عرض المشاركة وحيدة
  #12  
قديم 17/10/2006, 01:39 PM
السهم المسدد السهم المسدد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 08/09/2002
الإقامة: شواطئ الصحراء
المشاركات: 1,009
5- الإشكالات السياسية التي خلقتها الرواية (1-2):

لا يشك أي مؤمن بعظمة الإسلام أن القرآن الكريم يأسس لمناهج إلهية تروم تحقيق الخير والسعادة للبشرية، وفي الإطار السياسي نجد أن القرآن الكريم قد أرسى قواعد كلية مطلقة يستطيع الإنسان من خلالها بناء صروح المنظومات السياسية التي تليق بأوضاعه الزمانية والمكانية وأعراف المجتمعات التي يعيش فيها، وهذه القواعد هي:

القاعدة الأولى: الحاكم يجب أن يكون من المؤمنين.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}النساء: 59.

ويقول تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}النساء: 83.

وهذه القاعدة تشير إلى وجوب كون الحاكم من جماعة المؤمنين، وهي كما يُلحظ لا تشترط أن يكون الحاكم أكثر الناس زهداً وورعاً، وإنما تؤكد على وجوب أن يصدق عليه صفة الإيمان، وهو التزام الصواب ومجانبة الإنحراف والوفاء قولاً وعملاً.

القاعدة الثانية: أهمية العلم والقدرة البدنية في الحاكم.

يقول تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}البقرة:247.

وقد مرّ العالم الإسلامي بفترات عصيبة حين تولى أمرها الجهلة والضعفاء بدنياً.

القاعدة الثالثة: مساواة البشر في حظوظ وصولهم إلى درجة الحكم.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}الحجرات: 13.

تؤكد هذه القاعدة على مبدأ المساواة البشرية فهي بالتالي تلغي أسس التفاضل الجاهلية التي كانت سائدة في المجتمعات البشرية المختلفة كالقبلية والعرقية والمادية، فالمسلمون جميعاً سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أي بمقدار تحليه بأخلاق وآداب الإسلام، ومن هذا المنظور السامي فإن القرشية والعلوية والأموية والعرقية لا أصل لها في الإسلام، بل إن القرآن ينسب هذه النوعية من المفاضلة حسب الأعراق إلى الشيطان الرجيم، حيث أورد على لسانه إقراره السافر عن سبب عصيانه لأمر الله وهو اعتبار أصله أفضل من أصل آدم، حيث قال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}الأعراف:12.

وقد قال تعالى قاطعاً السبيل أمام شبهة التفاضل العرقي {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}الأحزاب: 40، فالقرابة من الرسول r لا تغني في ميزان الله شيئاً بل أنها تحقق فوضى الوسائط، ولو كانت تغني من الحق شيئاً لأغنت ابن نوح وزوجته، وزوجة لوط، ولأغنت أبا لهب من الحريق واللهب، وحين نزل قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}الشعراء: 214، جعل رسول الله r يتفخذ أفخاذ قريش فخذاً فخذاً حتى أتى إلى بني عبدالمطلب فقال: (يا بني المطلب إن الله أمرني أن أنذركم، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً)([56]).

القاعدة الرابعة: الشورى هي أساس اختيار الحاكم وتدبير أمور الحكم.

يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}الشورى: 38.

وقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}آل عمران: 159.

وهي قاعدة كلية غير مقيدة بصور الممارسات البشرية السابقة، بل هي موكلة لطبيعة المجتمع الإسلامي الثقافية والاجتماعية المتغيرة زمانياً ومكانياً، فقد تكون محصورة في فئة معينة ذات مواصفات قياسية خاصة كالعلم والتقوى والحكمة كما هو الحال مع تعيين عمر بن الخطاب لستة شخصيات مرموقة في الدولة الإسلامية تختار من بينها فرداً يقود الأمة، أو قد تتم من خلال مجالس بلدية أو مجالس شورى تمثل عقلاء الأمة ومثقفيها، أو قد يكون مفتوحاً كما هو الحال مع الانتخابات العامة للمفاضلة بين الأفراد الذين تتحقق فيهم مواصفات الترشح لمنصب الحاكم، وهذا كله يفهم من خلال أمره تعالى باعتبار عرف المجتمع إذا لم يتصادم مع قواعد الشريعة حيث يقول عز وجل {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}الأعراف: 199.

القاعدة الخامسة: العدل أساس الحكم.

يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}النساء: 58.

ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}المائدة:8

ويقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى}النحل: 90.

ويقول تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}الشورى: 15.

القاعدة السادسة: تحريم الظلم.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ}يونس: 13.

ويقول تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}الشورى: 42.

القاعدة السابعة: وجوب تحكيم شرع الله.

يقول تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}المائدة: 48.

ويقول تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}المائدة: 49.

ويقول تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}المائدة: 44.

ويقول تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}المائدة: 45.

ويقول تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}المائدة:47.

القاعدة الثامنة: عدم الركون إلى الظلمة.

يقول تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}هود: 113. حيث يؤكد تعالى على تحريم الظلم وتحريم الركون إلى الظلمة.

ويقول تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}المائدة: 2.

ويقول تعالى: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}العصر: 3، حيث يأمر عز وجل بالتعاون على البر والتقوى ويحرّم التعاون على الإثم والعدوان

والحكومات الظالمة المتعسفة ذات النزعة الاستبدادية لا يجوز الركون إليها ولا إعانتها على ظلمها.

---الهامش---

[56] الربيع بن حبيب برقم 1005.



يتبع: