف الكود الوراثي :


التاريخ العلمي كوميديا كاملة يضحك فيها الإنسان ويبكي حينما يعرف أسرارالإنجازات العلمية. والناس تقرأ ما سجل وحفظ والله وحده يعلم السر وأخفى من السر فما هو يا ترى أخفى من السر؟ السر هو الذي يكشف عنه بعد حين، وما أخفى ما لا يكشف إلا يوم يقوم الناس لرب العالمين وتموت الأسرار مع أصحابها فتطويها صفحة القبر. ومما كشف من هذه الأسرار قصة نساء ساهمن في أعظم إنجازات الثورة العلمية الحديثة ولكنهن كن (مرفوضات وغير معترف بهن) ومنها قصص ثلاث نسوة عبقريات كان لهن الدور الكبير في إحداث اختراقات نوعية في العلم الحديث هن: (روزاليند فرانكلين) التي تعتبر أول من كشف النقاب عن تركيب الشيفرة الوراثية و منهن (دوروثي كروفوت هودجكن) التي طورت تقنية معرفة (التركيب الذري) للبنسلين والأنسولين و(باربارا مك كلينتوك) التي طرحت فكرة ثورية عن (طفرة) الجينات وتغير صفات الكائن مع الزمن. أما قصة (روزاليند فرانكلين) فحزينة وتروي الخيانة في العمل وسرقة الجهود؛ فعندما شقت الطريق إلى معرفة تركيب (الكود الوراثي) عند الإنسان من خلال تطوير تقنية دراستها بالأشعة السينية، في عمل إبداعي مذهل وصور على غاية الجمال، خانها صديقها في العمل (موريس ويلكينز) لأنها كانت عالمة معتدة بنفسها أكثر من مساعدة تبني مجدها، فتطوع بنقل عصارة جهدها سراً لرجلين منافسين هما الثنائي (جيمس واتسون وفرانسيس كريك) اللذان حصدا ثمرة عملها بقطف جائزة نوبل للكيمياء الحيوية عام 1962م، وتسجيل اسمهما في التاريخ أنهما كانا أول من سبق في إماطة اللثام عن تركيب الخارطة السرية للخلق (الحامض النووي) في نواة الخلية عام 1953 ولكن القليل من يعلم عن خلفية الأحداث ومن يصنعها كما هو الحال مع (أديسون وتيسلا) الذي اشتهر به الأول ونسي الثاني، وأثناء لمعة الثنائي كريك وواطسون في الساحة العلمية كانت أثناءها روزاليند فرانكلين قد ماتت بسرطان الثدي عن عمر 37 سنة. لم يكتف (جيمس واتسون) بالاستفادة من عمل السرقة بل لاحقها إلى القبر في كلمات عجيبة تخترقها في أهم خصوصية لها كأنثى: مع أنها كانت فاتنة لم تكن لتعنى بنفسها كامرأة قط،لا في ملابسها ولا حتى بأحمر الشفاه؟! ولكنه اعترف في آخر كتابه بأن معلومات الكشف الخطير تسربت له من يهوذا الخائن. وأما (دوروثي هودجكن) التي درسَّت في أوكسفورد وكان من تلامذتها أول رئيسة وزراء هي (مارجريت تاتشر) فكان لها دور اكتشاف البناء الذري للمواد الكيمياوية الحيوية التي سمتها (البللورات الأنيقة الجميلة) مما قاد إلى الإمساك بسر تصنيعها لاحقاً كما في الأنسولين الذي قامت بدراسته لمدة 35 سنة، أو الفيتامين ب12 الذي اشتغلت عليه لمدة سبع سنوات وكان نقصه يقود إلى فاقة الدم الخبيثة القاتلة، ولم يمنعها الروماتيزم الخبيث الذي شوه يديها من متابعة عملها، فوصلت إلى معرفة تركيب الكوليسترول المركب الأساسي للهرمونات الجنسية، والفيتامين Dالمسؤول عن كساح العظام عند الأطفال، وفي النهاية تم الاعتراف بها فمنحت جائزة نوبل للكيمياء عام 1964 وكانت المرأة الثالثة في تاريخ الجائزة، ووصلت في خاتمة حياتها إلى رئاسة (اتحاد العلماء) عام 1975 م وأمضت بقية حياتها تكافح ضد التسلح النووي لتودع العالم عام 1994م.

الطالع السعيد
17/07/2004, 09:06 PM
(33)

مصير العلم في الوطن العربي


عند (بعض) بوابات الحدود العربية تطل سحنة موظف عابس كاره لعمله؛ فيتسارع نبض المواطن العربي مع تسليم الجواز، ويجف ريقه متظاهراً بالابتسام، في سحنة صفراء لا تسر المستقبلين، ثم تبلغ القلوب الحناجر في انتظار عودة الجواز، أو تدور الأعين كالذي يغشى عليه من الموت عندما يتأخر الجواز فلعل المواطن مطلوب لجهة أمنية! ما معنى تسرب الكفاءات وهرب رؤوس الأموال ونزيف الأدمغة وصدور أفضل الكتب والمجلات مطبوعة بالحرف العربي في مكان لا يوجد فيه ناطق واحد باللسان العربي؟! إنها رواية بائسة! فهل يمكن لكائن من هذا النوع أن يعيش؟ يقول المثل القوقازي: من يفقد وطنه يفقد كل شيء، بدون حبل سري ومشيمة ثقافية، يمشي فوق أرض بدون جاذبية فقد التوازن الخلاَّق، مكباً هائماً على وجهه، هل يستوي هو ومن يمشي سوياً على صراط مستقيم؟ في ورطة من نوع محير فلا الشرق يعجبه ولا الغرب يسعده يعيش نفسياً في الأرض التي لا اسم لها! ما معنى تدفق المهاجرين العرب إلى كل أصقاع الأرض يشكلون 10% من سكان مونتريال في كندا وهم لا يعلمون ؟ يحلمون بجنة أرضية جديدة، بعد أن غادروا وطناً تحول فيه بعضهم لبعض عدوا، بلجوء جوع إلى السويد وألمانيا، أو الاستعداد للزواج من أي فتاة أجنبية للقفز معها إلى المجهول هرباً من الجوع والبطالة، أو شراء جوازات سفر من الدومينيكان والأرجنتين بعشرات الآلاف من الدولارات بدون تواجد، في تحصيل جنسيات لعائلاتهم يأمنون بها على أنفسهم في الشرق المنكود؛ لعلها تنفع يوماً. لو فتحت السفارة الكندية أبوابها لهجرة مفتوحة بدون شروط في أي عاصمة عربية لزحف إليها كل إنسان بين الـ 16 والـ 60 عاماً كأنهم جراد منتشر يقولون هذه فرصة لا تفوت! في فرار من سفينة تهوي في رحلة موجعة إلى قاع المحيط بأسرع من غرق التيتانيك! المواطن العربي في كثير من الأقطار العربية لا يتمتع اليوم بالضمانات الاجتماعية في إحساس بالدوار، بدون أمل في معرفة الاتجاهات، في غابة تتشابك فيها الأكواع، مواطن بلا وطن، ليس عنده قوت يومه، غير آمنٍ على عياله، لا يعرف ماذا يحمل له المستقبل الأسود من هموم، خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا، يعيش ثقافة ميتة ودعت نبض الحياة، يعيش كي لا يعيش، لا يمر يوم إلا والذي بعده شر منه، في رحلة ترد لا تعرف التوقف، في حجم مشاكل أكبر من التطويق فوق مستوى من بيده القرار والحل، يتخرج فيه الطالب الجامعي بدون أمل في مرتب يوفر له سقفاً يظله، أو يمنحه إمكانية بناء عائلة ينجب فيها أطفالاً سعداء يثقون بأنفسهم وبالحياة، في مجتمع يمشي باتجاه كارثة محققة!! لقد أصبح وضعنا مهزلةً للعالمين، في حجم النكتة بدون أن يضحك أحد. أ فمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون؟ لقد عاش جيلنا كلاً من الوهم القومي الثوري وحمى الحركات الإسلامية وانتهى إلى إفلاس الاثنين لينشأ جيل (الصدمة) أخطر ما فيه شعوره أن العلم لا قيمة له ولا يدفع مسغبة الجوع، في وقت تدفع فيه أرحام الجامعات شباباً عاطلين إلى شوارع مكتظة بالفقراء. ليس غريباً أن ينشأ تيار أشد من المكنسة الكهربية يشفط كل العقول والأموال في تيار أطلسي أقوى من ظاهرة النينو. من يستطيع الهرب من الأوضاع يبحث عن الخلاص الفردي بين ركاب سفينة يتخاطفون أطواق النجاة يلقي أحدهم بنفسه في اليم وهو مليم، فإن لم يهلك هو ماتت ذراريه في بطن الحوت الرأسمالي ما لم يكن
من قوم يونس، أو غرق في لجج ثقافة غربية تضرب سفينتنا الغارقة بموج كالجبال.

ليس أمامنا للنجاة في طوفان الحداثة إلا الانطلاق بمشروع بناء سفينة نوح من الفكر جديدة ولكن المشكلة ببساطة أن نوح لا يعيش بين ظهرانينا، ونواجه مشاكلنا بخطب من العصر المملوكي ، وعقولنا مبرمجة في متاهات فئران التجربة في قبضة مسلمات لا فكاك منها، نحتاج إلى ولادة جديدة من رحم امرأة عجوز عقيم في انتظار استنساخ أسطوري. اجتمعت باثنين من عائلة مهاجرة كندية أنفقت عليهما حكومتها بسخاء ورجعا بأعظم شهادة جامعية، فلما رجعا إلى الوطن كانت المفاجأة أكبر من الصاعقة؛ فغادرا البلد بعد عدة سنوات في حالة ذهول قد تبخرت من رؤوسهما الأحلام الوردية، وتركا خلفهما الشهادات الكبيرة للوطن؛ فهما يتكسبان عيشهما اليوم في محل لبيع ملابس الأطفال، أو بيع قهوة فان هوتن والتحول من أستاذي جامعة إلى (قهوجيين)!! في شهادة صاعقة على مصير العلم في الوطن العربي الكبير.

الطالع السعيد
19/07/2004, 12:49 AM
(34)

لماذا يهاجر المواطن العربي؟

كانت القاضية الكندية تنطق بكلمات واضحة بطيئة تكررها باللغتين الفرنسية والإنجليزية: أيها السيدات والسادة نحن نعلم الرحلة الصعبة التي قطعتم، والأوطان الغالية التي فارقتم، طمعاً بمصير أفضل لتستقروا في هذا البلد الرائع. أيها الناس نحن فخورون بهذا الاستقطاب لثمانين إنسانا ينتمون إلى ما يزيد عن ثلاثين جنسية. تابعت: دخلتم هذه القاعة مهاجرين وتخرجون منها مواطنين مثلي لا أتميز عنكم بشيء. الحق أقول لكم ادخلوا هذا البلد بسلام آمنين، واعتنقوا الدين الذي به تؤمنون، وتنقلوا واعملوا في أي مكان تحبون، وادخلوه وغادروه في اللحظة التي ترغبون، تعلموا قول الحق والعمل به وفي ذلك لومة لائم لا تخشون. علموا أولادكم ذلك وعلى محاربة كل ألوان التمييز العنصري والجنسي كونوا حريصين. في النهاية ختمت القاضية خطبتها: والآن قوموا فليسلم بعضكم على بعض فقد أصبحتم بنعمة الله إخوانا. عندها لم يتمالك معظم من في القاعة عن إمساك دموعهم مبللة بذكريات مؤلمة من جمهوريات الخوف ودياسبورا التشرد. كان أكثرهم بكاء عائلة فلسطينية. كانت الخطبة تذكر ببيعة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم!... هذا الكلام ليس دعاية للهجرة إليها فالناس يهرعون إليها من مشارق الأرض والمغارب بأشد من جذب المغناطيس لبرادة الحديد بين قطبين: يأس من وطن لم يبق فيه مكان للمواطنة، وأمل بوضع القدم في أرض الميعاد، يسبحون في تيار أطلنطي على ظهر مركب من ذهب، لينعموا ببلد يجمع بين سحر الطبيعة والنظام وكل الضمانات، تحتل فيه كندا الرقم واحد في العالم حسب إحصائيات الأمم المتحدة على الرغم من برودة الزمهرير في درجة حرارة قد تصل شتاء إلى 63 تحت الصفر، لا يشعر مواطنوه بذلك البرد الذي يضرب مفاصل المواطنين العرب في شتاء الشرق الأوسط الدافئ؛ فالحضارة كما نرى لا تعرف الجغرافيا! لماذا يغادر الكندي بلده ويعود إليه في أي وقت يشاء وبدون تأشيرة؟ يعود هذا إلى مرسوم (الحريات والحقوق) الذي يسلم باليد كأول وثيقة مع تهنئته على الجنسية تتضمن حقه أن يغادر بلده كما يحلو له فالوطن بيته، ومتى يسأل الإنسان وممن يأذن بمغادرة بيته أو الإيواء إليه؟ أما بعض الحدود العربية فقد تحولت إلى أسوار شاهقة لسجون كبيرة تحتجز مواطناً مسكيناً ويتيماً وأسيراً.

الطالع السعيد
21/07/2004, 02:52 AM
(35)

القطار الرصاصة بسرعة 8000 كلم في الساعة!

هل يمكن بلوغ سرعة 8000 كلم في الساعة وعلى الأرض أو في نفق وعلى ظهر قطار؟ والجواب نعم. ومن أجل رفع السرعة إلى مثل هذه القدرة الخيالية فقد اعتمدوا أمرين: قوة المغناطيس وتفريغ الأنبوب من الهواء. فقد ثبت حسب إفادة (روبرت شايلد) من معهد (ما سا شوست) للتكنولوجيا أن سرعة الأشياء ضمن أنبوب مفرغ تقفز ثلاث مرات. فأما المغناطيس فهو يلغي الاحتكاك مع الأرض وأما تفريغ الأنبوب من الهواء فسوف يلغي مقاومة الهواء فيطير القطار هكذا في خلاء بدون مقاومة وكأنه في عالم آخر خارج الأرض. وسرعة هذا القطار إذا تم الاعتماد فيها على التقنية المضاعفة من قوة المغناطيس وتفريغ الهواء تصل إلى 8000 كلم في الساعة أي أن الرحلة بين نيويورك ولندن سوف تكون في 54 دقيقة، مقارنة بالسفن قديما التي كانت تحتاج أسبوعا إلى أسبوعين أو طائرات الجت الحديثة التي تتطلب سبع ساعات.

وبإمكان القطار حمل ألف من الركاب. وبالنسبة لقوة المغناطيس فالألمان حاليا يجربون طريقة القطار (ماغليف) المغناطيسي بسرعة 500 كلم في الساعة الذي لا يمشي على عجلات بل يطير فوق السكة لمسافة سنتمترين بفعل العمل المغناطيسي فلا يبقى احتكاك فكيف إذا تم التخلص من مقاومة الهواء وهو شيء أشبه بالخيال ولكن القطار الذي يمشي حاليا بين طوكيو وهيروشيما يطير هكذا بدون دواليب بسرعة 400 كلم في الساعة، ما يعادل سرعة طيارة من نموذج قديم. وهو أمر يكاد يذهل له المرء أن تمشي الأشياء بدون عجلات بعد أن اعتمدها الإنسان ثلاثة آلاف سنة. وهناك مشاكل جديدة في هذه السرعة المخيفة وهي الحرائق أو الصدم أو قوة الجاذبية، فلو حدث اصطدام بهذه السرعة الخرافية من عيار آلاف في الساعة فسوف يتبخر الركاب قبل أن يشعروا أنهم انتقلوا إلى عالم الآخرة! وبالنسبة لقوة الجذب فنحن نعرف عن رواد الفضاء أن وزنهم يزداد مع السرعة والانخلاع من جاذبية الأرض قبل أن ينعدم الوزن حين بلوغ سرعة 27 ألف كلم في الساعة في الفضاء الخارجي. ومعروف عن الطيارين أن السرعة تزيد الكتلة وأحيانا قد يصل وزن الطيار إلى ألف كيلو جرام وتنفرغ الأوعية المغذية للمخ من الدم فيصاب بفقد الوعي وهو أمر يمكن أن يحدث مع قطار الأطلسي. ولذا زود القطار بكراس خاصة دوارة ذات نوعية خاصة كما أن السرعة سوف تزاد بالتدريج على ثلاث مراحل كل مرحلة تستغرق 18 دقيقة تبدأ الأولى من نيويورك حيث يندفع القطار من قفل هوائي ثم تزاد السرعة بالتدريج في الـ 18 دقيقة الأولى في مسافة الألف كيلومتر الأولى ثم ينطلق القطار تحت تأثير شفط المغناطيس وانعدام مقاومة الهواء بأسرع من طلقة المسدس وهو ما أخذ اسم القطار الرصاصة، بحيث يحقق سرعة 8000 كلم في الساعة في الـ 18 دقيقة التالية وفي الـ 18 دقيقة الأخيرة تتباطأ السرعة تدريجيا حتى يحط الرحال في عاصمة الضباب لندن في 54 دقيقة!. وهذا يعني أن البحار لم تعد تفصل الناس، فأين عيون (كريستوف كولمبس) ليرى الفرق بين رحلته وهذه الرحلة. والفرق بين الخيال والحقيقة شعرة وكل قصص ألف ليلة وليلة كانت هكذا من بساط الريح والعملاق والجني وحوريات البحر. وكلها رموز لحقائق رأتها أعيننا واشتهى أن يراها الأقدمون فتخيلوها.
ونحن اليوم نطير بأسرع من الطيور. ونتخاطب مثل الجن بسرعة الضوء. ونرى عمق المجرات في أبعاد سحيقة بعيون من تلسكوبات خارج أرضية. ونسحق الزمن إلى الفيمتو ثانية. ونرسو على سطح الكود الوراثي. ونكتشف الكواركز واللبتونات من الجزيئات دون الذرية. ونعرف تاريخ الديناصورات قبل 245 مليون سنة، ونكتشف هياكل عظمية للإنسان قبل سبعة ملايين من السنين. ونعرف أن الكون انفجر قبل 15 مليار سنة من نقطة رياضية متفردة.

جني عمان
26/07/2004, 01:42 AM
شكرا للبطاشي

الطالع السعيد
26/07/2004, 04:55 AM
والشكر موصول لك للرفع

الطالع السعيد
26/07/2004, 04:58 AM
(36)

حقائق بترولية

يخضع البترول لثلاث حقائق: أن ما عندنا ينفد وما عند الله باق فلا يمكن أن يبقى أبد الدهر. وأن هذا النفاد قريب وليس بعيداً. ولن يدوم قرونا بل هو رهن عشرات السنوات. وأن على العالم اكتشاف بدائل للطاقة. وعلى العرب أن يستفيدوا من آخر قرش منه فهي فرصة تاريخية لبناء أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولكن العالم يستهلك النفط بجنون وتسارع، والعرب في حالة فوضى كاملة يعيشون أسوأ عصورهم السياسية. والويل للمغلوب. وكما تقول وزيرة المالية النيجيرية (نيدادي عثمان) إن البترول علمنا الكسل؟ والوضع كما وصفه (ديك تشيني) من الإدارة الأمريكية عام 2004م متناقض فبقدر نضوب النفط بقدر شدة الطلب عليه. وكل عام يزداد استهلاكه بمقدار 2% في الوقت الذي ينضب بمقدار 3%، وهذا يعني أن الحاجة للنفط عام 2020 ستنقص بمقدار 50 مليون برميل يوميا. وهو أكثر من إنتاج السعودية الحالي بست مرات. فهل يمكن للدول المنتجة للبترول أن تعوض هذه الحاجة؟ وفي عام 2004م بلغ استهلاك البترول السنوي 29 مليار برميل ولكنه سيصبح عام 2020 م بمقدار 42 مليار برميل. وحسب الخبير البترولي (باول ديفيس) فإن احتياطي النفط هو 1200 مليار برميل ولو بقي الاستهلاك بدون زيادة فسوف يشرب في أربعين سنة كامل الاحتياطي فكيف إذا تضاعف الاستهلاك. بكلمة ثانية بيننا وبين نهاية عصر البترول ربما ربع قرن أو أكثر بقليل! ومن يدخل العصر يستهلك البترول واستهلاك دول الشرق الأقصى ارتفع عندها في الربع الأول من عام 2004م بمقدار 18%. والصين تتضخم اقتصاديا وتستهلك 5.6 ملايين برميل يوميا بعد الولايات المتحدة. وبين عامي 2003م و2004م قفز الاستهلاك في العالم بمقدار مليوني برميل يوميا في الوقت الذي لا يملك أربعة مليارات من البشر أي سيارة. ومن يستهلك هو أمريكا فهي تستهلك ربع الإنتاج العالمي بمقدار 20 مليون برميل يوميا. والمواطن الأمريكي الواحد يستهلك في السنة 26 برميلاً في الوقت الذي يستهلك الصيني 1.8 والهندي 0.9 برميل في العام الواحد. وقصة البترول تعود إلى عام 1865م حينما اكتشف للمرة الأولى في أمريكا بولاية بنسلفانيا. ويذكر عملاق النفط جون روكفلر أن مدينة بيتهول عاشت أياماًَ ذهبية حينما انفجر النفط من أرضها فهجم الناس عليها من كل حدب وصوب يحدوهم الأمل بتحصيل ثروة سريعة في نزهة مريحة. وامتلأت الجيوب بالمال والنفوس بالآمال ووجدت فرص العمل لكثيرين واستفاد المقامرون والمضاربون ودامت الحالة سنة. وخلال هذه الأيام الذهبية أقبل الناس على شرب الخمر فدلقوا في بطونهم أطنانا مضاعفة من الغول. ونقل عن الصحيفة المحلية يومها واسمها الأمة أو الوطن NATION)) أن كمية الخمر التي شربت في تلك المدينة الصغيرة لم تضارعها أي كمية أخرى في أي مدينة في العالم. وهذه هي حال الإنسان مع الرفاهية. وبعد عام من الرخاء نضب البترول وهرب الناس بأسرع مما جاؤوا وخلت المدينة من سكانها وكأن طاعوناً ضربها. ويذكر جون روكفلر في مذكراته أن ما حدث أذكى مخاوفه ووضع أمامه السؤال المركزي ما ذا سيحصل لو أن البترول نضب من العالم كما حصل في مدينة بيتهول. ولحسن الحظ فإن الرجل عاش طويلا وعمر حتى سن 97 سنة وأصبح عملاقا ماليا وباسمه شركة ستاندارد أويل التي أخذت اسم ايكسون موبايل ولها فرعها في ألمانيا باسم أيسو وازدهرت شركته كثيرا وتم الكشف عن حقول نفطية هائلة واستخدم بين أيام روكفلر واليوم 950 مليار برميل والسعيد من وعظ بالتاريخ والشقي من شقي بنفسه.