المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : " مفهوم الشورى في الإسلام " محاضرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي


سليمان بن موسى
07/12/2003, 03:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

مفهوم الشورى في الإسلام

محاضرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي (1)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي شرع لعباده الإسلام دينا، واسع الأرجاء، ظليل الأفياء، شامخ البناء، يسع العالمين، ويحقق للإنسانية الخير والسعادة إلى يوم الدين، أحمده - تعالى - بما هو له أهل من الحمد، وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب، وأتوب إليه، وأومن به، وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وسراجا للمهتدين، وإماما للمتقين، ونعمة على الخلق أجمعين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالسلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته .. أحييكم هذه التحية الطيبة المباركة، وأشكركم على اجتماعكم هنا في ظل دين الإسلام الحنيف، الذي يجمع ولا يفرق، ويؤلف ولا ينفر، ويعدل بين أبنائه، إذ يقيمهم جميعا على صراط العدل والحق، وينصف الإنسانية جميعا، إذ لا يفرق في عدله وإنصافه بين بغيض وحبيب، وبعيد وقريب، إنما الميزان القسط هو الذي يَعتمِد عليه هذا الدين في حكمه، ويعوِّل عليه في قراره.
هذا وإنّ نظام الشورى الذي أمر الله - سبحانه وتعالى - عبده ورسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام - أن يلتزمه، ومدح عباده المؤمنين به، وهو نظام جدير بأن يُعتنى به، لأنه نظام يوحِّد كلمة الأمّة، فإنّ الأمّة التي تتوحد في آمالها وفي آلامها، وفي غاياتها وفي أهدافها، وفي مبادئها وأفكارها، وفي جميع شؤونها لابد من أن تكون أمّة متعاونة، وبهذا التعاون تتحقق وحدتها.
وإنّ من سنّة الله - تعالى - في خلقه أن جعل الكائن البشري كائنا اجتماعيا، فكل فرد من أفراد هذا الكائن هو بحاجة إلى بني جنسه، وذلك ليَتِم نظام التعاون الاجتماعي بين هذا الجنس البشري، فنجد الناس على اختلاف طبقاتهم، وعلى اختلاف هبات الله - تعالى - لهم كلُّ أحد منهم يحتاج إلى الآخر؛ فالحاكم نفسه هو بحاجة إلى الوزير، وإلى المستشار، وإلى الولاة، وإلى القضاة، وإلى الشرطة، وإلى الجند، وهو بحاجة إلى جميع الناس على اختلاف مواهب الله - تعالى - لهم؛ وهكذا سنّة الله - تعالى - في خلقه، ليتم التواؤم والاجتماع بين بني الجنس البشري.
والشورى بين الناس مما يُجسد هذه الوحدة الاجتماعية بين هذا الجنس، فإنّ كل أحد بحاجة إلى فكر غيره، وهذا الفكر لا يتجلى إلا من خلال التشاور؛ وقد قيل: إنّ عقول البشر كالمصابيح، فالمصباح الواحد يضيء حيّزا صغيرا من المكان، ولكن إذا اجتمعت المصابيح وسُلطت أضواؤها على منطقة معيّنة فإنّ الظلمة من تلك المنطقة تتبدد، وهكذا عقول الناس إذا اجتمعت تحقق باجتماعها ما لم يتحقق باستقلال كل واحد منها عن الآخر؛ ونجد حكماء الشعراء يوصون في شعرهم بالتشاور، فهذا بشّار بن بُرد يقول:
إذا بلغ الأمر المشـورة فــاستعن *** بـرأي لــبيب أو مشورة حازم
ولا تجعـل الشورى عليك غضاضة *** فــإنّ الخــوافي قوة للقـوادم
فاللبيب لا يجعل الشورى غضاضة عليه، إذ هي لا تدل على نقصان عقل المستشير، وإنما تدل على رجحان عقل، ولأجل ذلك قيل: الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء، فـ " الرجل الكامل " هو صاحب الفكر النيِّر وبجانب ذلك يستشير غيره، و " نصف الرجل " هو الذي له فكر وقّاد ولكنه لا يستشير غيره، أو ليس له فكر وقاد إلا أنه يستشير غيره، و " لا شيء " هو من لا فكر له ولا مشورة بحيث لا يعوِّل على استشارة الآخرين.
ولعظم شأن الشورى في الإسلام نجد أنّ الله - تبارك وتعالى - في كتابه العزيز أثنى بها على عباده المؤمنين، وقرنها بكلمة التوحيد وإقامِ الصلاة وقدَّمها على الإنفاق من المال الذي يشتمل على ركن من أركان الإسلام وهو الزكاة، فقد قال سبحانه وتعالى: (( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )) [ سورة الشورى، الآية: 38 ]، بدأ بالاستجابة لله - تبارك وتعالى - بإعلان كلمة التوحيد، ثم ثنّى بإقام الصلاة، ثم ثلّث بذكر الشورى، ثم أتبع ذلك الإنفاق من رزق الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على مكانة الشورى في الإسلام، وقد سمّيت هذه السورة التي اشتملت على هذه الآية الكريمة بسورة " الشورى "، وهي من السور المكية التي نزلت قبل هجرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ونزول هذا الوصف للمؤمنين بمكة المكرمة في وقت كان فيه المؤمنون قِلَّة مضطهدين، ولم تكن لهم دولة تحميهم يدل على عناية الإسلام باجتماع الكلمة ولمّ الشعث ووحدة الصف، فاجتماع الجماعة على الشورى قبل أن تكون لهم دولة لأجل أن يتوطَّنوا على نظام الشورى عندما تكون لهم دولة، وما الدولة إلا إفراز للجماعة، فالدولة الإسلامية هي إفراز للجماعة المسلمة، وقد وُجدت الجماعة المسلمة من خلال وجود الأفراد المؤمنين بمكة المكرمة والدولة مقبلة فيجب أن يكون أمر هذه الجماعة أمرا يُجسد وحدتها حتى إذا ما قامت دولتها كانت تلك الدولة قائمة على هذا الأساس القوي المتين .. أساس الشورى الذي يعطي كل ذي حق حقه.
وقد أمر الله - تبارك وتعالى - فيما أنزل على نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام - بالمدينة المنورة .. أمره بأن يشاور أصحابه، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )) [ سورة آل عمران، الآية: 159 ] .. متى نزلت هذه الآية الكريمة ؟ وفي أيّ سياق جاءت في السورة التي وضعت فيها ؟ نزلت في ساعة مريرة كان المسلمون فيها يلعقون جراحهم مما أصابهم في واقعة أُحُد التي جَندلَت عددا من أبطالهم، من بينهم سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنه - أسد الله وأسد رسوله، وعمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وسياق الآيات التي قبل هذه الآية والتي بعدها إنما هو في هذه الحادثة المؤلمة التي كانت النفوس المؤمنة تعيش آلامها، أُمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت أن يستشير أصحابه؛ وهو - عليه أفضل الصلاة والسلام - كان من قبل يستشير أصحابه رضي الله - تعالى - عنهم، ويحرص على هذه الاستشارة؛ حتى قبل الهجرة كان - عليه أفضل الصلاة والسلام - يجتمع بأصحابه ويستشيرهم، ويرجع - عليه أفضل الصلاة والسلام - إلى مشورتهم عندما يتبين له صواب رأيهم؛ وعندما حدثت غزوة بدر الكبرى وتجلى للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين أنّ قريشا خرجت للحرب استشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فقال: ( أشيروا عليّ أيها الناس )، فتكلم المهاجرون بما تكلموا به، وهو يقول: ( أشيروا عليّ أيها الناس )، ثم تحدث متحدث الأنصار بما تحدث به، ولما اتفق رأي الفريقين، المهاجرين والأنصار على لقاء العدو خرج - عليه أفضل الصلاة والسلام - للقاء العدو؛ وعندما نزل - صلى الله عليه وسلم - منزلا ببدر سأله الحُباب بن المنذر - رضي الله تعالى عنه - قائلا له: " يا رسول الله، أهذا منزل أنزلَكَه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أو هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ "، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بل الرأي والحرب والمكيدة )، فقال له: " يا رسول الله، هذا ليس بمنزل، فلنأتِ إلى أقرب ماء من العدو فننزلَ به ونُغوِّر ما وراءه من العيون "، فأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - صواب رأي هذا المشير، فرجع - عليه أفضل الصلاة والسلام - إلى رأيه، ونزل في المكان الذي اختاره هذا الرجل؛ وفي غزوة أُحُد نفسها استشار النبي- صلى الله عليه وسلم - المؤمنين فيما يواجِه به هذه الفئة الكافرة المتحدية للإيمان، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يرى أن يبقوا في المدينة وأن يكافحوا الكفرة من نفس المدينة المنورة فيدفعوهم عن أنفسهم، وكان هذا رأي عبد الله بن أبيّ، وقد ذَكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ أهل المدينة ما خرجوا لمقاومة عدوهم إلا هزموا وما بقوا مكانهم فقاوموهم من مكانهم إلا انتصروا .. هكذا كانت التجرِبات السابقة، إلا أنّ الحماس كان يملأ قلوب جماعة المؤمنين - أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم - فأرادوا أن يخرجوا، خصوصا أولئك الذين لم يُكتب لهم أن يشهدوا غزوة بدر، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رأيهم مع تبيُّنِه - عليه أفضل الصلاة والسلام - أنّ الرأي ليس رأيهم، وكان - صلى الله عليه وسلم - متوقِّعا أمرا فيه شر من رؤيا رآها صلوات الله وسلامه عليه، فقصّها على أصحابه، وأوّلَها - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيُقتل رجل من قرابته ورجال من أصحابه، ولكنه مع ذلك فإنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - رأى أن يطبق مبدأ الشورى مهما كلفه ذلك من ثمن، ومهما وقع فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خطإ، فإنّ الأخطاء الوقتية تكسب أصحابها دروسا، والمبدأ يجب ألاّ يُعطل، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مثلٌ أسمى يجب على هذه الأمّة أن تحذو حذوه، فلذلك حرص - صلى الله عليه وسلم - مع هذا كله على تطبيق مبدإ الشورى، وخرج - صلى الله عليه وسلم - وعذل أصحابه بعضهم بعضا وانثنوا عن رأيهم، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعلنا أَكرهناك والوحي ينزل عليك "، فما انثنى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ( ما ينبغي لنبيّ لبس لأْمَةَ حربه أن يرجع ) أو كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام، فأدّت الأمّة ما أدَّته من ضريبة، ولكن كان أداء هذه الضريبة سببا لأن تُدرك أخطاءها، وأن تُحوِّل مجراها فيما بعد في السياسة الحربية، كما حصل عندما رمتهم الجزيرة العربية بأفلاذ كبدها في غزوة الأحزاب فانتصر الحق على الباطل، وظهر المسلمون على عدوهم؛ وعندما نُكِب المسلمون في غزوة أحد نزل القرآن يقص على المؤمنين ما حدث، حتى أنه كان يخبرهم بما كان يختلج بين حنايا ضمائرهم، وجاءت هذه الآية الكريمة في معرض هذا السياق لأجل إقرار مبدإ الشورى، حتى لا يكون الذي حدث سببا لأن يُنسخ هذا المبدأ ويُطوى، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُكوِّن أمّة، وهذه الأمّة عليها أن تتحمل التبِعة في المستقبل، ولن تتحمل هذه التبعة إذا ما كانت تعيش تحت الوِصاية، ولكن تتحملها إذا استقلت برأيها، ومن أجل ذلك أنزل الله - تبارك وتعالى - على النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرَه إياه بأن يستشيرهم مهما كلفه ذلك من ثمن.
وعدم استشارة الأمّة فيما يتعلق بمثل هذه الشؤون يؤدي بها في المستقبل إلى الشلل الفكري، ذلك لأنها تعيش تابعة غيرَ متبوعة، لا تستقل برأيها والله - تعالى - ورسوله يريدان لهذه الأمّة الاستقلال، بحيث تحاسب نفسها على أخطائها، وتتحمل تبعة هذه الأخطاء، وتتحرى الطريق الأقوم لتصل في الغاية إلى ما تصبو إليه من خير ونصر وتأييد من عند الله سبحانه وتعالى.
والحيلولة بين هذه الأمّة وبين استشارتها لأجل تفادي أن تقع في الأخطاء إنما مثله كمثل الطفل الذي يحال بينه وبين التعود على المشي حذرا من أن يقع على الأرض، فإنّ هذا الطفل ينشأ بطبيعة الحال نشأة غير نشأة الأطفال الذين تربَّوا على اعتياد المشي من أول الأمر.
وهذه الاستشارة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستشيرها أصحابَه إنما هي في غير الأمور الدينية، التي يوحى إليه فيها من قِبَل الله سبحانه وتعالى، فأمر الدين لا مجال للتشاور فيه، وكل ما نَصّ الله عليه أو نَصّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى هذه الأمّة فلا مجال للتشاور فيه .. لا مجال لأن يتشاور الناس في أن يُقِروا مبدأ إقامِ الصلاة أو لا يقروه، أو يقروا مبدأ الزكاة أو لا يقروه، أو يقروا أمر الحج أو لا يقروه، فإنّ هذه أمورا مفروغ منها، لا مجال لأن يعترِض فيها معترض، أو يشير فيها مشير: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا )) [ سورة الأحزاب، الآية 36 ]، إنما المشورة هي في الأمور العامّة التي ترجع بالخير والنفع أو بالشر والضر إلى الأمّة .. هنا تقع المشورة، وهذه الأمور - أيضا - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما يوجَّه فيها من قِبَل الله - سبحانه وتعالى - بوحي ظاهر أو باطن لا يتردد في أن يقبل أمر الله، ويتركَ رأي أصحابه جانبا، ولو رأوا في مسلكه غضاضة عليه، كما وقع ذلك في صلح الحديبية، فإنّ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسوا بالغضاضة .. أحسوا بالضَّيم في جانب هذه الأمّة من خلال النظر إلى بنود ذلكم الصلح، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان موجَّها من قِبَل الله - سبحانه وتعالى - رأى أنّ الخير كل الخير في ذلك الصلح، وحرَص - عليه أفضل الصلاة والسلام - على توطين نفوس أصحابه على قبوله، حتى أنه - صلى الله عليه وسلم - عندما اهتم بما رأى من عدم مبادرة أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - إلى التحلل من الإحرام شَقَّ عليه الأمر، فاستشار في ذلك أمَّ سلمة رضي الله - تعالى - عنها، فأشارت إليه بأن يبدأ - عليه أفضل الصلاة والسلام - بالحلق والتحلل، فعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، واندفع الناس إليه، وكاد يقتل بعضهم بعضا من الغم، وعندما أنزل الله - تعالى - على عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - سورةَ الفتح المصَدَّرة بقوله عز وجل: (( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا )) [ سورة الفتح، الآية: 1 ] قال عمر - رضي الله تعالى عنه - لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوَ فتحٌ هو يا رسول الله ؟ "، قال: ( إِيْ وربي، إنه لَفتح وأيُّ فتح )، وقد حقّق الله لهذه الأمّة الخير الكثير من ذلك الصلح الذي رأوه في بادئ الأمر ضيما لهم وحطّا من قدرهم، وأمر الله - سبحانه وتعالى - نافذ؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما كان يستشير إنما كان يستشير في المصالح العامّة التي لم يوح إليه فيها بشيء، أما أمور الدين والمصالح العامّة التي وُجّه فيها من قِبَل الله - تعالى - بشيء من الوحي الظاهر أو الباطن فإنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - ما كان يرجع فيها إلى المشورة.
وعندما نزلت هذه الآية الكريمة، وهي قول الله تبارك وتعالى: (( ... وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )) [ سورة آل عمران، من الآية: 159 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنّ الله ورسوله لغنِيَّان عن ذلك، ولكنَّ الله جعلها رحمة لأمّته، فمن استشار لم يُعدِم رشدا، ومن أعرض عنها لم يعدم غيّا ) .. يشير النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا إلى أنه يوحى إليه من قِبَل الله، فهو بإمكانه أن يسأل الله - عز وجل - أن يوحى إليه في الأمر الذي لم يتبين له فيه صواب، ولكنَّ الله جعل هذه المشورة رحمة لهذه الأمّة، لتسير في هذا الطريق .. طريق الخير، الذي يجمع شتات هذه الأمّة، ويقويّ كِيانها، من خلال اجتماع رأيها على الأمر، فإنّ الاجتماع رحمة وقوة، والتفرق عذاب وضَعف.
وعلماء الإسلام قالوا بوجوب المشورة، فنجد ابن عطية - وهو من المفسرين القدامى - يقول في تفسيره: " الشورى من قواعد الدين وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير علماء الدين فعزله واجب، ولا خلاف في ذلك "، وقد نقل هذا الكلام عنه جماعة من المفسرين، من بينهم الإمام القرطبي في تفسيره الكبير " الجامع لأحكام القرآن "، وأقروه.
ــــ
(1)أصلها في شريط سمعي بصوت الشيخ، لذلك فأسلوب الشيخ هنا هو أسلوب الإلقاء، وليس التحرير، وشتّان بين الأسلوبين، على أنّ الشيخ قد وهبه الله - تعالى - مقدرة بيانية في الإلقاء.
ـــــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.

سليمان بن موسى
07/12/2003, 03:40 AM
... [ على أنّ هذه المشورة إنما تتفاوت بتفاوت القضايا التي يُستشار فيها المستشارون، فإنّ القضايا متفاوتة، فقد يكون التشاور بين المسلمين في قضية تعود إلى الخبرات العسكرية وهذا أمر يَجب أن يُرجَع فيه إلى أهل الاختصاص مع عرض آرائهم على الأحكام الشرعية بحيث تُعرَض على الفقهاء في الدين حتى لا تكون هذه الآراء مخالفة لأحكام الشريعة الغراء وإنما يصار في تطبيق المبدإ إلى الخبرات التي يُحصِّلها هؤلاء من خلال تجاربهم ومن خلال ممارستهم، وإذا كان الأمر يتعلق بالاقتصاد فكذلك يستشار فيه المتخصصون في هذا المجال، ولئن كان متعلقا بالعمران فإنه يستشار فيه - أيضا - ذوو الاختصاص بهذا الجانب، وهكذا يُراعى الحال .. كذلك في التجارة وكذلك في الصناعات .. يُستشار في كل مجال من المجالات أهل ذلك الاختصاص مع عرض آرائهم ومشورتهم على الأحكام الشرعية حتى لا يكون هنالك شيء من التصادم بين ما وصلوا إليه من الرأي وبين أحكام الله تعالى، وهذا مما ذَكره بعض الفقهاء المتقدِّمين، فمِمّن ذكر ذلك ابن خُوَيْزمَنْدَاد العالم المالكي المشهور الذي كتب كتاب " أحكام القرآن "، ونقل غالب ما في هذا الكتاب الإمام القرطبي في تفسيره، فقد حكى عنه القرطبي بأنه يُرجَع في المشورة إلى الناس، ففي القضايا التي تتعلق بفهم أحكام الله - تعالى - يُرجَع إلى الفقهاء المتبحرين، وفي القضايا التي تَرجِع إلى تجارب البشر يُرجَع فيها إلى أهل الاختصاص، فيُسأل عن كل شيء من كان مختصا به. ](1)
... بوجوه الجند، وأن يستشيروا وجوه الناس في المصالح؛ وهذا كلام يفهم منه أنّ الاستشارة تختلف باختلاف المجالات التي يستشار فيها، فإذا كان الحاكم يستشير في أمر الحلال والحرام ليتبيّن وجه الحق فإنّ عليه في ذلك أن يرجع إلى علماء الدين، لأنهم أبصر بذلك، فهم أعرف بكتاب الله وبسنّة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وإذا كان يستشير في الشؤون الحربية - مع إقرار تلك الحرب من الناحية الدينية - فإنّ عليه أن يستشير في ذلك أولي الخبرات بسياسة الحرب، وإذا كان يستشير في الناحية الاقتصادية فعليه أن يستشير ذوي الخبرات في المجال الاقتصادي مع إقرار ذلكمُ المنهج الذي ينهجونه من قِبَل شريعة الله تعالى، وإذا كان يستشير في الشؤون السياسية فعليه أن يرجع إلى أولي الخبرات في المجال السياسي مع عرض ذلك - أيضا - على الأحكام الشرعية، من خلال عرضه على علماء الدين، وإذا كان يستشير في الأمور التي تتعلق بالمجال الاجتماعي فعليه أن يستشير المتخصصين في الاجتماعيات، وهكذا في كل شأن تتعلق به مشورة لابد من أن يُنظر إلى تخصصات الناس واختصاصاتهم في الاستشارة.
وقد قال علماء الإسلام: إنّ الشورى مبدأ جاء به الإسلام الحنيف استجابة لفطرة البشر، ولكنه مع ذلك لم يَصُبَّ هذه الشورى في قالَب حديدي، بحيث لا تتطور بتطور الزمن، فالإسلام طالب المسلمين بتطبيق مبدإ الشورى، ولكن مع ذلك كله فإنه لم يعيّن طريقة الاستشارة، فكيفية الاستشارة موكولة إلى الناس أنفسهم، ينظرون فيها أجدى الطرق حتى يتوصلوا إليها، ويحققوا هذا المبدأ، من غير أن يكون في ذلك شيء من الاصطدام بحال الناس المعاصر؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما كان المؤمنون قِلة وكانوا منحصرين في المدينة المنورة - في وقتٍ كانت الهجرة فيه واجبةً على المسلمين - كان - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه .. يستشير أصحابه أحيانا في المسجد، وعندما يكون الأمر أمرا يحتاج إلى التكتم كان يستشير الخاصة ولا يستشير العامّة، ثم بعد ذلك كان فتح مكة الذي انتَسَخت به الهجرة، وتفرَّق المسلمون في الأمصار من خلال قيام جماعة من كبار الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - بالوِفادة على الناس لأجل تعليمهم أمر دينهم في الأمصار ودخول كثير من الناس في الإسلام من أصحاب الأمصار المختلفة، ولكنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت لم يبيّن للناس منهجا معيّنا يسيرون عليه في الاستشارة، ولمَ كان ذلك ؟! لأنّ تلكم الفترة التي عاشها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح كانت فترة قصيرة وهو - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنّ الفتوحات سوف تتوالى بهذه الأمّة وسوف يدخل الناس على اختلاف أجناسهم في دين الله أفواجا فلو أنه - صلى الله عليه وسلم - طبق في ذلك الوقت طريقة معيّنة وأَلزَمَ الناس بها لظلت تلك الطريقة سنّة متبعة إلى أن تقوم الساعة لا يمكن للناس أن يحيدوا عنها، لأنها من تطبيق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومما أَلزم الناسَ به، و - كما قلتُ - كان - صلى الله عليه وسلم - يدرك أنّ الشعوب سوف تدخل في دين الله أفواجا وسوف تصحَب هذه الأمّةَ تطورات بتطور أحوالها واختلاف شؤون حياتها، فالعرب أنفسهم لن تكون حالتهم في أطوارهم التالية كحالتهم من قبل في طورهم البدائي، والشعوب الأخرى التي تداخلت في دين الله وكان كثير من هذه الشعوب على مدنيّة من قبل لا يمكن أن تكون حالتهم كحالة العرب البدائيين من قبل، وعليه فلابد من أن يساير الإسلام هذه الأوضاع البشرية بحيث يمكن استيعاب جميع الأطوار، فتُرك تطبيق نظام الشورى إلى الناس أنفسهم.
وإذا جئنا إلى مسلك الخلفاء الراشدين - رضوان الله تعالى عليهم، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ ) - نجد أنهم - أيضا - كانوا يستشيرون بحسب الظروف.
فنحن إذا جئنا لننظر كيف كان أبو بكر يستشير الناس وجدنا أنه كان إذا نزلت به نازلة - كما يقول ميمون بن مَهران - ينظر في كتاب الله، فإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنّة رسول الله، فإن لم يجد حلاّ لها في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل المسلمين عامّة، فإذا قام إليه أحد وأبدى له شيئا حفظه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الحمد لله الذي أوْجد فينا من يحفظ عن نبينا "، وطبق ذلك، فإذا لم يجد ذلك رجع إلى الخاصة، وهم الذين عُبر عنهم بالرؤوس واستشارهم في الأمر .. هنا يتبيّن الفرق بين تلقي السنّة نفسها وبين تطبيق مبدإ الشورى، فتلقي السنّة من أيِّ أحد كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أما الاستشارة فإنها تكون في الناس الذين لهم خبرات خاصة .. هم الذين يستشارون.
وكان - أيضا - مسلك عمر نحو هذا المسلك، ولربما استشار الداخل في الإسلام من جديد، فقد رُوي عنه أنه استشار الهُرمزان في تجنيد الجند إلى أيّ جهة يُوجِّههم عمر رضي الله - تعالى - عنه، وعندما طُعن جعل الخلافة شورى ما بين ستة من أصحابه، هؤلاء الستة هم كانوا أهل الحَل والعقد، وهم الذين يُعبر عنهم القرآن الكريم بأولي الأمر، فالله - تبارك وتعالى - يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ... )) [ سورة النساء، من الآية: 59 ]، المحققون من المفسرين يقولون بأنّ أولي الأمر هم أهل الحل والعقد الذي عندهم حَصَافة الرأي والقدرة على إيجاد المشورة الناجحة، فهؤلاء طاعتهم واجبة على الأمّة.
وكذلك كانت بيعة الإمام علي - كرم الله وجهه - بالمشورة؛ فبيعة الخلفاء الراشدين جميعا كانت بالمشورة .. الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنه - عندما أراد أن يستخلف عمر - رضي الله تعالى عنه - استشار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فوافقه جماعة من الناس على رأيه، واعترضه آخرون لِمَا كانوا يرون من عمر من الشدة التي كانوا يخشونها ويتوقونها، فحرَص أبو بكر - رضي الله عنه - على إقناعهم، وجاء إلى المنبر، وخطب في الناس، وبيَّن أنّ هذه الشدة إنما كانت لأجل المزج بينها وبين لِينِه - أي لين أبي بكر رضي الله تعالى عنه - فإنه - أي عمر رضي الله عنه - كان يرى لين أبي بكر فيشتد، لأجل امتزاج الشدة مع اللين، ثم حصلت البيعة بعد ذلك، وكانت هذه البيعة عن طواعية؛ وهكذا كل الذين بايعوا الخلفاء الراشدين – رضي الله عنهم - إنما بايعوهم عن طواعية، ولم يكن في ذلك شيء من الشدة التي حصلت فيما بعد عندما انحسر مبدأ الشورى وأُسلِطت السيوف على رقاب المهاجرين والأنصار لأجل مبايعة من لا يرضون .. تبيّن بهذا أنّ مسلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مسلك الشورى، وأنّ النظام الذي أمرنا - صلى الله عليه وسلم - أن نحيا على طريقة أصحابه كان نظام شورى، لم يكن نظاما استبداديا.
وهنا سؤال يطرح نفسه: ما هو الفارق ما بين نظام الشورى في الإسلام ونظام الشورى عند الغربيين في العصر الحاضر، أو ما يعبّر عنه بالديمقراطية الغربيّة في العصر الحاضر ؟
والجواب: الفارق بينهما أمران:
أوّلهما: أنّ الديمقراطية الغربيّة تنص على أنّ الأمّة هي مصدر التشريع، والإسلام يقول بخلاف ذلك، فإنّ التشريع من عند الله - تبارك وتعالى - وحده، ورسله يُبلّغون عنه وهم أقدر الناس على توضيح ما أُنزل عليهم من قِبل الله تبارك وتعالى، فالحاكم الذي يحكم الأمّة في نظام الإسلام هو الله تبارك وتعالى.
والأمر الثاني: أنّ الديمقراطية الغربيّة ترى مع الاختلاف إتباع رأي الأغلبية، أما الإسلام فلا يتقيّد برأي الأغلبية، فلو وقع اختلاف بين المستشارين يُنظر في ذلك ما كان أقرب إلى قواعد الإسلام وأسس الإسلام، فيُطبّق من رأيهم ما كان أقرب إلى قواعد الإسلام وأسُسه وإلى مقاصده، تراعى قواعد الإسلام، وتراعى مقاصده، وهذا الذي يدل عليه قول الله تعالى: (( ... فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )) [ سورة النساء، من الآية: 59 ]، فالرجوع إلى الله - تبارك وتعالى - إنما هو رجوع إلى كتابه، والرجوع إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو الرجوع إلى سنّته عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقد يسأل سائل: لماذا يكون الرجوع إلى الكتاب وإلى السنّة مع أنّ الشورى إنما تكون فيما لم يُنصّ عليه في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نُص عليه في أحدهما ليس فيه مجال للشورى ؟
والجواب عن ذلك: أنّ الأحكام في الكتاب العزيز وفي السنّة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - إمّا أن تكون أحكاما خاصة بحيث ينص على حكم شيء بعينه، وإما أن تكون قواعدَ إجمالية، هذه القواعد الإجمالية تجمع الجزئيات وترجع إليها، من هذه القواعد مراعاة جلب المصالح ودرء المضار، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام )، ومما يُستنبط - أيضا - من كتاب الله ومن سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ المصلحة كلما كانت أعم كانت رعايتها أولى، فالخير إذا كان أعم كانت رعايته أولى، وبهذا يمكن الرجوع إلى قواعد التشريع أو إلى مقاصد التشريع لاستلهام الرأي الذي هو صواب من بين آراء المختلفين.
أما الأكثرية فقد تخطئ، وقد وقع الخطأ فعلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنفسهم عندما ذهبت أكثريّتهم إلى ترجيح الخروج في غزوة أحد من المدينة المنورة، وكان رأيه - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك - كما تقدم - إلا أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - نزل مع رأيهم وترتب على ذلك ما ترتب من دفع تلكم الضريبة التي كانت درسا لهذه الأمّة، وإذا كان أولئك الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم خير القرون معرّضين للخطإ، فكيف بمن بعده ؟!
على أنّ مبدأ الأكثرية قد يكون في وقتنا هذا مبدأ غير دقيق، فقد يكون حزب في مجلس له مائة وعشرون عضوا، وحزب آخر له ثمانون عضوا، هؤلاء المائة والعشرون ليسوا جميعا على رأي واحد، وإنما يرى منهم سبعون رأيا، ويرى خمسون رأيا آخر، ولكن أولئك الخمسين يتابعون السبعين لأجل أكثريتهم، فلا يعترضون على ذلكم الرأي في المجلس، ويأتي الثمانون الذين هم حسب الظاهر أقل عددا فيعترضون على المائة والعشرين، ولكن يُرجّح رأي المائة والعشرين الذين جزءٌ كبير منهم، أكثر من ثلثهم لا يرون ذلك الرأي، فلو أضفنا الخمسين إلى الثمانين لكانوا مائة وثلاثين، وبقي في مقابلهم سبعون فقط، ولكن المعادلة لا تكون دقيقة؛ ومن هنا كان الرجوع إلى القواعد الشرعية المستَلهمة من كتاب الله - تعالى - وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يتبين صواب أحد الرأيين، أو أحد الآراء من خلال الرجوع إلى القواعد، إذ لم يكن أحدها أسعد بالقواعد الشرعية أو المقاصد الشرعية من الآخر، هنا يتعين على الحاكم أن يجتهد رأيه وأن يستعين في ذلك بمن يرى أنّ في رأيه شيئا من الحصافة ومن الوَجاهة؛ وهذا الذي صنعه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فإنه عندما جاء إلى الشام وكانت الشام موبوءة، تحيّر في الأمر، فأراد أن يأخذ رأي المهاجرين أوّلا، فدعا بالمهاجرين واستشارهم، فاختلفوا، منهم من قال: " إنه خرج لأمر ولا ينبغي له أن ينثنِي عنه فليُقدِم "؛ ومنهم من قال: " إنّ بقيةً من المؤمنين عنده فلا يَدفَع بها إلى التهلكة "، فطلب الأنصار - أي من كان معه من الأنصار - فاختلف الأنصار كما اختلف المهاجرون، هناك دعا - رضي الله تعالى عنه - بمن هاجر بعد الفتح، بمن كان حاضرا من مُسلِمة الفتح الذين هاجروا بعد الفتح، فاتفق رأيهم على عدم الإقدام، فرجّح عمر - رضي الله تعالى عنه - رأيهم، وقال أبو عبيدة كلمته الشهيرة: " أَفِرارا من قَدَر الله يا أمير المؤمنين ؟! "، فقال عمر رضي الله عنه: " لو غيْرك قالها يا أبا عبيدة !، نفِرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت أن لو نزلتَ عُدوة خِصبة وعدوة جدبة أما كان رعيك في العدوة الخصبة أو في العدوة الجدبة بقدر الله تعالى ؟! "، ثم بعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وأخبر أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الوباء: ( إن سمعتم به في أرض فلا تدخلوها ) - أو كما قال - ( وإن كنتم في أرض ونزل بها فلا تخرجوا منها فرارا )، فحمد الله عمر - رضي الله عنه - على أن وافق الرأيُ الذي طبقه ما جاء به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمن هنا يتبيّن أنّ اختلاف الرأي بين المستشارين في الإسلام يفضي بطبيعة الحال بالحاكم الشرعي إلى أن يرجع أوّلا إلى كتاب الله وإلى سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستلهمَ من القواعد الموجودة في القرآن الكريم أو في الحديث الشريف ما هو الصواب من هذه الآراء المختلف فيها، ثم بعد ذلك إن لم يجد في هذه القواعد الشرعية المنصوص عليها في الكتاب أو في مقاصد الشرع المفهومة ما يدل على ترجيح أحد الرأيين أو أحد الآراء، هنا يتعيّن أن يستعين ببعض أولي الحصافة الذين يمكن أن يُحكَّموا بين رأي هؤلاء ورأي هؤلاء ليعدِّلوا أو ليرجحوا أحد الرأيين؛ بهذا كله يتبيّن أنّ الإسلام دقيق في نظام الشورى دِقّة لم يصل إليها أيّ مبدأ آخر، ولا أيّ دين آخر، فهو نظام يقوم على رعاية المصالح وعلى درء المضار، ولئن كان رأي الأكثرية رأيا يؤدي إلى الضرر فإنه لا يُعوَّل عليه؛ ولربما اقترح بعض الناس الذين ليست لهم خبرة بالسياسة الحربية الإقدام، وكان أهل الحصافة في الرأي والخبرة في هذا المجال يرون خلاف ذلك، والذين يرون الإقدام هم كثرة، هنا يتعين على الحاكم أن يتحرى جهده وأن ينظر ما هو الصواب، فيُرجِّح ما هو الصواب، ولو كان ذلك بالاستعانة ببعض الناس، وإذا تبيّن له أنّ هؤلاء الذين يُرجِّحون الإحجام على الإقدام هم أحصف رأيا وأكثر خبرة فعليه أن يرجع إلى رأيهم.
هذا هو نظام الشورى في الإسلام، وقد سعِد المسلمون أيما سَعْد بتطبيق هذا النظام، وعندما انحسر هذا النظام بعدما شاع حكم الاستبداد بتقلص الخلافة الراشدة حصلت الويلات لهذه الأمّة، فلو أنّ الفتوحات الإسلامية التي اتسعت رقعتها، لو أنّ هذه الفتوحات صوحِبت بتطوير مبدإ الشورى في ذلك الوقت لكان لهذا الدين شأن أعظم، شأن وأيّ شأن.
فنسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يكتب لهذه الأمّة جميعا في مشارق الأرض ومغاربها كل خير، وكل عز تحت راية الإسلام الحنيف، الذي يجمع الشتات، ويُوحِّد الكلمة، ويرأب الصدع، ويقيم نظام العدل بين أتباعه، والله - تبارك وتعالى - وليّ التوفيق، وشكرا لكم على حسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــ
(1)ورد في التسجيل انقطاع في هذا الموضع للأسف، وتداركا لذلك جِيء بما قاله الشيخ في شريط محاضرة " العدل والشورى في الإسلام " (http://om.s-oman.net/showthread.php?s=&postid=1202439#post1202439) لعله يسدّ ذلك النقص.

ـــــــــــــــــ
تمت هذه المحاضرة بعون الله سبحانه.
وأسأل الله - تعالى - أن يتقبل من جميع الإخوة الذين ساهموا في رقن هذه المحاضرة من الشريط وتصحيحها وتنسيقها، كما أسأله - سبحانه - أن يوفقنا لعرض محاضرات أخرى للمشايخ - حفظهم الله تعالى - وعسى أن يكون ذلك قريبا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

البدر المنير
07/12/2003, 11:42 AM
لم يتسنى لي الوقت لقراءة المحاضرتين نظرا لسفري بعد اقل من ساعة من الآن ، فما الفرق بين المحاضرتين المطروحتين ؟؟ وآجرك الله

سليمان بن موسى
04/10/2006, 10:11 PM
إليكم المحاضرة منسّقة في الملف المرفق.

PENN_2006
05/10/2006, 12:41 AM
جزاك الله خيرا .....لي عوده