عرض الإصدار الكامل : " العدل والشورى في الإسلام " محاضرة وفتاوى للشيخ أحمد بن حمد الخليلي
سليمان بن موسى
06/12/2003, 11:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
العدل والشورى في الإسلام
محاضرة وفتاوى للشيخ أحمد بن حمد الخليلي (1)
الحمد لله ربّ العالمين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد كان حديثنا في الدروس(2) السابقة عن الإسلام وكونه النظام الوحيد الصالح لأن يعيش تحت ظله الجنس البشري بأمان واطمئنان ومودة ووئام وتعارف وتآلف، وتحدثنا - فيما سبق - عن عقيدة الإسلام من حيث كونها جامعة غير مفرِّقة ومؤلِّفة غير منفِّرة، وكذلك ما للعبادات في الإسلام من أثر في تربية ضمير الفرد وإصلاح المجتمع حتى يتعاون المجتمع على الخير ويسيرَ الجميع في درب الهدى والرشاد ويسود الناس الاطمئنان والنظام.
والآن ننتقل - في هذا الدرس وفي الذي بعده - إلى بعض الآثار التي يُخلِّفها رسوخ الإيمان بهذه العقيدة والانتظام في سلك هذه العبادة التي فرضها الله سبحانه وتعالى، بحيث يؤدي كل ذلك - أي المعتقد الصحيح والعبادة الصحيحة - إلى تآلف الناس وإلى انتظام أمورهم وإلى إيتاء كل ذي حق حقه، فإنّ من مزايا الإسلام الواضحة أنه أعطى كل ذي حق حقه، وقد فرَض على الإنسان - باعتباره خليفة في الأرض وسيّدا في هذا الكون - حقوقا يؤديها الفرد إلى مجتمعه وإلى أمّته وإلى جنسه عموما ويؤديها - أيضا - المجتمع والأمّة إلى الفرد، وجعل هذه الحقوق متفاوتة بتفاوت العلاقات التي تُسبِّبها، وبعض هذه الحقوق حقوق عامة وبعضها حقوق خاصة، وعلى المسلم أن يؤدي كل ذلك بخضوع وخشوع لله - تبارك وتعالى - الذي فرض هذه الحقوق، فإنّ هذه الحقوق ليست وليدة نظام بشري وإنما هي من أمر الله - سبحانه وتعالى - الذي لا مُعقِّب لحكمه.
هذه الحقوق حقوق متفاوتة كما قلتُ، فقد تكون الحقوق الواجبة على الإنسان المسلم مشروعة لجميع المسلمين، وقد تكون مشروعة - أيضا - لجميع أفراد الجنس البشري، بل من الحقوق ما هو مفروض حتى للحيوان الأعجم وللكائنات الأخرى التي خلقها الله سبحانه وتعالى، والإسلام يفرض أداءها على العباد، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - فرَض الرحمة والإحسان على عباده في كل تعاملهم مع بني جنسهم أو غير بني جنسهم، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنّ الله فرض الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته ) فترون أنّ الإسلام يفرض هذا الحق العام لكل ما هو حيّ .. حتى الحيوان الأعجم يُفرَض له هذا الحق، فقد كتب الله - سبحانه وتعالى - الإحسان في كل ما يصدر عن الإنسان.
وحقّ الإحسان عام مشترك، يجب أن يؤديه الإنسان إلى بني جنسه وإلى غير بني جنسه، وهذا الحق لا ينحصر في تعامل الناس به - بحسب نظام الإسلام - فيما إذا كان بينهم تواد وتراحم، بل هذا الحق يُعامَل به حتى العدو في أحرج المواقف وأدقها، ومن ذلك النهي الشديد عن التمثيل بالقتلى، فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جهّز سَريّة ينهاها عن أشياء ومن بينها التمثيل، كما جاء ذلك في حديث صفوان بن عسّال وفي حديث ابن عباس وفي حديث أنس رضي الله - تعالى - عنهم، إذ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول للجند عندما يهيؤهم للقتال: ( سيروا باسم الله وعلى بركة الله، قاتلوا الذين كفروا ولا تمثِّلوا ولا تغدِروا ولا تغُلّوا ) إلى غير ذلك مما كان يوصيهم به صلى الله عليه وسلم، فمن بين هذه الوصايا عدم التمثيل، وهو مبدأ إنساني فرضه الله - سبحانه وتعالى - على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليدل ذلك على أنّ الإسلام دين الرحمة وعلى أنّ المسلم تفيض مشاعره بالرحمة والإحسان تجاه الآخرين ولو في هذه المواقف التي يجب على المسلم ألاّ تأخذه فيها لومة لائم.
كذلك الغدر .. نجد أنّ الحديث ينهى عن الغدر، فالمسلم غير غدّار ولو في مثل هذه المواقف الحرجة يتعامل مع الناس بالصدق ولا يتعامل معهم بالغدر.
ــــــ
(1) أصل المحاضرة - مع ما أعقبها من إجابة على الأسئلة - في تسجيل سمعي بصوت الشيخ، لذلك فأسلوب الشيخ هنا هو أسلوب الإلقاء، وليس التحرير، وشتّان بين الأسلوبين، على أنّ الشيخ قد وهبه الله - تعالى - مقدرة بيانية في الإلقاء.
(2) هذه الدروس ألقاها الشيخ بمسجد الجامعة بعُمان.
ـــــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 12:00 AM
ومن الحقوق المشتركة الواجبة على المسلم للجميع العدل، فإنّ العدل حق واجب على كل مسلم لأيّ واحد من الناس سواء للقريب أم للبعيد .. للداني أم للقاصي .. للعدو أم لولي .. كل من هؤلاء تجب لهم العدالة.
فالعدالة حق عام لجميع الناس، ولذلك عندما أمر الله - سبحانه وتعالى - بالحكم بالعدل لم يقل سبحانه وتعالى: " وإذا حكمتم بينكم أن تحكموا بالعدل .. أي بين المسلمين أنفسهم " بل قال عز وجل: (( ... وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ... )) [ سورة النساء، من الآية: 58 ]، وكلمة (( النَّاسِ )) كلمة عامة يدخل فيها المسلم والكافر والبر والفاجر والصديق والعدو والقاصي والداني، فليست ولاية الولي مسبِّبة لأن يعطى أكثر من حقه المفروض له، ولا عداوة العدو تجتاح حقه الذي فرضه الله - سبحانه وتعالى - له، فكل أحد من الناس يُعطى حقه من غير التفات إلى قرابة أو بُعد سواء كانت هذه القرابة قرابة نَسبية أو سببية، لأنّ العدل مبدأ عام إسلامي إنساني يجب للكل من غير التفات إلى معتقد هذا الذي يُعدَل بينه وبين غيره أو إلى جنسه أو إلى لونه أو إلى نسبه أو إلى أيّ شيء من ذلك، فالعدالة حق فرضه الله - سبحانه وتعالى - على عباده للجميع، وبما أنّ المسلمين هم الذين يُمثِّلون أمر الله وَجّه الله - سبحانه وتعالى - إليهم هذا الخطاب.
وقد حذّر الله - سبحانه وتعالى - عباده من أن يتأثروا بعواطف القربى أو أن يتأثروا بأيّ شيء مما يَجعل صدورهم تَغْلا ضدّ أحد، ففي حالة الحكم يجب على الإنسان أن يَحكم بالعدل بين القريب والبعيد وبين الولي والعدو، فالله - تعالى - يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا ... )) [ سورة النساء، من الآية: 135 ] هكذا يأمر الله - سبحانه وتعالى - بالقسط .. يأمر المؤمنين بأن يكونوا قوامين بالقسط، وألاّ يتأثروا بشيء من العواطف ليُعطوا غير ذي حق أكثر من حقه أو ليَحرموا ذا الحق من حقه، فلو كان أحدُ الناس أحدَ الوالدين أو كان قريبا بأيّة قرابة تشد إليه الحاكم فليس للحاكم أن يراعي هذه القرابة في الحكم.
كذلك يحذِّر الله - سبحانه وتعالى - عباده من أن يسبِّب الشنآن الذي بينهم وبين أحد من الناس في غمط شيء من حقه، فالله - تبارك وتعالى - يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... )) [ سورة المائدة، من الآية: 8 ] فالقريب والبعيد والبغيض والحبيب في ميزان العدل سواء .. هكذا يفرض الإسلام على أتباعه، ولم تكن هذه نظريات تُذكَر ولا يُبصَر أثرها وإنما كان هذا منهجا ربانيا أخذ به المسلمون، بل كان ذلك واضحا في تعامل الأمّة حتى مع ألدِّ أعدائها، فإنّ العدل يفرضه الله - تبارك وتعالى - على عباده للكل، وناهيكم بما جاء في كتاب الله - سبحانه وتعالى - من آيات تتلى في الصلوات وفي غيرها من أجل تبرئة ساحة يهودي .. هذا اليهودي ألصقت به تهمة وهو بريء، كما جاء ذلك فيما رواه الإمام ابن جرير الطبري وغيره من أئمة التفسير في تفسير هذه الآيات التي نزلت في هذه القصة .. هذا اليهودي ألصقت به تهمة كان بريئا منها، وذلك أنّ أحد الناس المحسوبين على الإسلام ويُدعا طُعمَة بن أُبَيرِق سرق درعا لأحد من الناس فلما خشي أن ينكشف أمره ألقاها في بيت يهودي وألصق هذه التهمة هو ومن معه بذلك اليهودي وأرادوا أن يُوغِروا قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليهودي فما كان إلا أن نزل في ذلك قرآن يَفضح مؤامرة المتآمرين ويبرئ البريء ولو كان من ألد أعداء الإسلام، فاليهود - كما نطق القرآن الكريم - هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، إلا أنه نزل في ذلك قرآن يُتلى: (( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا )) [ سورة النساء، الآية: 105 ] إلى أن قال الله سبحانه وتعالى (1): (( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا )) [ الآية: 113 ] هذه آيات نزلت من أجل تبرئة ساحة هذا اليهودي مما ألصق به من تهمة كان منها بريئا.
ـــــ
(1) (( وَاسْتَغْفِرِ الله إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً * وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا )) [ الآيات: من 106 إلى 112 ].
ــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 12:06 AM
ونجد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنّ مسؤولية العدل مسؤولية كبيرة، وأنّ من تحمل هذه المسؤولية بأمانة وجدارة كان حريا بأن يُبوِّئه الله - سبحانه وتعالى - المراتب العلى في الدار الآخرة وأن يرفع قدره ويعلي شأنه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ) وعندما ذكر هؤلاء السبعة ذكر في من ذكر الإمام العادل، فالإمام العادل هو الذي يضع الأشياء في مواضعها ويعطي كل ذي حق حقه ولا يُؤْثِر قريبا على بعيد ولا وليا على عدو بسبب ما بينه وبينه من قرابة أو وَلاية وإنما يُنزِل الناس منازلهم بحسب ما أمر الله - تعالى - به.
وفي المقابل نجد في الحديث الشريف - أيضا - ما يدل على أنّ من لم يعمل بذلك كان بعيدا كل البعد عن رحمة الله تعالى، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( ما من والٍ يلي رعيّة من المسلمين فيموت وهو لها غاشّ إلا حرّم الله عليه الجنة ) فمن ولي رعيّة - أي طائفة يرعاها من المسلمين - ثم بعد ذلك يموت وهو لها غاشّ بحيث لا يؤدي لها النصح ولا يقوم لها بالواجب لا يكون له جزاء عند الله إلا أن يحرمه الله - سبحانه وتعالى - من جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
كذلك نجد هناك حديثا آخر جاء غير مقيَّد بكون الرعية من المسلمين، فقد جاء في هذا الحديث: ( ما من عبد يسترعيه الله رعيّة ثم لا يَحوطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة ) فمن ولي رعيّة أيّ رعية كانت ولم يَحطها بالنصح الذي فرضه الله - تعالى - عليه فإنّ جزاءه ألاّ يريح رائحة الجنة، ولا يقال بأنّ هذا الإطلاق هنا مقيَّد بذلك القيد الذي جاء في الحديث الآخر - بناء على القاعدة المشهورة عند الأصوليين من أنّ المطلَق يُحمل على المقيَّد - وأنّ غيرَ المسلمين لا يكون لهم حق النصح كما هو مفروض للمسلمين لأنّ هذا التقييد إنما هو - كما تعلمون - من باب الأخذ بالمفهوم والمفهوم يُصار إلى الأخذ به عندما يكون المنطوق غير وارد مورد الأغلب المعتاد، ومن المعلوم أنّ الناس في ذلك الوقت الذي كانت الجزيرة العربية فيه واقعة تحت حكم الإسلام بحيث كانت راية الدولة الإسلامية ترفرف على أجزاء الجزيرة العربية وكان كل وال يبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعثه إلى المسلمين اللهم إلا أن تكون هنالك طائفة قليلة من أهل الذِّمَّة فلذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا، ومما يدل على أنّ هذا الحكم على إطلاقه ما جاء من آيات الكتاب العزيز دالا على أنّ العدل مبدأ عام لا فرق فيه بين مسلم وغيره فعلى المسلم أن يعدل بين المسلم وغير المسلم، كما هو في قول الله تعالى: (( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ... )) [ سورة النساء، من الآية: 58 ] فإذن الحكم بين جميع الناس إنما يجب أن يكون بالعدل، فالظلم يُرفع عن المسلم وغير المسلم بحسب شريعة الله تبارك وتعالى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيّته ) فكل راع هو مسؤول عن رعيّته سواء كانت هذه الرعيّة على حق أو كانت على باطل.
ومن أجل القيام بهذه المهمة .. مهمة العدل والاضطلاع لهذه الأمانة .. أمانة الإنصاف بين الناس جميعا كان الحكم في الإسلام مبنيا على قاعدتين أساسيتين لا يستقيم الحكم في الإسلام دونهما: شريعة الله - تعالى - العادلة، وشورى الجماعة المسلمة.
فإنّ شريعة الله العادلة هي التي يُحتكم إليها في كل جزئية من جزئيات أمور الناس .. فيما دقّ أو جلّ .. فيما عظُم أو حقُر، فليس للإنسان أن يَحتكم إلى غير شريعة الله، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - نَسب كل حكم يُخالِف حكمه - عز وجل - إلى الجاهلية عندما قال: (( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون )) [ سورة المائدة، الآية: 50 ]، وقال عز وجل: (( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) [ سورة المائدة، من الآية: 44 ] وقال: (( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) [ سورة المائدة، من الآية: 45 ]، وقال: (( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) [ سورة المائدة، من الآية: 47 ]، وحذّر الله - سبحانه وتعالى - نبيّه - عليه أفضل الصلاة والسلام - عن أن يُميله الناس عن هذا الحكم .. الحكم الذي أنزله الله - تعالى - وهو شريعة الله العادلة، فالحكم - إذن - لا يكون إلا بهذه الشريعة في الإسلام.
والشورى هي تعاون بين الراعي والرعيّة على القيام بأعباء هذه المهمة التي نيطت بهذه الأمّة وهي مهمة العدل بين الناس، فالشورى تجعل الحكم قائما على العدل والإنصاف، لأنّ الشورى تعاون ما بين القاعدة والرأس .. أو - كما يقال: - ما بين الراعي والرعيّة.
والشورى ليست مختصة بالأنظمة السياسية، بل هي طابَع إسلامي عام، كما يدل على ذلك وصف الله - تبارك وتعالى - للجماعة المسلمة بقوله: (( ... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... )) [ سورة الشورى، من الآية: 38 ] ومتى كان هذا الوصف ؟ كان هذا الوصف قبل أن تقوم للمسلمين دولة، لأنّ ذلك مما نزل في سورة الشورى وهي إحدى السور المكية .. أنزلها الله - سبحانه وتعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - في وصف أتباعه - عليه أفضل الصلاة والسلام - مع أنّ أولئك الأتباع في ذلك الوقت لم تكن لهم دولة تُوحِّدهم، بل لم يكن لهم نظام يجمع شتاتهم وإنما كانوا متناثرين في المجتمع المكي الجاهلي الذي كانت تغمره الكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية وكان المسلمون في ذلك الوقت لا يَملكون أن يتوحدوا من أجل إقامة نظام خاص بينهم .. لا نظام سياسي ولا نظام اجتماعي ولا نظام ماليّ ولا أيّ نظام آخر ولكن مع ذلك وصف الله - تبارك وتعالى - تلك الجماعة التي كان أفرادها متناثرين بهذا الوصف: (( ... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... )) [ سورة الشورى، من الآية: 38 ] من أجل أنّ ذلك طابَع إسلامي عام، فالمسلم دائما يستشير أهل المشورة والرأي ويُحب أن يعمل حسب ما يقتضيه رأيهم وما تمليه عليه مشورتهم، لأنّ الإسلام دين الفطرة.
ومن شأن الله - تبارك وتعالى - أن جعل حياة الناس حياة تقوم على الاجتماع، ولا تقوم على الاستبداد واستقلال كل أحد بشأنه، فالناس لابد لهم من تعاون فيما بينهم حتى تنتظم أمورهم، فكما ترون جعل الله - تبارك وتعالى - كل أحد من الناس بحاجة إلى بني جنسه بحيث لا يستقل بمصالحه بنفسه سواء في ذلك القوي أو الضعيف والغني أو الفقير والحاكم أو المحكوم والمالك أو المملوك، فكل أحد بحاجة إلى جميع بني جنسه .. كل من انتمى إلى طبقة من طبقات الناس هو بحاجة لا إلى طبقته فحسب بل هو بحاجة إلى جميع تلك الطبقات، وذلك لأنّ الله - سبحانه وتعالى - أراد للعباد أن يكونوا أهل تآلف ووئام وانسجام، فلو أنّ الناس استقل كل أحد منهم بمصالحه لأدى بذلك إلى انحلال الوشائج التي تشد بعضهم إلى بعض وأدى ذلك إلى انحسار الوئام فيما بينهم وكانت القطيعة بدلا من الصلة التي تربطهم، وبجانب هذه الحكمة البالغة ففي ذلك - أيضا - إيقاظ لأحاسيس هؤلاء الناس بأنهم فقراء وأنّ الله - تبارك وتعالى - وحده هو الغني، فلذلك لم يكن أحد من الناس يستقل بمصالحه بنفسه لأجل أن يعرف بذلك فقره وحاجته، والله - تبارك وتعالى - وحده هو الغني عن عباده.
ـــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 02:51 AM
وإذا كان الناس متفاوتين تفاوتا ظاهرا فيما أوتوه من ملكات سواء كانت هذه الملكات فطرية أم كانت كسبية وفيما أوتوه من المواهب سواء كانت ظاهرة أم كانت باطنة فإنّ ذلك مما يَعكِس ظِلالا على آرائهم وتجاربهم وخبراتهم، فالناس متفاوتون في خبراتهم بحسب تفاوتهم في ملَكاتهم وفي مواهبهم التي أوتوها من قِبَل الله - سبحانه وتعالى - وهذا بطبيعة الحال مما يؤدي إلى التفاوت بحيث يُتقِن كل أحد ما لا يُتقِنه الآخر ويَفهم هذا ما لا يَفهمه ذلك، فكل واحد منهم يكون - إذن - بحاجة إلى أن يستشير غيره ليجمع خبرته إلى خبرته وليشد رأيه برأيه، فلذلك وصف الله - تبارك وتعالى - المؤمنين هنا بأنّ أمرهم شورى.
وليس في الشورى غَضاضة على أحد، فالإنسان الذي آتاه الله - تبارك وتعالى - ما آتاه من مواهب ومن حَصَافة الرأي واتقاد البصيرة وصفاء السريرة إن استشار من هو دونه لم يكن في ذلك غضاضة عليه، وقد أجاد الشاعر الذي قال:
إذا بلغ الرأي المشـورة فــاستعن *** بـرأي لــبيب أو مشورة حازم
ولا تجعـل الشورى عليك غضاضة *** فــإنّ الخــوافي قوة للقـوادم
وقد كان بعض الناس يقول: " ما أخطأتُ قط " قيل له: " وكيف ذلك ؟ " قال: " ما حَزَبَني أمر إلا استشرتُ فيه قومي فعملتُ برأيهم فإن كان خطأ فهم المخطؤون وإن كان صوابا فهم المصيبون ".
والشورى - كما يقول ابن العربي - مسبارٌ للعقول وألفة بين الناس وسبب إلى الصواب، فإنّ الشورى تتجلى بها عقول الناس بحيث يؤدي كل واحد رأيه بحسب ما يتجلى له وما يصل إليه فهمه، وألفة بين الناس لأنّ الناس عندما يتشاورون تتآلف قلوبهم ويعطف بعضهم على بعض، وفي نفس الوقت سبب إلى الصواب فإنّ الشورى يُتوصَّل بها إلى معرفة الرأي الصائب فرأي الأكثرين في الغالب يكون هو الصواب عندما يَختلِفون في شيء لم يأت فيه نص قرآني ولم يأت فيه نص من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا يقول شاعر النيل:
رأي الجـماعة لا تشـقى البلاد بـه *** رغم الخـلاف ورأي الفرد يشقيهـا
ومما يدل على أنّ الشورى ليس فيها غضاضة وعلى أنها لا تدل بحال من الأحوال على أنّ المستشير هو أَدْوَن رأيا وأنه أقل إدراكا للحقائق أنّ الله - تعالى - أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي يوحى إليه من عند ربه - سبحانه وتعالى - فضلا عن كونه - صلى الله عليه وسلم - أوفر البشر جميعا عقلا وأحصَفهم رأيا وأعلاهم هِمّة وأعظمهم شأنا وأَخبَرَهم بالأمور ظاهرها وباطنها ومع هذا كله فإنّ الله - تبارك وتعالى - يقول له صلى الله عليه وسلم: (( ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر ... )) [ سورة آل عمران، من الآية: 159 ].
على أنّ هذا الأمر الموجَّه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إثر خطإ وقعت فيه الأكثرية من المسلمين فأصيبوا بنكبة رزأتهم في سبعين سيّدا من أبطالهم في وقعة أُحُد، وذلك عندما كان رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبقى المسلمون في المدينة المنورة نفسِها من غير أن يَخرجوا عنها لمقابلة العدو وكان هذا رأي طائفة ولكنّ السواد الأعظم الذي كان الحماس يتأجّج بين جوانحه كان يميل إلى خلاف هذا الرأي ومن أجل تطبيق مبدإ الشورى انقاد النبي - صلى الله عليه وسلم - لرأي الأكثرية وسلّم له فخرج - عليه أفضل الصلاة والسلام - إلى لقاء العدو خارج المدينة المنورة ووقع ما وقع من النَّكسة التي كانت رزيَّة على المسلمين وأحسّ المسلمون بألم ذلك ومع هذا كله لم يأمر الله - تبارك وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - ألاّ يَرضخ للشورى وأن يَستبِد برأيه فقط بسبب أنه في قمّة العقل والإدراك وكان أَنورَهم بصيرة جميعا وإنما أمره - سبحانه وتعالى - أن يتبع المشورة: (( ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر ... )) [ سورة آل عمران، من الآية: 159 ] أمره بأن يشاورهم في الأمر، وآلة التعريف هنا تدل على العهد .. ما هو الأمر ؟ الذي فيه الاختلاف فيما بين الناس، كخروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة المنورة إلى خارجها من أجل لقاء العدو، وأمثال ذلك من القضايا السياسية، فالأمر هنا هو ما يقع فيه الاختلاف ويعني المسلمين فيما بينهم مما لم يَنزِل فيه وحي، وهو الذي أضافه الله - تبارك وتعالى - إليهم عندما قال: (( ... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... )) [ سورة الشورى، من الآية: 38 ]، فهذا يدل على أنّ الذي يستشير إنما هو متأسٍّ برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومع انكشاف خطإ رأي الأكثرية الذي اتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - تطبيقا لهذا المبدإ واتباعا لما عَلِمه - عليه أفضل الصلاة والسلام - من قواعد هذا الدين وأساسيات هذا الدين .. لمَّا اتبع ذلك - عليه أفضل الصلاة والسلام - وانكشف بعد ذلك خطأ ذلك الرأي أُمِر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ذلك كله بأن يشاورهم في الأمر، لا أن يسحب بساط الشورى من تحت أقدامهم، وما ذلك إلا لأن تعيش هذه الأمّة على هذا النظام .. نظام الشورى، فإنّ الأمّة تتعلم صوابها من خطئها، والخطأ الموقوت ليس أعظم من أن تُسلَب الأمّة هويتها وتفقد معنويتها لأنها إن عاشت على غير تشاور فيما بينها سُلِبت ذلك كله.
وقد أراد الله - تعالى - لهذه الأمّة أن تنمو مواهبها وتتّسع آفاقها لتجاربها فهي إن حُرِمت هذه التجارب وحِيلَ بينها وبينها أدى ذلك إلى أن تعيش في مكانها من غير أن تتجاوزه .. من غير أن تنمو مداركها ومن غير أن تتسع آفاقها، وكما يقول بعض المفكرين: إنّ الشورى لو سُلِبَتها هذه الأمّة بسبب هذا الخطإ كانت هذه الأمّة تعيش دائما في مرحلة الطفولة، فالطفل الذي تعثر قدماه عندما يبدأ المشي لا يُمنَع من المشي من أجل وقايته من خطر هذه العثرات، بل يُترك للمشي لأجل أن ينمو .. لأجل أن يَستجمِع قواه .. لأجل أن يتعلم كيف يواجِه هذه الحياة، أما إن حيل بينه وبين ذلك فإنه يبقى في مرحلة الطفولة دائما، والله - تعالى - يأبى لهذه الأمّة أن تعيش دائما في هذه المرحلة.
ـــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 02:52 AM
والشورى نظام إسلامي فرضه الله تبارك وتعالى .. لا مجال لأحد من الناس في رده، فلا يجوز بحال من الأحوال أن يعترض عليه معترض: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا )) [ سورة الأحزاب، الآية: 36 ] فلذلك صرّح علماء الإسلام الذين رسخت أقدامهم في العلم بوجوب الشورى بين المسلمين، فالإمام ابن عطية في تفسيره يبيّن بأنّ الشورى قاعدة من قواعد الإسلام وأنّ الأحكام تقوم على هذا الأساس .. أساس الشورى وأنّ من رفض الشورى وجب عزله، ثم يضيف إلى ذلك بأنّ هذا مما لا خلاف فيه؛ وقد ذكر كلامه هذا القرطبي ولم يَعزُه إليه إلا أنه أقره من غير أن يعترض عليه، والقطب - رحمه الله تعالى - في هميانه عزاه إلى ابن عرفه.
ونجد سلفَنا الصالح كان حريصا كل الحرص على مبدإ الشورى منهجا وتطبيقا من غير أن يَحيدوا عنه قيد شعرة، فالإمام ابن محبوب - رحمه الله تعالى - يقول: " الذي وجدنا عليه أسلافنا وأئمتنا في الدين أنهم كانوا إذا عقدوا الإمامة لأئمتهم بايعوهم على طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واتباع آثار السلف الصالح ومشاورة أهل العلم والدين "؛ وكذلك يقول تلميذه العلامة أبو المؤْثِر - رحمه الله تعالى - بأنّ عقد الإمامة على الإمام إنما يكون بعد المشورة .. مشورة أهل العلم والدين.
ومن أجل هذا كانوا لا يُولُّون هذا الأمر من يتطلع إليه من الناس، وإنما كانوا يَختارون له من يراه عبءً ثقيلا ومسؤولية كبرى، حتى أنّ الأمر كان يصل بهم إلى أن يَفرِضوا الحِراسة على من يَختارونه لهذا الأمر لئلا يَفِر منهم، كما ذكر ذلك صاحب " المصنَّف " في قصة سليمان بن عبد العزيز إمام أهل حضرموت - رحمه الله تعالى - عندما أشرف أبوه على الموت وقد كانوا يرون فيه الأهلية لأن يقوم مقام أبيه فخشُوا أن يَفِر منهم لأجل أنه كان يرفض كل الرفض أن يتولى هذه المسؤولية ففرضوا الحراسة عليه من قِبَل أحد قوادهم.
ولربما وصل الأمر بهم إلى حدّ التهديد بالقتل لمن رفض هذا الأمر عندما يَخشون أن يؤدي رفضه إلى التفكك وذهاب الريح وظهور العدو كما حصل ذلك في قصة أبي عبيدة - رحمه الله تعالى - عندما ودّعه حملة العلم إلى المغرب ورَشَّح لهم تلميذَه أبا الخطاب المُعافِري اليمني - رحمه الله - لأن يقوم بأمرهم فقالوا له: " أرأيتَ إن رفض ذلك ؟ " قال لهم: " اضربوا عنقه "؛ ومثل هذا كان - أيضا - من الإمام السالمي - رحمه الله - في حق تلميذه الإمام سالم بن راشد الخروصي رحمه الله؛ فهذا يدل على أنهم كانوا حريصين كل الحرص على تطبيق مبدإ الشورى.
ونجد العلامة الكبير صاحب " المنار " السيد محمد رشيد رضا في تفسيره " المنار " يذكر كيف كان المسلمون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد الخلفاء الراشدين متبِعين لنظام الشورى ثم كيف وقع الانحراف بعد ذلك عن هذا النظام في عهد بني أمَيّة وفي عهد بني العباس مع أنّ الناس الذين كانوا على رسوخ قدمٍ في العلم في أيام بني أميّة وفي صدر أيام بني العباس كانوا يُنكِرون عليهم منكراتهم ولكن عندما طال العهد بالناس نسُوا هذا المبدأ ومَالأَ العلماءُ الحكامَ الذين تسلطوا على الخلافة بغير حق وأخذوا يبررون أعمالهم وصوروا للناس أنّ الشورى مجرد منحة يمنحها الحاكم للرعية وأنها غير واجبة على الحاكم، وذَكَر ما ترتب على ذلك من الفساد في أوضاع الراعي والرعيّة جميعا.
والشورى إنما تكون في المجالات التي يُمكِن أن يكون فيها رأيٌ للبشر، فالشورى في الإسلام لا تكون في أحكام الله - تعالى - التي نص عليها كتابه أو التي جاء بها حديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - الثابت، لأنّ الله - تعالى - لم يَجعل في ذلك خيارا لأحد من الناس، فقد قال عز وجل: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا )) [ سورة الأحزاب، الآية: 36 ]، فلذلك لا تجوز الشورى قط في إقام الصلاة أو في إيتاء الزكاة أو في صيام رمضان أو في حج بيت الله الحرام أو في أيّ عبادة من العبادات، ولا تجوز الشورى - أيضا - قط في إقامة حد من حدود الله، لأنّ الناس مطالَبون بأن يَستسلموا لأمر الله وأن ينقادوا لحُكمِه وأن يذعِنوا لطاعته وألاّ يُخالِفوا شيئا من أمره، فالأحكام المنصوص عليها لا مجال بحال من الأحوال للتشاور فيها، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - فيما أوحاه الله - تعالى - إليه، وإنما يستشيرهم في الأمور العامة، كذلك تحليل أيِّ شيء أو تحريمه ذلك مما لا يرجع إلى الشورى، لأنه يرجع إلى وحي الله، فلو أنّ أهل السماوات والأرض جميعا اجتمعوا على أن يُحرِّموا شيئا لم يُحرِّمه الله لم يكن حراما، ولو اجتمعوا على أن يُحلوا شيئا مما حرّمه الله فإنّ ذلك يكون حراما .. عندما يجتمعون من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون لهم مستند شرعي في تحريم شيء كان ذلك مردودا عليهم، وكذلك عندما يجتمعون على تحليل شيء مما حرّمه الله - تعالى - فإنّ ذلك - أيضا - مردود عليهم .. إنما الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله: (( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ )) [ سورة النحل، الآية: 116 ]، وبهذا يتباين نظام الشورى في الإسلام مع الأنظمة الديموقراطية التي تَرُدُّ هذه القضايا إلى مجالس الأمّة أو ما يسمى بالبرلمانات عندهم، فإنّ الإسلام يتنافى مع ذلك تمام التنافي، إذ الحاكمية في الإسلام لأمر الله، وقد قلنا - في صدر هذا الكلام - بأنّ الإسلام يقوم الحكم فيه على قاعدتين أساسيتين: على قاعدة تطبيق شرع الله تعالى، وعلى قاعدة مشورة الجماعة المسلمة .. هكذا نظام الإسلام، والأنظمة الديموقراطية ترى أنّ الحاكمية للأكثرية في هذه المجالس .. مجالس الأمّة، فعندما يكون رأي الأكثرية مبيحا لأمر مّا فهو مباح وعندما يكون رأي الأكثرية مُحرِّما لأمر مّا فهو حرام، فبسبب ذلك استباحوا الخمور واستباحوا البِغاء واستباحوا الربا واستباحوا أنواعا من محارم الله تبارك وتعالى، بينما الإسلام لا مجال فيه لاستباحة الربا بسبب إقرار مجالس الشورى له أو استباحة الخمر أو استباحة الزنا أو استباحة أيّ شيء مما حرمه الله تبارك وتعالى، وكذلك لا مجال في الإسلام لتحريم ما أحله الله – عز وجل - بسبب إقرار هذه المجالس أو إقرار الأكثرية منها للتحريم، وإنما التحليل والتحريم راجعان إلى الله .. نعم الإسلام الحنيف يرى تطبيق مبدإ الشورى في كيفية تنفيذ هذه الأحكام عندما تكون هنالك وسائل متباينة، فقد يُسأَل المستشارون عما يرونه من الرأي في الطريقة الأنجح وفي الطريقة الأمثل لتطبيق هذه الأحكام الشرعية وتنفيذها، لا في مبدإ التطبيق نفسه .. إنما مبدأ التطبيق يرجع إلى حكم الله تبارك وتعالى.
ـــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 02:56 AM
والإسلام الحنيف الذي أمر بالشورى لم يجعل لهذه الشورى طريقة محددة، بل يمكن أن تُسلَك فيها طرائق متعددة على أن تكون المشورة في القضايا التي تمس شؤون الناس أنفسهم كما ذكرنا، ففي القضايا العسكرية والقضايا الإدارية والمالية والسياسية .. هذه يُستشار فيها أهل الخبرات .. نعم يمكن أن يستشار الفقهاء المتبحرون الذين تضلعوا في علوم الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالمستجِدات التي لم يُنص عليها ويُتَّبَع في ذلك رأي الأكثرية عندما تكون هذه الأكثرية متساوية في الدرجات الفقهية أما عندما يكون هنالك من هو أفقه - ولو كان أولئك الذين هم أفقه أقلية - فإنّ المصير إلى رأي الأفقه أولى في ذلك لأجل رسوخ أقدام هؤلاء في العلم، وهذه القضايا بحاجة إلى أن تُعاد إلى ذوي الخبرات في المجالات الشرعية من أجل أن يَستنبِطوا لها الحلول من قواعد الفقه وأصوله فإنّ المستجِدات كثيرة وخصوصا في هذا العصر الذي يَشهَد فيه تطورا هائلا وتنجم عن هذا التطور مشكلات عدّة .. هذه المشكلات لا يُمكن أن توجَد لها حلول منصوص عليها لأنها لم تتناولها النصوص وإنما تعاد إلى القواعد الشرعية، والقواعدُ الشرعية يعرفها العلماء المتبحِّرون في ذلك.
وطريقة التطبيق - كما قلتُ - طريقة موسَّعة، فيمكن أن يَسلك الناس في تطبيق مبدإ الشورى مسالك متعددة، إذ أحوال الناس متبايِنة باختلاف عصورهم وتباين تطوراتهم، فبين فترة وأخرى تَحصُل تطورات هائلة وهذه التطورات تفضي إلى اختلاف أحوال الناس في معايشهم وتباين وسائلهم فمع تباين الوسائل - أيضا - تتباين كيفية التطبيق لِما أوجب الله - تعالى - عليهم من التشاور فيما بينهم، ولذلك لم يأت في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيان لتطبيق مبدإ الشورى، فإنّ الله - تعالى - قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (( ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر ... )) [ سورة آل عمران، من الآية: 159 ] وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه، و - كما قلتُ - كان يستشيرهم في هذه القضايا التي لم يأت فيها وحي، فقد كان يستشيرهم في قضايا الجند .. في قضايا الصلح والحرب .. في أمثال هذه القضايا، وعندما يكون هنالك توجيه رباني له - صلى الله عليه وسلم - في أمر مّا حتى في هذه القضايا لا يستشير فيها أحدا ولا يُعوِّل فيها على رأي أحد، فمثال ذلك أنّ الله - سبحانه وتعالى - عندما وَجَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلح في الحُدَيْبِية - وكان ذلك أمرا ظاهره فيه الغضاضة على المسلمين - لم يستشر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أحدا من أصحابه مع أنّ أصحابه كانوا جميعا يتأجّج الحماس بين جوانحهم لإشعالها حربا شعواء ضد الكفر وأهله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أقر خطّة الصلح ورفض رأي الأكثرية رضوخا لأمر الله تبارك وتعالى.
وقد كان أصحابه - صلى الله عليه وسلم - أنفسهم عندما يريدون أن يُبدوا له مشورة يتحسّسونه - صلى الله عليه وسلم - هل أقدم على ذلك الأمر الذي فعله بوحي من الله أو أنه مجرد رأي، كما كان ذلك من الحُباب بن المنذِر - رضي الله تعالى عنه - عندما أقدَم على عرض المشورة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر بأن يَبتعِد عن ذلك المنزل الذي نزله سأله أوّلا: " أهذا منزل أَنْزَلَكَهُ الله - تعالى - ليس لنا أنْ نَتقدَّمه ولا أنْ نَتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ " فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ) فقال له: " يا رسول الله، إنّ هذا ليس بمنزل " فقدَّم مشورة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يَنزِلوا إلى أدنى ماء من العدو وأن يُغوِّروا ما دونه من المياه، وهكذا عرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه المشورة فقبلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما عرض - أيضا - الفارسي - رضي الله تعالى عنه - على النبي - صلى الله عليه وسلم - رأيه في حفر الخندق بالمدينة المنورة عندما هاجم الأحزاب المسلمين بها فأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الخطة ونفذها؛ وهكذا كان التشاور بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أصحابه.
وقد كان - عليه أفضل الصلاة والسلام - يستشير الحاضرين منهم، ولربما كان يَقصِد بعضهم، كما عرض ذلك عليهم عندما عَلِم أنّ العير انفلتت من أيديهم وقد كانوا خرجوا من أجلها فطلب المشورة: ( أشيروا عليّ أيها الناس ) فتكلم من تكلم من المهاجرين وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصد الأنصار ثم تفطن لذلك الأنصار فتكلموا بما تكلموا به؛ فإنّ هذا مسلكٌ للتشاور فيما بين القائد والأتباع.
ولم يُحدِّد النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلكا معيّنا يجب أن يَتبِعه الناس، ذلك لأنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - كان يعلم كل العلم أنّ حياة البشر تتطور وأنّ هذه الأمّة ستتوسع آفاقها وتُفْتَح لها أرجاء الأرض وأنّ أوضاعها ستتبدل عما عليه في ذلك الوقت بعد ما قامت الدولة الإسلامية في بداية الأمر في المدينة المنورة وبعدما كان فتح مكة المكرمة فلابد من أن تراعى الظروف وتراعى الأحوال مع أنّ عالمية هذا الدين أمر نطق به الوحي منذ بداية هذه الدعوة فقد نزل في كثير من السور المكية على النبي صلى الله عليه وسلم: (( وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ )) [ سورة القلم، الآية: 52 ] .. (( إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين )) [ سورة ص، الآية: 87 ] لإقرار عالمية هذا الدين وعالمية هذه الدعوة فلابد من مراعاة الظروف المتطورة والأحوال المتقلبة عندما تكون أوضاع الدولة تختلف عنها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم .. على أنّ المسلمين في عهود الخلفاء الراشدين اتسعت رقعة دولتهم إذ فتحوا مدائن كسرى ومدائن قيصر .. فتحوا هذه الأمصار الواسعة وحكَموا هذه الشعوب المتحضِّرة فلم تكن أوضاعهم كما كانت بدائية في أول العهد، وإنما كانت أوضاعا متطورة فيما بعد فضلا عما شهده العالم من التطور المذهل، فأوضاع الناس في هذا العصر تختلف تمام الاختلاف عن أوضاعهم قبل خمسين عاما فضلا عما كانوا عليه قبل مئات الأعوام .. قد كان الناس من قبل يعتمدون على الوسائل البدائية في كل شيء فكانوا يعتمدون في نقل الأخبار على الانتقال من مكان إلى مكان والانتقال كان يتوقف على ركوب البحر أو ركوب ظهور الدواب أو المشي على الأقدام وإذا بالإنسان يطوي الآن المسافات طيّا ويمكن له في ظرف مدة قصيرة أن يلف على الكرة الأرضية كلها ويرجع إلى حيث انطلق ويمكن للإنسان وهو في غرفة نومه أن يتصل إلى أيّ مكان في الأرض ويمكنه أيضا أن يستورد الوثائق عبر آلات التصوير من شتى أرجاء الأرض، فإذن أوضاع الناس في هذا العصر تختلف عنها في الأوضاع السابقة ومع علم الله - تبارك وتعالى - بتطور هذه الأحوال ومع ما بيّنه للنبي - صلى الله عليه وسلم - من أنّ الأمّة سائرة إلى هذا التطور العجيب لا يمكن أن يُقَرَّ منهج معيَّن للتشاور؛ وقد ذكر بعض العلماء أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لو رسم خطة معيّنة للتشاور بين المسلمين في ذلك الوقت لأدى ذلك إلى أن يَجِد المسلمون شيئا من الحرج في تطبيق تلك الخطة واتباعها عندما تُفْتَح لهم المدائن ويَحكموا هذه الشعوب المتحضِّرة .. الشعوب الواسعة، لأنّ الخطة لا يمكن أن تستوعب جميع هذه الشعوب؛ ثم إنه لو طبَّق ذلك بنفسه لربما ظنّ ذلك المسلمون بأنه دِين يجب عليهم ألاّ يخالفوه إلى غيره؛ ومن ناحية ثالثة فإنّ تطبيق النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك أو بيانه لهذا المنهج إما أن يكون بتشاور بينه وبين أصحابه وإما أن يكون ذلك عائدا إلى رأيه وحده، فإن كان بتشاور بينه وبين أصحابه فلربما كان ذلك - مع عدم إلمامهم بجميع الأحوال وتطوراتها - مؤديا إلى شيء من الخطإ كما أخطأت الأكثرية الرأي في قضية غزوة أحد، ولو عَوَّل على رأيه بنفسه لكان بذلك - أيضا - مبايِنا لمبدإ الشورى الذي دعاه الله - تبارك وتعالى - إليه وأمره به ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُخالِف هذا المبدأ فلذلك وَكل قضية التطبيق إلى الأمّة نفسها، وكما يقول بعضهم: " ليس هنالك منهج حديدي يجب أن يُتبع وأن يُسار عليه وألاّ يُخالَف إلى غيره.
ــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 02:59 AM
على أنّ هذه المشورة إنما تتفاوت بتفاوت القضايا التي يُستشار فيها المستشارون، فإنّ القضايا متفاوتة، فقد يكون التشاور بين المسلمين في قضية تعود إلى الخبرات العسكرية وهذا أمر يَجب أن يُرجَع فيه إلى أهل الاختصاص مع عرض آرائهم على الأحكام الشرعية بحيث تُعرَض على الفقهاء في الدين حتى لا تكون هذه الآراء مخالفة لأحكام الشريعة الغراء وإنما يصار في تطبيق المبدإ إلى الخبرات التي يُحصِّلها هؤلاء من خلال تجاربهم ومن خلال ممارستهم، وإذا كان الأمر يتعلق بالاقتصاد فكذلك يستشار فيه المتخصصون في هذا المجال، ولئن كان متعلقا بالعمران فإنه يستشار فيه - أيضا - ذوو الاختصاص بهذا الجانب، وهكذا يُراعى الحال .. كذلك في التجارة وكذلك في الصناعات .. يُستشار في كل مجال من المجالات أهل ذلك الاختصاص مع عرض آرائهم ومشورتهم على الأحكام الشرعية حتى لا يكون هنالك شيء من التصادم بين ما وصلوا إليه من الرأي وبين أحكام الله تعالى، وهذا مما ذَكره بعض الفقهاء المتقدِّمين، فمِمّن ذكر ذلك ابن خُوَيْز مَنْدَاد العالم المالكي المشهور الذي كتب كتاب " أحكام القرآن "، ونقل غالب ما في هذا الكتاب الإمام القرطبي في تفسيره، فقد حكى عنه القرطبي بأنه يُرجَع في المشورة إلى الناس، ففي القضايا التي تتعلق بفهم أحكام الله - تعالى - يُرجَع إلى الفقهاء المتبحرين، وفي القضايا التي تَرجِع إلى تجارب البشر يُرجَع فيها إلى أهل الاختصاص، فيُسأل عن كل شيء من كان مختصا به، وهذا أمر تبِعه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فإنه كان يستشير النساء فيما يتعلق بقضايا النساء، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - أيضا ربما استشار من كان جديدَ عهدٍ بالإسلام من أجل خبرة في قضية معيّنة ويَترك بجانب ذلك المهاجرين والأنصار الذين كانوا أسبق إلى الإيمان بكثير، فقد روي عنه أنه استشار الهُرْمُزان الفارسي لمّا وفد عليه مسلما في قضية تتعلق بالمَغازي لأنه كان ذا خبرة بذلك وأخذ برأيه ومشورته؛ وهكذا تُتَّبَع المشورة.
وبالجملة فإنّ المشورة بين المسلمين سِمة من سماتهم البارزة، والحكم في الإسلام يَعتمِد على ذلك، فإنه عندما يكون الحكم بدون تَشاوُر يؤدي بطبيعة الحال إلى الاستبداد، والضررُ الذي يَنتج عن الاستبداد في الحكم أعظم من الضرر الذي ينتج عن الاستبداد بالمال والثروة، مع أنّ الله - تبارك وتعالى - نَبّه على خطورة هذا الضرر، عندما قال: (( ... كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُم ... )) [ سورة الحشر، من الآية: 7 ] وفَرَض الله - تعالى - من أجل ذلك ما فرض من القيود في كسب المال وفي إنفاقه ومن الواجبات والتكاليف التي يَنوء بها أصحاب الثروات من أجل عدم استبداد الناس بثرواتهم، وكذلك في الحكم عندما تكون القاعدة والقمّة على تشاور بينهم يؤدي ذلك إلى سلامة الجميع، وتكون الأمّة أمّة عزيزة .. أمّة ذات خبرة وذات دِراية فيما تأتي وفيما تذَر وفيما تأخذ وفيما تترك.
فنسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجمع شَتات هذه الأمّة على الخير، وأن يجعل على أيديها إنقاذ الإنسانية من ورطاتها وأن يُوفِّق الله - تبارك وتعالى - هذه الأمّة لكل خير، وأن يأخذ بيدها إلى جادّة الصواب إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة التي أعقبت المحاضرة مع إجابة الشيخ عليها
ــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 03:04 AM
س1: إذا ما اجتمعت كلمة جماعة مّا على فرد منها ليكون أميرا عليهم، هل له أن يَرفض ذلك ؟
ج: في المجالات التي لهم أن يُؤمِّروا فيها على أنفسهم .. عندما يؤمرون أحدا من الناس ويَرون فيه الأهلية ويَخشَون عندما يأبى ذلك ويرفض ذلك أن يؤدي الأمر إلى التفرق فليس له أن يرفض.
س2: إذا رفض من اجتمعت عليه كلمة المسلمين أن يتولى أمرهم، هل يُستباح دمه لذات الرفض أم بالنظر إلى ما يؤول إليه ؟
ج: بل بالنظر إلى ما يؤول إليه .. إذا كان هذا الرفض يؤدي إلى ذهاب ريح المسلمين فإنه يستباح الدم لأجل ذلك.
س3: هل الشورى لازمة بعد المشاورة بحيث على المرء أن يأخذ بها ؟
ج: نعم في مجالات الشورى، لا في سائر المجالات.
س4: عن قوله تعالى: (( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) [ سورة المائدة، من الآية: 44 ] .. هل الكفر هنا كفر نعمة أو هو كفر جحود ؟ ولئن كان كفر نعمة، فما وجه قوله تعالى: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )) [ سورة النساء، الآية: 65 ] ؟ وما وجه القاعدة التي تقول: " من رد حكما من أحكام الله فقد كفر " ؟
ج: إن كان ذلك ردا لحكم الله بحيث يقول بأنّ حكم الله - تعالى - باطل أو إنكارا لذلك الحكم بحيث يقول: " إنّ الله لم يحكم بكذا " مع أنّ الحكم بذلك مما نزل في كتاب الله أو تواترت به السنّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك كفر جحود، أما إن كان مجرد تركٍ فالكفر عندئذ يكون كفر نعمة، ولا يكون كفر جحود .. الكفر في هذه الحالة عندما يكون مجرد تركٍ كفر نعمة، ولا يكون كفر جحود؛ ولا ريب أنّ كفر النعمة يتنافى مع الإيمان، فإنّ الإيمان يقتضي التطبيق التام لأحكام الله تعالى .. الإتباع لأمر الله، فالله - تعالى - يقول: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ )) أي ليس ذلك من شأن المؤمِن (( وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا )) [ سورة الأحزاب، الآية: 36 ]، ويقول - سبحانه وتعالى أيضا - مبيّنا أنّ الزنا يتنافى مع الإيمان .. في كتابه بيَّن أنّ الزنا يتنافى مع الإيمان عندما قال: (( الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )) [ سورة النور، الآية: 3 ] أي المؤمن لا يكون زانيا، وقال أيضا: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا ... )) [ سورة النساء، من الآية: 92 ] بيّن أنّ قتل المؤمن ليس من صفة المؤمن .. لا يكون قتلٌ من مؤمن لمؤمن إلا خطأ إن قتل مؤمنٌ مؤمنا فذلك القتل خطأ، أما إن كان عمدا فإنّ ذلك يتنافى مع الإيمان؛ ووصف الله - تعالى - المؤمنين بما وصفهم به في كتابه العزيز مما يدل على أنّ حالتهم لا تُجامِع كفر النعمة .. قال الله - تبارك تعالى - في وصف المؤمنين: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )) [ سورة الأنفال، الآيات: من 2 إلى 4 ] حصر الإيمان حقا في هذا الصنف من الناس، وكذلك قال: (( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) [ سورة المؤمنون، الآيات: من 1 إلى 11 ]، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن الإيمان عندما قال: ( الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان )، وقال في وصف المؤمن: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ) وقال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، إلى آخر ما وصف به المؤمنين، فإذن لا منافاة ما بين الآيتين أبدا.
س5: إنّ الناظر إلى الدولة الرستمية والدولة اليَعْرُبِية يجد أنّ الحكم كان وراثيا يشبه حكم بني أميّة وبني العباس مع أنّ أصحابنا كانوا حريصين على تطبيق منهج الشورى، فكيف نفسر تلك الظاهرة ؟
ج: على أيّ حال، هذه قضايا تحتاج إلى شيء من النظر في الوقت الذي كانت ظروفه تكتنف هاتين الدولتين، فدولة بني رستم كانت في مجتمع لم يكن فيه بنو رستم من عنصره وإنما كانوا وافدين إليه وهذا المجتمع فيه الشدة وفيه شيء من العنف كما هو معلوم .. البربر عندهم شدة .. لا يستكين بعضهم لبعض .. لا يميل بعضهم لبعض، ولذلك نجد كيف كانت نظرة أبي عبيدة - رحمه الله تعالى - عندما لم يُرشِّح لهذا الأمر واحدا من الذين وفَدوا من أهل المغرب بل رشح لهم من ذهب إليهم من أهل المشرق، لأنه عرف طبيعة البربر - مع كونه بعيدا عنهم - بأنهم لا يرضخ بعضهم لبعض .. هنالك شيء من الحساسية عندهم بحيث لا يَلِين بعضهم لبعض .. هم أشداء .. طبيعتهم شِدّة، فلذلك قال لهم: " بايِعوا أبا الخطاب " قالوا له: " أرأيت إن رفض ذلك ؟ " ويَعلَم أنّ رفض ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة وتشتتِها فقال لهم: " عندما يرفض ذلك اضربوا عنقه "، فإذن مبايعة الإمام عبد الرحمان بن رستم لأنه كان رجلا وافدا .. ليست له عشيرة تحميه .. ما كانت له عشيرة يتعصب لها أو تتعصب له، فجميع الأطراف ترتضيه .. جميع الفئات ترتضيه لأنه رجل خاص .. كما يقال " رجل محايِد " .. من ناحية قَبَلية هو رجل محايد .. ليس هو من هذا الفريق أو من ذلك، فلذلك وقعت البيعة له ثم اختِير بعد ذلك ذريته لأن يقوموا بهذه المهمة نظرا إلى هذه الظروف؛ وفي بداية الأمر في أيام الدولة اليعربية كانت الفتوحات مستمرة وكان اليعاربة يواجِهون الغزاة من البرتغاليين ففي هذا الظرف كان الأمر يستدعي أن يَجتمِع الشمل على نفس هذه الأسرة من غير أن يَخرجوا عنها في بداية الأمر ثم بعد ذلك عندما أخذوا يتنافسون فيما بينهم وجعلوا ذلك أمرا ميراثا وكل أحد يرى أنه أحق به من غيره ذهبت الريح وانقلب الأمر إلى فساد وتمكن العدو منهم بحيث جاء الأجنبي فغزا بيضتهم يعني الوطن وتغلغل في أعماقه وقتَّل ما قتَّل وأفسد ما أفسد حتى مَنَّ الله - تبارك وتعالى - بالخلاص فيما بعدَ ذلك.
ــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 03:21 AM
س6: قد يثير أعداء الإسلام شبهة حول خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معركة أُحُد وهي أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في استطاعته أن يَمنع الناس عن الخروج خارج المدينة وذلك بأن يقوم فيهم خطيبا ويُعلِمهم بما أعلَمه الله وما سوف يَنتُج عن خروجهم من هزيمة وبذلك يقتنع الناس لأنهم يعلمون أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى وإنما يوحى إليه، فكيف نَرُدّ على هذه الشبهة ؟
ج: كما قلنا: هذه حكمة بالغة من الله - تبارك وتعالى - أراد من خلالها تربية هذه الأمّة وأن تتعلم هذه الأمّة كيف تتقي الخطأ وأن تتعلم كيف تحرص على الصواب، والمسلمون استفادوا من هذا الدرس الذي حصل لهم في غزوة أحُد، ففي غزوة الأحزاب ما خرجوا وإنما ظلُّوا في المدينة وحفروا الخندق وواجهوا العدو فردّ الله - تبارك وتعالى - عنهم كيد عدوهم، وأدى ذلك - أيضا - إلى تطبيق المبدإ، فالقضية ليست قضية وقتية وإنما هي قضية مستمرة، فمن أجْل ذلك أُقِروا على نفس المنهج وإن كان يؤدي إلى شيء من الخطإ .. هم تعلموا الصواب من الخطإ.
س7: ذكرتم أنّ سبب هزيمة المسلمين في غزوة أحُد عائد إلى عدم التوفيق في المشورة وما يُدَرَّس للطلاب يوضِح أنّ سبب الهزيمة في هذه المعركة هو مخالفة الرماة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أرجو توضيح هذا الأمر.
ج: هناك خطآن: خطأ حصل وكان سببا لانقسام المسلمين في وقت حرِج .. وقتٍ - كما يقال - كان فيه العدو على الأبواب .. أبواب المدينة المنورة فهذا الخطأ ناتج عن رأي الأكثرية .. عندما اختار الأكثرية أن يَخرُجوا خارج المدينة من أجل مواجهة العدو .. أن يتلقوا العدو خارج المدينة .. أوّل نتيجة لذلك ما حصل من التصدع بحيث تمكّن رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ أن يُوسوِس لكثير من المسلمين فانقلب بثلث الجيش .. رجع أدراجه إلى المدينة المنورة بثلث الجيش .. طبعا فيهم طائفة من المنافقين ولكن فيهم كثير من المسلمين .. ما يمكن أن يكون ثلث الجيش كلهم من المنافقين، وإنما استطاع بدهائه أن يوسوس لهم ويؤثِّر عليهم .. هذا أول انقسام حصل .. الانقسام نفسه يُذهِب الريح، ثم ترتَّب على ذلك ما ترتَّب من مخالفة الرماة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن يكونوا مكانهم في الجبل وألاّ ينتقلوا عنه مهما كان من أمر.
س8: هل للمرأة دور في الشورى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وهل كان دورها واضحا وجليّا في الشورى ؟
ج: نعم، ومن ذلك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا رأى عدم القبول أو تردد المسلمين في التحلل من الإحرام بعدما أبرم صلح الحديبية دخل على أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - وقد كان متأثرا من ذلك .. يعني كيف أنّ المسلمين ما قبلوا هذا الأمر حتى أنهم بقوا على إحرامهم لأنهم وجدوا على أنفسهم غضاضة من هذا الصلح الذي أبرمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنّ ظاهره هزيمة وهو في حقيقته فتح كما أخبر الله - تعالى - به: (( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا )) [ سورة الفتح، الآية: 1 ] .. دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على زوجه أمّ سلمة - رضي الله عنها - فشكا إليها ذلك .. أنّ المسلمين بقوا غير متحلِّلِين، فأشارت إليه بأن يَخرج إليهم ويَحلق رأسه أمامهم، ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك .. خرج وحلق رأسه هنالك .. حلق المسلمون رؤوسهم وكادوا يقتل بعضهم بعضا من شدّة الغم الذي بهم؛ فهذا من مشورة النساء في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - .. ذلك دليل على النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعمل بمشورة النساء في بعض القضايا.
س9: حيث إنكم ذكرتم أنه لا تجوز الشورى في الصلاة ولا الزكاة ولا الحج، فهل تجوز الشورى في الزواج ؟
ج: أما في إقرار مبدإ الزواج أو عدم إقراره لا، فهذا مبدأ .. هذا حكم .. لا يجوز التشاور في أنّ الزواج هل يُقَر أو لا يقر .. نعم، المرأة تستشير في أن تتزوج الرجل أو لا تتزوجه .. وليها يستشير - أيضا - في تزويجه وعدم تزويجه من حيث يبحث عن حالته وعن ظروفه .. التشاور في ذلك لا حرج فيه، أما التشاور في مبدإ التزويج كون هل الزواج مشروع أو غير مشروع هذا مرفوض .. هذا مبدأ مرفوض من أول الأمر.
س10: هل يمكن القول بأنّ الشورى هي النصيحة ؟ فإن كانت بخلافها، فهل هي واجبة على كل مسلم أم هي خاصة بالإمام أو الحاكم ؟
ج: المشورة هي من نوع النصيحة .. هي جزء من النصيحة .. ليست هي كل النصيحة، لأنّ المشير ينصح لمن استشاره، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ) قيل: " لمن يا رسول الله ؟ " قال: ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) فإذن المشورة هي من جملة النصيحة، ومن استشارك فقد استنصحك، فإذن المشورة إنما هي لجميع المسلمين .. لأئمتهم - أي حكامهم - وعامتهم .. الكل له الحق في النصيحة.
ــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 03:23 AM
س11: هل تأخذ الشورى الأحكام الخمسة من حيث الوجوب والندب والكراهة والتحريم والإباحة ؟
ج: نعم، أما الشورى فيما نُصَّ عليه في القرآن .. في إباحة ما حرم الله أو في تحريم ما أحل فهذه محرمة، والشورى التي قد تؤدي إلى شيء مما لا يُحمد ولكن لا يؤدي إلى فساد .. في أمر لا تكون عاقبته محمودة ولكن لا يؤدي إلى الفساد فذلك مما يدخل في حكم الكراهة، وفي هذه الأمور التي لا يَترجح فيها جانب على جانب هي مباحة، وتكون واجبة كما علمنا، وتكون مندوبة كأن يستشير الإنسان غيره فيما يتعلق بشؤونه الخاصة.
س12: ألا يتعارض عدم كون المسلم غدّارا وكون الحرب مكيدة ؟
ج: لا، الغدر أن يعطي عهدا ويغدِر فيه، فالمسلم إن أعطى عهدا ثبت على عهده، ولا يمكن أن يَخِيس في عهده قط .. لا يجوز للمسلم أن يخيس في عهده، وأما المكيدة في الحرب شيء آخر، لكن إن أعطى عهدا لا ينثني في عهده.
س13: ما معنى كلمة (( شَنَآنُ )) المذكورة في الآية (1) ؟
ج: " الشنآن " البغض، و " الشانئ " المبغِض، فتعني الآية الكريمة: لا يمنعكم ما في قلوبكم من بغض بعض الناس عن إنصافهم والعدل بينهم وبين غيرهم فإنّ العدل حق واجب للجميع.
ــــ
(1 ) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... )) [ سورة المائدة، من الآية: 8 ].
ــــــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 03:29 AM
س15: ما المقصود بأهل الحل و العقد ؟ وكيف يُنتخَبون ؟
ج: أهل الحل والعقد هم الذين يبدون المشورة إما بسبب مكانتهم الاجتماعية بين الناس ورضوخ العامة لهم وإما بسبب خبراتهم في المجالات التي يستشارون فيها، فهؤلاء هم أهل الحل والعقد، وأما كيف ينتخبون ؟ فذلك - كما قلنا - يرجع إلى التكيف بحسب ملائمة الظروف ولا يُعتمَد في ذلك على طريقة معيّنة.
س16: هل يجوز للقائم على أمر جماعة المسلمين أن يخالفهم حيث لا يعمل بما أشاروا به إن رأى أنّ الأخذ برأيهم لن يكون فيه مصلحتهم ؟
ج: إن رأى في ذلك مفسدة واضحة ولم يكن في ذلك نقض لمبدإ الشورى فلا حرج .. إن رأى في ذلك مفسدة ظاهرة بيّنة، كأن يؤدي رأي الأكثرية إلى شيء من المخالفة لأمر الله ولو يؤدي إليه ذلك بعد حين.
س17: (( ... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... )) [ سورة الشورى، من الآية: 38 ] .. كلمة (( أَمْرُهُمْ )) ألا تدل على أنّ المسلمين كانوا يتشاورون في أمر جلل ؟ وهذا الأمر ألا يدل على أنّ تنظيما محددا كان يجمعهم ؟ وكذلك اجتماعهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دار الأرقم بن أبي الأرقم ؟
ج: أما الاجتماع في دار الأرقم بن أبي الأرقم فإنّ ذلك تمّ بعد أن بلغ عدد المسلمين أربعين رجلا .. عندئذ كانوا يجتمعون، ولا ندري هل الآية نزلت قبل ذلك أو بعد ذلك .. ذلك أمر لم نطلع عليه؛ وأما أنهم يجتمعون في أمر جلل فإنّ الأمر الجلل الذي كان يجمعهم هو الدعوة في ذلك الوقت وكانوا يستمعون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما أن يكون عندهم تنظيم - بحسب عرف هذا العصر - فلم يكن ذلك بعدُ.
س18: هناك مبدأ المعاملة بالمثل في الإسلام، فهل هذا المبدأ يُجيز للمسلمين أن يضربوا المسالمين من الأعداء إذا ضرب المدنيون من المسلمين ؟
ج: النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل غير المقاتِلَة .. أي الذي لا يقاتل نهى عن قتله، ونهى عن قتل الوليد .. أي الطفل، ونهى عن قتل الشيخ الكبير، ونهى عن قتل الرهبان، فهؤلاء لا يُقاتلون .. لا يطبق عليهم حكم المعاملة بالمثل، فإنّ المسلمين إن تعرضوا لعدوان غير المسلمين وقاتلوا غيرَ المقاتِلين منهم يرد عدوان أولئك بمقاتلة المعتدين فقط: (( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )) [ سورة الأنعام، من الآية: 164؛ سورة الإسراء، من الآية: 15؛ سورة فاطر، من الآية: 18؛ سورة الزمر، من الآية: 7 ].
س19: يقول شهيد الإسلام سيد قطب ما معناه: " إنّ الفعل أقوى دليلا من الاعتراف الكلامي على تفضيل حكم البشر على حكم الله فالذي يفضل حكم البشر بفعله مرتد عن الإسلام حتى لو لم يعترف بلسانه "، فما قولكم في هذا الرأي ؟
ج: ذلك لا يَخرج عن سائر المخالفات لأوامر الله، فهل نقول بأنّ من زنى هو مرتد بسبب أنه أعرض عن حكم الله في تحريم الزنا إن لم يصرح بأنّ الزنا حلال .. إن لم يقل ذلك ؟! أما إن قال بأنّ الزنا حلال فلا شك في ارتداده .. هل شارب الخمر يقال فيه بأنه مرتد ؟! هل آكل الربا يقال فيه بأنه مرتد ؟! هؤلاء كلهم أعرضوا عن أحكام الله، فماذا يقال فيهم ؟ هل يقال بأنهم مرتدون ؟! .. لا.
س20: يدعي بعض المغرضين بأنّ الشورى التي أمر بها الإسلام لم تُطبق إلا في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين أما العصور التي جاءت بعدهم فلم يطبِّق خلفاء المسلمين مبدأ الشورى في بلاد الإسلام وكذلك بالنسبة لمبدإ العدل لم يطبِّق أحد من خلفاء المسلمين هذا المبدأ بعد عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين فلم يوجد أحد في عدالة الصديق أو عمر بن الخطاب، فكيف يكون الرد على هؤلاء ؟
ج: أما بنو أمية وبنو العباس فنحن لا نعترف لهم بأنهم خلفاء .. إنهم جبابرة متسلطون .. لا يعدو أن يكونوا قد سرقوا الخلافة واغتصبوها بقوة النفوذ الذي كان لهم وبممالأَة الممالئين لهم، أما أن يكونوا من خلفاء المسلمين فلا، وأما وجود الأئمة العدول بعد هؤلاء فقد وجدوا .. نعم نستثني من بني أمية عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه - فإنه سار سيرة الخلفاء الراشدين وطبق نظام الخلافة الراشدة .. عمر بن عبد العزيز سار سيرة الخلفاء الراشدين وأحيا الله - تعالى - به ما أمات آباؤه من سنن الإسلام، فعمر بن عبد العزيز هو مستثنى من هؤلاء .. هو على نفس نظام الخلفاء الراشدين، وأما من قال بأنه لم توجد عدالة فقد افترى كذِبا فقد وجد الحكام العادلون .. الإمام أبو الخطاب المعافري اليمني كان مثالا في العدل والنزاهة بعدما قاتل من قاتل من عمال بني العباس ومنع أصحابه أن يأخذوا شيئا من أموالهم عندما قيل له: " نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا " قال: " إذن حقٌّ على الله - تعالى - أن يكبنا معهم في النار فنكون كما قال الله تعالى: (( ... كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ... )) [ سورة الأعراف، من الآية: 38 ] " فإذن هذه عدالة؛ وعندما خرج إلى مقاتلة وَرْفُجُومَة بعدما استنجدت به امرأة من القيروان وخرج لمقاتلة أولئك الذين كانوا متسلطين هناك منع أصحابه أن يأخذوا شيئا من أسلاب العدو لأنّ الأعداء ليسوا مرتدين خارجين عن ملة الإسلام وإن كانوا بغاة فيعاملون معاملة البغاة .. منع ذلك منعا باتا وشدّد النكير على أصحابه في ذلك؛ وعندما انجلت المعركة عن انتصار أبي الخطاب ومن معه وجاءت امرأة وشهدت جند العدو وهم صرعى ومعهم أسلابهم لم يؤخذ شيء من أسلابهم قالت: " كأنهم رقود " وسمي مكان المعركة " رَقَّادَة " إلى الآن؛ وكذلك عندما خالف أحد أصحابه هذا الأمر وأخفى شيئا من سلَب العدو تحت سَرْج فرسه وشاء الله - تبارك وتعالى - أن يكشف ذلك وحصل سباق بين أصحاب طالب الحق وهم عائدون من القيروان إلى طرابلس .. عندما حصل هذا السباق سقط سرج ذلك الجندي الذي أخذ شيئا من السلب فما كان من أبي الخطاب إلا أن أدبه تعزيرا على ما فعل وهذا أدى إلى أن يخرج ذلك الجندي إلى عاصمة بني العباس .. إلى بغداد ليستنصر من بني العباس على الإمام طالب الحق ولكن مع ذلك نفّذ فيه حكم الله؛ وكذلك في قضية الإمام طالب الحق عبد الله بن يحي الكِنْدِي عندما منع أصحابه أن يأخذوا شيئا من أموالٍ وجدوها في خزائن عمال بني أمية في صنعاء وقسمها بين أهل صنعاء لأنها جُبِيَت بغير حق على أهل صنعاء؛ وكذلك الجلندى بن مسعود ومن سار هذه السيرة كلهم ساروا على نفس المنهج .. ما استباحوا شيئا من مال عدوهم بغير حق .. ما استباحوا أن يأكلوا شيئا من أموال المسلمين، وأنصفوا بين العدو والصديق .. بين القريب والداني ووضعوا الجميع على الصراط السوي من غير تفرقة بين أحد وآخر.
ـــــ
يتبع بإذن الله تعالى.
سليمان بن موسى
07/12/2003, 03:51 AM
س21: ألقى العلاّمة المؤرِّخ فؤاد سستن محاضرة في جامعة الإمارات بعنوان " الشورى " قال فيها: " لم تُطبق الشورى بعد الخلافة الراشدة إلا عند إخواننا الإباضية في عصور إمامتهم مع بعض الأخطاء "، فما رأيكم في قوله ؟
ج: أما كونها طبقت عند غير الإباضية أو لم تطبق هذا أمرٌ الله أعلم به .. قد يكون بعض الحكام من غيرهم طبقها .. ذلك أمر الله أعلم به؛ وأما الأخطاء فنحن لا ندعي العصمة لأحد .. العصمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. الخطأ كل أحد يقع فيه، وشتان بين خطإ يُصَر عليه وبين خطإ يُتدارك ويُصلَح، فليته بيّن هذه الأخطاء.
ونسأل الله - تبارك وتعالى - أن يوفقنا دائما للخير، والله - تعالى - ولي التوفيق، وأشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــ
تمت هذه الفتاوى - وبالتالي المحاضرة أيضا - بعون الله سبحانه.
وأسأل الله - تعالى - أن يتقبل من جميع الإخوة الذين ساهموا في رقن هذه المحاضرة – مع إجابة الشيخ على الأسئلة التي أعقبتها - من الشريط وتصحيحها وتنسيقها، كما أسأله - سبحانه - أن يوفقنا لعرض محاضرات أخرى وفتاوى أخرى للمشايخ - حفظهم الله تعالى - وعسى أن يكون ذلك قريبا.
" مفهوم الشورى في الإسلام " محاضرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي (http://om.s-oman.net/showthread.php?s=&threadid=106960)
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو مجاهد
07/12/2003, 10:47 AM
جزاك الله خيرا ، يثبت للمنفعة
طائر السنونو
08/12/2003, 09:45 PM
مشكور جدا جدا :rolleyes:
عابـر سبيل
08/12/2003, 10:55 PM
Originally posted by أبو مجاهد
جزاك الله خيرا ، يثبت للمنفعة
بارك الله فيكم
الفكر الصحيح
08/12/2003, 11:13 PM
بارك الله فيك أخي العزيز على نقل هذه المحاضرة القيمة وجعلها الله في ميزان حسناتك.
أبو شيخة
09/12/2003, 01:11 PM
من المواضيع الهامة لسماحة الشيخ حفظه الله ، مع جزيل الاجر للاخ طارح الموضوع ومن ساعده في ذلك
الزهراء
11/12/2003, 02:35 PM
احسنتم احسن الله إليكم
الضوء الساطع
11/12/2003, 07:16 PM
للرفع بعد ازالة التثبيت
الضوء الساطع
20/12/2003, 07:11 PM
لعل احدا لم يطلع على الموضوع من قبل
المعافري
20/12/2003, 09:15 PM
محاضرة قيمة فعلا
وكذلك الأسئلة في نهاية المحاضرة
بارك الله فيكم
أبو اليقظان 202
21/12/2003, 05:01 PM
للرفع بغيت المنفعة ،،،
بارك الله جهود المخلصين ووفقهم لكل خير اللهم آمين
البدر المنير
18/04/2004, 09:17 PM
الى الاعلى من الارشيف
الطالع السعيد
20/04/2004, 02:13 PM
احسنت
البدر المنير
26/04/2004, 08:19 PM
فليقرأ الشيعة عن الشورى الحقيقة في الإسلام
البدر المنير
14/05/2004, 04:43 AM
الى الاعلى
المعافري
29/05/2004, 12:44 AM
ننتظر الجديد من الاخ tsm
سليمان بن موسى
04/10/2006, 09:57 PM
إليكم المحاضرة منسّقة في الملف المرفق.
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.