سبلة العرب
سبلة عُمان الصحيفة الإلكترونية الأسئلة الشائعة التقويم البحث مواضيع اليوم جعل المنتديات كمقروءة

العودة   سبلة العرب > السبلة الدينية

ملاحظات

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع تقييم الموضوع
  #1  
قديم 23/02/2004, 09:08 PM
rahhali rahhali غير متواجد حالياً
خــــــاطر
 
تاريخ الانضمام: 22/02/2004
الإقامة: tunis
المشاركات: 15
تأملات في الحج بقلم: الشيخ راشد الغنوشي

بقلم: الشيخ راشد الغنوشي

تعيش الامة الاسلامية وبالخصوص وفودها الى بيت الله الحرام مناخات الحج هذا المؤتمر الضخم بأبعاده الروحية والاجتماعية في مستويات متنوعة. وذلك جزء من الخطة الالهية في إصلاح حياة الانسان من خلال معرفة ربه واستقامته على نهجه على نحو يحقق الحضور الالهي الدائم في حياة الانسان، واستشعار قربه والأنس به والحرص على التقرب اليه والحذر من غضبه والتهيؤ للقائه في الدار الآخرة، بما يضفي صبغة دينية على كل نشاط المسلم ومسالكه في سائر مجالات الحياة وذلك هو تمام التوحيد ومقصد الدين الاعلى ترسيخ العقيدة التوحيد وروابط الوحدة ومشاعر الاخوة والروح الجماعية والتضامن بين العابدين، يتحقق ذلك عبر وجبة متكاملة من العبادات تقف الصلاة على رأسها حيث تتكرر خمس مرات موزعة على اليوم والليلة تشده الى أصله وتذكره بمصيره ومهمته في هذه الحياة أن يعبد ربه ويتهيأ للقائه في تضامن وأخوة مع أمة المومنين. ومنها ما يستمر شهرا من كل سنة تتكثف فيه مشاعر القرب الالهي ومشاعر التضامن والوحدة بين المؤمنين. كما تأتي الزكاة والصدقات عبادة اقتصادية اجتماعية استجابة لأمر الله تلبية لحقوق الفقراء في أموال إخوانهم الاغنياء بما يعيد التوازن في المجتمع ويمنع بروز مشاعر الحقد والحسد في الاسرة الاسلامية المفترض فيها أن تكون كالجسد الواحد. أما الحج فهو في حده الادنى عبادة عمرية تجسم كل ما تقدم من مقاصد الدين في الحضور الالهي المكثف توحيدا وتمجيدا لجلاله وتجسيما لمشاعر الوحدة الاسلامية .. إنه أضخم مؤتمر على وجه الارض، يعبئ الامة ويدمجها في تجربة عملية حركية روحية تنقلها من الواقع الفردي والمجزأ الى فضاءات تاريخية وتجارب روحية فذة لتعيش وقائع ومشاهد من تاريخ تأسيس أمة التوحيد أمة الاسلام على يد أبي الأنبياء ابراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام الذين نهضا بتأسيس أول مؤسسة للتوحيد ولتمجيد عظمة الله ولتكون قبلة لأمة التوحيد "مثابة للناس وأمنا". ولأن الأبناء انحرفوا بالمؤسسة عن مقاصد التأسيس حتى انقلبت معبدا وثنيا فقد كانت المهمة الاولى للنبي الخاتم "أنا دعوة ابراهيم" تطهير هذا المعلم ووضع القطار على السكة مجددا. وكان فتح مكة وتطهيرها من الاوثان وإعلاء نداء التوحيد فوقها واتخاذها قبلة لأمة الاسلام توحّد اتجاههم حيثما كانوا المهمة الأعظم لرسالة النبي الخاتم، وهي مهمة إحيائية تجديدية عودا بالعقيدة وبالبيت الى الاصل، فيكون الحج عودا الى الأصل.

أما المهمة الثانية فهي تمديد عقيدة التوحيد لتغطي ليس فقط الحياة الدينية للمسلم "الشعائر التعبدية" وإنما لتشمل أيضا حياته الاجتماعية في كل أبعادها.. فكانت الشريعة وكانت دولة المدينة وتوحيد جزيرة العرب وتحميلهم مهمة ابلاغ رسالة التوحيد للعالمين باعتبار أن النبي مبعوث للناس كافة وللعرب خاصة.. كانت تلك إضافة وخصوصية رسالة النبي الخاتم. ولذلك كانت حجة الوداع أول وأضخم مؤتمر عرفته جزيرة العرب في تاريخها.. ولذلك جاء الخطاب التوديعي توديع القائد جامعا في سياق واحد معاني التوحيد والوحدة "إن ربّكم واحد وإن أباكم واحد" والمساواة الانسانية "لا فضل لعربي على أعجمي .. إلا بالتقوى" والتحذير من استغلال الفقير حاجة الغني حثا على العدالة "كل ربا موضوع تحت قدمي" الى جانب التأكيد على أهمية الاسرة في البناء الاجتماعي الجديد بيانا لحقوق الزوجين أحدهما على الآخر وتأكيد الاستيصاء بالنساء خيرا. وكان النداء في نهاية كل وصية يتكرر"فليبلغ الشاهد منكم الغائب" تأكيدا لهذه النقلة الهائلة نقلة مهمة هداية البشرية من عهدة الرسل الى أمة النبي الخاتم وقومه خاصة "وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون" /الزخرف/. سوف تسألون عن مدى نهوضكم بواجبات أداء الرسالة ومستلزمات هذا الشرف.

إن الحج هذه التظاهرة الروحية الاجتماعية الضخمة ليس مجرد انتقال الحاج من بلاده الى الحجاز الى الحرم وانتقاله هناك من مكان الى آخر إنه بالتأكيد أكثر من ذلك بكثير إنه القصد الخالص لأداء الحج الى بيت الله الحرام تقربا اليه .. إنه انتقالة روحية ضخمة من الواقع الى التاريخ ومن الارض الى السماء ومن الفردي والقطري الجزئي الى الاندماج في روح الامة.وتتحقق هذه النقلة لدى الحجاج بمستويات مختلفة من العمق ولكن عموم الامة تشاركهم في ذلك في مستويات مختلفلفة أقل من ذلك سواء أكان عبر صيام التطوع منذ دخول شهر ذي الحجة وبالخصوص يوم عرفة أم كان عبر صلاة العيد والتقرب الى الله بالنسك أي الأضحية واستمرار التكبير خلال أيام العيد. وفي كل الأحوال ومع أن هذه النقلة من الواقع الى التاريخ عودا الى الأصل عبر مشاهد تغلب عليها الرمزية - سنتعرض الى أهمها- فإن الحوار بين التاريخ والواقع بين الفردي والجماعي يظل قائما كل بحسبه، بما يعمق مشاعر الايمان والحضور الالهي والقرب والانتماء الديني والاجتماعي الواحد ومشاعر الاخوة والتضامن على اختلاف الالوان واللغى بما يقيم في ساحة الحج الضيقة منطقة سلام روحي تشف فيها عموديا الحجب بين الارض والسماء لدرجة التماس وتكاد أفقيا تمتزج فيها الارواح الفردية في روح جماعي موحد فيحقق الحج في عالم الروح والشعور من الوحدة ما فشلت السياسة تحقيقه في عالم الواقع ولكن يظل نداء الحج التوحيدي يذكّر الامة بأن ذلك ممكن إذا هي صممت وتمردت على الشيطان ولم تتردد في رجمه. قال تعالى"أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم"/العنكبوت/ وتمتد منطقة السلام الكامل هذه التي يقيمها الحج للتجاوز البشر حيث يجب الامتناع الكامل عن إلحاق الاذى المادي أو المعنوي لا بالانسان فحسب "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" بل يمتد ذلك أوسع ليشمل الحيوان والنبات فلا صيد ولا قطع لشجر. إنها منطقة نموذجية للسلام والتبادل الروحي والاقتصادي إنها نموذج للاجتماع الاسلامي في إطار روحانية الاسلام يراد له أن يمتد ليشمل الامة كلها والانسانية قاطبة .. تلك رسالة الحج.

مشاهد من الحج:

المشهد الاول: "وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا ". اقتضت إرادة الله وحكمته ان يقيم أول بيت على وجه الارض معلما للتوحيد وأن يختص بهذا الشرف والمجد والتشريف هذا المكان القاحل من جزيرة العرب، وهذا العبد الصالح ابراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام،إذ عهد الى الأول بالانتقال وزوجه هاجر من بلاد الخصب في أرض الرافدين الى هذا الموقع المجدب من جزيرة العرب" واد غير ذي زرع" لإقامة هذه المؤسسة لتوحيد الله" إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة" /البقرة/. وإنما الحج هو القصد لزيارة هذا المعلم والطواف حوله. " وليطوّفوا بالبيت العتيق" عتيق في الزمن فهو أول بيت اقيم لتوحيد الله، عتيق من كل خبائث الشرك، عتيق من تسلط الظلمة. هناك كانت لبنات التأسيس الأولى لامة الاسلام، بما يجعل الطواف حوله عودا الى الاصل وتجديدا وتوثيقا للعهد مع الله والعضوية والاندماج في أمة التوحيد، فوق كل الاعتبارات الأخرى. فهذا هو النسب الأعظم للمسلم. إن مشهد الطواف حول البيت العتيق مشهد كوني يجسم وحدة الرب والكون والانسانية، بما يبدو معه السير في الاتجاه المعاكس للطواف شذوذا عن حركة الكون يجعل مقترفه في وضع شاذ ويكلفه عنتا. يمكن لك في طوافك أن تقترب من المثابة، من الكعبة حتى اللمس والتقبيل تعظيما لشعائر الله وإلا فهو حجر لا يضر ولا ينفع، ويمكن أن ينأى بك الطواف وتتسع دائرته، ولكن ما يحل لأي مسلك من مسالكك في هذه الحياة أن يندّ عن المطاف، عن دائرة الشريعة، فتضيع وتهلك. إنه ليس أكثر جلالا وجمالا ومهابة من مشهد الطواف من عل غير مشهد صعيد عرفة من عل.

المشهد الثاني: وكما انقاد الى إرادة مولاه في الارتحال الى ذلك الموقع فقد واصل الانقياد والتسليم إذ أمره أن يخلف وراءه زوجه وابنهما الرضيع في ذلك الموقع الموحش وحيدين جزء من التربية وتحضيرا للمسرح الذي يعد لأضخم الأحداث. انقاد ابراهيم لإرادة مولاه مستودعا الله صاحبته وفلذة كبده وليس معهما غير جراب تمر وسقاء عائدا الى موطنه حيث بقية أسرته. أما الزوجة فهي الأخرى قد استسلمت لإرادة الرب بعد إن استوثقت من زوجها: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت إذن فإن الله لن يضيعنا. ولم يجد ابراهيم عليه السلام سبيلا للتخفيف من ألمه إلا أن يتوجه الى ربه: "رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" وهكذا سرعان ما نفد الزاد القليل لتواجه هاجر محنتها في عمق صحراء قاحلة لا ماء ولا مرعى.. كان فؤادها يتمزق ألما وهلعا على رضيعها وهو يصرخ من شدة العطش فكانت تهرول وهي في أسفل الوادي بين ربوتين علها تلمح قافلة عابرة تنقذها ورضيعها من الهلاك المحقق. وكانت مفاجأتها مذهلة وهي تشهد في فرحة عارمة الماء يفيض بين رجليه، فكان ذلك بداية نشوء الحياة واستيطان بعض القوافل الرحل في ذلك الوادي القفرالمحاط بجبال لفحتها الهواجر حتى اسودت. وليس السعي بين تلك الربوتين: الصفا والمروة اللتين كانت هاجر تعدو بينهما لهثا على الماء لوليدها، ليس ذلك السعي وقد غدا فرضا من فروض الحج –بعد الطواف حول الكعبة المشرفة- إلا تكريما إلهيا لبلاء تلك المرأة الصالحة وإقامتها نموذجا ومثلا للبطولة النسوية الايمانية وتكريما من وراء ذلك لجنس المرأة وللامومة، فيستعيد كل حاج ومعتمر فريضة على كل مسلم قادر ذلك المشهد الرائع من تسليم الايمان ووفاء الامومة سعيا وهرولة في نفس الموقع التاريخي. "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما"/البقرة/.

المشهد الثالث: رجع ابراهيم في اطمئنان يزور أسرته ليجد ابنه وهو الشيخ الذي بلغه الكبر قد غدا فتى يتدرج نحو البلوغ يفيض حيوية ووضاءة ففاض قلبه تعلقا به ومحبة، إلا أن البلاء العظيم قد داهمه من خلال رؤية مفزعة لم يجد بدّا من موافاة ابنه بوقائعها "إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟" لم يكن من الفتى وهو سليل أسرة ورث عنها التسليم المطلق لأمر الله فذلك جوهر الدين وعظمته "قال يا أبت افعل ما تؤتمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" وهكذا استطالت قامة كل منهما حتى شارفت السماوات العلى عظمة وتسليما مطلقا لأمر الله وهو المقصد الأسنى من الدين" وذلك رغم هجمات الشيطان وسعيه الحثيث المسعور لثني عزمهما عن الاستجابة لأمر الله "فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياابراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم". أما وقد أسلما بلا تحفظ ولا تلجلج بل في اطمئنان كامل فقد تحقق المقصد فتجلت عليهما رحمة الله تمنع من ناحية السكين من اختراق اللحم وجز الرقبة وهدر الدم وتقدم بديلا كبشا عظيما فدية. وهكذا الحجاج يحاولون استعادة مشاهد عظمة التسليم لله والانقياد لأمره من خلال تمثّلهم حوضا يمطره كل حاج بوابل من الحصيات. وهو لا يستشعر أنه يرمي حوضا صخريا بحصية صغيرة وإنما هو يرمي شيطانا ما هو بشيطان ابراهيم وإنما شيطانه هو، الدائب عليه من إغوائه بفعل الفواحش والاعراض عن أمر الله. إنها ساحة تدريب رمزي على مصارعة العدو، ورفض الاستسلام له أو مهادنته أو التطبيع معه. ثم تمثّل تلك الفدية من قبل الحاج ومن قبل كل مسلم قادر، من خلال التقرب الى الله بأضحية، يأكل منها وعياله تعبيرا عن فرحة العيد والنصر على الشيطان، وتوسعة على الفقراء، وشكرا لله على نعمائه. والحقيقة أن للمسلمين عيدين يفرح فيهما المؤمن أحدهما عيد الفطر وهو تتويج لشهر من العبادة المكثفة، وعيد الاضحى وهو الآخر تعبير عن الفرحة بالانتصار على الشيطان والاستجابة لأمر الله. إذ ليس لله شأن بما نأكل وما ننحر وإنما المدار هو مدى ما يصحب ذلك من مشاعر التقوى والتقرب الى الله والانقياد اليه. وتقديم الضحايا شكرا للرحمن وتوسعة على العيال والفقراء والتوب والاستغفار والتزلف الى الواهب وتمتين روابط الاخوة الايمانية. وكل ذلك من مقاصد الدين ومنافع الحج.

المشهد الرابع: "وأذّن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم.." الحج. مشهد عجيب مهيب مشهد ابراهيم وقد فرغ من بناء البيت في واد قفر قصي من كل معمور يأمره ربه أن يرفع صوته بالاذان يعلم الناس بفريضة الحج ويناديهم الى القصد الى هذه المثابة، فيستجيب كما هو شانه دائما مع ربه في انقياد مطمئن وتسليم راض، فيرفع صوته بأفضل وأقوى وأجمل ما يستطيع بنداء التوحيد والدعوة الى حج البيت العتيق، ويتكفل ربه بالباقي، فيظل النداء يتردد في الآفاق بلا انقطاع يتصل آخره بأوله، وتتسع موجات تردده في أرجاء الارض باتساع نطاق الهداية الاسلامية واندياحها في العالمين حتى ما كادت في يومنا هذا تخلو قرية عبر القارات من مسجد وأذان ونفوس يمضّها الشوق والحنين الى الحج الى البيت العتيق والصلاة في مقام ابراهيم في واد غير ذي زرع. إنه المشهد المهيب لمؤذن في قلب الصحراء يعمر قلبه اليقين بأن ليس عليه إلا البلاغ أما الإسماع والهداية فبيد الخلاق. وهو ما يهب الداعية طاقة لا تنفد لمتابعة أداء رسالته في وجهها الايجابي بيانا للحق وفي وجهها السلبي كفرا بالطاغوت ورجما للشيطان مهما بدت له الآفاق منسدة. فلا ييأس أبدا "ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون" /الحجر53

المشهد الخامس: الوقوف بعرفة في"يوم الحج الأكبر" روايات كثيرة حول الواقعة التاريخية التي يحييها ويستعيدها الوقوف بعرفة. وهي واقعة لا بد أن تكون من الاهمية التي تجعل هذه الوقفة هي الحج الأكبر بل هي ركن الحج الذي لا يجبر تخلفه بشيء بينما المشاهد الاخرى يمكن استدراكها. ولكن المرويات قد تعددت ولم تحسم لصالح واقعة تاريخية محددة. ومما ذكروا من الوقائع التاريخية أن هذا الصعيد صعيد عرفة كان هو المسرح الذي شهد أول لقاء على الارض بين أول زوج بشري شكّل النواة الاولى للأسرة البشرية آدم وحوا عليهما السلام، على إثر نزولهما الى الارض، فيكون الحج مرة أخرى عودا الى الأصل وشكرا لله سبحانه على هذه الآية العظيمة والرحمة السابغة أن جعل لكل منا زوجا يؤنسه "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة" فيكون تكريم عاطفة الحب والشوق بين الزوجين معنى عظيما من معاني الحج وتذكيرا بأصل انطلاق الاجتماع البشري ووحدة الانسانية. والحقيقة أن مؤسسة الزواج مؤسسة دينية ثقافية وليست مؤسسة طبيعية. ولذلك يدب فيها الوهن وتتجه الى الاندثار كلما دب الوهن في الاصل الذي تأسست عليه وهو الدين، فتترهل عراها لصالح أنواع أخرى من العلاقات مثل الاباحية والجنسية المثلية فيكون ذلك إيذانا بأن حضارة قد اتجهت شمسها الى المغيب. إنها لوقفة مهيبة على هذا الصعيد الاجرد بعيدا عن أبهة المدينة وقصورها وزخارفها ومظاهر تفاخر أهلها بعد أن تجرد الجميع من كل ذلك كما تجردوا من أبهة الأزياء إذ يكتفي الرجال بالحد الادنى الساتر للعورات والنساء يقتصرن على اللباس البسيط بعيدا عن ضروب الزينة والاغراء إنها تذكر الناس بالاصل أنهم قد خرجوا الى الدنيا مجردين من كل ضروب الزينة، وهم سيتركونها وراءهم كذلك لا يحملون منها غير خرق بيضاء شبيهة بلباس الاحرام الذي يرتدونه في حجهم. كما تذكرهم صورة هذا الحشد الهائل بما نقل لهم الوحي من صور المحشر حيث يحشرون حفاة عراة مذهولين من هول الموقف، فما يبقى أمام الحاج وسط هذا الديكور المفعم بالايحاءات والرموز الروحية والاجتماعية إلا أن يتجه الى ربه يسأله التوب والغفران والرضوان والعون على الانابة الخالصة والتوبة النصوح فيفتح في دفتر حياته صفحة جديدة مترعة بأعمال الخير ومجانبة الشر ومقاومته. وفي اليوم الطويل متسع لتذكر الأهل والخلان وأحوال الامة وجراحاتها النازفة في أكثر من موقع في فلسطين والعراق والجزائر وتونس و... وكثيرا ما يقف الخطباء يذكرون على ذلك الصعيد الناس بحجة النبي عليه السلام حجة الوداع وكانت أعظم مهرجان شهدته جزيرة العرب إذ لم يقل العدد عن مائة ألف وهو نفس عددهم تقريبا في منتصف القرن العشرين.. بينما هو اليوم تخطى الملايين الثلاثة. لقد كانت حجة الوداع إعلانا عاما لحقوق الانسان ولوحدة البشرية ومنع التظالم والتأكيد على أهمية الاسرة والايصاء بالنساء خيرا والتحذير من السماح لجشع الاغنياء أن سيتغل حاجة الفقراء عبر آفة الربا العمود الفقري للنهب الرأسمالي ولمصائب البشرية. كما مثلت حجة الوداع نقل مهمة هداية البشرية من عهدة الانبياء الى امة الاسلام وقد ترشدت الانسانية.فكان الرسول الخاتم ينهي كل فقرة من وصاياه بـ " ألا هل بلغّت؟ فيقولون نعم .فيقول "فليبلغ منكم الشاهد الغائب". كم هو مهيب وعظيم جلال ذلك الموقف. ورد في حديث رواه الطبراني "وأما وقوفك عشية عرفات فان الله يهبط الى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول عبادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق يرجون جنتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها أفيضوا عبادي مغفورا لكم".

المشهد السادس :الافاضة من عرفات: وذلك بعد غروب الشمس في اتجاه منطقة قريبة محاذية هي مزدلفة حيث المشعر الحرام. وتعبير الافاضة دقيق معبر عن مشهد سيل دافق من الناس يتجه في وقت واحد يزدلف الى الله ليمضي ليلته في العراء في ساحة ليس بها غير ربوة صغيرة هي المشعر الحرام التي كانت قريش تقف عندها ولا تختلط بالناس في عرفة فجاءت دعوة الاسلام رسالة مساواة بين الناس "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله" عن كل خاطر أو فعل كبرياء واستعلاء وظلم صدر عنكم. "فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا"/البقرة. في مزدلفة قد يشهد بعض الناس تجربة فريدة في حياته: المبيت في العراء على الارض وهو ما يعين على شحذ الروح ومزيد التجرد من معتاد زخرف الدنيا فيتواضع لله ويتجرد من التكبر ويعيش عيشة فقراء الناس ولو لليلة واحدة في حياته فيستشعر هموم المستضعفين ويذكر أن الارض التي قد يستنكف من المبيت على أديمها "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" فليس في القبور أسرّة. وكل ذلك من مقاصد الحج: التواضع والانابة وتذكر الأصل والمصير وإذكاء روح الجماعة والوحدة والمساواة والمشاركة، وكذا التدريب على حياة الجهاد والحج بذاته ضرب من ضروب الجهاد وتدريب عليه. وفي مزدلفة يتسلح الحاج بالذخيرة التي سيشن بها حربه في الأيام الثلاثة القادمة على الشيطان بمنى وقد شحذت أعمال الحج حتى الآن عزيمته وهيأته لهذه الحرب الرمزية، إذ هو يجمع من صعيد مزدلفة سبعين حصية هي جمرات يصوبها نحو عدوه الشيطان بقلب مفعم يقينا وإخلاصا أنها ستصيب الشيطان وتنال منه بعد أن أنهكه يوم عرفة حيث لم ير الشيطان ذليلا قط يجلله الخزي كحاله يوم عرفة إذ شهد تمردا مليونيا على سلطانه غير معهود فهو شديد الحذر والبغض للتمردات الجماعية والانتفاضات العارمة مثل انتفاضة عرفة.

المشهد السابع: مشهد رمي الجمرات خلال ثلاثة أيام العاشر والثاني عشر والثالث عشراستعادة كما ذكرنا لصراع الجد ابراهيم عليه السلام داعية التوحيد ورافع أعلامه وباني مثابته العظمى صراعه مع الشيطان الذي حاول تخذيله عن الاستجابة لأمر ربه فكانت له ثلاث جولات انتهت بانتصار دواعي الايمان على تسويلات الشيطان فحق على كل مومن أن يحتفي بذلك الانتصار وأن يسعى لتمثله ليحقق مع شيطانه ما حققه ابراهيم مع شيطانه. وهي معركة تغطي كل لحظات حياتنا فحتى لحظة الغرغرة لا ييأس الشيطان من الانتقام من عدوه الانسان ظلما وحسدا "لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين"14و15الاعراف. وإن أعظم ما يمكن أن يبلغه الشيطان من النصر على أحد ومن العبث به أن ينكر وجوده أصلا، بما يشبه حالة المصاب بعلة خطرة، ولكنه يصر على نفي وجودها بدل الوعي بها ومواجهتها بما يناسبها من علاجات مهما كانت مؤلمة. إنها حالة اختراق خطرة تنقل صاحبها من حالة الحرب لعدوه والتوقي منه الى حالة العمالة والتجند في جنده "يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا" وهكذا يتشيطن. ولذلك أمر المؤمن أن يتوقى ويحذر ويلتجئ الى الله "من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة (بكسر الجيم) والناس" وهي آخر الوصايا الالهية الواردة في المصحف. فاحذر يا أخي ويا أختاه من عدوكما شيطان الانس والجن، لا تتخذانه صاحبا ولا وليا ولا تركنا اليه ولا تثقا في نصحه بل استعينا عليه بالله وبالمؤمنين وتحصنا منه بوصايا ربكما. خالفاه ولا تتوانا في حربه واحذرا خداعه. وما رمي الجمرات في الحج غير مشهد تدريب واستحضار لمعركة قديمة متجددة مع عدو مصمم على الايقاع بك والاستيلاء عليك وسلبك حريتك والدفع بك الى قعر جهنم ليهزأ بك ويتبرأ منك" وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" هل هناك أمكر وأخطر من هذا العدو، فتنكره بدل أن تتصدى له؟. إن مشهد رمي الجمرات مشهد مهيب وهو دليل على تواصل وعي الامة بأعدائها وتصميمها على مقاومتهم حتى دحرهم. ولم يكن عجبا أن كانت الحركة الاسلامية هي من اكتشف سلاح الحجارة في سياق تاريخ المقاومة في فلسطين. وكما بدت الحصيات الصغيرة يقذف بها المؤمنون الشيطان في موجات متلاحقة وكأنها عمل عابث غير مجد كذلك بدت الاحجار في يد فتية فلسطين وكأنها عمل عابث في مواجهة جحافل الدبابات، ولكن وقعها كان وقعا مؤلما جدا ومزعجا. فالسلاح البسيط إذا قذف بإيمان ويقين يتحول سلاحا فادحا فتاكا "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". عندما واجه سلاح المادة سلاح الروح والعزم والتصميم كان التفوق كما هو عادة للايمان ليواصل الحج يؤدي رسالته الابدية في التدريب على رجم الشيطان، إذ ما أكثر الشياطين في هذا العالم وبين أظهرنا وفي شراييننا وطوايا فكرنا، فكم هي الحاجة ماسة الى رميه بكل الوسائل والاشكال، حتى وإن سخر منا الملحدون. محتمل أن تكون للرمي ضحايا وشهداء ولكن الحرص مطلوب على الاقتصاد في ذلك من خلال حسن التخطيط والتنظيم. إن تنظيم حركة ولوازم ثلاثة مليون ونصف بشرا ضمن ساحات محددة في أوقات مضغوطة جدا أمر عسيرولكنه ممكن بعون اليه، إذا استنفدت كل الخبرات واستفيد من تراكم التجارب فلا نتردى في نفس الخطأ الذي تكرر سنوات في هذا المشهد بأن ينفلت الناس الى الرمي دون تنظيم صارم يفرض بشكل صارم مطلق السير في اتجاه واحد ويضبط بشكل صارم العدد الجملي الذي يتحمله المرمى في نفس الوقت. فكل الكوارث دخلت من هذين الخللين ولا سيما الاول. فهلا وضع حد لهذا الخلل المتكرر. مع أن رجاءنا في الله أن يكتب الضحايا في الشهداء.

المشهد الثامن: مشهد سوْق الهدي أي الذبائح ونحرها قربانا الى الله عز وجل وهو مشهد استحيائي لذكرى فدية اسماعيل بكبش عظيم. وتحمل هذه الشعيرة المطلوب تعظيمها مثل غيرها من شعائر الحج "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" /الحج/ تحمل منافع جمة أعظمها التقرب الى الله بإنفاذ أمره وهو المقصد الاعظم للحج بترسيخ الاستعداد لطاعة الله والفرح بالانقياد لأمره عز وجل بلا تحرج ولا تردد ولا نكوص. غير أن هذه الشعيرة مثل غيرها من القربات لا تخرج عن مقاصد الاسلام العامة وشعائره وشرائعه من جهة ما تحمله من منافع ومصالح وتتوقاه من مفاسد ومضار فإنما جاء الدين لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، فكان من مقاصد هذه الهدايا "فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير"/الحج23/ ولا يزال تناول اللحوم مرغوبا عند عامة الخلق -عدا فئات محدودة- ولا يزال ذلك غير ميسور لقطاعات واسعة من الخلق. ولأن هذا البيت العتيق أرسي في واد غير ذي زرع فقد كانت ابتهالات الاب المؤسس"ربنا واجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" وهكذا كانت الذبائح في هذا الموسم سبيلا لإفاضة نعم الله على الجميع حتى تتبارك لدى الجميع مشاعرالشكرللمنان وتتم المشاركة في الفضل والتنعم مما يزكي مشاعر الاخوة. ولأن الأحوال العامة للحجيج قد تحسنت واكتشفت في أكناف البيت العتيق الارزاق والثروات الضخمة التي هيأها الله لخدمة رسالة البيت العتيق فلم يبق في أكناف البيت من الفقراء ما يستوعب في أيام معدودات هدي ملايين الحجاج فقد جاءت الفتوى بنقل ما يفيض عن الحاجة الى فقراء المسلمين في العالم وغيرهم بعد استخدام أحدث وسائل الحفظ والتبريد، فكانت بركة أخرى من بركات الحج والدعاية له والتعريف بفضائله ومنافعه الجمة التي تربو كما ذكر الرازي في تفسيره عن منافع أي شعيرة أخرى. ولا عبرة بمن شاغب على أضحياتنا بأنها إهلاك للحيوان جماعي، فإنما سخر الله الانعام لهذه المهمة حتى نطعمها ونفيد منها ونشكر نعمة الله ويكون ذلك سبيلا لترويج تجارتنا وتنشيط زراعتنا. والتوسعة على عيالنا وفقرائنا. ويبقى مع ذلك البون شاسعا بين مواسمنا ومواسمهم. فنحن في فرحنا وضده لا نتجاوز حد الحلال وحد الاعتدال "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"الاعراف28/ وهم لا حد لهم.

المشهد التاسع: المشهد التجاري: يعد الحج أعظم سوق تجاري في الامة الاسلامية. السياحة في زمننا تعد بابا مهما في اقتصاديات حتى الدول الكبرى لما تنهض به من استجلاب أرصدة مالية باردة أو يسيرة التناول، ولما تنهض به من تنشيط لقطاعات اقتصادية أخرى مثل النقل وسائر قطاع الخدمات الى عدد من الصناعات. ومن هذا المنظور يمثل الحج سياحة مثالية لا تحمل معها مضاعفات جانبية سلبية كالامراض الجنسية والعادات الاخلاقية الضارة والثقافات الهابطة والاستنزاف المسرف لموارد المياه. سياحة الحج تفتح بيسر سوقا اسلامية لتبادل السلع بين البلاد الاسلامية وتنشّط كل القطاعات الاقتصادية في المملكة بخاصة وفي بلاد المنشإ التي ورد منها الحجاج مثل النقل. ولكن يبدو أن هذه الامكانات لا يزال توظيفها على ارقى سبيل محدودا وتغلب عليه العفوية. غير أنه مع أهمية تبادل المنافع الاقتصادية وهو مقصد للحج لم ينه عنه الاسلام بل شجعه ضمن فلسفته التوحيدية الشاملة وجمعه في سياق تعبدي واحد بين مطالب الروح ومطالب الجسد بين مطالب الدنيا والآخرة، فإن عيد المسلمين وهو الاعظم لا يزال طابعه الديني هو الطابع والسمت الغالب خلافا للمواسم الدينية في الغرب مثل عيد رأس السنة "الكرسمس" فقد كاد يتحول الى موسم استهلاك و إشباع للغرائز. وذوى المعنى الديني حتى كاد يختفي في المشهد العام بينما لا يزال المشهد العام للحج ولأعيادنا تغلب عليها الصبغة الدينية. نحن الامة الاعرف بالله سبحانه والأعبد له. وذلك معنى من معاني خيريّة هذه الامة

المشهدالعاشر:المشهد الثقافي والسياسي للحج: رغم الجهود الطيبة التي بذلتها المملكة ولا تزال على صعيد الارتقاء بعمارة الحرمين والصرف على ذلك بسخاء مشكور والدأب على إحداث تحولات جذرية وعظيمة على صعيد تيسير خدمات الحج، وكذا عقد ندوات ومؤتمرات بعضها يسبق الحج مثل ندوة الجنادرية وبعضها خلال الحج مثل الندوة التي تعقدها وزارة الحج وتسقطب اليها كل سنة نخبة من المفكرين والعلماء المسلمين، الى ندوات تعقدها رابطة العالم الاسلامي والندوة العالمية للشباب الاسلامي فإن ذلك لا يزال يعد توظيفا محدودا لهذا المؤتمر العظيم الذي يمكن أن يكون أكبر محرك لنشأة وحراك وفاعلية مجتمع مدني اسلامي على كل مستويات النشاط الانساني فيجتمع من كل فج عميق أهل كل صنعة وحرفة واختصاص مثل أهل الشريعة وأهل الادب والهندسة والطب ورجال الاعمال والصيدلة وسائر الفنون.. وكذا قطاعات الطلاب والنساء والعمال ..الخ. وإذا حصلت في ظروف خاصة بعض المشكلات من وراء اعتزام بعض المسلمين توظيف الحج في مناشط سياسية لم تتهيأ الظروف للتعامل معها والقبول بها، ما أثار مخاوف وشكوكا، ودفع الى أقدار من التضييق بدل الاتجاه مع حركة العالم نحو الانفتاح وتنمية مؤسسات المجتمع المدني عبر اهتبال هذه الفرص الذهبية التي يوفرها موتمر الحج لابتغاء أقصى ما يمكن من المنافع ومنها وضع قطار الامة على طريق الوحدة مما هو مقصد عظيم من مقاصد الحج حالت ظروف قاهرة دون تحقيق الاقصى منه أي وحدة الامر السياسي، غير أن ذلك ما يعفينا من محاولة تحقيق المقدور عليه من تشجيع القاعدة التحتية لمجتمعاتنا صوب التعارف والتعاون وتبادل المنافع والتنسيق فيما هو مشترك ونافع للجميع، تمهيدا لأشكال أرقى من الوحدة عندما ترتفع الموانع وذلك عودا الى الاصل الذي هو مقصد أساسي من مقاصد الحج. فلقد حافظ الحج حتى عندما انفضت الوحدة السياسية على مستويات هامة من الوحدة، فظلت مجتمعات الاسلام التنقل بينها مفتوحا ميسورا والتبادل الثقافي والاقتصادي والعلمي بلا قيود، بما جعل العلماء والمذاهب والآداب والفرق ظواهرعابرة للحدود وكأن هذه غير موجودة بما يشبه اليوم ما بدأت تفعله - نسبيا- بعض الفضائيات..

والخلاصة من جملة هذه المشاهد أنه ما أعظم بركات الحج وفرصه التي يتيحها للامة ونهوضها، وما أقل إفادتنا من هذا الكنز العظيم، غير أن الامل بعد الله في الشباب عظيم، فقد تشبب مشهد الحج بعد زمن طويل من سيادة طابع الشيخوخة عليه، الامل في الشباب داخل المملكة وخارجها وقد جددوا مشهد الحج أن يجددوا من رفع كفاءة مؤونته في المشروع العام لنهوض الامة الذي بشرت به موعودات الكتاب والسنة، وتلوح في الآفاق بشائره، ومنها تجدد مشهد الحج والصلاة وسائر شعائر الملة الخاتمة من خلال غلبة عنصر الشباب فتية وفتيات على المشهد العام، مقابل حالة الشيخوخة التي تعانيها غالبية مذاهب العلمنة والانحراف عن الدين القيم. "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" الصف7. إن حال الامة في مرآة الحج مزيج من الالوان منها الداكن مثل حالة التشرذم والضعف السياسي وفقدان الوزن تقريبا في هذا المجال. ومن ذلك أوضاع الاحتلال الخارجي في فلسطين والعراق و.. والاحتلال الداخلي: الاستبداد والقمع والسجون المزدحمة والشرائع المعطلة والنهب الواسع لمدخرات الامة وفقرائها من قبل السماسرة الدوليين وشركائهم المحليين، غير أن في المشهد ألوانا تبعث على الفرح والاستبشار ويمكن تلخيصها في كلمة واحدة اتجاه تيار المقاومة قدما صوب الاتساع إن على مستوى التصدي للاحتلال الخارجي أو على مستوى التصدي للاحتلال الداخلي الاستبداد. ومن المقاومة فشو الصحوة الاسلامية في العالم حتى في البلاد التي كان ميؤوسا منها مثل جمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية ومناطق الاسلام في البلقان فقد استأنفت مسارها صوب الحج لتصب في النهر الكبير للامة بعد انقطاع وجفاف خلال ثلاثة أرباع قرن. ناهيك عن الجداول المتنامية الوافدة من جميع أرجاء العالم، حتى كان لبلد غير مسلم مثل بريطانيا للسنة الثالثة بعثته الرسمية للحج تحت اشراف مسؤولين في وزارة الخارجية ونواب في البرلمان مسلمين إنه عالم الاسلام الجديد. اما البلد الذي اتخذ بدعم غربي صهيوني واسع نموذجا للتغريب القصري وتجفيف ينابيع الاسلام فقد انهارت فيه الخطة انهيارا مذهلا وتدفقت ينابيع الصحوة فوارة عارمة، وهو ما حدث في تونس ..الثابت أن الاسلام وصحوته الاسرع انتشارا في العالم، رغم بعض مظاهر التشدد ردا على تطرف العلمانيات بقيادة تطرف التحالف الأصولي الانجيلي الصهيوني في امريكا واسرائيل. ولكن المجرى العام للصحوة يتجه قدما صوب الوسطية. إن صحوة الاسلام وامتداه الى عوالم جديدة لأول مرة في التاريخ وإقبال الشباب فتية وفتيات على تعاليمه مقابل ترهل المذاهب الأخرى واتجاه أصحابها المتفاقم الى اعتماد وسائل القمع لضمان بقائها واتساعها، بما في ذلك الديمقراطيات العريقة.. هو من أعظم المبشرات في مشاهد الحج. "لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المونون بنصر الله"

ملاحظة مهمة في الختام: لم أتناول في هذه المشاهد للحج مشهدا مهيبا مشهد زيارة ثاني الحرمين مسجد المدينة المنورة الذي يضم بين دفتيه مثوى أكرم خلق الله حبيبنا وقائدنا وشفيعنا-ان شاء الله- خاتم الانبياء والمرسلين عليه أزكى صلوات الله وتسليماته. وسبب عدم تناول هذا المشهد أنه ببساطة ليس من جزء من الحج المفروض وإنما نافلة وقربى يحرص عليها كل حاج أن تلامس أقدامه أرضا مشت عليها أشرف وأطهر قدم وأن يستظل بسماء أظلته وأن يشرف ولو للحظات معدودة بالمرور بالروضة المهيبة التي يغشاها جلال من الله ومهابة تملآن على المومن كيانه خشوعا ووجدا وهو يمر أمام الروضة الشريفة مسلما على رسول الله وصاحبيه الكريمين فتتملكه قشعريرة تهزه من الاعماق شوقا لرسول الله وخشوعا بين يديه وامتنانا لفضل الله أن جعلنا من أمته. وإن مما تجدر ملاحظته بهذا الصدد أن من البراهين على صدق نبوة صاحب الروضة الشريفةأن زيارة المدينة لم تدخل في دينه ضمن أعمال الحج. فلو أن محمدا عليه السلام لم يكن نبيا بل كان مجرد زعيم ديني لبذل أقصى الوسع في تهميش مكة التي رفضت دعوته ونكلت به وصحبه وتآمرت على حياته وخرج منها أسيفا محسورا لتحسن يثرب استقباله والترحيب بدعوته وتتحمل تبعة اتخاذها قاعدة انطلاق لتجابه العرب كلهم ومنهم قريش القبيلة القوية بشرعيتها الدينية وسطوتها التجارية وبأسها العسكري. ولو كان مجرد زعيم لما ملك إلا أن يرد الفعل ويعمل على إذلال مكة وتهميشها وقد دخلها منتصرا، ولو أراد ذلك لم يحل دونه شيء ولكن لأنه نبي مرسل وأن الشطر الاعظم من رسالته إحياء دعوة ابراهيم التوحيدية وإعادة مكة بكعبتها وسائر أركان الحج الى أصل ابراهيم مثابة للناس وأمنا ومعلما عظيما للتوحيد، فقد فعل ذلك وأعاد الامور الى نصابها. وعاد الى المدينة لتكون مثواه الاخير بدل مكة وهي الأفضل، وفاء منه لميثاقه مع الانصار واعترافا بفضلهم وقد فتحوا مدينتهم لتتحمل تبعة قيام أسمى نموذج للاجتماع البشري هو الترجمة العملية لعقيدة التوحيد فكان ذلك هو الشطر الثاني من الرسالة المحمدية وهو عمل تأسيسي بينما كان تطهير الكعبة من الاوثان واستعادة البيت العتيق الى الاصل الابراهيمي منارة للتوحيد ومثابة للناس وأمنا هو الشطر الاول من رسالته وهو عمل إحيائي. "إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الاحزاب.
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 23/02/2004, 09:12 PM
فالح الحربي فالح الحربي غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 06/08/2002
المشاركات: 1,098
Wink

بس ما كأنه الموضوع متأخر شوي
 

أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

بحث متقدم
تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز الصور لا تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 02:17 PM.


سبلة العرب :: السنة ، اليوم
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.