عرض الإصدار الكامل : أزمة الكتاب للاستاذ ابو معاذ
النور الوضاح
13/01/2004, 12:17 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اولا اود ان اقدم اعتذاري لجميع اصدقائي في قرأت لكم، فانني اتنفس تحت الماء من زحمة اوراقي واقلامي استعدادا لامتحاناتي..!!
على اي حال قرأت لكم هذا الموضوع في منتدى المجرة واحببت ان اشارككم به، الموضوع للكاتب ابو معاذ، ويقول فيه..!!
قُمتُ اليوم بجولة سريعة في إحدى فروع مكتبة ووترستونز (Waterstone’s) الشهيرة. المكتبة بطوابقها الثلاثة مليئة بالكتب في مختلف المجالات و بمختلف الأحجام و الأشكال و الأسعار، و تعج بالمتسوقين من الرجال و النساء و الصغار و الكبار. المكتبة، الكتب، الزبائن، طوابير الزبائن أمام المحاسبين لدفع النقود، ذلك المنظر، قوى لدي إستنتاج كان يختلج في ذهني منذ فترة و هو أنه توجد أزمة كتاب.
لا أدري كيف أعرض فكرتي حتى أبين رأي بأنه توجد أزمة كتاب، و لكن سأبدأ من هنا فربما ستتضح الفكرة. و أنا في المكتبة أردت أن أتعرف على الجديد من المؤلفات في موضوع العلاقة المتأزمة بين عالمنا الإسلامي و الغرب (تحديدا الولايات المتحدة الأمريكية)، و من معرفتي المسبقة هذا المجال حافل بالكثير و الجديد من المؤلفات. و كالعادة وجدت أرفف مليئة بكتب تتناول هذا الموضوع، و قد أستأثر موضوع العراق (أو غزو و إحتلال أمريكا للعراق) و الرئيس العراقي صدام حسين الذي خلعته إمريكا بكثير من تلك الكتب. و لا تزال أفغانستان التي أُلفتْ حولها الكثير من الكتب أبان غزو أمريكا لها تستوحذ على نصيب كبير من الكتب المعروضة . و القاعدة، و ابن لادن، و الجهاد الإسلامي، و الغضب الإسلامي، و المرأة المسلمة، و الإرهابيين الإسلامين، و بوش و حماقاته و رعانته، و ركاكت لسانه و غيرها كثير، كل أؤلئك أُلفتْ حولهم كتب و هي معروضة للبيع و بعضها وضعت في الواجهات و بعضها تباع بأسعار مخفضة حتى تجتذب القاريء. حاولت أبحث عن كتب أخرى رأيتها في زياراتي الأولى إلى هذه المكتبة فلم أجدها، فالظاهر أنها قد نفذت أو أصبحت قديمة و أستبدلت بكتب حديثة الصدور، فعالم الكتب هنا في الغرب ديناميكي و سريع الحركة.
و أنا أقلب بعض تلك الكتب، و أقراء بسرعة عناوينها و أتفرج على أغلفتها الخارجية، تسألت في نفسي، كم كتاب تدور حول مثل هذه المواضيع ألفت و نشرت في وطننا العربي؟ في تلك اللحظة تذكرت صديقا لي ألف كتابا يدور جزءا منه في هذا المنحى، موضوع العصر و حديث كل كاتب و كل لسان، العلاقة بين الغرب و العالم الإسلامي. كتاب صاحبي هذا منذ عام 2002م و إلى هذه اللحظة و هو لا يزال في غياهب الرقابة لا يدري متى يخرج منها، و حتى إن خرج فربما يخرج جسدا من غير روح و هيكلا أجوف قد بتر منه المقص كل رونق و تركه لا فائدة منه و لا طعم له و لا ذوق. هنا أدركت فعلا أنه توجد أزمة كتاب!!!.
في بريطانيا وحدها يصدر سنويا أكثر من خمسة ملايين كتاب جديد. نتسائل... كم ألف كتاب جديد يصدر سنويا في وطننا العربي؟ الذي ما يقارب 50% من سكانه من هم فوق سن 15 سنة أميون، حسب آخر إحصائيات.
تُعامل الكتب في الغرب معاملة السلعة في السوق، أي لها مدة صلاحية و تأريخ إنتهاء و تخضع لسياسة العرض و الطلب. فالكتب التي لا تشترى ترفع من الأرفف، و الكتب القديمة لا تستخدم في البحوث العلمية إلا إن كانت في مواضيع لم يتم تجديدها، و هكذا. لكن ماذا عن كتاب صاحبي السابق الذكر ألا يمكن أن يعد الآن سلعة منتهية الصلاحية، و هو بعده لم يخرج إلى النور؟ أليس هذا مثال من أمثلة كثيرة.
لنضرب مثال آخر لأزمة الكتاب من خلال مقارنة أخرى بين الكتاب في عالمنا العربي و الغرب. ألف صاحبي هذا كتابه و سلمه إلى إلى الجهة التي يرجى منها السماح بنشر الكتب قبل أن تغزو أمريكا العراق و قبل أن يفكر روبن كوك (Robin Cook)، الوزير البريطاني المشهور، قبل أن يفكر في الخروج من حكومة رئيس وزراءه بلير إحتجاجا على موافقة الأخير على مشاركة بلاده إمريكا في غزو العراق، و حتى قبل أن يفكر كوك في تأليف كتابه (نقطة الفراق) “The Point of Departure” الذي أودعه كثيرا من النقد لرئيسه و خططه الرعناء في السير وراء أمريكا سيرا أعمى. و ها قد صدر كتاب روبن كوك في هذا العام و بعد أشهر قليلة فقط من الإنتهاء من تأليفه. و ها هو يباع في السوق و موجود على أرفف المكتبات بين كتب ألفت قبله و كتب ألفت بعده و وجدت كلها طريقها إلى النشر. و كتاب صاحبي لا يزال في غياهب الرقابة يبحث عما يعيد إليه رمقه، و يبحث عن متنفس يرى منه الحياة.
ألا توجد أزمة كتاب؟؟؟!!!
الموضوع وتعقيباته على هذا الرابط
اضغط هنا (http://www.almajara.com/vb/showthread.php?s=&threadid=6277&forumid=8)
تحياتي..!!
البسيوي
15/01/2004, 11:57 AM
عودا حميدا أخي النور الوضاح .. ويسر الله لك سبل النجاح :)
بالنسبة لرأيي الشخصي حول الموضوع .. فأنا أعتقد أن ما يوجد معنا هو أزمة كتابة وليس أزمة كتاب.. فمن خلال زيارتي لمعرض الشارقة للكتاب الذي أقيم مؤخرا .. لفت نظري وجود عدد هائل أيضا من الكتب التي تدور حول الحرب الأمريكية على العراق وسيناريوهات سقوط بغداد .. لكنني في المقابل - وقد كنت أتناقش حول هذا الموضوع مع صديق قبل فترة قصيرة - أظن أن مسألة ما حدث في العراق .. سواء أكان ذلك قبل الحرب أم بعد سقوط بغداد .. هو موضوع لم ينضج بدرجة كافية .. حتى تكون أي دراسة تحليلية له كافية ووافية وضاربة في أعماقه .. فلا تزال هناك الكثير من الأمور التي تتكشف يوما بعد آخر حول طبيعة الأهداف الحقيقية للحرب .. والعوامل الرئيسية التي أدت إلى إحتلال العراق بالسرعة التي تمت بها.. وكمثال بسيط على ذلك ما نشره وزير الخزانة الأمريكي الأسبق في كتابه "ثمن الولاء" من أن بوش خطط لإحتلال العراق بمجرد وصوله للبيت الأبيض.
بناء على ذلك .. كنت أقول أن أي كتاب لأية أحداث لم تتكشف جميع زواياها بعد .. لن يكون بالعمق الكافي بحيث يسمح للقاريء العربي أن يتعمق من خلاله فكريا .. أو يساعده بشكل أكثر وضوحا على بلؤرة نظرته الخاصة حول طبيعة ما يحدث في العالم .. ويمكن في أية لحظة أخرى أن تتهدم كل الإستنتاجات التي ساقها مؤلفه إذا ما ظهرت على السطح حقائق جديدة .. وسيكون نشره من باب الرغبة في الربح المادي بعيدا عن المحتوى والمضمون أو حجم ما يقدمه من حقائق وإستنتاجات.
البسيوي
21/01/2004, 07:34 AM
من باب المكاشفة لا الدخول في متاهات المفاتشة، يليق بنا ان نعترف للقارئ العربي بحقه في مقاطعة الكتاب، حين يأتيه في كل مرة رثّ الإهاب بائتاً بارداً يحتاج لأنياب كواسر كي ينهش وفوقها ليترات من التوابل والسوائل ليبتلع ويهضم. فالإغراء فن من المفترض ان يمارسه الكتّاب كما العشاق والخبازون والطباخون، بالأنفاس الملتهبة ذاتها، والاحتراق الماكر نفسه. ولا نعرف مهنياً حاذقاً إلا وأجاد الغواية على طلاّب بضاعته المفترضين كي يحيلهم بفعل ولعه وجنوحه إلى مدمنين حقيقيين على اقتناء ما تحيكه مخيلته قبل أصابع يده.
ولأسباب يطول شرحها ظن كتابنا ان أقلامهم تقطر عسلاً، وأدمغتهم تفرز نظريات في إصلاح الكون من دون جهد أو جهاد، والنتيجة ليس فقط ان القارئ العربي الذي كان ينتظر حجة من السماء، قد أدار ظهره وولى مدبرا بل ان أحداً على ما يبدو ما عاد يرى في نتاج هذا الكاتب ما يستحق الشراء والاطلاع. وهو كلام لا نأتي به من عندياتنا، بهدف كسر الخواطر، وتحطيم المعنويات، بل نستعيره للاستنارة من فم ناشر لبناني مجرب يعايش معاناة تسويق ما تنتجه أقلامنا شرقاً وغرباً ويعود خالي الوفاض الجيوب. ففي رأي صاحب دار مراد: «ان الإبداع اللبناني باللغة العربية ولّى عهده، وعناوين معظمهم مترجم أو انه يتناول الموضوعات التراثية باستثناء بعض المؤلفات الفكرية والقصصية والدليل ـ يضيف الناشر ـ اننا حين نذهب إلى المعارض المخصصة لبيع حقوق النشر والتأليف مثل معرض فرانكفورت وبولونيا فإننا نشتري حقوق نشر الكتب الغربية ولا نبيع حقوق مؤلفاتنا». ولا يظن متفائل ان ناشراً مصرياً يجرؤ على قول مخالف من دون ان يكون مهادناً أو مسايراً. والوحيدون الذين سيتنطحون وينفشون ريشهم وينفخون صدورهم تشاوفاً، وكأنما الكلام لا يعني سوى الحمقى من زملائهم، هم الذين ترجموا بقوة عضلات علاقاتهم الخاصة أو بمحض المصادفة إلى لغات أخرى، لكنهم لا يجرؤون على الاعتراف ـ رغم نشوتهم غير المبررة ـ بهزيل أعداد كتبهم المباعة في ديار الآخرين أو ينوّروننا، مثلاً، حول التأثير الذي تركته عبقريتهم على الأدب الروسي أو الفرنسي أو ربما الإنجليزي. الاعتراف بحقيقة مرة كهذه لا يعني ان الفكر العربي قد مات في سبيل الاستجمام في وهم التأليف والانتشار، لكنه، بالتأكيد، فكر ذابل يحتاج إنعاشاً وضخا ديناميكيا، والتحلي بعميق المعارف والابتكار والخصوصية كي نتصيد بصنارة ذكائه وغناه حاجة الآخرين واستماتتهم للنهل من ينابيعه. واليوم نفهم أكثر من أي وقت مضى مقولة أستاذنا المستشرق الجليل غي مونو حين كنا طلاباً لمحاضراته القيمة في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس وهو يردد: «لماذا تضيعون الوقت في قراءة المعاصرين، فهم دون أساتذتهم الذين سبقوهم لغة وفكراً. إرجعوا إلى الأصل ودعوا هذا الفرع فهو ضعيف وخامل». لقد اراد مونو بنا خيراً، ولم يكن حاقداً أو منتمياً إلى الاستخبارات الفرنسية، ما دام أنصار فكرته يتنامون في الغرب بعد ان تيقنوا بأن الإفلاس أتى على الزرع والضرع، ولم يتبق مما يجدي نفعا، في منطقتنا، سوى ما تطمره الرمال العربية من أسود يحتاجونه لتسيير عجلة حياتهم. وطالما ان العرب يرون في الثقافة العجلة الخامسة (أو دولاب سبير) في مركبة مسيرتهم فسيبقون حتى آخر نقطة بترول في ديارهم، مجرد زيت مائع في محرك، لا قيمة له غير احتراقه الذاتي لدفع صواريخ الآخرين وطائراتهم، من دون أن نملك لها رداً عن صدورنا أو صدور أولادنا.
البعض يصيبه الغثيان من تكرار الحديث عن أزمة الكتاب، لأنه يراه «صفّ كلام»، ولو كان الأمر كذلك لما كلفنا أنفسنا عناء الكتابة وتصديع الأدمغة، لكن أوليس خواء الكتاب العربي معناه خواء الرؤوس، وخصاء في الأفكار. ولم نخاف حتى الموت انقطاع الذرية ولا نرتجف هلعاً من عقم العقول، وكلنا يعرف ان كل فكر وابتكار يبدأ بذراً على ورقة بيضاء، وأن الصفحات العذراء لا تنجب حضارة أو تولّد اختراعاً، والأنكى منها الصفحات المموهة بحبر الجدب، وعبارات أقصى فوائدها ملء الفراغات. وأي رعب ان يغذي الفراغ بالفراغ !
نعرف أن ثمة من يلعننا وهو يقرأ هذه الكلمات، ونستمهله، لحظة، لنسأله إن كان يعرف أحداً من أحفاد ابن بطوطة والمسعودي واليعقوبي ـ ولائحة الرحالة العرب تفور بالأسماء ـ يكتب في أيامنا هذه ما يضاهي روعة روايات الفرنسي لوكليزيو، ويوازي حنكته في قص مباهج الترحال ووصف نهارات الهنود وأيامهم، وتفاصيلهم البديعة، وهل ثمة من بين أبناء العرب المقيمين في قلب الصحارى النابضة بالأسرار من هام وعرف وأبدع في الكتابة حول الصحراء كما فعل هذا الإفرنجي الأشقر ذو العينين الملونتين. لم يُجد العرب التعامل مع النيل ولا مع الفرات أو دجلة، إن على صعيد الواقع الزراعي أو على صعيد الواقع الإبداعي. وكما تذهب في أغلب الأحيان، مياه أنهارنا هدراً في البحر كذلك نفعل بموجات الأفكار الخصيبة التي ننحرها في المهد. أترانا أمة فكرٍ أم أمة هدر؟
عبثاً إقامة بناء أدبي أو اقتصادي أو حتى اجتماعي سوي من دون بحث علمي وموضوعي، وبإمكاننا ان نستمر في تدوين الروايات والأشعار ونطلق الأحكام والاستنتاجات وندون النظريات التي تنبت لنا من وادي عبقر، لكن الانسان لا يعيش فقط بالخيال الادبي ولا مفر من خيال علمي وعمل منهجي منظم ومبرمج، ان كنا نريد فعلا الخروج من عنق الزجاج، ومر الاجاج.
سوسن الأبطح
الشرق الأوسط
البسيوي
23/01/2004, 02:20 PM
العرب لا يقرؤون".. مقولة شهيرة قالها أحد أعداء العرب يوما لكنها تصدق اليوم أكثر من أي وقت مضى حيث يدخلون الألفية الثالثة في الأذيال من الناحية المعرفية بعد أن فجروا الثورة الثقافية نهاية الألفية الأولى وبداية الثانية، ويثار البحث عن الأسباب والمسببات ويتم الحديث عن مشاكل القراءة أو ما يعرف بأزمة الكتاب.
وبينما تتجه أصابع الاتهام إلى عدد الأميين الذي يقارب 75 مليونا، فإن الباحثين والمفكرين والكتاب المهتمين بهذا الشأن يستعرضون قائمة طويلة من الأسباب التي تقف حسب اجتهاداتهم وراء عزوف غير الأميين عن القراءة، ويخوضون في حلول تتناسى الكثير من معطيات الواقع، فكيف هدم الأبناء ما بناه الأجداد؟ وما هي الأسباب المعلنة لهذا الوضع؟ وهل الحلول المقترحة قابلة للتنفيذ؟
الأبناء يهدمون ما بناه الأجداد
البحث عن أسباب أزمة الكتاب يجر المهتمين في كثير من الأحيان إلى استرجاع الماضي، ورغم أن الأمر يحمل نوعا من الحنين ويجعل الحديث أقرب ما يكون لـ"كان يا ما كان"، فإن المقارنة الواردة في طياته تبدو من الوضوح بحيث لا يغني عنها بديل.
لقد بلغت حركة التأليف والنشر والترجمة أيام العباسيين حدا جعلها تتصدر السيرة الذاتية لمجد الحضارة العربية، وسواء كانت الأسباب التي دعت العباسيين إلى تلك الثورة سياسية تتعلق بإثبات أحقيتهم في الاحتفاظ بالخلافة التي كان من المفروض أن يسلموها -لآل البيت- بعد زوال الأمويين كما يقول البعض، أو كانت لأسباب إصلاحية بحتة فإن نتيجتها كانت عظيمة وقيمتها كانت كبيرة حيث خلقت جوا من السيادة المطلقة للعلم والمعرفة حول الأمة إلى درجة لم يسبق لها مثيل من الولوع بمطالعة الكتب واقتنائها.
وقد استمر ذلك لعدة قرون كانت كافية لنشر هذه الظاهرة التي انتقلت شرارتها أيام الأندلس مشكلة بذرة كل ما يرفل فيه الغرب اليوم من علم ومعرفة.
لقد أنشأ الخليفة هارون الرشيد "مكتبة بيت الحكمة" التي حوت آلاف الكتب والتي جمعت بكل الطرق المتوفرة آنذاك، وجاء المأمون ليدخل الترجمة ويرسل الوفود لجمع تراث الإنسانية ونقله إلي بغداد وترجمته، وغصت المكتبات بمئات الآلاف من المجلدات، وعكف عشرات الموظفين على تنظيمها وفهرستها ليسهل على المطالع الحصول على مراده بشكل سهل ويسير.
ولم تلبث هذه الظاهرة أن أصبحت موضة للأغنياء والمترفين فلم يبق بيت إلا تحولت جدرانه إلى رفوف تحمل أصناف الكتب من أدب وفلسفة وعلوم وطب.
أما العربي العادي فقد سعى وراء العلم لما كان العلماء يلقونه من مكانة وتقدير في بلاط الخلفاء ومجالس الأمراء والأغنياء، فبذل كل ما يملك للحصول على كتاب ينسخه بيده فوق كل ما هو مسطح سواء كان جلد جمل أو رق غزال أو ورق بردي وضرب أكباد الإبل، واستنار بضوء النار وحفر تحت الأرض ليحمي كتبه من بلل المطر.
وبينما كانت الحال هذه في بلاد العرب كان الغرب يتردى في ظلمات الجهل والأمية، ولعل أكبر مثال على ذلك هو ما أوردته المستشرقة الألمانية الشهيرة الدكتورة سكريد هونكه حيث تقول "إن متوسط ما كانت تحتويه مكتبة خاصة لعربي من القرن العاشر هي أكثر مما تحويه كل مكتبات الغرب مجتمعة".
لكن المنتشي بهذه الحقائق التاريخية لا يلبث أن يعود إلى الحاضر ويصطدم بالأرقام التي تبين أن الأمر قد انعكس، حيث تثير تقارير التنمية الصادرة عن الأمم المتحدة الرعب فيما يتعلق بالثقافة العربية التي تراجعت بطريقة مفزعة، والتي تذكر أن ما طبع من كتب إسبانية خلال عام واحد يوازي ما طبع من كتب عربية منذ عهد الخليفة الأمين إلى يومنا الحاضر، وأن ما تستخدمه دار نشر فرنسية واحدة من الورق يفوق ما تستخدمه مطابع العرب مجتمعة.
الأسباب المعلنة
يشير المهتمون إلى أن أي كتاب يصل إلى أيدي القراء العرب يكون قد خاض سلسلة من المراحل الصعبة، فمن التأليف إلى النشر إلى التوزيع مرورا بالرقابة يتخبط الكتاب العربي في مشاكل جمة تخنق دور النشر والتوزيع وتحول طباعة كل عنوان جديد إلى عملية زهيدة لا ترد رأس المال المنفق عليها:
ففي أكثر الدول العربية لا يسمح الوضع الاقتصادي لأصحاب الأقلام أن يعتمدوا التأليف والكتابة كمصدر وحيد للعيش، وهذه المشكلة تحول دون جعل الكتابة والتأليف حرفة مستقلة، ولذا فإن أكثر الكتاب يمارسون الكتابة كعمل ثانوي، ولا يمتلكون رؤية واضحة من القراء، ولا يحصلون على التقييم اللازم والحقيقي لمنتجاتهم، كما أنه لا توجد برامج وقوانين لتشجيع وحماية الكتاب المبدعين مما يفقدهم الشعور بالأمن والطمأنينة في العمل.
وفي أكثر الدول العربية لا تبني الحكومات مؤسسات للنشر إلا من أجل طباعة صحافة البلاط، أما القطاع الخاص فيعزف عن تمويل مؤسسات النشر لأنها عمل غير مضمون بسبب المشاكل الاقتصادية والسياسية والاستبدال المستمر للمسؤولين وعدم تقديم الدعم الكافي من قبل المؤسسات الحكومية والقضائية، حيث لا توفر تلك المؤسسات الشجاعة الكافية لدى الناشرين لتمويل النشر بلا خوف من الإفلاس والمطاردة والتبعات الأخرى.
ويبقى المتوفر من المطابع هو تلك العتيقة التي عفا عليها الزمن ولا يمكنها أن تواكب التطور الحاصل في مجال الموضوعات التي يحتاجها الفرد اليوم.
وفي كل الدول العربية يقف مقص الرقابة بالمرصاد مع ما يسفر عنه من ضغوط وتهديدات وسلب للحريات مما يؤدي بالكتاب إلى عدم الإفصاح عن أفكارهم، ومن ثم شل عملية الإبداع.
وتتشابك هذه المعوقات مع غياب شركات توزيع عربية كبيرة تقوم بمهام التوزيع لتوصيل الكتب إلى القارئ بأيسر الطرق.
وتبرز الحالة المسيطرة على معارض الكتب العربية المقامة سنويا كل هذه النواقص والثغرات، حيث أصبحت هذه المعارض سوقا موسمية بدل أن تكون تظاهرة تستهدف التثقيف والتنوير قبل الربح.
ويشير المراقبون في هذا الصدد إلى خطورة حالة التدهور الثقافي الذي يعيشه القارئ العربي، وتتجلى هذه الظاهرة في انتشار الثقافة السطحية، وعزوف القراء عن الثقافة الجادة حيث تلاقي كتب الطبخ والتنجيم وتفسير الأحلام وتحضير الأرواح رواجا كبيرا في أروقة هذه المعارض بينما ترقد كتب الأدب والفلسفة والتاريخ بسلام.
ويخاف هؤلاء من ازدياد هذا التدهور إلى أبعد من ذلك، حيث بدأت عناوين جديدة في الانتشار تجذب هذا القارئ مثل "تعلم الفرنسية في أسبوع"، أو "نم عضلاتك في ثلاثة أيام"، أو "خطوة واحدة وتفوزين بقلبه"، وهي كتب في أغلبها تتلاعب بالقارئ من خلال عناوينها الخرافية لتحصيل الربح دون إنكار من الرقابة ولا دور النشر ولا الموزعين.
وما أن يصل الكتاب إلى المرحلة التي يجب أن يتسلمه فيها القارئ العربي حتى تبدأ مشاكل أخرى تتمثل في ارتفاع الأسعار وعزوف غير الأميين عن القراءة، وإذا كان الباحثون يرجعون ارتفاع الأسعار لكل الأسباب المذكورة فإن آراءهم تتفاوت حول أسباب عزوف القارئين عن القراءة، ويشيرون في هذا الصدد إلى أن الكتب بدأت بالانحسار في وجه سيل المعلومات الإلكترونية المتدفق من أجهزة الحاسوب، وأن الأقراص المدمجة حلت محل المكتبات، كما يحملون الإعلام المرئي مسؤولية كبيرة في تضييع وقت الفرد العربي المتعطش لهذه الأداة التي تمنح العين المتعة عن طريق التركيز على الصورة أكثر من المعلومة وتريح العقل من الاستنتاج والتدبر والحكم الصحيح على الأمور، وتضعف هذه الآراء أمام الحقائق الممثلة في:
- قلة عدد من يملكون أجهزة إلكترونية، وقلة من بإمكانه منهم إيصالها بالشبكة الإلكترونية نظرا للفقر والتخلف.
- كون الدول الغربية التي تنتشر فيها هذه الأجهزة وتملك من المصادر المالية ما يمكن مواطنيها من الإبحار دون قيود واقتناء التلفزيونات دون شروط قد ازدادت فيها حركة النشر رواجا وازداد الكتاب أهمية، بل إن البعض يذهب إلى أن المد الإلكتروني زاد من انتشار الكتب.
ولعل أكثر الأسباب المذكورة في هذا المجال معقولية هو أن تخلف المناهج التعليمية في الوطن العربي قد خلق جيلا يعزف عن القراءة ويمقتها، فتلك المناهج تنمي في الناشئة احتقار الكتاب منذ اليوم الأول من المدرسة حيث أن تلك المجموعة من الأوراق التي تحمل بين طياتها الملل والمسؤولية والمراقبة والتعنيف والتي نرميها في النفايات في أسعد أيام حياتنا وهو يوم انتهاء الامتحانات.
وفي هذا الاتجاه تلعب رداءة الكتاب المدرسي العربي دورها في ترسيخ هذه الأحاسيس، فالقراءة في الغرب على سبيل المثال متعة بالصورة والصوت والنكتة والرسوم الجميلة والكلمات المبسطة، والرسالة المتبقية مع التلميذ هي أن العلم بسيط وممتع، أما عندنا فالقراءة بالعصا، والقراءة بدون صورة ولا صوت ولا ورق جيد ولا كتابة جيدة.
وهذا التخلف يطال الجامعات متخذا أبعادا أشد خطورة، فأساليب التدريس أقرب إلى التلقين منها إلى استثارة التفكير والابتكار، ويمكن القول إن الجامعات العربية في معظمها ما هي إلا مدارس ثانوية عالية.
ويعاني كل خريجي الجامعات من شكوك حول جدوى العلم والقراءة، فأكثر هؤلاء لم توفر لهم كل تلك السنوات من المطالعة والحفظ فرصة الحصول على لقمة العيش.
الحلول المقترحة
يخوض الكل ويجول باحثا عن حل لأزمة الكتاب العربي، فيرى البعض أن الحل يتمثل في تشجيع العلم عموما والكتاب خصوصا، وذلك بتبني المبدعين وتشجيع أعمالهم حتى تتفجر الطاقات وتكتب ثقافة جديدة تتنوع مواضيعها وتتعدد حسب احتياجات هذا المجتمع الذي لا ترويه التجارب الماضية ولا علوم الأمم الأخرى المترجمة.
يرى البعض أن دعم دور النشر بإعفائها من الضرائب وترخيص سعر الورق وتشجيع المستثمرين الأجانب للدخول بخبراتهم في هذا المجال سيكون له الأثر الجيد في حل هذه المشكلة.
ويذهب آخرون إلى أن محو الأمية والتشجيع المدروس لأفراد المجتمع على القراءة ومتابعة الأمر من طرف الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام سيؤتي نتائج حسنة،
كما يدلي دعاة تحسين المناهج التعليمية بدلوهم مؤكدين أنه بدون البداية بأساس صحيح لظاهرة القراءة وبناء علاقة جيدة بين الطفل والكتاب منذ الصغر فسيكون العلاج مكلفا ومقصرا إن لم يكن مستحيلا.
وخلال كل تلك الحلول المقترحة تتردد كلمة "يجب" وتغيب كلمة "كيف". ولعل السبب يرجع إلى أن أزمة الكتاب في العالم العربي قد تكون من حيث النوعية هي نفس أزمة التخلف، لذا فإن هذه الدول عندما تتمكن من تخليص نفسها من قيود التخلف وتنطلق في طريق التقدم والنمو فإن ذلك يعني أن التغيير والتطور سيشمل جميع أوجه المجتمع، وبالتأكيد فإن الكتاب هو أحد تلك الأوجه ولكنه يمتاز عنها بأنه أكثر أهمية وأعمق تأثيرا.
بقلم/ مريم بنت زيدون
الجزيرة نت
المنطقي
10/02/2004, 01:32 AM
اعتبر المفكر وعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة أن الحقل الثقافي بالمغرب يعاني من أزمة كتّاب حقيقية وأنه في ظل هذا الوضع لا معنى للحديث عن أزمة قراءة بالبلاد.
وفي تحد للقائلين بوجود أزمة قراءة في المغرب، أكد المنجرة أنه من حق دور النشر عدم الثقة والتعامل مع كتاب لا يملكون مصداقية وأن خير مصداقية للكاتب هو رصيده من الإنتاج والإبداع.
وعن الظروف الاقتصادية للكتاب قال المنجرة، الذي شغل عدة مناصب مهمة من بينها مساعد المدير العام للشؤون الاجتماعية والإنسانية والثقافية في منظمة اليونسكو في الستينيات، إن الأهم أن تكون لهؤلاء مصداقية ووزن على الساحة الثقافية حتى تثق بهم دور النشر وتتعامل معهم.
وفي حديثه عن تجربته الطويلة والغنية في مجال التأليف والنشر أشار المنجرة إلى أنه يطبع على نفقته الخاصة منذ العام 2001. وأورد مثال كتابه الأخير باللغة الفرنسية الذي بيعت من طبعته الأخيرة 4000 نسخة بعد نفاد الطبعات الثلاث الأولى وكل منها في 3000 نسخة. وتعتبر هذه الأرقام قياسية في المغرب.
من جهة أخرى قال المنجرة إن المثقفين والكتاب في دول العالم الثالث لا يحظون بنفس التقدير الذي كانوا عليه حيث كان ينظر إليهم بهالة من القدسية والاحترام نظرا للوعي بالرسالة التي من الممكن أن يؤدوها داخل المجتمع.
وقد عزا المنجرة تدهور القراءة في المغرب لأسباب كثيرة ومتشابكة أبرزها ارتفاع نسبة الأمية إلى أكثر من 50% وقال "إن الدولة لو أرادت أن تقضي على الأمية لفعلت ذلك في ظرف أقل من خمس سنوات لكنها لا تريد ذلك لأن الأمية تخدم مصالحها".
إهانة الكتاب
وتأتي تصريحات المنجرة في وقت تنظم فيه الحكومة المغربية برنامجا أسمته "زمن الكتاب" تهدف من خلاله إلى تحفيز الشباب على القراءة من خلال حملة للتبرع بالكتب من قبل المواطنين المغاربة عبر مختلف جهات المملكة لملء رفوف المكتبات ودور الشباب بالكتب. وقد اعتبر المنجرة هذه الحملة "إهانة للكتاب".
وقال المنجرة الذي شغل منصب رئيس الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية إن ما يغيب عنا هو وجود سياسة واضحة للكتاب وللقراءة وإن "تدهور الإبداع والثقافة في دول العالم الثالث يعني تدهور الاقتصاد". وختم المنجرة قوله إنه لا اقتصاد من دون محو الأمية.
كما تأتي هذه التصريحات بعد أسبوعين من رفض القاص المغربي أحمد بوزفور، الذي يعد من رواد القصة القصيرة بالمغرب، جائزة حكومية، قائلا إنه لا يقبل جائزة وزارة الثقافة عن كتاب طبعت منه ألف نسخة ولم توزع إلا 500 نسخة في أسواق شعب من 30 مليون نسمة.
وللمهدي المنجرة عدة مؤلفات بالإنجليزية والفرنسية والعربية منها "تحليل نظام الأمم المتحدة" سنة 1973 و"لا نتوقف عن التعلم" 1979 وترجم إلى 12 لغة. و"بلدان المغرب العربي والفرنكفونية" سنة 1988 و"الحرب الحضارية الأولى" سنة 1991 و"استذكار المستقبل" سنة 1992 و"القدس رمز وذاكرة" سنة 1996 بالإضافة إلى مؤلفات أخرى وأكثر من 500 مقال في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
المصدر :الجزيرة + رويترز
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
البسيوي
23/03/2004, 08:30 AM
أقامت دار الثقافة للنشر والتوزيع حفل توقيع للكتب التي أصدرتها في المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء. وكان عدد هذه الكتب لا يتجاوز العشرة. فنصبت في رواقها في المعرض بضع مناضد، وجلس إلي كل واحدة منها أحد المؤلِّفين أو إحدي المؤلِّفات؛ وكنتُ واحداً منهم.
جلسنا إلي مناضدنا وقد رُتِّبت عليها بضاعتنا بشكل أنيق: شعر، رواية، قصة، نقد، مسرح، ترجمة، إلخ. وأعددنا أقلامنا الجميلة في انتظار أن نوقّع بها علي كتبنا التي سيقتنيها رواد المعرض. وأعدّ كل واحد منا عبارة في خاطره ليسطرها علي الصفحة الأولي للكتاب. ووقع اختياري علي عبارة كلاسيكية لا معني لها: للسيد/للسيدة ـــ مع أزكي التحيات وأطيب المتمنيات. المؤلّف . التوقيع .
كل شيء جاهز إذن، ولا ينقصنا سوي المستهلكين. وأخذ رواد المعرض يمرون علي طاولاتنا مرور الكرام ويلقون نظرة أو أكثر علي بضاعتنا: شعر، رواية، قصة، نقد، ترجمة، إلخ. ولكنهم سرعان ما ينصرفون عنا، غير عابئين بما يشاهدون. ويمر غيرهم وينظر إلي كتبنا ثم يستأنف سيره في الرواق.
وتهللتُ بِشراً عندما اقترب من طاولتي فتي وسيم لا يتجاوز عمره العشرين ربيعا وألقي نظرة علي كتبي، ثم تناول نسخة من كتابي رسالة إلي حبيبتي : قصص قصيرة الذي تزين غلافه صورة فتاة جميلة، وسألني:
ـ هل هذه القصص عاطفية.. أعني غرامية؟
وعندما ترددتُ هنيهة قبل الإجابة لكون هذه القصص عاطفية في ظاهرها سياسية في باطنها، أردف الفتي موضِّحاً وابتسامة حيية تضيء وجهه:
ـ أعني هل تساعد هذه القصص القارئ علي كتابة رسائل عاطفية، إلي صديقة مثلا؟
ساعدني توضيحه علي الإجابة قائلا:
ـ لا.
فأعاد الفتي الكتاب إلي موضعه وانصرف.
ثم اقترب من طاولتي شاب في ربيع العمر، وألقي نظرة علي كتبي المرتّبة علي الطاولة أمامي، وتناول نسخة من كتابي مرافئ علي الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة
ونظر إلي الثمن المثبط الموضوع علي غلافه الخلفي 45 درهما ، ثم توجه إليّ سائلا:
ـ هل تتناول هذه القصص طريقة الهجرة إلي أمريكا بحراً؟
أجبت قائلاً:
ـ لا. إنها في الحقيقة تعالج مشكلات المجتمع الأمريكي.
فارتسمت علي وجه الشاب ابتسامة ساخرة، وأعاد الكتاب إلي موضعه بلطف وانصرف، وكأني به يردد في نفسه مستنكراً: المجتمع الأمريكي، الأمريكي .
ودنا أحد الشيوخ الملتحين من طاولتي ونظر إلي كتبي الموضوعة أمامي ووقع اختياره علي كتابي معجم الاستشهادات الذي صدر في لبنان وتقوم دار الثقافة بتوزيعه في المغرب. فحمل نسخة منه بيديه وتصفحها، ثم سألني باستغراب:
ـ كيف تضع الآيات القرآنية الكريمة من كلام الله بعد كلام نجيب محفوظ؟
فأجبت بنبرة فيها كثير من الاعتذار:
ـ لأن الاستشهادات مرتبة في المعجم ألفبائيا بحسب الأوائل تحت كل موضوع، والموضوعات نفسها مرتبة ألفبائيا كذلك مثل: الحب، الحرب، الحرية، الحسد، إلخ.
فقال وهو ينصرف متهكماً: الحب لا يُشبعنا خبزاً
فقلت في نفسي: ولا تأليف الكتب .
لم يقتن أي من رواد المعرض أي كتاب من كتبي. وبعد مرور نصف ساعة أو أكثر نهضت إحدي الشاعرات من طاولتها واتجهت إلي طاولتي وتناولت أرخص كتبي ثمناً، وناولتني إياه بأريحية وتشجيع، فأسرعت إلي تدبيج عبارة رنانة علي الصفحة الأولي من الكتاب:
إلي الشاعرة المبدعة المُفلِقة فلانة، مع أسمي مشاعر الإعجاب بفنّها الخلاق . ووقّعتُ. وبعد ذلك أخذنا، نحن المؤلفين، نشجع بعضنا بعضا ونشتري كتب بعضنا الآخر وعلي وجهنا ابتسامات تحاول إخفاء خيبتنا.
وفي تلك الليلة لم يراود أجفاني النوم، وأعيتني الحيلة في اصطياده، فقد شغلت فكري وضعية الكتاب العربي المزرية وهموم المثقف المتهم في التقاعس عن أداء واجبه في التنوير والتطوير. لا بدّ من وجود عائق، أو بالأحري إعاقة، تقف أمام انتشار الكتاب وتحول دون تحقيق أغراضه.
وعندما قلَّبتُ الفِكَر، تأكد لي أن الكتاب العربي ليس معاقا فقط وإنما معوّق تماما، لأن بعض اللغويين من أمثال الدكتور محمد حساوي، يفرّق بين المعاق والمعوّق. فالمعاق هو المصاب بإعاقة أو عاهة واحدة أما المعوّق فهو المبتلي بعدة عاهات أو إعاقات. وفي طليعة هذه الإعاقات التي أصابت الكتاب العربي ما يأتي:
أولا، لا يُقبِل القارئ العربي علي اقتناء الكتاب الثقافي العربي، لأن موضوعاته لا تستجيب لاحتياجاته الذاتية ولا تتجاوب مع تطلعاته. والأديب العربي متهم بالتعالي والتربع علي برج عاجي بعيداً عن هموم القارئ العادي لأنه لم يُخبرها ولم يعانها، فهو يزاول الكتابة في مقهي مريح بعيداً عن متاعب العمال في مصانعهم، وكدّ الفلاحين في مزارعهم، وطموحات الطلاب ومشكلاتهم في مدارسهم.
إن المثقف العربي بعيد عن هموم الخبز اليومي للمواطن العادي الذي أنهكه الغلاء والبطالة، وبعيد عن جراحات الوطن العربي. فالشاعر ينظم شعراً محمّلا بالإشارات والإيحاءات التي لا يعرف دلالاتها إلا هو، والناقد يكتب تحليلات نقدية مثقلة بالإحصاءات والجداول البيانية وكأنها تحليلات مختبر طبي مليئة بالرموز الكيميائية والمختصرات العلمية، والقاص يدخل في متاهات سيكولوجية لا مخرج منها. إن المثقف العربي كاتب تظهر صورته باسمة علي صفحات الصحف والمجلات ولا يقرأ إنتاجه سواه وسوي أهله وأصدقائه.
ثانياً، إن الكتاب بضاعة يخضع تسويقه واستهلاكه لقوانين العرض والطلب المعروفة في علم الاقتصاد. ومَن يطلب هذه البضاعة بالذات ينبغي أن تتوفر فيه ثلاثة شروط أساسية علي الأقل: معرفة القراءة، والقدرة الشرائية، والحاجة إلي هذا النوع من البضاعة.
وإذا ما علمنا أن المستوي الثقافي في البلاد العربية منخفض جداً، إذ يبلغ معدل الأمية حوالي خمسين بالمئة من المواطنين الذين تزيد أعمارهم علي خمسة عشر عاماً، ولا يتعدي معدل الالتحاق في التعليم العالي 15 بالمئة من الشباب في سن التعليم الجامعي (18 ـ 23 سنة) وإذا ما علمنا أن نسبة الحرمان في البلاد العربية تبلغ نسبة 32 بالئة علي مؤشر الفقر الإنساني، وأن الدخل الفردي منخفض جداً لا يساعد المواطن علي شراء الكتاب الذي يعدّه سلعة كمالية وليست ضرورية، إضافة إلي ارتفاع ثمن الكتاب الناتج من محدودية عدد النسخ المطبوعة منه، تأكد لنا أن المواطن لا يقبل علي اقتناء الكتاب خاصة وأنه لم يتعود علي القراءة تعوّداً يجعل منها حاجة نفسية ماسة. وإذا ما أضفنا إلي جميع تلك المعوقات الحواجز الجمركية والسياسية وكلفة النقل المرتفعة التي تتجاوز أضعاف ثمن الكتاب (مثلا: يبلغ ثمن كتابي الجامعة والتنمية عشرة دراهم فقط، أما إرسال نسخة واحدة منه بالبريد إلي مصر أو العراق فإنه يكلّف أربعة وخمسين درهماً)، علمنا أن الكتاب العربي معوّق حقاً.
إن وزارات التربية، والثقافة، والتعليم العالي، والخارجية، والنقل، والمواصلات في البلاد العربية لا تُدخِل قضية تشجيع الكتاب في برامجها، بعكس ما هو معمول به في أوربا وأمريكا. ولو كانت تلك الوزارات تشتري عددا كافيا من النسخ من كل كتاب لتوزيعها علي مدارسها وجامعاتها ومكتباتها وسفاراتها، وتعفي الكتب من أجور النقل أو تفرض عليها أجورا منخفضة، وتخصص للمؤلفين الجوائز التشجيعية ، لأصبح وضع الكتاب العربي مختلفا تماماً.
إن هموم الفقر والبطالة والجهل والظلم الاجتماعي هي التي تجعل المواطن العربي يزهد في اقتناء الكتاب ويُقبِل علي شراء السجائر والخمور والمخدرات المدعومة من قبل صُنّاعها ومروجيها في الغرب التي تتدفق علي أسواقنا العربية بمباركة العولمة وهيمنتها وبسبب قصور تشريعاتنا الاجتماعية والاقتصادية ونظمنا التربوية في حماية المواطن من آفاتها.
علي القاسمي
كاتب من العراق يقيم في المغرب
القدس العربي
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.