رياض سالم عمر
26/02/2004, 10:59 AM
هموم الكتابة.
(أكتب ..ربّما لأجد نفسي في ركام الحروف.. لألقى ذلك الانسان ....الذي لا أراه
ولا أتبيّن منه شيئاً.شيء ما ..أبحث عنه....اليراع له عيون سيسعفني لأجد ما أفتقده....
آه....الحروف عندي ...لها جسد...وأريج ...ألمس بعض الكلمات أحياناً...أتحسّسها..أشعر بنفاذها إلى الأعماق....فالكلمات عندي...أرى لها فماً...عيوناً...أنفاً...وجهاً متكاملاً...جميلاً..أراها شيئاً حيّاً....يتنفّس ...يفرح..
يغضب....يبكي...يجري.....والأجمل أنّها لاتقف عند حدود الحواس..
أشعر بها تسير في الدم.....تسكن القلب..تنير العقل....تصنع الإلهام....
ماذا أقول؟
أشعر أحياناً أنّ روحي تحملها الحروف ..أوهي تحمل الحروف.....أو هي الحروف ذاتها!!
وهاأناذا أجهد في الوصف....فتعجزني الحروف!!
ألأ نّـها أقوى منّي؟
ربّما...ولا يسوؤني ذلك!!
الحروف وحدها التي لا تفقد معها حريّتك...عند شعورك
بالعجز أمامها!!
كل شيء تعجز عنده...تصبح عبداً له!! لكنّ الحروف لا تصنع ذلك...إنّها كريمة
حتّى أيام الجدب....عندها تغدو كريمة بالصبر عليك....تعطيك عند العجز أملاً
تهديك عند الجدب غيثاً من الشّعور....شعور المحاولة
أن تحاول يعني أن تحيا!!
حاول.مارس الحياة)
دروس الكتابة
الكتابة: أتصنعنا أم نصنعها؟
تحدّيات الكتابة
أكتب عن الكتابة بمحض معناها وبغض النظر عن تنائجها
أي عن الكتابة سواء كانت لله أم للشيطان!!
الكتابة كنشاط انساني , عن اليد التي تمسك
من منهما المرآة.....الكاتب أم الكتابة؟
والذي يهمّني حقاً هو انعكاسات الكتابة على النفس , عن الجوانب التي تصنعها والهدايا التي تهديها إلينا.
وكلّما سمعت قوله تعالى:
((والقلم وما يسطرون))
أشهد أنني اهتز هزّاً , وتتماوجني حركة عجيبة لا أستطيع وصفها ,وأعجب لنا كيف نريد حصر القلم والسطر في معاني قاموسيّة وضعناها نحن!!
أعجب كيف نغفل عن الكون.....ذلك المعجم الكبير بكل نواحيه التي نعلمها والتي لا نعلمها.
وكلّما تذكّرت أنّ القائل هو الله سبحانه تسامت عندي المعاني وعلت ثم علت حتى أقر بالعجز عن إدراكها , وأتشرّف بهذا العجز وأفخر به.
ياه.....أيها القلم...أيها السطر!!
ترى أي شرف لهما بهذا الذكر وأي فخر هذا؟
(وما يسطرون)
أهذا السطر هو هذه الكلمات التي تبدأ من حرف وتنتهي إلى صفحة , وتبيت في دور صنعت من الحروف؟
أم أن السطر أكبر من ذلك ...والصفحة أعظم من ذلك....و(ما)يسطرون شيء أوسع من كل ذلك؟
لمَ لا يكون القلم روحاً تخفق ونفساً تضطرب....أو تلك العيون المسافرة....أو..؟
لمَ لا يكون السطر تلك العقول و وتلك النهى , وتلك النفوس تشكلها الكتابة وتصنعها صنعاً؟
أزعم أن القراءة تصنع القارىء وترمي بكل ما عندها إلى ارضه الفارغة , ولربما نبتت الزهور هنالك أو الأشواك ..لا أدري!!
والذين يحسبون أنهم هم الذين يمسكون بأزمّة الكتب , وليست الكتب التي تمسك بأعناقهم , عليهم أن يراجعوا أنفسهم ليدركوا الحقيقة المؤسفة!!
القراءة...ذاك العالم الواسع المليء بكل شيء, عالم لا أفهمه إلى الآن , ولا أحسبني سأفهمه ولست منزعجاً لذلك.
فإنني لا أفهم للقارىء النهم أمراً يسمّى الاختيار!!
حقّاً لا أفهمه...لكن كيف يتم الهروب من آثار هذا الجبر السيئة؟
لكنّي على الجانب الآخر أزعم أن الكتابة لا تأتي على صاحبها إلا بالخير!!
إنها تنمّي فيه طاقات عجيبة وقدرات أعجب...من تحد وصبر وإصرار.
وهل الكتابة إلا سلسلة من التحدّيات؟
أليس البحث عن هذه الأحرف ورصفها لتكوين معنى...تحدياً؟
أليست الكلمات التي تشق لها الأنفس وتشقى لجلبها لإخراج مافي الوجدان إلى وجوه الصفحات تحدياً؟
وملء الصفحات ثم تمزيقها...ثم ملؤها وتمزيقها....أليس هذا سمواً بالانسان إلى منازل أشك أنه سيدركها إن لم تكن هناك الكتابة!!
أرى الكتابة إصراراً على الحياة ..وأرى الذين يكتبون ولا يقرأون خيراً من الذين يقرأون ولا يكتبون!!
لأن الأوائل أحياء يصرّون على البقاء
والآخرين عاجزون ينتظرون الموت!!
أعرف الكثير ممّن يفرّون من الكتب فرارهم من الأسد..وكانوا في ظروف حرجة عجبت لقدرتهم على تجاوزها...ثم اكتشفت أنّهم (يكتبون)....وأحد هؤلاء ممّن أعرفه وجد والداه أنّه كتب ما لم يكتبه مؤلف من وطنه!!!
نعم قد تكون عند أصحاب المقاييس الأدبية أو (الممتهنين) للكتابة تفاهات , أو أي شيء آخر ولكنّها عند (الكتابة) ,رعاها الله , جنين تضعه في عينيها وسويداء قلبها!!
وهؤلاء البسطاء على ماهم فيه من فوائد من الكتابة , إلا أنّهم معافون من شقاء الكتابة-أيمكنني القول شقاء؟-ومعاناتها وتحدّياتها , التي (ينعم) بها من أراد الكتابة أن تكون صدر أسراره الأمين.
ولا أعلم شقاء كشقاء استعصاء الكلمات !!
عندما يتعود الانسان على هذا النشاط الإنساني الممتع , ثم يمر عليه زمن يخرس فيه قلمه و وتأبى الكلمات الا الهروب , أو البقاء مختلجة في نفس مضطربة , أشعر حينها أنّ هذا موت بطيء!!
فإن لم يكن هناك من لا يجد ما أجده.....فسعداً له ثمّ سعداً...وكان الله في العون!!
الكتابة: بريق ...شعور....خلجان...خفقان...جنون. ..
أيأتي كل ذلك حسب الطلب؟
وهذا هو التحدي الكبير , وهذه هي الفائدة العظيمة
إنّ الذي يحفر بئرماء...بعد أن يصل إلىالقاع لا تنتهي غنيمته عند لمس الماء أو سماع خريره , بل إنّ البئر وحفر البئر زرعا في نفسه وعضلاته وجسده أشياء قد يعجز عن إدراكها.
وكذلك الباحث عن الكلمات و كذلك الذي يحفر في بطون الصفحات .....مجاهدته ومثابرته ..صبره الدؤوب...محاولاته المتكرّرة...كل هذا يرقى به إلى درجات عالية ليته يدركها فلربما أصرّ على الكتابة .
طربت لالتفاتة من عبدالله بن المقفع يشكر بها الأجداد أنهم حفروا لنا تجاربهم على الصخر!!
كيف لو أدرك زماننا ورأى حضارات بأكملها حفظت بالكتابة....وعلى الصخر أيضاً!!
الكتابة عالم يتساوى فيه الجميع ويعاني فيه الجميع!!
تتلاشى فيه الأزمان والألوان واللغات....وتنتهي فيه كل تلك الفوارق والحواجز...ولا فضل ساعتها إلا للكتابة والكتابة فقط.
أطلعني صديق على رسالة ابنة أخيه إليه , والتي لم تتجاوز الثانية عشرة ربما , وكان قال لي أنّها تكتب و وفوجئت بقلمها يعظم على كل عمر , ويتعدى سنينها المحدودة تلك.
كثيرة هي الكتابات التي تسرنا , وأكثر منها-ربما-التي تسوؤنا
لكن علينا أن نعلم أنها نفعت صاحبها بمالا يخطر على بالنا أو باله هو!!
هذه الانعكاسات(الكتابية) -إذا صح التعبير-على نفسية الكاتب , وعالمه كثيرا ما يغفل عنها صاحبها فضلا عن غيره.
ولا أدري ما الأسباب...فربما هي نوع من (العجرفة) تصيب الكاتب فيحسب أنه هو الذي يصنع النص , بينما النص لا يصنعه ....يفيد به ...لكن ينسى بعجرفته أنه يستفيد منه أكثر مما يفيد.
والنص الذي يخرج قد يقرأه الكثير , ويتأثرون به أو لا يتأثرون
وقد لا يقرأه أحد....لكن هذا النص لم يضع سدى في نفس من صنعه , لم تذهب فوائده في زرع خصال وبناء أركان كثيرة في شخصية الكاتب.
ولو أن كل كاتب نظر إلى نصه هذه النظرة بدلاً من نظرة الربح والخسارة , وكثرة من قرأ أو قلتهم , لكان أجدى وأنفع.
يقال أن بقايا أقلام الإمام ابن الجوزي جمعت لتسخين الماء الذي سخن لتغسيله بعد موته وكفت!!
فيالله....ما أعظم بر الكتابة!!
وسألت نفسي : ترى اكانت هذه بقايا الأقلام التي وقفت معه أثناء محنته , وكانت وقود الكتابة له و وقود الاستمرار في الحياة...والوقوف بشموخ في وجه الأزمات!!
وقرأت لحنا مينه أنّ الكتابة عنده بدأت (فشة خلق) من قهر اجتماعي ثم صارت تنفيسا عن عواطف مضطربة حبيسة الصدر , وفي النهاية صارت قضيّة(كيف حملت القلم ص22)
وما زلت أسأل :من صنع من؟!
إن الكتابة حياة أخرى لأنها أرق...وشعور...وإبحار في أعماق الذاكرة...,توهّج عقلي عالٍ..وروح تشف وتسمو لتكون نبضاً وجمراً ووهجاً في أشكال المئات من الكلمات , ونرى الحياة تضيء أمامنا نرى أنفسنا في أجساد أخرى...(أأفلحت في التعبير عمّا أريده؟!!)
لذا فالكتابة متى ما ماتت عند صاحبها فلن يقدر غيره على إحيائها!!
ولله ما أشقى تلك الحال , فالكتابة عند صاحبها غدت روحاً مع روحه وحياة إلى جانب حياته. وهذه الروح...هذه الحياة متى ما أصابها شيء , شلل مثلاً , صار إحساس الروح الأخرى بهذا الموت جحيماً , فهذا النصف الاخر يشقى بهذا الموت لأنه يشعر به و يذوقه ..يتجرّعه كل لحظة...هذا الجرح الغائر نصفه يشعر ويشقى بهذا الشعور!!
لكن لمّا كانت الكتابة تحدّياً فإنها صنعت صموداً لا يقف عند حدود هذه الجراح , بل يتعدّاها بالمحاولة وتكرار التجربة , يقوم بها صاحب الكتابة ولن تجديه محاولات الآخرين ولا تعاليمهم , بل سيجديه محاولته هو وصموده وثقته.
لأنّ عمراً إذا أكل ...فلن يشبع زيد المسكين!!!
(أكتب ..ربّما لأجد نفسي في ركام الحروف.. لألقى ذلك الانسان ....الذي لا أراه
ولا أتبيّن منه شيئاً.شيء ما ..أبحث عنه....اليراع له عيون سيسعفني لأجد ما أفتقده....
آه....الحروف عندي ...لها جسد...وأريج ...ألمس بعض الكلمات أحياناً...أتحسّسها..أشعر بنفاذها إلى الأعماق....فالكلمات عندي...أرى لها فماً...عيوناً...أنفاً...وجهاً متكاملاً...جميلاً..أراها شيئاً حيّاً....يتنفّس ...يفرح..
يغضب....يبكي...يجري.....والأجمل أنّها لاتقف عند حدود الحواس..
أشعر بها تسير في الدم.....تسكن القلب..تنير العقل....تصنع الإلهام....
ماذا أقول؟
أشعر أحياناً أنّ روحي تحملها الحروف ..أوهي تحمل الحروف.....أو هي الحروف ذاتها!!
وهاأناذا أجهد في الوصف....فتعجزني الحروف!!
ألأ نّـها أقوى منّي؟
ربّما...ولا يسوؤني ذلك!!
الحروف وحدها التي لا تفقد معها حريّتك...عند شعورك
بالعجز أمامها!!
كل شيء تعجز عنده...تصبح عبداً له!! لكنّ الحروف لا تصنع ذلك...إنّها كريمة
حتّى أيام الجدب....عندها تغدو كريمة بالصبر عليك....تعطيك عند العجز أملاً
تهديك عند الجدب غيثاً من الشّعور....شعور المحاولة
أن تحاول يعني أن تحيا!!
حاول.مارس الحياة)
دروس الكتابة
الكتابة: أتصنعنا أم نصنعها؟
تحدّيات الكتابة
أكتب عن الكتابة بمحض معناها وبغض النظر عن تنائجها
أي عن الكتابة سواء كانت لله أم للشيطان!!
الكتابة كنشاط انساني , عن اليد التي تمسك
من منهما المرآة.....الكاتب أم الكتابة؟
والذي يهمّني حقاً هو انعكاسات الكتابة على النفس , عن الجوانب التي تصنعها والهدايا التي تهديها إلينا.
وكلّما سمعت قوله تعالى:
((والقلم وما يسطرون))
أشهد أنني اهتز هزّاً , وتتماوجني حركة عجيبة لا أستطيع وصفها ,وأعجب لنا كيف نريد حصر القلم والسطر في معاني قاموسيّة وضعناها نحن!!
أعجب كيف نغفل عن الكون.....ذلك المعجم الكبير بكل نواحيه التي نعلمها والتي لا نعلمها.
وكلّما تذكّرت أنّ القائل هو الله سبحانه تسامت عندي المعاني وعلت ثم علت حتى أقر بالعجز عن إدراكها , وأتشرّف بهذا العجز وأفخر به.
ياه.....أيها القلم...أيها السطر!!
ترى أي شرف لهما بهذا الذكر وأي فخر هذا؟
(وما يسطرون)
أهذا السطر هو هذه الكلمات التي تبدأ من حرف وتنتهي إلى صفحة , وتبيت في دور صنعت من الحروف؟
أم أن السطر أكبر من ذلك ...والصفحة أعظم من ذلك....و(ما)يسطرون شيء أوسع من كل ذلك؟
لمَ لا يكون القلم روحاً تخفق ونفساً تضطرب....أو تلك العيون المسافرة....أو..؟
لمَ لا يكون السطر تلك العقول و وتلك النهى , وتلك النفوس تشكلها الكتابة وتصنعها صنعاً؟
أزعم أن القراءة تصنع القارىء وترمي بكل ما عندها إلى ارضه الفارغة , ولربما نبتت الزهور هنالك أو الأشواك ..لا أدري!!
والذين يحسبون أنهم هم الذين يمسكون بأزمّة الكتب , وليست الكتب التي تمسك بأعناقهم , عليهم أن يراجعوا أنفسهم ليدركوا الحقيقة المؤسفة!!
القراءة...ذاك العالم الواسع المليء بكل شيء, عالم لا أفهمه إلى الآن , ولا أحسبني سأفهمه ولست منزعجاً لذلك.
فإنني لا أفهم للقارىء النهم أمراً يسمّى الاختيار!!
حقّاً لا أفهمه...لكن كيف يتم الهروب من آثار هذا الجبر السيئة؟
لكنّي على الجانب الآخر أزعم أن الكتابة لا تأتي على صاحبها إلا بالخير!!
إنها تنمّي فيه طاقات عجيبة وقدرات أعجب...من تحد وصبر وإصرار.
وهل الكتابة إلا سلسلة من التحدّيات؟
أليس البحث عن هذه الأحرف ورصفها لتكوين معنى...تحدياً؟
أليست الكلمات التي تشق لها الأنفس وتشقى لجلبها لإخراج مافي الوجدان إلى وجوه الصفحات تحدياً؟
وملء الصفحات ثم تمزيقها...ثم ملؤها وتمزيقها....أليس هذا سمواً بالانسان إلى منازل أشك أنه سيدركها إن لم تكن هناك الكتابة!!
أرى الكتابة إصراراً على الحياة ..وأرى الذين يكتبون ولا يقرأون خيراً من الذين يقرأون ولا يكتبون!!
لأن الأوائل أحياء يصرّون على البقاء
والآخرين عاجزون ينتظرون الموت!!
أعرف الكثير ممّن يفرّون من الكتب فرارهم من الأسد..وكانوا في ظروف حرجة عجبت لقدرتهم على تجاوزها...ثم اكتشفت أنّهم (يكتبون)....وأحد هؤلاء ممّن أعرفه وجد والداه أنّه كتب ما لم يكتبه مؤلف من وطنه!!!
نعم قد تكون عند أصحاب المقاييس الأدبية أو (الممتهنين) للكتابة تفاهات , أو أي شيء آخر ولكنّها عند (الكتابة) ,رعاها الله , جنين تضعه في عينيها وسويداء قلبها!!
وهؤلاء البسطاء على ماهم فيه من فوائد من الكتابة , إلا أنّهم معافون من شقاء الكتابة-أيمكنني القول شقاء؟-ومعاناتها وتحدّياتها , التي (ينعم) بها من أراد الكتابة أن تكون صدر أسراره الأمين.
ولا أعلم شقاء كشقاء استعصاء الكلمات !!
عندما يتعود الانسان على هذا النشاط الإنساني الممتع , ثم يمر عليه زمن يخرس فيه قلمه و وتأبى الكلمات الا الهروب , أو البقاء مختلجة في نفس مضطربة , أشعر حينها أنّ هذا موت بطيء!!
فإن لم يكن هناك من لا يجد ما أجده.....فسعداً له ثمّ سعداً...وكان الله في العون!!
الكتابة: بريق ...شعور....خلجان...خفقان...جنون. ..
أيأتي كل ذلك حسب الطلب؟
وهذا هو التحدي الكبير , وهذه هي الفائدة العظيمة
إنّ الذي يحفر بئرماء...بعد أن يصل إلىالقاع لا تنتهي غنيمته عند لمس الماء أو سماع خريره , بل إنّ البئر وحفر البئر زرعا في نفسه وعضلاته وجسده أشياء قد يعجز عن إدراكها.
وكذلك الباحث عن الكلمات و كذلك الذي يحفر في بطون الصفحات .....مجاهدته ومثابرته ..صبره الدؤوب...محاولاته المتكرّرة...كل هذا يرقى به إلى درجات عالية ليته يدركها فلربما أصرّ على الكتابة .
طربت لالتفاتة من عبدالله بن المقفع يشكر بها الأجداد أنهم حفروا لنا تجاربهم على الصخر!!
كيف لو أدرك زماننا ورأى حضارات بأكملها حفظت بالكتابة....وعلى الصخر أيضاً!!
الكتابة عالم يتساوى فيه الجميع ويعاني فيه الجميع!!
تتلاشى فيه الأزمان والألوان واللغات....وتنتهي فيه كل تلك الفوارق والحواجز...ولا فضل ساعتها إلا للكتابة والكتابة فقط.
أطلعني صديق على رسالة ابنة أخيه إليه , والتي لم تتجاوز الثانية عشرة ربما , وكان قال لي أنّها تكتب و وفوجئت بقلمها يعظم على كل عمر , ويتعدى سنينها المحدودة تلك.
كثيرة هي الكتابات التي تسرنا , وأكثر منها-ربما-التي تسوؤنا
لكن علينا أن نعلم أنها نفعت صاحبها بمالا يخطر على بالنا أو باله هو!!
هذه الانعكاسات(الكتابية) -إذا صح التعبير-على نفسية الكاتب , وعالمه كثيرا ما يغفل عنها صاحبها فضلا عن غيره.
ولا أدري ما الأسباب...فربما هي نوع من (العجرفة) تصيب الكاتب فيحسب أنه هو الذي يصنع النص , بينما النص لا يصنعه ....يفيد به ...لكن ينسى بعجرفته أنه يستفيد منه أكثر مما يفيد.
والنص الذي يخرج قد يقرأه الكثير , ويتأثرون به أو لا يتأثرون
وقد لا يقرأه أحد....لكن هذا النص لم يضع سدى في نفس من صنعه , لم تذهب فوائده في زرع خصال وبناء أركان كثيرة في شخصية الكاتب.
ولو أن كل كاتب نظر إلى نصه هذه النظرة بدلاً من نظرة الربح والخسارة , وكثرة من قرأ أو قلتهم , لكان أجدى وأنفع.
يقال أن بقايا أقلام الإمام ابن الجوزي جمعت لتسخين الماء الذي سخن لتغسيله بعد موته وكفت!!
فيالله....ما أعظم بر الكتابة!!
وسألت نفسي : ترى اكانت هذه بقايا الأقلام التي وقفت معه أثناء محنته , وكانت وقود الكتابة له و وقود الاستمرار في الحياة...والوقوف بشموخ في وجه الأزمات!!
وقرأت لحنا مينه أنّ الكتابة عنده بدأت (فشة خلق) من قهر اجتماعي ثم صارت تنفيسا عن عواطف مضطربة حبيسة الصدر , وفي النهاية صارت قضيّة(كيف حملت القلم ص22)
وما زلت أسأل :من صنع من؟!
إن الكتابة حياة أخرى لأنها أرق...وشعور...وإبحار في أعماق الذاكرة...,توهّج عقلي عالٍ..وروح تشف وتسمو لتكون نبضاً وجمراً ووهجاً في أشكال المئات من الكلمات , ونرى الحياة تضيء أمامنا نرى أنفسنا في أجساد أخرى...(أأفلحت في التعبير عمّا أريده؟!!)
لذا فالكتابة متى ما ماتت عند صاحبها فلن يقدر غيره على إحيائها!!
ولله ما أشقى تلك الحال , فالكتابة عند صاحبها غدت روحاً مع روحه وحياة إلى جانب حياته. وهذه الروح...هذه الحياة متى ما أصابها شيء , شلل مثلاً , صار إحساس الروح الأخرى بهذا الموت جحيماً , فهذا النصف الاخر يشقى بهذا الموت لأنه يشعر به و يذوقه ..يتجرّعه كل لحظة...هذا الجرح الغائر نصفه يشعر ويشقى بهذا الشعور!!
لكن لمّا كانت الكتابة تحدّياً فإنها صنعت صموداً لا يقف عند حدود هذه الجراح , بل يتعدّاها بالمحاولة وتكرار التجربة , يقوم بها صاحب الكتابة ولن تجديه محاولات الآخرين ولا تعاليمهم , بل سيجديه محاولته هو وصموده وثقته.
لأنّ عمراً إذا أكل ...فلن يشبع زيد المسكين!!!