عرض المشاركة وحيدة
  #17  
قديم 29/08/2006, 07:08 PM
alhabsi2006 alhabsi2006 غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ الانضمام: 05/02/2006
المشاركات: 59
{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } * { كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } * { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } * { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
قوله: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ } أي خسر نفسه فصار في النارِ وخسر أهله من الحور العين. وتفسير ذلك في سورة الزمر.

قوله: { كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ } ذكر عن عمرو عن الحسن قال: هم أهل الكتاب، يعني عامّتهم، وقد أسلم الخاصة منهم. كان أصل أَمرِ أهل الكتاب الإِيمان، فكفروا به وحرّفوا كتاب الله.

ثم قال: { وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ } يعني محمداً، خاصة من يدرس ذلك ويعلمه منهم { وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ } يعني الكتاب الذي فيه البيّنات والحجج { وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ } يعني من لا يهديه الله منهم.

وقال بعضهم عن الحسن: هم أهل الكتابين: اليهود والنصارى، أقرّوا بنعت محمّد في كتابهم، وشهدوا أنه حق، فلما بعثه الله من غيرهم كفروا به. وقال مجاهد: هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه.

قال: { أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } يعني بالناس المؤمنين خاصة. { خَالِدِينَ فِيهَا } أي في تلك اللعنة وثوابها، لأن ثوابها النار، وهو كقوله:
{ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ـ [أي عن القرآن] ـ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ }
[طه:100-101] أي في ثواب ذلك الوزر الذي حملوه. قوله: { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي ولا هم يؤخرون بالعذاب.
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ } * { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } * { لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ }
قوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ } قال الحسن: هم أهل الكتاب، كانوا مؤمنين ثم كفروا. { ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً } أي ماتوا على كفرهم { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } أي لن يَقْبل الله إيمانهم الذي كان قبل ذلك إذا ماتوا على كفرهم. { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ } وقال بعضهم: هم اليهود كفروا بالإِنجيل، ثم ازدادوا كفراً حين بعث النبي عليه السلام فأنكروه وكذبوا به.

قوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ }. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرايت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، يا رب. فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك ".

قوله: { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي موجع. { وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ } أي ينصرونهم من عذاب الله.

قوله: { لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } قال الحسن: يعني الزكاة الواجبة. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: إيتاء المال على حبه أن تنفق وأنت صحيح شحيح تأمل الحياة وتخشى الفقر.

قوله: { وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ } يعني الصدقة { فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } أي يحفظه لكم حتى يجازيكم به.
{ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } * { قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }
قوله: { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }.

ذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان يعقوب اشتكى عرق النسا فكان له بالليل زقاء كزقاء الديك، فحرّم ذلك العرق على نفسه من كل دابة. وقال الحسن: حرّم لحوم الإِبل. وقال بعضهم: وألبانها، وقال بعضهم: كل الطعام كان حِلاًّ لهم إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه. فلما أنزل الله التوراة حرّم عليهم أشياء وأحلّ لهم أشياء. وكان الذي حرّم إسرائيل على نفسه أن الأنساء أخذته ذات ليلة فأسهرته، فقال: لئن شفاه الله لا يطعم نسا أبداً، فتتبَّعَت بنوه العروق يخرجونها من اللحم.

قوله: { قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أنَّ فيها ما تذكرون أنه حرَّمه عليكم، إنما حرَّم عليكم ما حرّمتم ببغيكم وظلمكم.

قال: { فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ثم قال: { قُلْ صَدَقَ اللهُ } أي أن إبراهيم كان مسلماً { فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } والحنيف في تفسير الحسن: المخلص، وفي تفسير الكلبي: المسلم، وهو واحد. { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.

قوله: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } قال الحسن: وضع للناس قبلة لهم. { لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }. قال سعيد بن جبير: بكّت الرجال بالنساء، والنساء بالرجال في الطواف.

وقال بعضهم: إن الله بكَّ به الناس جميعاً، فتصلّي النساء أمام الرجال، ولا يصلح ذلك ببلد غيره.

ذكر بعضهم قال: البيت وما حوله بكّة، وإنما سمّيت بذلك لأن الناس يتباكّون فيها ويتزاحمون، وأسفل من ذلك مكة.
{ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ } * { قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } * { قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } * { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
قوله: { فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ } قال الحسن: إن مقام إبراهيم من الآيات البينات. قوله: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً }.

ذكروا عن الحسن وغيره قالوا: ذلك في جاهليتهم؛ لو أن رجلاً جَرَّ كلَّ جريرة ثم لجأ إلى الحرم، لم يُطلب ولم يُتَناول. فأما في الإِسلام فإن الحرم لا يمنع من حدّ؛ من قتَل قُتِل، ومن أصاب حداً أقيم عليه.

وفي تفسير عمرو عن الحسن: إن أصاب رجل فيه حدّاً ليس فيه قَوَد ولا رجم أقيم عليه، وإن كان فيه قتل أُخرِج من الحرم فقتل. وأما الحدود كلها دون النفس فتقام عليه في الحرم.

ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا أصاب الرجل حدّاً ثم لجأ إلى الحرم لم يبايَع ولم يُجَالَس، ولم يُؤْوَ حتى يخرج من الحرم؛ فإذا خرج من الحرم أُقِيم عليه.

قوله: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }. ذكر الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله، قول الله: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ } ، أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي عليه السلام، ثم قال: " والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها لكفرتم، فذروني ما تركتكم " وزاد فيه بعضهم: " فذروني ما تركتكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءَهم، واختلافهم عليهم ".

وذكر بعضهم مثل ذلك الحديث عن النبي عليه السلام وزاد فيه: إنما هي حجة وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة وقضى ما عليه.

قوله: { مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: { من استطاع إليه سبيلاً } فقال: الزاد والراحلة.

قوله: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }. ذكروا عن عطاء قال: الكفر أن [يقول ليس بفريضة] فيكفر به. وذكروا عن الحسن مثل ذلك. وقال بعضهم: { وَمَن كَفَرَ } ، يعني أهل الكتاب، لأنه ذكر قصَّتهم قبل هذه الآية.

قوله: { قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً } أي: تصدّون من آمن عن سبيل الله. { تَبْغُونَهَا عِوَجاً } أي إنكم تدعون إلى خلاف سبيل الله، وهو العِوَج. { وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ } إنكم تبغونها عوجاً { وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } يحذرهم ذلك.

وقال بعضهم: تصدون عن سبيل الله، أي عن الإِسلام وعن نبي الله من آمن به وأنتم شهداء على ذلك أي فيما تقرأون من كتاب الله أن محمداً رسول الله وأن الإِسلام دين الله.

قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ } أي من لم يؤمن منهم { يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللهِ } أي كتابه { وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ } [أي يستمسك بدين الله] { فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }. أي إلى الجنة.

قال الحسن: اعتصامه بالله اعتصامه بحبله، وهو القرآن.

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً " أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال الملائكة في السماء فما لهم لا يؤمنون. أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون ينزل عليهم الوحي فما لهم لا يؤمنون. أي الخلق أعجب إيماناً قالوا: أصحابك. قال: أصحابي يرونني ويسمعون كلامي فما لهم لا يؤمنون. أعجب الخلق إيماناً قوم يأتون من بعدكم يجدون كتاباً في رَقٍّ فيؤمنون به ".
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } * { وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }
قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.

[قال قتادة: نزلت هذه الآية فثقلت عليهم، ثم أنزل الله اليسر والتخفيف فقال]:
{ فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا }
[التَّغابن:16]، وعليها بايع رسول الله على السَّمع والطَّاعَةِ فِيما استطاعوا.

قوله: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا }. قال الحسن: إنما قال واعتصموا بحبل الله لأنه حبل نزل من السماء هبط عليهم، وهو القرآن. قال علي بن أبي طالب: حبل الله القرآن.

قوله: { ولا تفرّقوا }. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " افترقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار، ولتفترقن هذه الأمة على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ".

قال: { وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ } أي احفظوا واشكروا نعمة الله عليكم { إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بالإِيمان، إذ كانت العرب يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً. { فَأَصْبَحْتُم } أي فصرتم { بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا } بالإِسلام { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي لكي تهتدوا.

ذكر بعضهم قال: كنتم تذابحون فيها؛ يأكل شديدُكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإِسلام، فآخى به بينكم، وأَلَّف به بينكم.

ذكر لنا ابن مسعود قيل له: كيف أصبحتم؟ قال أصبحنا بنعمة الله إخواناً.

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتيتكم وأنتم تهافتون في النار، فأخذت بحُجَزِكم فأخرجتكم منها ".

وقال الحسن: وكنتم على شفا حفرة النار. أي: من مات مات إلى النار ومن كان حياً كان على ضلالة وشفا، فأنقذكم منها برسوله وبكتابه.


{ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }
قوله: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } أي بتوحيد الله وطاعته. { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } أي عن الشرك بالله ومعصيته { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي السعداء.

ذكروا أن عمر بن الخطاب قال في حجّةٍ حجّها ورأى من الناس رِعَةً سيئة فقرأ هذه الآية: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } فقال: يا أيها الناس من سَرَّه منكم أن يَكُون من تلكم الأمّة فليؤد شرط الله فيها.

وتفسير عمرو عن الحسن في قوله:
{ وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ }
[التوبة:71] أي: يأمرون بالإِيمان بالله وينهون عن كفر به.

ذكروا عن الحسن أنه قيل له: ألا تخرج إلى الامام فتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر فقال: إنما يُعَلَّم من يُرجى أو جاهل لا يَعْلم، وأما من هو أقرأ منك وأعلم منك، قد وضع سيفه حده وَرَهَفَه يقول: اتَّقِني اتَّقِني، فما يوقفك فيه؟.

ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لمسلم أن يُذِلّ نفسه " قيل: يا رسول الله، وكيف يُذِل نفسه؟ قال: " يتعرّض من البلاء لما لا يقوى عليه. ولا يقوم به ".

ذكر أبو خمصة قال: قال لي أبو هريرة: هل تخشى أن تعيش في قوم لا ينكر خيارهم المنكر؟ قال: قلت: ما أولئك بخيار. قال: بلى، ولكنَّ أحدَهم يكره أن يُشتَم عرضُه ويُضرَب بَشَرُه.
{ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } * { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } * { تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ } * { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } * { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }
قوله: { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }. هم أهل الكتاب. يقول: لا تفعلوا كفعلهم.

ذكروا عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لتتبعنّ سَنَنَ الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه " قيل: يا رسول الله، أهم اليهود والنصارى؟ قال: " فمن إذاً؟ ".

قوله: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } قد فسّرناه قبل هذا. { وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } يعني الجنة، أي: لا يموتون ولا يخرجون منها.

قوله: { تِلْكَ ءَايَاتُ اللهِ } أي هذه آيات الله { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ } أي عواقبها في الآخرة.

[قوله: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } يعني بتوحيد الله { وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ } يعني عن الشرك بالله { وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ } ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أنتم توَفّون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله "

وقال الكلبي: إن من كان قبل هذه الأمة من الأمم، كانوا يستحلون ظلم من دخل فيهم ممن هو على غير دينهم. فلما بعث الله هذه الأمة جعلهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وجعلهم خير الأمم.

قوله: { وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم } يعني عامَّتهم. ثم قال: { مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ }. يعني من آمن منهم هم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. وكان فسق أهل الكتاب شركاً، يعني به الذين ثبتوا على اليهودية والنصرانية.

{ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } * { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } * { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } * { يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ }
قوله: { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى }. أي بالألسنة، في تفسير الحسن وغيره، وأما أنتم فتنصرون عليهم. { وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ }. يقول: وإن ينصبوا لكم الحرب { يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ }.

قوله: { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } أي: حيثما وجدوا { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ } قال مجاهد: إلا بعهد من الله وعهد من الناس { وَبَآؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ } أي استوجبوا غضباً من الله وغضباً من الناس، أي المؤمنين { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ } يعني ما يؤخذ منهم من الجزية.

قال بعضهم: لا تلقى اليهودي إلا يُنْبِيك أنه مسكين.

{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ } يعني أوَّليهم، وليس يعني الذين أدركوا النبي عليه السلام. { ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ }.

قوله: { لَيْسُوا سَوَاءً } يقول: ليس كل أهل الكتاب كافرين. بل { مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } أي: بأمر الله، مهتدية. يعني من آمن منهم بالنبي عليه السلام في تفسير الحسن.

وقال غيره: ليس كل القوم هلك، قد كان فيهم بقيّة أمة قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه. وقال مجاهد: أمةٌ عَدْلٌ. { يَتْلُونَ } أي يقرأون { ءَايَاتِ اللهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ } أي: ساعات الليل { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي: يصلّون. { يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ } [يعني بالإِيمان] { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ } [يعني عن التكذيب بمحمد] { وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ } أي الأعمال الصالحة { وأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ } وهم أهل الجنة.

ذكروا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الاثم، ومَطرَدة للداء عن الجسد ".

{ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }
قوله: { وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ } يقول: تُجَازَون به. هو مثل قوله:
{ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ }
[البقرة: 110]، في تفسير الحسن. وقال غيره: فلن تكفروه، أي: فلن يضل عنكم.

قوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً } أي في الآخرة ولو افتدى به، وهو قوله:
{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }
[الشعراء:88-89]، وكقوله:
{ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً }
[سبأ:37]. وقال في آية أخرى:
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
[المائدة:36]. وقال في آية أخرى:
{ يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ }
[المعارج:11-12] قال: { وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }
{ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ }
قوله: { مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } قال مجاهد: يعني نفقة الكفار. وقال الحسن: نفقة المشركين والمنافقين، يقول: لا يكون لهم في الآخرة منها ثواب، وتذهب كما ذهب هذا الزرع الذي أصابته الريح التي فيها الصّر. والصّر: البرد الشديد في تفسير الحسن ومجاهد وغيرهما.

قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } [أي من غير المسلمين] { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } [أي: شراً] وهي مثل قوله:
{ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً }
[التوبة:16]، في تفسير الحسن.

وقال الحسن: نهاهم الله أن يتولوا المنافقين، وقال مجاهد: المنافقين من أهل المدينة. { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } أي: وَدُّوا مَا ضَاقَ بكم، كقوله:
{ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا }
[آل عمران:120].

قال: { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } قال: قد ظهرت البغضاء من أفواههم لبغضهم الإِسلام ورسول الله والمؤمنين. { وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } أي في البغض والعداوة، ولم يظهروا العداوة، أسرّوها فيما بينهم، فأخبر الله بذلك رسوله.

وقال بعضهم: { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } ، أي إلى إخوانهم من الكفار، من غشِّهم الإِسلامَ وأهلَه وبغضِهم إياه: { وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } ، أي ما تكنّ صدورهم من العداوة والبغض أكبر، أي: أعظم مما أبدوا.

قال: { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }
{ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }
قوله: { هَأَنتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ }. يقول للمؤمنين: أنتم تحبّون المنافقين [لأنهم أظهروا الإِيمان، فأحَبّوهم على ما أظهروا، ولم يعلنوا ما في قلوبهم] { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ } أي: وهم لا يؤمنون، وفيها إضمار.

قوله: { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } أي أطراف الأصابع، أي: عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين. وقالوا بعضهم: إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم. { وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } ، لِمَا يَجِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مِّنَ الغَيْظِ والكراهة للذي هم عليه.

قال الله لنبيه: { قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما في الصدور.

قوله: { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } يعني بالحسنة الظهور على المشركين والنصر عليهم. { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ } أي نكبة من المشركين { يَفْرَحُوا بِهَا } في تفسير الحسن.

وقال بعضهم: إِنْ تُصِبْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا، أي: إذا رأوا من أهل الإِسلام أُلفةً وجماعة وظهوراً على عدوّهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإِسلام اختلافاً وأصيب طرف من الله أطراف المسلمين سرّهم ذلك وأعجبوا به.

قال: { وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } ، يعني المنافقين، لأنهم لا شوكة لهم إلا بالأذى، ولا يضرّون إلا أذى بالألسنة. { إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } أي بأعمالهم يحفظها حتى يجازيهم بها.
{ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } * { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } * { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
قوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } يعني يوم أُحُدٍ { تُبَوِّىءُ المُؤْمِنِينَ } يعني توطىء المؤمنين { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.

قال بعضهم: غدا نبيُّ الله من أهله إلى أُحُدٍ يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال.

قوله: { إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ } وهم بنو حَارِثَة وبنو سَلِمَة حيان من الأنصار، في تفسير مجاهد، فعصمهما الله وكان وليَّهما، [وهو قوله: { وَاللهُ وَلِيُّهُمَا] وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ }.

وقال الكلبي: كان بنو حارثة وبنو سلمة همّا أن لا يخرجا مع رسول الله، ثم عزم الله لهما على الرشاد. وقال غيره مثل قوله: هما بنو حارثة وبنو سَلِمة همّوا يوم أحد بأمر فعصمهم الله من ذلك.

وذكر لنا أنهم لما نزلت هذه الآية قالوا: واللهِ ما يسرّنا أنا لم نهُمَّ بالذي هممنا وقد أخبرنا الله أنه وليُّنا. وقال مجاهد: هم بنو حارثة كانوا من نحو أحد، وبنو سلمة كانوا من نحو سلع، وذلك يوم أحد.

قوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ } قبل ذلك { وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } يذكرهم نعمته عليهم { فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }. وكان أصحاب رسول الله يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون ألف رجل؛ وقال بعضهم: تسعمائة وخمسين أو قاربوا، فنصرهم الله بألف من الملائكة مردفين أي: متتابعين.
{ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } * { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }
قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } رجع إلى قصة أحد { أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنزَلِينَ } أي ينزلهم عليهم من السماء. { بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا } أي من وجههم هذا في تفسير الحسن. وقال مجاهد: أي: من غضبهم هذا. { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } أي مُعلَمين. قال أمِدّوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.

وقال بعضهم في قوله:
{ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ }
[الأنفال: 9] قال: وثلاثة آلاف منزلين، فصاروا أربعة آلاف. وقال: { بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } ، وعَدَه خسمةَ آلاف [إن جاءوا من ذلك الفور، فلم يجيئوا من ذلك الفور ولم يُمِدّه بخمسة آلاف، وإنما أمدّه بألف مردفين وبثلاثة آلاف منزلين] فهم أربعة آلاف، وهم اليوم في جنود المسلمين.

قوله: مسوَّمين، أي: معلَمين. قال مجاهد: بالصوف الأبيض في نواصي خيلهم. وقال بعضهم: كان سيما الملائكة يوم بدر العمائم.

وقال بعضهم مسوّمين، أي: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدر. قال: وسيماهم الصوف الأبيض في نواصي خيلهم وأذنابها، وهم على خيل بُلق. وذكر بعضهم أن الخيل البلق لم تر بعد غزوة الأحنف.
{ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } * { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } * { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }
قوله: { وَمَا جَعَلَهُ اللهُ } يعني المدد { إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ } أي: ما أنزل من الملائكة تستبشرون بها وتفرحون بها { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ } أي ولتسكن قلوبكم به { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ }.

قوله: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ } قال بعضهم: أي: يخزيهم { فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ }. قال بعضهم: قطع الله يومئذ، أي يوم بدر، طرفاً من الكفار وقتل صناديدهم ورؤوسهم في الشرك.

قوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } ذكروا عن الحسن قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم؛ فأنزل الله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }. ذكر بعضهم عن رسول الله مثل ذَلك، غير أنه قال: خضبوا وجه نبيهم بالدماء وهو يدعوهم إلى الله.

وقوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيه تقديم؛ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيرجعوا إلى الإِيمان، وإن يعذبهم فبإقامتهم على الشرك في تفسير الحسن. قال: وهو كقوله:
{ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }
[الأحزاب:24] أي: فإن يعذبهم فبإقامتهم على النّفاق أو يتوب عليهم فيرجعوا عن نفاقهم.


{ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } * { وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } * { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } * { وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }
قوله: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } يعني المستوجبين للعذاب { وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } كانوا في الجاهلية إذا حلَّ دَيْن أحدهم على صاحبه فتقاضاه قال: أخِّر عنّي وأزيدك، فيكون ذلك أضافاً مضاعفة.

قوله: { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي لكي ترحموا.

قوله: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } ذكروا عن كُرَيْبٍ، مولى ابن عباس، أنه بلغه أن سبع سماوات وسبع أرضين يُلفقن جميعاً كما تلفق الثياب بعضها إلى بعض، فهذا عرضها ولا يصف أحد طولها. وقال الحسن: في انبساطهن بعضهن إلى بعض؛ وهو واحد.

وبلغنا أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ } فقال: " هي مائة درجة، كل درجة منها عرضها السماوات والأرض ".

قال: { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ } أي في الرخاء والشدة. وقال بعضهم: في اليسر والعسر، والجهد والرخاء { والكَاظِمينَ الغَيْظَ }.

ذكروا عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من جرعة يتجرّعها الرجل أفضل من جرعة غيظ ".

قوله: { وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ }. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل أخلاق المؤمنين العفو ".

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أراد أن يشرف له البنيان، وأن يرفع له الدرجات يوم القيامة، فليصل من قطعه، وليعط من حرمه، وليعف عمن ظلمه، وليحلم على من جهل عليه ".



{ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } * { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ } * { هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ } * { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } * { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ }
قوله: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ } في أنفسهم وعلموا أن سائلهم عن ذلك فخافوه وتابوا إليه من ذلك. { فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } ثم قال: { وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ }. وكان جابر بن زيد إذا قرأ هذه الآية: { ومن يغفر الذنوب إلا الله } قال: لا أحد يغفرها غيرك يا الله.

ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: جلست إلى رجل من المهاجرين فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس، استغفروا الله وتوبوا إليه، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة " ذكر بعض السلف قال: ما جاور عبداً في قبره خير له من الاستغفار.

قوله: { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } أي من المعصية { وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.

ذكروا عن ابن عباس قال: كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة، وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة. وقال بعضهم: كان يقال: لا قليل مع الإِصرار ولا كثير مع الاستغفار.

قوله: { أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } قد فسّرناه قبل هذا الموضع. { خَالِدِينَ فِيهَا } أي لا يموتون ولا يخرجون منها { وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ } أي الجنة.

قوله: { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } يعني ما عذب الله به الأمم السالفة حين كذبوا رسلَهم. وقال في آية أخرى:
{ سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ }
[غافر:85] والتي قد خلت من قبل في الكفار أنهم إذا كذبوا رسلهم أَهلكهم الله.

قال: { فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ }. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم، ثم صيّرهم إلى النار؛ يحذّرهم ذلك.

قوله: { هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } قال بعضهم: هذا القرآن بيان للناس عامة { وَهُدًى } يهديهم الله به { وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ } أي: خصّهم الله به.

قوله: { وَلاَ تَهِنُوا } أي لا تضعفوا عن قتال المشركين { وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } أي وأنتم الظاهرون عليهم والمنصورون. إنهم لما انكشفوا يوم أحد، فصعدوا الجبل علاهم خالد بن الوليد من فوق الجبل وجاءهم أبو سفيان، فقال الله: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

وأمر رسول الله أصحابه بطلب القوم، فكرهوا ذلك وشكوا إليه الجراح، فأنزل الله: { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ }. أديل المؤمنون يومَ بدر عليهم، فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون عليهم يوم أحد، فقتلوا سبعين من أصحاب النبي وجرحوا سبعين.

قال: { وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا } أي: ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، وهذا علم الفعال. { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } أي المشركين. قال الحسن: فيها تقديم؛ يقول: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ. وقال: قد مسّ القومَ قرح مثله يوم بدر. والقرح الجراح.

وقال مجاهد: جراح وقتل. وقال بعضهم: القرح والجراح، وذلك يوم أحد، وقد فشا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتل والجراحات، فأخبرهم الله أن القوم أصابهم من ذلك مثل ما أصابكم، [وأن الذي أصابكم] عقوبةٌ قال: وتفسير تلك العقوبة بعد هذا الموضع.

قوله: { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } ، قال: لولا أن الله جعلها دولاً بين الناس ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال الكافر من المؤمن، ويُدال المؤمن من الكافر.
{ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ } * { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ }
قوله: { وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا } أي وليبتلي الله الذين آمنوا { وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } أي يمحق أعمالهم يوم القيامة. قال بعضهم: فكان تمحيصاً للمؤمنين ومحقاً للكافرين.

قوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } هو كقوله:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ }
.. إلى آخر الآية [البقرة: 214].
{ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } * { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ }
قوله: { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال.

إن المؤمنين لما أخبرهم الله بما فعل بمن استشهد منهم يوم بدر ومنازلهم في الجنة في هذه الآية:
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ }
.. إلى آخر الآية [آل عمران: 169-170] لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية رغبوا في ذلك وقالوا: اللهم ربّنا أرِنا قتالاً لنستشهد فيه؛ فأراهم الله إياه يوم أُحد؛ فلم يثبت منهم إلا من شاء الله. نزلت هذه الآية في الشهداء في هذا الموضع قبل هذه الآية: { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } وهي بعدها في التأليف.

وقال بعضهم: قال أناس من المسلمين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف، وكانوا يتمنَّون أن يرَوْا قِتالاً فيقاتلوا؛ فَسِيق إليهم القتال، حتى كان القتال بناحية المدينة يومَ أُحد، فقال الله ما تسمعون: { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }.

قوله: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَايْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } أي إلى الشرك { وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً } أي إنما يضر نفسه. وقد أخبر الله محمداً أنه لا يُقتَل أبداً ولا يُظْهَر عليه بقتل أبداً فقال:
{ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ }
[الإِسراء:60] فمنعتك منهم أن يصلوا إليك. قال: { وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } أي المؤمنين، يجزيهم الجنة.

وقال بعضهم: ذلك يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل، فتنازعوا نبي الله على تفئة ذلك، فقال أناس منهم: لو كان نبياً ما قتل، وقال أناس من علية أصحاب النبي عليه السلام: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به: فقال الله: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } ، أي: كفاراً بعد إيمانكم.
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ } * { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ }
قوله: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً } أي لا تستقدم عنه ولا تستأخر.

ذكروا عن سعيد بن جبير قال: أجله مكتوب في أول الكتاب، ثم يكتب في أسفل الكتاب: ذهب من أجله يوم كذا وكذا. وذهب كذا وكذا حتى يفنى عمره. قال: وهو قوله:
{ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ }
[فاطر: 11].

قوله: { وَمَن يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } هو مثل قوله:
{ مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ }
[الإسراء:18] { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } يعني الجنة، يثاب على قدر عمله، { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } أي المؤمنين.

قوله: { وَكَأَيِّن } أي: وكم { مِّن نَّبيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } يقول: جموع كثيرة. قوله: { رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ }. قال الحسن: علماء كثير. وقال عبد الله بن مسعود جموع كثيرة، وقال مجاهد: جموع كثيرة. وقال بعضهم: الرّبيّون اثنا عشر ألفاً. وبعضهم يقرأها: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ }.

قوله: { فَمَا وَهَنُوا } أي فما ضعفوا في تفسير الحسن ومجاهد. { لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا } وهو كلام مثنى في تفسير الحسن. وقال بعضهم: فما وهنوا: فما عجزوا وما ضعفوا لقتل نبيهم.

وكذلك قال مجاهد. وقال بعضهم في قوله: { وَمَا اسْتَكَانُوا } أي وما ارتدوا عن بصيرتهم، أي: قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. { وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }.
{ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ } * { فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ } * { بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ } * { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ }
قوله تعالى: { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } حيث لَقُوا عَدوَّهم { إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا } أي على أنفسنا، يعنون خطاياهم. { وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ فآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ }. أما ثواب الدنيا فالنصر الذي نصرهم على عدوّهم في تفسير الحسن. وقال بعضهم: الفتح والظهور والتمكين والنصر على عدوهم؛ وأما ثواب الآخرة فالجنة. { وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ }.

قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني اليهود في تفسير الحسن { يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } أي إلى الشرك { فَتَنقَلِبُوا } إلى الآخرة { خَاسِرِينَ }. { بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ } أي وليّكم { وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ } [ينصركم ويعصمكم من أن ترجعوا كافرين].

قوله: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } قال الحسن: يعني مشركي العرب. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر " قوله: { بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ } أي نلقي في قلوبهم الرعب بما أشركوا بالله { مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } أي حجة بما هم عليه من الشرك { وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ } أي: مصيرهم النار. { وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } أي المشركين.
{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
قوله: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ } أي إذ تقتلونهم بإذنه في تفسير الحسن ومجاهد وغيره. { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ }. قال بعضهم: جبنتم { وَتَنَازَعْتُمْ } أي اختلفتم { فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ }.

ذلك يوم أحد؛ عهد إليهم نبي الله عهداً، وأمرهم بأمر، فنسوا العهد. يعني قول النبي لهم: فإن هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين.

وقال بعضهم: خالفوا إلى غير ما أمرهم به فصرف عنهم عدوهم بعد ما أراهم ما يحبون فيهم.

وقال مجاهد: نصر الله المؤمنين يومئذ على عدوهم من المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول، بادية سوقهن، ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم النبي حتى خطبهم على بغلته الشهباء وقال: ربّ اكفنيهم بما شئت.

قوله: { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ }... الآية. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت البارحة كأن علي درعاً حصينة فأوّلتها المدينة، فاكمنوا للمشركين في أزقتها حتى يدخلوا عليكم في أزقتها فتقتلوهم " فأبت الأنصار من ذلك فقالوا: يا رسول الله، منعنا مدينتنا من تبّع والجنود، فنخلي بين هؤلاء المشركين وبينها يدخلونها. فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه. فلما خرجوا من عنده أقبل بعضهم على بعض فقالوا: ما صنعنا؟ أشار علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرددنا رأيه. فأتوه فقالوا: يا رسول الله، نحن نكمن لهم في أزقتها حتى يدخلوها فنقتلهم فيها؛ فقال: " إنه ليس لنبي لبس لامته، أي سلاحه، أن يضعها حتى يقاتل " قال: فبات رسول الله دونهم بليلة، فرأى رؤيا، فأصبح فقال: " إني رأيت البارحة كأن بقراً منحّراً، فقلت بقر والله خير؛ وإنها كائنة فيكم مصيبة، وإنكم ستلقونهم غداً وتهزمونهم، فإذا هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين " ففعلوا؛ فلقوهم فهزموهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاتبعوهم على وجهين؛ أما بعضهم فقالوا: مشركون وقد أمكننا الله من أدبارهم فنقتلهم، فقتلوهم على وجه الحِسبة. وأما بعضهم فقتلوهم لطلب الغنيمة. فرجع المشركون عليهم فهزموهم حتى صعدوا أحداً. وهي قوله: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ } لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم ستلقونهم فتهزمونهم فلا تتبعوا المدبرين ".

قال: حتى إذا فشلتم أي: ضعفتم في أمر رسول الله، وتنازعتم أي: اختلفتم فصرتم فريقين تقاتلونهم على وجهين، وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبّون من النصر على عدوّكم.

قال: { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } قد فسّرناه قبل هذا ونرجع فيه؛ يقول: من يريد الدنيا فهي الغنيمة. { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ } الجنة والثواب { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ } إذ لم يستأصلكم { وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ } الجبل.
أي أُحُداً { وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ } جعل يقول: إليّ عباد الله! حتى خصَّ الأنصار فقال: يا أنصار الله! إلي، أنا رسول الله. فتراجعت الأنصار والمؤمنين.

قال: { فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ } بما قتلوا من إخوانكم من فوق الجبل بالغم الذي أصابهم يوم بدر.

قال الكلبي: هو إشراف خالد بن الوليد عليهم من فوق الجبل. وقال بعضهم: إِذْ تُصْعِدُونَ: صعدوا في الوادي فرأوا نبي الله يدعوهم: إلي عباد الله، إلي عباد الله. [كانوا تحدثوا يومئذ أن نبي الله أصيب]. وكان الهمّ الآخر قتل أصحابهم والجراحات التي فيها. قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلاً: ستة وستون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين.

قوله: { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ } من الغنيمة { وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ } من قتل إخوانكم، إنما همّ كل رجل منكم بقتله في تفسير الحسن. وقال غيره: وما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراح. قال: { وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.