المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : كلمة الشيخ الخليلي بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة


أبو زياد
24/02/2004, 10:22 AM
كلمة سماحة الشيخ الخليلي التي ألقاها في حفل وزراة الأوقاف والشؤون الدينية الذي أقيم في كلية الشريعة والقانون :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أهل كل حمد ، وولي كل نعمة ، سبحانه له الحمد كله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله الله هادياً وبشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .

صاحب المعالي الشيخ عبد الله بن محمد السالمي وزير الأوقاف والشؤون الدينية ، أصحاب الفضيلة والسعادة ، أيها الأخوة والأبناء ، بتحية الإسلام الطيبة العطرة أحييكم جميعاً فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فإن من شأن الأمة الإسلامية عندما يكون تاريخها يتحفز ليتجلل عاماً جديداً بعد أن يخلع عاماً مضى ، من شأنها أن ترمق مناسبة عزيزة غالية مرت بهذه الأمة وهي مناسبة هجرة النبي صلى الله عليه وسلّم التي يرتبط بها هذا التاريخ العظيم لأنها كانت سبباً لميلاد هذه الأمة ولنهضتها بعد كبوتها ولظهورها بعد خفائها ولعزتها بعد ذلتها ، فإن الله تبارك وتعالى شاء أن يهيئ لنبيه عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أنصاراً يحملون هذه الدعوة بصدق وأمانة وجدارة ويجاهدون من أجلها وينطلقون بها إلى أرجاء الأرض ، وشاء الله سبحانه وتعالى أن تنصهر هذه الأمة في بوتقة واحدة بهذا الحدث العظيم الذي مر بها ، فإن الله سبحانه وتعالى جمع في ظلال هذه الهجرة بين جانبي المهاجرين والأنصار فكوّنوا مجموعة واحدة تنبض بقلب وتفكر بعقل واحد وتتجه وجهة واحدة لأن الإسلام الحنيف ذوّب جميع الفوارق بينها ، وكانت هذه الهجرة امتحاناً للطائفتين جميعاً إذ كانت سبباً للتضحيات العظيمة التي قدمها المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، فالمهاجرون خلوا وراء ظهورهم ديارهم وأموالهم وخرجوا من بين أهليهم وأولادهم لا يتجهون إلا إلى الله سبحانه وتعالى ، ولا يبالون بما يخلفونه ورائهم من أجل إرضاء الله عز وجل .
والأنصار أيضاً استقبلوا المهاجرين فأنزلوهم في قلوبهم قبل أن ينزلوهم في ديارهم ، وضربوا أروع الأمثال في التضحية ، وقد جسّد القرآن الكريم تضحية الطائفتين جميعاً عندما قال الله سبحانه وتعالى ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر:8) ، ثم عطف العنان إلى الأنصار فقال ( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9) نعم المهاجرون لم يلتفتوا إلى شيء من متاع هذه الحياة الدنيا ، فقد تساوى في ميزانهم تبرها وترابها ، وتعادل عندهم عذبها وعذابها من أجل الوصول إلى الغاية التي كانوا ينشدونه وهي إظهار هذا الدين الحنيف في الأرض ، والأنصار أيضاً كانوا لا يلتفتون إلى متاع هذه الحياة الدنيا لأنهم وهبوا مهجهم لله سبحانه وتعالى لذلك كانوا يحبون من هاجر إليهم مع أن دار الهجرة كانت دار محدودة من حيث المساحة ومن حيث الموارد ، ومن شأن أهل الدار أن يضيقوا ذرعاً بالمهاجرين ، ولكن الأنصار الذين صُنعوا على عين الله تعالى فجُردوا من كل الصفات التي يتصف بها البشر من شح وحب الأثرة والاستبداد كانوا بخلاف ذلك تماماً فكانوا يحبون من هاجر إليهم ، وكانوا يؤثرونهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة حتى أنهم كانوا يقدمونهم على أهليهم وعلى أولادهم ويشركونهم في أموالهم ، وبهذا ضرب هؤلاء وهؤلاء أروع الأمثال في التضحية والفداء وفي صدق مناصرة الله سبحانه وتعالى ومناصرة رسوله صلى الله عليه وسلّم ، ومن أجل هذا كانت تلك الانطلاقة السريعة التي لبثت عقداً من السنين بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلّم فملأت جزيرة العرب بدعوة الإسلام ، وانتشر هذا النور في أصقاعها ، وتحول الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومما كانوا فيه من ضيق الدنيا إلى ما انتقلوا إليه من سعة الدنيا والآخرة ، وأخذت هذه الدعوة تقرع أبواب الأكاسرة والقياصرة ، ولم يقبض الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم حتى بدأت منازلة أهل هذه الدعوة للإمبراطورية القيصرية لتقر عين رسول الله صلى الله عليه وسلّم بما هيأ الله تبارك وتعالى له من أسباب ظهور هذا الدين تصديقاً لقوله عز وجل ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف:9) ولئن كانت الأحداث تقاس بقدر معطياتها فإن جميع الأحداث التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي أولى جميع الأحداث بالدارسة والتأمل ولا سيما هذا الحدث العظيم لما ترتب عليه من نتائج لم تكن تدور بحسبان أحد من الناس وإنما كانت قدرا ًمقدوراً من عند الله سبحانه وتعالى ، فلذلك يجب على الأمة وهي تمر بهذه المرحلة الحساسة الدقيقة أن تراجع حساباتها ، وأن تعود تتأمل تأريخها العظيم وتتفقد كيف كان سلفها الصالح وتنظر إلى الدور العظيم الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بناء هذه الأمة على المودة والحب والتفاهم والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر كما يوحي بذلك قول الله سبحانه ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71) فما أجدر الأمة أن تتزود زاداً من هذه المناسبة التي تمر بها الآن لتتفقد أحوالها وما أحوجها......
لقد مر من هذا القرن الجديد نحو ربع قرن من الزمن ، مر بنا أربعة وعشرون عاماً ونستقبل الآن العام الخامس والعشرين ، وماذا قدمنا ؟
لقد قلت عندما كنا نودع القرن الماضي بأن الأمة عليها أن تحاسب نفسها ، وأن تتهيأ لأن تقوم بدورة تاريخية في خضم هذا المحيط الإنساني ، تكون تلك الدورة امتداداً للدورة التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى تتبوأ الإنسانية مبوأ الخير في هذه الحياة الدنيا ، ولتعرف طريقها إلى رضوان الله سبحانه وتعالى .
والإنسانية هي أحوج ما تكون اليوم إلى قيادة راشدة تأخذ بيدها إلى الخير وتسير بها على سواء الصراط حتى تتحول مما هي من فتن لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى إلى وضع آخر يكون ما فيه من خير امتداداًً للخير الذي ساقه الله تبارك وتعالى إلى هذه الأمة ببعث عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم الذي خاطبه الله تعالى بقوله ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107) ، ولئن كانت رسالته صلى الله عليه وسلّم رحمة للعالمين فإن خيرها وفضلها وعطائها لا يتوقف بانتهاء عهده صلى الله عليه وسلّم ، ولا بانتهاء الخلافة الراشدة من بعده ، ولا بانتهاء عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وإنما هو خير مستمر ، وإنما على الإنسانية أن تستفيد من هذه الرحمة ، وأن تحاول بأن تحاول بأن تحاسب نفسها بحسب هداية هذه الرحمة التي ساقها الله تبارك وتعالى إليها .
وعلى هذه الأمة وهي خير أمة أخرجت للناس ، أمة من شأنها أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر وأن تؤمن بالله وأن تقيم موازين القسط بين عباد الله سبحانه وتعالى عليها أن تحاسب نفسها فيما قدّمت لهذه الإنسانية وما عملت لخيرها وما علمت لمصلحة دينها فإن الله سبحانه وتعالى سائلها إذ يقول تعالى فيما أنزله على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ) (الزخرف:44)
فعلى الكل منا أن يحاسب نفسه على هذه المسؤولية ، وعلى كل منا أن يعمل لخير هذه الأمة ونهضتها من عثارها وانتشالها من ضياعها ، وعلى كل منا أن يعمل لخير هذه الإنسانية بالحرص على عودتها الحميدة إلى الخير والاستمساك بحبل الله تعالى المتين والاستنارة بنوره المبين والنهج في صراطه المستقيم .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين لما فيه خير الدين والدنيا ، وأن يأخذ بأيدينا لما يحبه ويرضاه ، وأهنئكم بهذه المناسبة الطيبة سائلاً الله تعالى أن يجعل هذا العام الجديد عام خير وبركة ورحمة وتآلف بين الأمة وتعاون فيما بينها ، وأن يجعله عام عز ونصر للإسلام والمسلمين إنه على كل شي قدير ، هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أبو مجاهد
24/02/2004, 11:11 AM
بارك الله فيكم وآجركم خيرا. يثبت ابتهاجا بهذه المناسبة السعيدة

جني عمان
24/02/2004, 07:29 PM
احسنت وجزاك الله خيرا عن السبلة واعضائها

المعافري
27/02/2004, 10:20 AM
شكرا لأبي زياد على جهوده الطيبة

وبارك الله فيك
:)

فتاة الاستقامة
27/02/2004, 06:58 PM
آمين يارب العالمين

المنخفض الجوي
27/02/2004, 09:07 PM
مشكور وجزاك الله الف خير

البدر المنير
06/03/2004, 07:22 PM
Originally posted by أبو زياد
لقد مر من هذا القرن الجديد نحو ربع قرن من الزمن ، مر بنا أربعة وعشرون عاماً ونستقبل الآن العام الخامس والعشرين ، وماذا قدمنا ؟
لقد قلت عندما كنا نودع القرن الماضي بأن الأمة عليها أن تحاسب نفسها ، وأن تتهيأ لأن تقوم بدورة تاريخية في خضم هذا المحيط الإنساني ، تكون تلك الدورة امتداداً للدورة التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى تتبوأ الإنسانية مبوأ الخير في هذه الحياة الدنيا ، ولتعرف طريقها إلى رضوان الله سبحانه وتعالى .
والإنسانية هي أحوج ما تكون اليوم إلى قيادة راشدة تأخذ بيدها إلى الخير وتسير بها على سواء الصراط حتى تتحول مما هي من فتن لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى إلى وضع آخر يكون ما فيه من خير امتداداًً للخير الذي ساقه الله تبارك وتعالى إلى هذه الأمة ببعث عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم الذي خاطبه الله تعالى بقوله ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107) ، ولئن كانت رسالته صلى الله عليه وسلّم رحمة للعالمين فإن خيرها وفضلها وعطائها لا يتوقف بانتهاء عهده صلى الله عليه وسلّم ، ولا بانتهاء الخلافة الراشدة من بعده ، ولا بانتهاء عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وإنما هو خير مستمر ، وإنما على الإنسانية أن تستفيد من هذه الرحمة ، وأن تحاول بأن تحاول بأن تحاسب نفسها بحسب هداية هذه الرحمة التي ساقها الله تبارك وتعالى إليها .

فعلى الكل منا أن يحاسب نفسه على هذه المسؤولية ، وعلى كل منا أن يعمل لخير هذه الأمة ونهضتها من عثارها وانتشالها من ضياعها ، وعلى كل منا أن يعمل لخير هذه الإنسانية بالحرص على عودتها الحميدة إلى الخير والاستمساك بحبل الله تعالى المتين والاستنارة بنوره المبين والنهج في صراطه المستقيم .



كلمات نورانية ولكن من يقرأ ؟ وإذا قرأ الواحد هل يفهم ؟ واذا فهم هل سيعمل ؟؟

خالد الأغبري
08/03/2004, 08:48 PM
{وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم}

الضوء الساطع
09/03/2004, 09:02 AM
بارك الله في شيخنا الخليلي وحفظه من كل مكروه