المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : البديل الإباضي وفن الممكن!!


آمنة
16/01/2005, 06:55 AM
البديل الإباضي وفن الممكن

(دراسة تحليلية لنظام العزابة في وادي ميزاب بالجزائر)

الدكتور / علي القريشي..... كاتب عراقي.

وأستاذ مشارك في كلية التربية بصحار .

إصدار / مكتبة الجيل الواعد.

الطبعة 1425هـ - 2004م.

المقدمة:

وادي ميزاب الذي تمثل ولاية غرداية مركزه في التنظيم الإداري للجزائر المعاصرة يتميز بطابعه التراثي وتجربته الاجتماعية التي يقودها نظام أهلي يطلق عليه اسم (العزابة) ،تعود نشأته في بعض مدن المغرب العربي إلى قرون خلت ولم يستمر بقاؤه إلا في الوادي المذكور .

وحيث أن هذا النظام وليد المدرسة الإسلامية الإباضية فإن دراسته ستكون ولا شك وثيقة الصلة بالفكر الذي تعبر عنه هذه المدرسة ، وبالظروف التي واجهت أتباعها في ظل مختلف المراحل.

إن نظام العزابة على الرغم من كونه يعتمد على التطبيق العملي المستند إلى الشرعية الدينية والتوافق الشعبي وإسهام المنظمات الأهلية إلا أنه لم يباشر ممارساته في ظل الواقع الراهن إلا وفقا لقاعدة ( ما لم يدرك جله لا يترك كله ) الأمر الذي جعل من منهجيته تقوم على المبادرات السلمية وتبتعد عن رفض فكرة تأجيل أكثر المشاريع إلى مرحلة التمكن كما هو الأمر المتبع عند بعض الاتجاهات الإسلامية الأخرى.

وإذا كان منهج العزابة يصنف ضمت الاتجاهات الإصلاحية أي أن طابعه العملي ومبادراته الميدانية المتنوعة التي تتميز بالأصالة والفعالية وروح الاستمرار يكسب جملة من المزايا الحركية في مقدمتها تكوينه لمجتمع ملتزم ومتكافل وبناء على غير صعيد وعلى حو نفتقر إلى مثله كثير من الحركات التغييرية المعاصرة ، لهذا فإن دراسة مقومات هذه التجربة وتأمل مفرداتها الإبداعية والعكوف على مجمل ما قدمه الإباضية من طروحات على مدى تاريخهم القديم والحديث بعيدا عن الأفكار الاقصائية التي رسخها كتاب افرق في تراثنا الإسلامي لكفيل بإثراء مدرسة التغيير وإعادة البناء في واقعنا الراهن ، فضلا عما يمكن أن يتأتى من ذلك تنشيط لفكرة الاعتماد المتبادل التي نقترحها كأحد مداخل التفاهم والتقريب بين الأطراف الإسلامية .

لقد اقتضى مني هذا البث أن أبدأ بالحاضرة التي تحتضن نظام العزابة على صعيد بنيانها المعماري ونمطها الاجتماعي الخاص لأنتقل إلى أبرز مقومات هذا النظام وأعم أبعاده التنظيمية والتربوية والاجتماعية ثم أختم ببعض الملاحظات التقويمية التي لا بد منها عند تناول أية تجربة إنسانية حتى وهي تستلهم الإسلام منهجا وتطبيقا .

وإذا كان هذا البحث المتواضع قد بدأت به إثناء إقامتي في الجزائر قبل أكثر من عقد من الزمان وعالجته عبر الاقتراب من مصادره المباشرة وبيئته الميدانية على نحو يمنح بعض الطمأنينة على صعيد الوفاء بشرط الموضوعية إلا أنه مع ذلك يظل مجرد محاولة أولية تحتاج إلى التدقيق والمزيد من التوسع والتعميق .

يتبع........

آمنة
16/01/2005, 06:57 AM
وادي ميزاب : التأريخ والحاضرة

في الجنوب من العاصمة الجزائرية وفي صدر الصحراء الكبرى تتسلق بهدوء مجموعة من المدن الصغيرة على أكتاف عدد من الربوات الصخرية تأخذ أسماء هي : " العطف"، و " مليكة " و " وبني يزقن" ،و " بنورة" و" بريان" و" القرارة" و" غرداية" ، انضوت جميعا تحت مظلة الأخيرة أكبرهن ومركزهن في التنظيم الإداري الحديث.

على الرغم من المناخ الحار الجاف لوادي ميزاب لا ينقطع عنه السواح ساعة ، حيث يأتونه من مختلف أنحاء العالم نظرا لما يتمتع به من قيمة أثرية وطابع تراثي وخصوصية اجتماعية حيث تجعله منارة تجذب عشاق الثقافة والتاريخ والصحراء .

وإذا كان بعض الباحثين مثل بوتي " pauty " ولينسر "lassner " يقسمون المدن الإسلامية إلى مدن "ذاتية" تنمو وتتطور في فترات تاريخية طويلة نتيجة للعديد من الظروف والعوامل ، ومدن " مخلوقة " يتم إنشاؤها ابتداء بأمر الأمير أو الدولة (1) إن وادي ميزاب من النوع الأول ، إذ بعد أن كان مرتعا للماشية ، وسوقا يرتاده البدو كانت فلول الإباضيين الذين هجروا أماكنهم إثر سقوط الدولة الرستمية في" تياهرت" عام 296هـ على يد العبيديين تتوجه نحو المكان فوجا فوجا ، ولم يحل عام 402هـ حتى تأسست مدينة " العطف " وابتداء من القرن الخامس الهجري أخذت تستقبل المنطقة مهاجرين بربر وعرب يفدون إليها من مختلف بلدان المغرب: الجزائر " ورقلة وسدراته" وتونس " جزيرة جربة" وليبيا " جبل نفوسة "والمغرب " الساقية الحمراء وتغيلات " وكان يجمع هؤلاء الناس الشعور الموحد بالمعتقد وتحدو بهم مشاعر الاغتراب والبحث عن حقهم في الحياة وإن كان في واد غير ذي زرع أو بعيد عن العمران .

تتشكل شبكة ميزاب من هضبات صخرية جرداء تتخللها أودية تجتاحها السهول ولكن بصبر وأناة تحولت المنطقة إلى واحات تمددت فيما بعد لتحتضن الآلاف من شجر النخيل وغيرها من الأشجار والنباتات الأخرى ، وليصبح الوادي بلدا عامرا بالناس والزراعة والتجارة والصناعة والسياحة وأن يكون أحد أهم المعاقل المنيعة للثقافة العربية والإسلامية .

يتبع.........

آمنة
16/01/2005, 06:59 AM
الإباضية والوادي

يمثل المذهب الإباضي القاعدة التفسيرية لشخصية وادي ميزاب سواء من حيث النشأة أو القسمات أو النظام أو فيما يتسم به خصوصية واستمرار ، لهذا لا بد من إلقاء نظرة سريعة على هذا المذهب .

ينسب المذهب الإباضي السائد في وادي ميزاب إلى أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني الأصل والبصري النشأة والمتوفى في العام 97هـ ، لكن الإباضية عرفوا باسم أحد رجال المذهب المشهورين ويدعى عبد الله بن إباض التميمي الذي عاش في زمن عبد الملك بن مروان.

وإذا كان الإباضيون ينسبون إلى "الخوارج " فإن إباضية اليوم ينفون عن أنفسهم هذه النسبة " التهمة " ويردون بأنهم أتباع أحد المذاهب الإسلامية المعتدلة التي ترفض المقولات الخارجية المتطرفة كمقولة التكفير ونحوها(2) .

وعلى الرغم من أن حادثة التحكيم التي جرت بين الخليفة علي بن أبي طالب ووالي الشام معاوية بن أبي سفيان لا تعدوا أن تكون أكثر من واقعة تاريخية يتموضع الرأي فيها ضمن حقل المتغيرات التي تقبل في طبيعتها التداول والتغاير ، نجد المذهب الإباضي يتأسس انطلاقا من تقويم معارض لقبول التحكيم كان قد صاغه عبد الله بن وهب الراسبي الذي قتل في معركة النهروان والذي أضحى موقفه بمثابة الإطار العام لما عرف فيما بعد بالإباضية.

ومع ذلك يجب أن نوضح بأن الإباضيين ما فتئوا يؤكدون اعتزالهم فكر الفرق المتطرفة كالأزارقة وأمثالهم ، بل أن ألمع كتابهم المحدثين وأعني به علي يحيى معمر " 1915-1979م" حاول تفنيد مقولة أن الإباضية يكفرون عليا ، وأورد عن الشيخ " بن تعاريت" الجربي " الإباضي " في متابه " المسلك المحمود في معرفة الردود" على هذا الإدعاء ما نصه " كيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام أن يكفر صهر نبيه عليه السلام الذي لم يسجد قط للأصنام " ثم يشير إلى ما أشار إليه من آيات وأحاديث وردت في حق علي وأهل بيته الكرام الدالة " كما يقول الجربي " على فضله عموما وخصوصا ، وكيف لا ؟ وقد كان أفصح من تنفس وتلا ، وأكثر من شهد النجوى ، سوى الأنبياء والنبي المصطفى ، صاحب القبلتين فهل يوازيه أحد وهو أبي السبطين ؟ مع أن كتبنا – لله الحمد – طافحة بالرواية عنه وبالثناء عليه (3)

والحق أن الدارس للمذهب الإباضي عقائدا وأصولا وفقها ومنهجا سوف لا يجده يختلف كثيرا عن بقية المذاهب الإسلامية ، بل قد يكتشف أنه يمثل محطة تتلاقى عندها معظم تلك المذاهب على أكثر من معتقد وأصل واجتهاد .

حتى نقطة الخلاف المركزية التي بني عليها المذهب " والتي أشرنا إليها قبل قليل" تعرضت لبعض التكييف على نحو ما فعله العالم المبرز الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض " 1897-1981" وهو في معرض دروسه القرآنية حين التمس العذر للإمام علي في قبول التحكيم وفسره (4) بأنه قد تم خضوعا لرأي الأغلبية (5).

وأيا كان الأمر يظل هذا المذهب واحدا من المدارس الإسلامية التي يتيحها مبدأ " التنوع في إطار الوحدة " ذلك المبدأ الذي يمثل أحد مؤشرات المرونة والخصوبة في الإسلام .لذا لا غرابة أن يظهر وادي ميزاب بخصوصية تلون آفاق حياته الإسلامية وتعمرها بالجد والاستقامة والتنظيم والكفاح .
ولعل الزائرين لمدن الوادي سيلفت انتباههم أول ما يلفت تلك الطبيعة الخاصة للتكوين المكاني والنمط المعماري المتفرد.


يتبع........

آمنة
16/01/2005, 07:02 AM
العمارة الميزابية وتعانق المبنى بالمعنى:

إذا كان الإسلام ونظمه وأحكامه تمثل المحور الأساس الذي تدور حوله المدينة الإسلامية القديمة بجوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وأيضا بشكلها المادي الذي يمثل " وعاء المدينة" (6)، فأن وادي ميزاب لا يخرج عن هذه الخاصية التي ظلت تجلياتها حية ولم تتعرض إلى المحو أو التشويه مثلما تعرضت لها في غالبية مدن العالم العربي والإسلامي ، من هنا حافظت مدن ميزاب على خصوصيتها التي تنطوي على أكثر من بعد :

- البعد الديني :

من يزور غرداية وأخواتها الست سيلفت انتباهه ذلك التكوين الهرمي الذي يشكله انتصاب المئذنة التي يقف فوق قمة الربوة فيما يتربع المسجد كالحارس الأمين وحوله المنازل تنداح دوائر متماسكة تحت سمع وبصر المئذنة (7).

إن الميزابيين اختاروا أن يكون المسجد في قلب المدينة دام يمثل موئلهم الروحي وعقلهم الفعال ، خاصة وأن مهامه لا تقتصر على إقامة الصلاة وأداء العبادات ، بل تمتد إلى المهام الاجتماعية ، لهذا كان انضواءهم تحت لوائه فيه ما يرمز إلى الاعتراف بمرجعيته التامة ودوره الواسع الذي ليس له مثيل في أي مكان آخر .

إن جلال المسجد الميزابي دفع بالمهندس " الكوربيزيه" أن يقول في كتابه " نحو عمارة عصرية " : " عندما تقل في رأسي أفكار البناء أذهب إلى المسجد في غرداية حيث أجلس في ساحته لتواتيني الأفكار ".

لقد كان من شدة تأر "بيزيه" هذا بمسجد غرداية أن نقل تصميمه الداخلي وتفذه في كنيسة "رون شون" في مقاطعة " بيرباتي الفرنسية " .
ويتجلى البعد الديني والاجتماعي في بناء منازل الوادي بما يراعى في هندستها من " مبادئ الستر والحرمة " كما في ظاهرة عدم تقابل أبواب الجيران لبعضها ، وفي التكوين الذي لا يتيح النظر لمن في الداخل ، بل أن البيوت تظل مصانة ولو من مزاحمة المحلات التجارية التي لا يجوز أن تتداخل معها معماريا ، ذلك أن لكل مرفق حدوده .

أما مبدأ " الترابط الاجتماعي" فيلحظ في تناسق المنازل وتساندها ، فإذا كان ابتعاد المنازل بعضها عن بعض في العمار الحديثة فيما يوحي بالفردية ، فإن لتلاصق في المنازل الميزابية يدل على روح جماعية توحد السكان وتمتد في ظلالها المدينة كلها ، حتى لترتبط التكوينات المعمارية على نحو عضوي متكامل في سائر المكان ، وهي في الحق سمة المدينة الإسلامية التي تبدو " كدار واحدة " بحسب صياغة ابن الربيع في كتابه " سلوك المالك في تدبير المالك"(9)، ناهيك عن مبدأ المساواة الذي يمكن ادراكه من خلال نشأة المنازل التي لا يختلف بعضها عن البعض الآخر إلا من حيث المساحة ، ويتجلى هذا أيضا في عدم ارتفاع منزل عل آخر كي لا يحجب مرتفع الشمس أو الهواء عن منخفض ، وفي هذا يتجلى أيضا تطبيق قاعدة " لا ضرر ولا ضرار" .أما بقاء المنازل بعيدة عن مظاهر الترف والتباهي أخذا بمبدأ التقشف والاعتدال فهو أحد سمات المعمار هناك .

لقد أخذت تلكم الملامح العمرانية تأصيلها فيما وضعه الشيخ محمد بن يوسف اطفيش " 1818-1914م" في كتابه" شرح النيل في شفاء العليل" وفي هذا تأكيدا للمقولة السائدة في الدراسات المعمارية التي تقول بعلاقة نظم العمارة في المدينة الإسلامية بالتفكير الإسلامي والأحكام الشرعية .

يتبع..........

آمنة
16/01/2005, 07:03 AM
-البعد الأمني :

نتيجة للظروف السياسية والعقيدية التي اكتنفت نشأة مدن الوادي وبفعل ما كانت تتعرض له المنطقة من غارات يشنها البدو تارة والسلطة المركزية تارة أخرى " مثلما حدث في عهد ملوك الحفصيين" درج المهندس الميزابي على أن يضع في اعتباره المقتضى الدفاعي سواء في بنناء المنازل أو في تخطيط الطرق أو في الإنشاءات الأخرى . فالنتجول في النواحي القديمة للولاية سيرى نماذج من حيل الدفاع والتكتيك الهندسي الحربي حيث تتلوى الطرق التواء لا يبدو له من مبرر ، حتى أن الغريب لا يعرف كيف تتلوى تلك الطرق ، ولِمَ تبعج في هذه الزاوية ولا تنحسر في الأخرى ، وتهرب عن الدرب في الثالثة ، ولا متى تنتهي ، أو لماذا تتضايق المسافات بين انعطافة وأخرى (10).

ووفقا للتكتيك الأمني المذكور يتم تسقيف المساحة من عرض بعض الطرقات في أماكن معينة ، وللمقتضى نفسه سورت مدن الوادي بأسوار يصل سمكها إلى متر في الأسفل مع ارتفاع يصل إلى ثلاثة أمتار وبطول يبلغ في بعضها حوالي " 2500م" كما في سور مدينة " يزقن " الذي يرجع بناؤه إلى "1860-1868م" .

والزائر لهذه المدن سيشهد أيضا عددا من الأبراج المبنية فوق أعالي المرتفعات بطوابق أربعة أو خمسة وضمن مواقع يتم اختيارها بذكاء وهي تقابل بعضها البعض بحيث يتاح للحرس إعطاء الإشارات الضوئية التي تساعدهم على نقل إنذاراتهم من برج إلى آخر بأسرع وقت لحظة تعرض المدينة إلى الخطر (11).

يتبع..........

آمنة
16/01/2005, 07:06 AM
البعد البيئي:

إذا كان للاعتبارات الدينية والأمنية أدوارها في النظام المعماري للمدينة ومنازلها ، فقد لعبت الظروف البيئية الصعبة دورا آخر في ذلك ، فالمنطقة وهي تعاني من سيل الوادي في الأسفل فقد اقتضى الأمر أن يكون التشييد على ظهور المرتفعات والروابي ليكون السكان بمنئى عن جرف السيول إذا ما اجتاحت المنطقة .

ويتجلى تناغم البناء والبيئة بتلبية المعمار السكاني لمتطلبات المناخ إن كان في صيف أو في شتاء ، ففتحات البيت القديم تتبع حركة الشمس وتتيح دخول أكبر نسبة منها في الشتاء وأقل في الصيف ، كما أن عمارة المدينة صممت بحيث تبقى رطبة وأن يتاح لضوء السمي بالتسلل ليمنح الدروب الضوء المطلوب.

فضلا عن أن المواد الأولية للبناء يتم تحضيرها مما هو متوفر في البيئة نفسها ، الأمر الذي يجعل من المعمار الميزابي مستوف لما نادى به المهندس المصري المعروف حن فتحي في " عمارة الفقراء " تلك العمارة المكتفية مادة وبناء بما هو متوفر في البيئة المحلية من مواد وتقنية وعلى نحو ما تستلزمه الظروف المناخية والاجتماعية من تنظيم وتشكيل .

ولا ننسى أن نشير إلى أن تشييد السدود الضخمة وإقامة السواقي العديدة التي عرفتها المنطقة ، والتي لا زال بعضها قائم منذ إنشائه قبل قرون حتى الآن ، فيه ما يدل على وعي السكان بمقتضيات الوضع البيئي وما يمليه مطلب الاستمرار من شروط.

يتبع.........

آمنة
16/01/2005, 07:07 AM
-البعد الجمالي:

على الرغم من أن البعد الجمالي لم يكن بارزا في العمارة الميزابية بحكم سيطرة الأبعاد الأخرى ، أي أن الجمال فيها ينبثق تلقائيا من خلال سيادة نزعات التنظيم والبساطة والتناسق والهدوء في الألوان ، فضلا عن النظافة التي تتجمل بها المنازل والمدينة على الدوام ، ومع ما يراعى من قواعد صحية في الإنشاء والتنظيم.

كما أن الجمال يستق من كليات المكان حيث لاتجد شذوذا في علاقات العناصر المعمارية والطبيعية والزراعية، كأن كل ذلك صنع على مقياس الإنسان كما يقول المصور الفرنسي " كلود بوفار" الذي فتن بتصوير ملامح الوادي (12).
ناهي عن الجمال بمضامينه المعنوية التي تمثل بعدا آخر للجمال في منظوره الإسلامي والذي يمكن تلمسه عبر مؤشرات عديدة منها على سبيل المثال تلك اللافتة التي تستقبل زوار مدينة يزقن وهي تنبههم إلى ضرورة عدم التدخين في الشوارع ، وعدم تصوير المارة دون إذن ، وعدم ارتداء النساء لملابس القصيرة التي قد تعكر صفو الصورة وهدوء المكان .

إن ثمة تناغما بين المبنى والمعنى وترابطا بين الخصوصية ومستلزمات الدين والبيئة والواقع الاجتماعي على النحو الذي يدل على عبقرية الجماعة بما امتلكته من قدرة على تكوين الاستجابة المناسبة التي من شأنها صناعة الحضارات .

لقد لفتت هذه العمارة انتباه المتخصصين والسواح والصحفيين الأجانب ، ولا عجب أن تعلن منظمة اليونسكو منذ العام 1985م وادي ميزاب جزءا من التراث العالمي ، وبالتالي اعتباره محمية ثقافية تنطوي على تراث إنساني يستحق العناية والاهتمام ، ولم يكن السكان أقل وعيا أو حرصا على نظام المدينة المعماري من غيرهم لذا حين جرت محاولات في نهاية العقد الثامن لإنشاء عمارات حديثة أوربية الطراز جوبهت من قبلهم بالرفض الشديد ، لا لمجرد الحرص على طاب المدينة المعماري وحمايته من التشوه ، بل لاعتقادهم أن تغيرا كهذا من شأنه أن يجلب معه مضارا اجتماعية هم في عنى عنها .

لقد تعانقت العقيدة مع الربوات والصخور لتزدهر شجرا ومعرفة ومعمارا وجمالا بسيطا آسرا يحضنه ويحركه منذ البدء نظام اجتماعي تفرد به وادي ميزاب ، نعني به " نظام العزابة " الذي سنأتي عليه في الحلقة القادمة إن شاء الله .

يتبع..........

السعيد الوحيد
16/01/2005, 07:49 AM
اكملي اختي ..

فأنا متابع معك هذا الموضوع حتى الان ففيه معلومات قيمة .

وجزاك الله الف خير .

محب الصلاح
16/01/2005, 08:36 AM
بارك الله في الأخت آمنة ونحن في انتظار المزيد بإذن الله .

آمنة
17/01/2005, 04:38 PM
جزيتم خيرا ........ وسأكمل بإذن الله.

آمنة
17/01/2005, 04:40 PM
نظام العزابة : البديل الإباضي وفن الممكن

كلمة " العزابة " من العزوب وتعني لغويا الانقطاع ، أما في الاصطلاح الإباضي فتعني الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة (13) عبر نظام يتشكل من حلقة " هيئة " مركزية يتراوح عدد أعضائها ما بين 10-16 شخصا يتم انتخابهم وفقا لشروط الصلاح والعلم والكفاءة ، ويرأس الحلقة أكبر العلماء وأبرزهم في ميزاب ويطلق عليه " شيخ العزابة " وتتفرع من الحلقة المركزية حلقات أخرى تتوزع على مدن الوادي وقراه.

ويعتبر المسجد في العادة هو المركز الذي تباشر من خلاله العزابة مهامها التي تمتد إلى مختلف شؤون الحياة وحقولها ، فالعزابة تمثل إمامة صغرى في ظل مرحلة " الكتمان"(14) التي يصعب معها إقامة الكيان السياسي الإسلامي المستقل .
يتميز رجل العزابة بسمته الخاص الذي يعرف بالملابس البيضاء والعباءة أو القشابية مع الطاقية والشاش فضلا عن اللحية المعفاة.

يعود تأسيس هذا النظام إلى الإمام أبو عبدالله محمد بن أبي بكر النفوسي "345هـ-440هـ" الذي بدأ به في جبل نفوسة بليبيا بصفته حركة تربوية ومؤسسة تعليمية ، ثم انتقل إلى جزيرة جربة بتونس حتى استقر في ميزاب بالجزائر منذ العام 409هـ ، وهنا وبعد مدة تجاوزت مهامه الشؤون التربوية والأحوال الشخصية إلى مختلف الشؤون الاجتماعية والاقتصادية ، فضلا عن أمور الحسبة والضبط الاجتماعي .
ويعد شيخ العزابة في هذا النظام الإمام الأكبر في المجتمع ، إلا أنه لا يطرح مشروعا أو يتخذ أمرا دون مشورة أعضاء الهيئة التي تجتمع بشكل دوري وربما بشكل استثنائي في الحالات الطارئة .

وإذا كان نظام العزابة لا يمثل سلطة بالمعنى الحقيقي ، إلا أنه يستمد قوته مما يملكه من تأثير روحي وقبول اجتماعي ، حيث يتربى الفرد الميزابي على احترام رؤساء العزابة وطاعتهم ، لذلك ما أن يصدر عنهم أمر في أي شأن ، كتحديد المهور أو الأسعار أو إعلان الموسم الزراعي أو غير ذلك إلا ويبادر الجمهور إلى التقيد بالأمر والعمل بموجب توجيهاته وفي الحالات التي قد يتمرد فيها البعض تلجأ هيئة العزابة إلى الاعتصام بالمسجد لممارسة الضغط حتى يتراجع المعاندون (15).

وإذا كان هذا النظام قد اندثر في كل من جبل نفوسة وجزيرة جربة ، فإنه ظل مستمرا في وادي ميزاب حتى الآن ، إلا أن فعالياته وصلاحياته كانت تقوى أو تضعف ، تتسع أو تتقلص بحسب متغيرات الظرف السياسي العام وما يحكم المجتمع المحلي من متغيرات ، كما أن قدرته على تجديد نفسه متوقف على تمط القادة الذين يتناوبون على رئاسته ومستوى وعيهم العام .لهذا فقد شهد انتعاشا في ظل شخصيات مثل الشيخ محمد يوسف اطفيش الملقب بقطب الأئمة " 1818م- 1914" الذي اشتهر بتفسيره للقرآن وبتآليفه المتعددة ، كما شهد تطورا في عهد الشيخ بيوض " 1897-1981م" الذي عد من رجال الإصلاح والتجديد وعرف بعضويته في جمعية العلماء الجزائريين في عهد الشيخ عبد الحميد بن باديس ، كما اشتهر بتفسيره المسمى " في رحاب القرآن " الذي تميز بمنهجه الموضوعي ومنحاه الحركي.


يتبع.........

آمنة
17/01/2005, 04:42 PM
مؤسسات العزابة

تساعد هيئة العزابة مؤسسات فرعية أو نوعية أهمها :

- مجلس العشيرة : يتألف هذا المجلس من شيوخ العشائر وأعيانهم ، وهو لا يعبر عن العشيرة بمعناها العصبوي الضيق ، بل يعنى بمعالجة الشؤون الاجتماعية كمواجهة الانحرافات وفض النزاعات ورعاية الأرامل واليتامى والعزة والمجانين والعاطلين من أبناء العشيرة التي تمثل الوحدة الاجتماعية السائدة في ميزاب .

-رجال الحراسة ( المكاريس) : " هؤلاء بمثابة السلطة التنفيذية والأمنية ، حيث يقومون بأعمال الحراسة والدفاع والنجدة والمطافئ وإرشاد الزوار وحماية الأمن والآداب العامة والإشراف على الأشغال العامة وحملات تصريف المياه والسيول وحفر الآبار وتنظيم السواقي والقنوات وتقسيم المياه وتوزيعها ، فضلا عن أعمال الحسبة وقيادة العمل التطوعي المشترك .
ولعل أبناء المحاضر " الكتاتيب" " ايسمطوردان" يشكلون النواة الأساسية لهؤلاء الحراس والشباب .

-منظمة الطلاب " ايروان" : تتشكل هذه المنظمة ممن يستظهرون القرآن ، وهي بمثابة " الكشافة " وهم الأقربون إلى هيئة العزابة يساعدونهم في بعض المهام ، بل أن أعضاء العزابة يتم اختيارهم في المستقبل من بين هؤلاء (16).


-الغاسلات " تمسردين" : وتمثل هذه الهيئة الشق النسائي من العزابة ، وهي تباشر أنشطتها في الوسط النسائي منذ القرن التاسع الهجري حتى الآن ، حيث تشرف على النواحي التربوية والاجتماعية ، وتعنى بشؤون الأفراح والمآتم ، فضلا عن غسل الموتى من النساء والأطفال ، وهو النشاط الذي استمدت منه اسمها.


يتبع....

المعافري
17/01/2005, 05:56 PM
شكرا لآمنة ووفقك الله دائما :)

آمنة
17/01/2005, 10:19 PM
التربية والتعليم الحر : خط البداية في حركة العزابة :

يعد الموضوع التربوي والتعليمي حجر الزاوية في بناء العزابة والاهتمام الأول الذي انشغل به نظامها منذ أن تأسس.
وتستمد فلسفة التعليم رؤيتها من القيم الدينية والأهداف الإسلامية في نشر الأخلاق وإقامة التوازن الاجتماعي عبر ترسيخ مبادئ " التعاون" و" التكافل " و" العمل المشترك" والحفاظ على الهوية والخصوصية ، والتأسيس لكل سلوك إيجابي يصب في خدمة الفرد والجماعة معا.

من هنا كان الاهتمام بالبعد التربوي كبيرا حتى أن شعار " معهد الحياة" أكبر معهد إباضي في ميزاب ، هو " التربية قبل التعليم ، والخلق قبل الثقافة ، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد".
تشمل مفردات المنهج على تعليم القرآن وعلوم الشريعة من عقائد وفقه وتفسير ولغة عربية ، وما يضاف إلى ذلك من علوم حديثة ، والعربية هي لغة التدريس على الرغم من أن معظم السكان يرجعون إلى أصول بربرية ، الأمر الذي ترك أثره الفعال في عملية التعريب على نحو ما لم يحدث مثله في باقي مدن الجزائر ، فالقو يؤمنون بأن العربية هي أحد مقومات شخصيتهم الإسلامية حتى أن الأحزاب القومية البربرية الحديثة تواجه صعوبة بالغة في استقطاب المزابي إلى صفوفها.

وإذا كان الغالب في طرق التدريس وأساليبه إتباع الطرق التقليدية ، إلا أنه على المستوى الفني " البيداغوجي" لا يخلو المنهج المتبع من الالتفاتات التربوية المتقدمة كالأخذ بـ" مبدأ الفروق الفردية" واللجوء إلى " التربية الخاصة" بالنسبة للمعوقين ، والاهتمام بـ" النشاط اللاصفي" عبر الرحلات والعمل والتدريب.

أما مؤسسات التعليم فهي : المحاضر"الكتاب" الملحقة عادة بالمساجد، ويسمى حفظة القرآن من طلبة هذه المحاضر " ايروان " بينما يسمى غير الحفاظ " أمصوردان" ثم المدارس والمعاهد الحرة التي تجمع بين القديم والحديث والتي أسهمت في إنشائها الجمعيات الخيرية الإسلامية كرد فعل على المدرسة الفرنسية ، ويعد " معهد الحياة " في " القرارة " أكبرها ، وكذلك بيوت العلم التي ينهض بها العالم الذي يجمع بين العلم والتربية ويجعل من بيته مدرسة يؤمها الصغار والكبار.

تلك مسيرة جرت في وادي ميزاب منذ قرون وما زالت ، وقد أنجبت عشرات العلماء والمؤلفين والأدباء وتركت آلاف المخطوطات (17).
إن التعليم يخضع بوجه عام لإشراف العزابة ، ويمول عادة من قبل التجار والمحسنين لهذا فهو " مجاني" ، كما يتضمن " نظم المنح" و" البعثات الدراسية" إلى الخارج لمن تعجز أسرته عن التكفل بأجور الدراسة ومصاريفها.

ومن الجدير بالذكر أن الإدارة التعليمية تتعهد بإقامة أقسام داخلية للطلبة المغتربين ، والطلاب في هذا النظام الحر ملزمون بارتداء زي تقليدي موحد ، كما أن التعليم يشمل الذكور والإناث، والصغار والكبار ، فهو أساسا فريضة دينية لا غنى عنها ، ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة انخفاض الأمية في مجتمع الوادي.


يتبع.........

ALFARES1
17/01/2005, 10:43 PM
وفقك الله لما يحب ويرضى... شكرا على اعلامنا بالموقع

آمنة
18/01/2005, 12:26 PM
الجمعيات الخيرية : حصون الهوية ومعامل التشكيل :

ينشط في وادي ميزاب عدد غير قليل من الجمعيات الثقافية والاجتماعية أهمها : جمعية الإصلاح في غرداية "1928"وجمعية الحياة في القرارة "1927" وجمعية النهضة في العطف "1945" وجمعية النور في بنورة "1945" وجمعية الاستقامة في بني يزقن "1946" وجمعية الفتح في بريان "1947" وجمعية النصر في مليكة "1960" ولا زالت هذه الجمعيات تمارس دورها في خدمة الثقافة العربية والإسلامية وتعمل على الحفاظ على اللغة العربية والشخصية الإسلامية ، وتسهم في نشر المعرفة وتثقيف الناس ، وتسعى لحماية الشباب بوجه خاص من أي تلوث فكري ، أو انحرافات سلوكية ، ويرجع الفضل لهذه الجمعيات في بناء الكثير من المدارس والمعاهد والنوادي والمكتبات والمساجد ، فضلا عن اهتمامها بإرسال المبعوثين إلى حواضر عربية كتونس والقاهرة ودمشق وبغداد للنهل من ينابيع المعرفة العربية والإسلامية هنالك (18).

كما تعمل على إقامة الندوات الدينية والثقافية ، وتقيم الندوات وتحرر البحوث وتصدر المجلات النشرات بالإضافة إلى عنايتها بالأنشطة الرياضية والكشفية والفنية ، وفي هذا يقول الدكتور تركي رابح : " إن الجمعيات في وادي ميزاب قد استطاعت أن تنهض بعبء التعليم الحر في هذه المنطقة من البلاد وأن تكون من المدارس والمعاهد والنوادي والمكتبات الثقافية والمساجد الحرة التي تعنى بالتعليم إلى جانب الشعائر الدينية ما جعل منطقة وادي ميزاب تموج بنهضة ثقافية عربية إسلامية كبيرة ، وبذلك أنقذوا منطقتهم وشبابهم من خطر الفرنسة والتفسخ الأخلاقي والانحلال الاجتماعي الذي كان يهدد الجزائر كلها "(19).
لقد كان للتعليم والتثقيف الديني الذي أخذ الميزابيون بأسبابه قديما وحديثا أثره البالغ في بث روح اليقظة وإكساب المجتمع الميزابي فعالية عالية عرف بها وهي من أبرز سماته .

يتبع.....

آمنة
19/01/2005, 08:17 PM
الاحتراف والتويزة والضمان : قواعد سحرية في عمليات البناء:


من الأسس التي أستند إليها المجتمع الميزابي والتي لعبت دورا فعالا في تذليل صعوبات عيشه الأخذ بمبادئ " العمل " و" التعاون" و" التويزة" و" التكافل" و " التعاضد " والتي تجلت في العديد من الظواهر منها : مشاركة الجماعة في بناء منازل الأفراد ، أو إقناع من يملك أكثر من دار للتنازل عن أحدها ولو مؤقتا لمن لا يملك ،أو انضواء فقراء العرسان تحت ملة العرس الذي يقيمه أقدرهم ، أو استيعاب صاحب العمل لأكثر مما يحتاج من عمال إسهاما منه في تشغيل من هو عاطل ، أو المساعدة على تزويج العزاب وعدم المبالغة في المهور ، أو تقديم العون للغارمين ممن أفلس أو خسر في عمله وغير ذلك .

وعلى صعيد العمل يبرز مفهوم " العمل الجماعي المشترك " و" مبدأ التطوع " في سياق الجهود التي تصب في خدمة المصلحة العامة وتحقيق النفع العام ، وهذا ما يلحظ تجسيده في الإسهام في حفر " الأفلاج " وبناء السدود والأسوار وإقامة البنايات وحفر الآبار وإصلاح الطرق وتنظيف المدينة والاشتراك في حملات الغرس ومواجهة كوارث السيول وهجوم الجراد وإيقاف زحف الرمال ونحو ذلك .

بهذه الروحية استطاع الميزابيون أن يحفروا في واحاتهم ما يزيد على أربعة آلاف بئر ومائة (20) يتراوح عمق الواحد منها ما بين " 25 إلى 80 متر " وأن يغرسوا حوالي مائتي ألف نخلة (21) تتفيأ بظلالها أشجار الفواكه والخضروات والبقول وغيرها ، فضلا عن تعميرهم المدينة بشكل ذاتي في العديد من الأشغال البلدية والتنموية المختلفة .

وإذا كان " المكاريس " يقومون بدور بارز في مثل هذه الأنشطة العامة ، إلا أن العمل المشترك كقيمة عليا بلغ من أهميته أن من كسل عن الإسهام فيه يغدو محل تعبير وسخرية من قبل النساء والأطفال ولا يمكن أن يحضى بأي احترام اجتماعي (22) ، لأن كل فرد لا بد أ يخدم المجموع.

والحقيقة أن هذه القيم الاجتماعية التي انغرست في عقل ووجدان سكان الوادي لم تكن لتتم بمعزل عن العقل المنظم والتخطيط الاجتماعي ، فمنذ لحظة التأسيس والسكان درجوا على تقسيم أنفسهم إلى مجموعتين : واحدة تمكث في الوادي تزرع وتعلم وتسهم في البناء الاجتماعي ، وأخرى تسافر إلى الشمال حيث مدن الجزائر ووهران وتونس وغيرها لرفد الداخل بالمال والاستثمارات البانية ولا زالت هذه المنهجية قائمة حتى اليوم (23)

أما مبادئ الرعاية والتكافل والضمان الاجتماعي التي يتم تجسيدها من خلال إدارة العزابة ، فتمتد إلى مختلف الفئات الضعيفة من فقراء وأرامل وأيتام ومعوقين ومجانين ومعوزين ، وتشكل أموال الزكاة والصدقات مصادر أساسية في تحقيق الأمن المعيشي لهذه الفئات ، كما تلعب " أوقاف المقابر " أي ما يتركه الموتى من أموال يتصدق بها أهليهم بحسب الوصية دورا في ذلك ، وتحث العزابة كثيرا على التبرع أو تقديم الصدقة ولو بالقليل المتيسر وفي هذا – كما لا يخفى – يعد تدريبي على فعل الخير وحث على المشاركة في علية التكافل الاجتماعي ، كما أن ثمة رعاية نوعية يوليها النظام للمهاجرين والمسافرين من أبناء المنطقة ، وذلك عبر ما يهيئه لهم من دور خاصة تبنى في أماكن الاغتراب تسمى الواحدة منها " دار العرش" (24) ، وليس الإهتمام بتأسيس هذه الدور نابع من منظور اقتصادي فحسب ، بل يستهدف أساسا إيجاد البيئة المناسبة التي تربط المغترب بمنبته وتحول دون وقوعه في حبال الغواية أو الانحراف .

إنه على الرغم من الفقر الطبيعي للمنطقة استطاع الأهالي عبر تمجيدهم للعمل وولعهم بالإنتاج وتعاونهم الفذ وتضامنهم وروحهم التطوعية أن يبعدوا عن مجتمعهم شبح الجوع وأن يحققوا لهم عيشا كريما آمنا لا يعرف المفارقة أو الصراع .


يتبع.......

أبو مجاهد
20/01/2005, 03:52 PM
بارك الله في جهودكم ونعدكم بتثبيت الموضوع بعد استكمال نشره

مهنا بن راشد السعدي
20/01/2005, 06:56 PM
بارك الله فيك وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك

وكل عام والجميع بخير وعيدكم مبارك

آمنة
20/01/2005, 10:16 PM
رعاية النخلة والبستان واقتصاديات الإنتاج الحيواني والصناعي:

منذ القديم والميزابي يولي اهتمامه البالغ بالنخلة حتى لتكاد أن تكون ثمة توأمة بين الاثنين ، لهذا ازدهرت أماكن الميزابيين بهذه الشجرة المباركة التي لا يخفى دورها في تحقيق الأمن المعيشي خاصة بالنسبة لبلد صحراوي شحيح.

لقد اهتم الميزابيون بالأرض ايما اهتمام ، وقد كان مؤسس حلقة العزابة أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر في النصف من القرن المس للهجرة قد ألف كتابا في هذا المجال أسماه " أصول الأرضين " يقع في ستة أجزاء " ى زالت مخطوطة" أختصرها الشيخ اطفيش في كتاب أسماه " مختصر العمارة "(25).

وبرغم أن ألب أراضي ميزاب ذات طابع صخري ، إلا أن الناس هناك يحفرون الصخر من أجل استنباته والاشتغال على ما يلزمه من مياه ، لهذا عنوا ببناء السدود وحفر السواقي التي يرجع تاريخ بعضها إلى سبعة قرون كما هو عمر ساقية " بو شجان" التي لا زالت تعمل حتى الآن، وقد درجوا على توزيع المياه وفقا لشروط عادلة تأخذ بعين الاعتبار نسبة المتوفر منه وعدد المحتاجين وحاجة كل مزارع .

من جهة أخرى م يغفل الناس هناك أهمية القطاع حيث عنوا بتربية الماعز والماشية وأعطوا الاهتمام النوعي للرعي والراعي حتى أنهم سنوا في ذلك قوانينا من شأنها حماية حقوق الرعاة، وتعد مدن الوادي اليوم من أهم مراكز إنتاج الصوف وصناعة النسيج والزرابي في الجزائر ، فضلا عن اشتهارها بالصناعات التقليدية التي يقبل عليها السواح والزائرون ناهيك عن الصناعة المستحدثة التي شهدت توسعا كبيرا من بدايات العام 1985م ، حتى أصبحت المنطقة الصناعية هناك الثانية من نوعها على مستوى القطر ، وهي تحوي على 120 نوعا كصناعة النسيج والزجاج والطباعة والسجاد وقطع غيار السيارات وغيرها من الصناعات التي تغذي السوق الجزائري وتصدر أيضا إلى الأسواق الخارجية (26).


يتبع ........

آمنة
20/01/2005, 10:39 PM
الحراسة والأمن والحسبة كأحد أنشطة العزابة :

للحراسة والحفاظ على الأمن شباب ينتدبهم نظام العزابة ويطلق عليهم المكاريس ، وهؤلاء يمثلون العين اليقظة التي تحافظ على الأمن العام ، كما أنهم يمثلون السلطة التنفيذية ، حيث يضطلعون بأعمال الدفاع والنجدة والمطافئ وإرشاد الزوار ، فضلا عن الإسهام بأعمال الحسبة التي ظل يتميز بمباشرتها مجتمع وادي ميزاب على نحو متواصل فيما غابت عن مدت المسلمين الأخرى في ظل النظم الحديثة .

لقد شمل نظام الحسبة العديد من مفردات الحياة كتنظيم الأسواق ومراقبة عمليات البيع والشراء ومحاربة الانحرافات في التعامل التجاري الغش والاحتكار والتلاعب بالموازين ونحو ذلك، حتى كان من ظواهر الحياة اليومية في أسواق ميزاب أن يجلس ممثل العزابة في السوق يراقب من ينتدب للقيام بدور المحاسب أو الخبير التجاري حين يحتاج التجار إلى عمليات الجرد أو التقويم السني ثقة منهم في خبرة العزابي وإنصافه (27) ، كما يضطلع العزابة بمراقبة المجازر وعمليات الذبح وضمان سلامة الشياه من الناحية الصحية والتأكد من إجراء التذكية الشرعية عليها ، وقد عين لذلك أشخاص أسموهم " العدادون " .

ويراقب الحسبيون أيضا عمليات البناء والتحقق من مدى التزامه بالقواعد القانونية المرعية واستيفائه الشروط الشرعية كحفظ الأستار ومراعاة التعلية وحجب الشمس وسد منافذ التهوية ونحو ذلك .

يتبع .........

آمنة
21/01/2005, 12:09 PM
بعض التجليات الاجتماعية في تراث العزابة :


العزابات وفاعلية الحضور النسائي:

لم يهمل نظام العزابة شؤون المرأة فمنذ القرن التاسع الهجري تأسس الفرع النسائي الذي عرف بـ " تمسردين" أو " الغاسلات" وهو يتألف من 12 عضوة يتم اختيارهن بمعرفة رؤساء العزابة من النسوة الصالحات العارفات المحنكات وترأسهن مسؤولة يطلق عليها " مامه شيخة" ويتخذن مقرا لهن يتبع المسجد في العادة.

أوكل للعزابات المهام المتصلة بالشؤون الأسرية كمراقبة تحديد المهور وإدارة الأعراس والمآتم وغسل الأموات من النساء والأطفال ، فضلا عن ممارسة التوجيه التربوي والاجتماعي لنساء ، وما يستتبعه من عمليات الضبط السلوكي والاجتماعي .
وللعزابات مؤتمر سنوي تجتمع فيه لجان الفروع من أجل تبادل الرأي والنظر فيما يستجد من شؤون المرأة في مدن الوادي .

لقد كان لهذا الجهاز دوره الفاعل في الحركة النسائية الإسلامية حيث اسهم في جعل المرأة الميزابية حريصة على التقاليد ، لا تتخلف ع حضور المساجد ، وتنشط في مساعدة الرجل في حياته الإنتاجية ، كما في تخصصها بصناعة الأصواف والأنسجة والزرابي ، كما تلتزم بما تواضع عليه المجتمع من اقتصاديات العيش كالبساطة في أمور الزواج ، فالمرأة مهما كان جمالها أو غنى أسرتها لا تستنكف من أن يكون تجهيزها متواضعا سواء بالنسبة للذهب أو الثياب أو الأثاث أو الهدايا ، شأنها شأن الآخرين .

من جهة أخرى إن الثقافة النسائية العزابية لم تستثن المرأة من ممارسة حق تداول الشؤون العامة ، ففي مرحلة الاحتلال الفرنسي لعبت " مامه بنت سليمان ، إحدى أشهر شيخات العزابة " دورا في المواجهة حيث أصدرت في العام 1882م وأثناء التجمع النسوي أمرا بمقاطعة كل ما هو فرنسي لباسا كان أو غذاء ونظمت خلال ذلك ما يمكن تسميته بـ " المقاومة السلبية " حتى صنفها مؤلف كتاب " ثورات النساء في الإسلام " كواحدة من اثنتي عشرة امرأة اشتهرت بمواقف بطولية في العالم (28).


يتبع..........

آمنة
21/01/2005, 12:11 PM
ظاهرة الأعراس الجماعية وتحديد المهور :

قبل أن تعرف الأعراس الجماعية في أي بلد عربي أو إسلامي عرفت هذه الظاهرة في مدن ميزاب منذ عقود خلت وقد فرضها المنظور الاقتصادي ، حيث يتكفل أهل العريس الموسر بمصاريف الزواج ويدعى فقراء العرسان للانضواء تحت جناحه دونما حرج ، وقد كان لهذا المسلك إسهامه في تخفيف مصاريف الزواج ونفقاته ، علما بأن تحديد المهر والصداق متروك لتقدير جماعة العزابة التي تجنح إلى التخفيف وتأخذ بمبدأ الاقتصاد في الحفلات ، حتى أنه توضع أسماء معدودة للمدعوين إذ لا داع لدعوة الجميع إلا إذا كان العرس موحدا ، كما يمنع الإسراف في الولائم ، ومن غير المقبول أن يتطاول الناس في الهدايا حتى ولو بين الزوجين .
لقد كان لكل ذلك فضله في تيسير الزواج وتخفيض نسبة العزوبية والعنوسة في هذا المجتمع .

يتبع.........

آمنة
21/01/2005, 12:13 PM
احتفالات المولد والزيارة :

يحتفل الميزابيون بالمولد النبوي الشريف على صعيد شعبي حيث تلقى قصائد البردة وهمزية البصيري وغيرها من القصائد والأناشيد ، ويسهر الناس رجالا ونساء وأطفالا ليلة المولد في كل المساجد ، كما تزين الشوارع والأزقة وتشتعل المدينة بالقناديل والشموع وتعطل الدراسة .


ويهتم الإباضيون أيضا بالسلف الذين يحييون آثارهم ويحتفون بمآثرهم ويقومون بزيارة خاصة لمراقد العلماء والصالحين والشهداء منهم ، ولهم في ذلك مظاهرة سنوية يحل موعدها مع الربيع ويطلق عليها " الزيارة " وهي تفتتح بصلاة الاستسقاء وتتخللها محاضرات تعريفية بشخصيات المزارين ، ويختم خلالها القرآن الكريم كما تختتم الزيارة بتوزيع الصدقات على الفقراء والمحتاجين .


يتبع.........

آمنة
22/01/2005, 05:43 AM
نظام العزابة والتحديات الراهنة :

إن القيمة المركزية الملموسة في نظام العزابة هي فيما منحه النظام لمجتمع وادي ميزاب من إمكانية إدارة شؤون حياتهم بشكل ذاتي وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، وبعيدا عن سيادة القوانين الوضعية ومؤثرات الحداثة المستجلبة، حتى استطاع بذلك أن يحمي الوادي من كثير من الانحرافات والشرور ، وأن ينظم حياته المعيشية والاجتماعية والاقتصادية بفعالية فذة عبر تكريسه لقيم الأخوة والعمل والتعاون والعدل والمساواة والتكافل والروح الجماعية .

كما لعبت حلقات العزابة دورها في عملية " الضبط الاجتماعي " على نحو أبقى الأفراد والجماعة في دائرة المحافظة والالتزام إلى حد كبير ، وقد كان لمبدأ " البراءة " (30) الشخصية أثره في الردع بما تضمنه من مقاطعة وهجران لكل شخص تثبت عليه جريمة شنعاء أو انحرافا أو ظلما بينا أو عملا مرذولا ، ولم يتراجع عنه علانية وذلك استنادا إلى قوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) ( المجادلة : من الآية 22) .

وقد كان من حسنات العزابة أنها لم تكن " حزبا" أو "نقابة " فئوية ، فهي على الرغم من مؤسسيتها وانضباطيتها ظلت تعمل في إطار المجتمع الأهلي العم ولم تقتصر فعالياتها على المرتبطين بها بشكل مباشر ، بالتالي شملت مظلتها كل أفراد المجتمع الإباضي وفئاته .

وليس من شك أن هذا النظام الذي أعتمد المبادئ والأحكام الإسلامية قد أوجد مجتمعا ممتازا ليس فيه متسول ولا حانة خمر ولا ناد للقمار ولا وكر للفساد ولا عاطل عن العمل ولا فتى متشرد أو طفل لا يعرف طريقه نحو التعليم .

ولعل هذه المعطيات المشرقة قد دفعت بالمفكر الجزائري مالك بن نبي – حين زار الوادي في نهاية العقد السادس- أن يصف مجتمعه بأنه مستوف للشروط النفسية والاجتماعية التي تجعل منه " حضارة مصغرة " (31).

غير أن تطبيق هذا النظام كان وما زال يتسع ويضيق بحسب الظروف السياسية العامة ووفق متغيرات الوضع المحلي ، فهو إذ يمتد في إدارته لبعض المفردات ذات الطابع السياسي إلى درجة أن يصدر في بعض المراحل عملة نقدية خاصة به (32) ، فإنه ينحسر في مراحل أو أوات أخرى إلى حدوده المسجدية والشخصية ، لكنه في كل الأحوال وحتى في حالة انتعاشه ظل متقيدا بما تمليه عليه مرحلة " الكتمان " ولم يكن ليجازف في إعلان نفسه كحكومة مستقلة عن الدولة المركزية مهما حاز من قدرات ، ذلك أن النظام أساسا هو وليد تلك المرحلة التي ينظر لها الأسلاف والتي لا زالت مستمرة ولا يمكن تجاوز مقتضياتها الموضوعية .

يتبع.........

آمنة
22/01/2005, 05:46 AM
من هنا اتسم نظام العزابة بالمرونة السياسية وعرف بعلاقاته السلمية مع مختلف السلطات التي توالت على حكم الجزائر ، حتى أن لجوءه إلى عقد الاتفاقات أو المعاهدات سواء مع السلطة العثمانية أو مع الاحتلال الفرنسي ، كان ضمن إستراتيجية المرحلة التي تقوم على عدم الدخول مع السلطات الحاكمة في صراع حاد محافظة على البيضة ونمط الحياة الخاصة حتى وأن كان ثمن ذلك تقدي الضرائب – ولو على مضض-لتلك السلطات (33).

وفي مرحلة الاستقلال انحسر الدور القضائي والسياسي المتبقي لدى مؤسسة العزابة حيث ولت ذلك بشكل رسمي الدولة الجزائرية دون أية مشاكل تذكر ، بخاصة وأن الرئيس هواري بومدين " على ما يبدو " قد تعامل مع الميزابيين بحكمه ومرونة أتاحت لهم الاستمرار في إدارة شؤونهم الدينية والمدنية على نحو مقبول .

إن الميزابيين امتازوا منذ لحظة التأسيس بوعيهم الحركي والشرعي ، لذلك لم يحملوا أنفسهم أكثر مما يقتضيه " فن الممكن " وبالتالي لم يتجاوزوا في أنشطتهم الحدود المتاحة، الأمر الذي أكسبهم قدرا كبيرا من الحكمة والمرونة وأيضا بعض التسامح من قبل السلطات على النحو الذي ساعدهم على التمتع بوضع شبه مستقل حال دون التدخل في شؤونهم الداخلية ، أو إحداث التغيير القسري في نمط حياتهم الخاص .

وإذا كان العديد من أحكام العزابة وأنشطتها أخذ يتوارى في العقود الأخيرة ، إلا أن الوادي ظل مع ذلك متشبثا بمقوماته الأساسية ومحافظا على مجمل أنماط حياته الاجتماعية والسلوكية المتميزة .
إن من حق الأوساط الميزابية أن تحتفل بمرور ألف عام (34) على إرساء هذا النظام الاجتماعي الإسلامي الفريد ، وإن من واجب المسلمين الآخرين – بخاصة المعنيين منهم بالتغيير – أن يمعنوا النظر في هذه التجربة النادرة ويستلهموا منها الدروس .


يتبع..........

آمنة
22/01/2005, 05:49 AM
بيد أن كل ذلك لا يمنعنا من أن نكشف عن عدد من التحديات التي صار يواجهها هذا النظام اليوم ، ولعل أخطرها :

- الاختلاف وتحديات التعايش :

يتسم المجتمع الميزابي بظاهرة العزلة والتمحور حول الذات ، وإذا كان لظروف النشأة وتاريخ المطاردات أثرها في تكوين تلك السمة ، فإن حرص الميزابيون المشروع على خصوصيتهم قد ولد لديهم قدرا من التوجس إزاء الاختلاط بالآخرين ، مع ما يحمله ذلك من إمكانية نقل عدوى العادات المرفضة أو التأثر بمظاهر الحداثة المستجلبة ، إلا أن الإنطواء والعزلة يظلان مع ذلك أمران سلبيان ، وأنه لمن ضرورات العصر أن يدرك الميزابيون أهمية فتح النوافذ والخروج من القوقعة المحلية وإجراء الاتصال مع الآخرين وإدارة الحوار معهم (35).

ولعل هذا المنحى البديل مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى في ظل ما أخذ يشهده الوادي من تعقيدات يفرزها الاختلاف بين المتساكنين والذي أخذت تتصاعد وتائره مع النمو الديموغرافي الذي ما برح يضيف إلى السكان الأصليين سكانا جددا .

لقد أضحت الولاية تضم الحضري والبدوي والإباضي والمالكي على نحو من شأنه أن يولد بعض الصراعات الخفية أو الظاهرة (36)، الأمر الذي يتوجب معه على مجلس العزابة أن يواجه هذا التحدي الخطر ، ويعمل ما وسعه على استيعاب إشكالياته عبر عمليات الاتصال والحوار والتفاهم وتغليب منطق الأخوة والوئام والمصلحة العامة .

في غضون ذلك لا بد من التأسيس لفكر وفاقي والعمل على إرساء التنشئة الوحدوية التي تقوم على بث روح التسامح وترسيخ حق الاختلاف وإشاعة احترام الاجتهاد المغاير ومنح قيم الوئام المحلي والسلام الاجتماعي الأهمية المطلوبة في تفكير الأفراد وسلوكياتهم .

كما أن كل ذلك بحاجة إلى أن يترجم عبر قنوات الأسرة والمدرسة والمسجد والنادي ، وتكريسه عمليا من خلال مختلف الفعاليات التربوية والثقافية والاجتماعية ،مما يعني ذلك ضرورة أن يحدث نظام العزابة تغييرا أساسيا في برنامجه الحركي يمكن أن يكون المبتدأ فيه تشكيل " لجنة للوئام والوحدة " تنبثق عن مجلس العزابة مهمتها التخصص في هذا الشأن الهام.

وبعبارة أخرى لا بد أن يشرع مجلس العزابة في بناء إستراتيجية جديدة للعمل يتجاوز بموجبها قصر الاهتمام بالجماع الضيقة والعبور بمظلته نحو الجماعة الواسعة بحيث يمكن تجسيد ذلك من خلال العمل المشترك والتكافل الاجتماعي والمشاركة في الأفراح والأحزان والمناسبات الاجتماعية والدينية ، وحتى تجاوز المذهبية كمعيار وحيد في الانتخابات المحلية ، ما دام ثمة متسع لوجود الأعدل والأكفأ عند مختلف الأطراف (37).
بمثل هذه الإصلاحات سيتسنى لنظام العزابة أن يقدم نفسه بشكل إيجابي وأن يظهر بصورة إسلامية حضارية تجعله محل ثقة واحترام الجميع .

آمنة
22/01/2005, 05:52 AM
- الغزو الثقافي ومتغيرات الحداثة :

إن تراث العزابة الذي صبغ حياة المجتمع الميزابي بأوجهها المختلفة يواجه بالإضافة إلى التحدي الداخلي ، تحديات أخرى تفرضها متغيرات العصر ، وفي مقدمتها الغزو الثقافي الخارجي والعولمة الفضائية التي ما برحت تغطي سماء الوادي بتلكم القيم والصور وأنماط الحياة وأساليبها وصيغها المثيرة والمؤثرة ، فضلا عما تتيحه السياحة من فرص اللقاء مع المستحدثات المظهرية والسلوكية التي لم يألفها الناس من قبل .

كما يواجه الميزابيون أيضا تحديات التحديث في بعدها الاقتصادي ، فهم إذ ظلوا طيلة حياتهم مزارعين أو تجار ، فليس في وسعهم اليوم أن لا ينخرطوا في حقل الصناعة الحديثة التي أخذت تشهدها الصحراء الجزائرية من حولهم منذ منتصف العقد الثامن من القرن الماضي .

والتسائل المطروح هنا هو : إلى أي حد ستتأثر نظم العلاقات الاجتماعية بهذه المتغيرات الجديدة ؟ وهل سيظل الطابع التقليدي للوادي صامدا أمام هاتيك المؤثرات المادية فضلا عما أشرنا إليه من مؤثرات ثقافية وإعلامية ؟

تلك أسئلة تجيب عليها الأيام .................

المعافري
22/01/2005, 07:05 PM
شكر لك على جهدك ونقلك للموضوع هنا

AL-SHERIYANI
22/01/2005, 07:14 PM
موضوع قيم...شكرا للأخت أمنة وفي ميزان حسناتك ان شاء الله

شاكي الهم
22/01/2005, 07:23 PM
شكرا على المجهود الكبير الي قدمتيه لنا يا امنة

أبو مجاهد
23/01/2005, 04:58 PM
نثبت الموضوع

آمنة
23/01/2005, 06:04 PM
الشكر لله .....والحمد لله الذي يسر لنا هذا الأمر .

آمنة
23/01/2005, 06:07 PM
المراجع والهوامش

1- د. محمد عبد الستار عثمان دكتور : المدينة الإسلامية ، عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت ، العدد (128) 1408هـ-1988م ، هامش رقم (53) من ص91.
2- راجع : الشيخ علي يحيى معمر : الإباضية مذهب إسلامي معتدل ، تعليق ، أحمد بن سعود السيابي ، مطابع النهضة ،ط2، سلطنة عمان ، بدون تاريخ .
3- علي يحيى معمر : الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث ، المطبعة العربية ، غرداية ، الجزائر ، ص329-330.
4- أنقل هذا الرأي عن أحد أهالي المنطقة – لا أذكر إسمه للأسف- همس لي به أثناء زيارتي لولاية غرداي في العام 1989م.
5- بل ثمة متسع للرأي الذي يقارب الموضوع من زاوية التحليل السياسي والذي يمكن بموجبه الأخذ بنظر الاعتبار مقتضيات التكتيك الظرفي التي كانت تفرضها وقائع الصراع من جهة ومصلحة المسلمين العليا في حقن الدم وإبطال الخلاف من الجهة الأخرى .
6-محمد عبد الستار عثمان ، المدينة الإسلامية ، مرجع سابق ، ص7.
7-د. محمد ناصر : حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي ، دراسة مطبوعة من الآلة الكاتبة 1410هـ-1989م ، الجزائر، ص1.
8-د. محمد المنسي قنديل : وادي ميزاب تراث جزائري حي ( إستطلاع ) ، العربي ، العدد (445) السنة (38)، 1995، الكويت ، ص130.
9-أورده : محمد عبد الستار عثمان ، مرجع سابق ، ص11.
10-11) – إبراهيم محمد الطلاي : ميزاب بلد كفاح ، دار ابعث ، قسنطينة ، الجزائر ، 1970، ص23.
12-محمد المنسي قنديل ، العربي ، مرجع سابق ص127.
13-راجع : أسماوي صالح بن عمر : نظام العزابة ودوره في الحياة الاجتماعية والثقافية في وادي ميزاب ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات المعمقة في التاريخ الإسلامي الوسيط ، جامعة الجزائر ، معهد التاريخ ، 1406هـ- 1986م ص123. وكذلك : علي يحيى معمر : الإباضية في موكب التاريخ ، الحلقة الأولى ، مطابع التهضة ، ط2، سلطنة عان 1410هـ- 1989م ،ص97.
14- تأخذ مسالك الدين أربع حالات في التنظير الإباضي هي : مرحلة الظهور ( الإامامة والتمن ) ، الدفاع ( المواجهة العامة ) ، الشراة ( المواجهة الفدائية ) ، الكتمان ( الاستضعاف والتقية ) . راجع في توضيح ذلك : علي يحيى معمر ، المرجع السابق ، ص93-98.
15-المرجع السابق ، ص98.
16-راجع الشيخ إبراهيم عمر بيوض : المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بو حجام ، المطبعة العربية ، غرداية ، 1989م ، هامش رقم (44) ، ص163.
17- إبراهيم محمد الطلاي ، ميزاب بلد الكفاح، مرجع سابق ،ص84.
18-19) انظر د. تركي رابح : التعليم القوي والشخصية الوطنية ، الجزائر ،ص253-254.
20انظر المرجع السابق ،ص68.
21محمد المنسي قنديل، العربي ، مرجع سابق ، ص137.
22- إبراهيم محمد الطلاي ،ميزاب بلد الكفاح ، مرجع سابق ، ص64.
23- إبراهيم بن عمر بيوض ، مرجع سابق ،ص131-132.
24- علي يحيى معمر : الإباضية في الجزائر ، صححه أحمد عمر أويكة ، المطبعة العربية ، غرداية ، بدون تاريخ ، ص224-258.
25- راجع : محمد ناصر ، حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي ، مرجع سابق ،ص22.
26- راجع : محمد المنسي قنديل ، العربي ، مرجع سابق ، ص140.
27- المرجع الأسبق ،ص22.
28- أورده : يوسف بن الحاج يحيى الواهج: المرأة في المجتمع الميزابي ط1، الجزائر 1403هـ-1982م، ص59.
29- أسماوي صالح بن عم ، مرجع سابق ،ص150.
30- راجع في ذلك : بكير سعيد أعوشت : دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ، ط1، 1402هـ-1982م ، مطبعة البعث ، قسنطينة ، الجزائر ، ص106-107.
31- مقالته الفرنسية : l,invition do mazab,la.revolution africaine,no274،1968، p.22-260.
32- علي يحيى معمر : الإباضية في الجزائر ،ج2،مرجع سابق ، ص282.
33- حين اقتربت قوى الاحتلال الفرنسي في العام 1852م من وادي ميزاب أرسل الإباضيون وفدا إلى مدينة " الأغواط " القريبة للتفاوض مع الجنرال " الكونت دي راندون " للمطالبة بأن يترك سكان الوادي يعيشون وفق ما اختاروه من نظم وتقاليد مقابل التزامهم بدفع ما يطلب منهم من ضرائب .
34- كان ذلك أكثر من عشر سنوات .
35- لعل الإباضيين في عمان هم أكثر من وعى هذه الحقيقة حيث نجد المؤسسة الدينية هناك تنشط في هذا الاتجاه المحمود الذي يقوده بحيوية المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ويدعم من الدولة على ما يبدو .
36- أحداث بريال المؤسفة في العام 1990م مثالا.
37- انظر مقترحات في هذا الخصوص : مصطفى إبراهيم رمضان : خواطر حول الوضعية الاجتماعية ، والعلاقات الإنسانية في غرداية ، بدون تاريخ ، ص61-65وص90-94.

انتهى .....والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الإباضي
24/01/2005, 10:06 PM
قيل عن الكتاب:

(يقدم كتاب "البديل الإباضي وفن الممكن" للدكتور علي القريشي رؤية لنظام العزابة بوادي ميزاب بالجزائر، وما يميز هذا الكتاب أمران: أولهما: أن الكاتب لا ينتمي إلى المذهب الإباضي الذي يتمذهب به أصحاب ذلك النظام. والثاني: أن الكتاب جاء محصلة دراسة ميدانية قام بها الكاتب إلى وادي ميزاب بالجزائر، ليرى حقيقة النظام بعينه وبعد ذلك يعطي حكمه عليه بما شاهده وعاينه هناك. والكتاب رغم صغره إلا أنه يصور لنا المجتمع الميزابي فيحس القارئ نفسه ينتقل في جنبات هذا الوادي، فالصورة التي أعطانا إياها الكاتب عن هذا المجتمع صورة دقيقة جداً قلما نجدها في كتب أخرى تحدثت في هذا الجانب. ويشير الكاتب – مشكوراً – في عمله هذا إلى الخطر الذي بات يحدق بالمجتمع الميزابي وبالتالي نظام العزابة، وهو خطر "الانغلاق" وما نجم عنه من ضعف في المؤسسات وبطء أو تخلخل في عمل النظام.. وغيرها من الأمور التي ينبغي على أهل الرأي من الميزابيين أن يتنبهوا لها).

مجلة نفحات، العدد السابع، ص5.

The_dreem
26/01/2005, 07:47 AM
سلام وتحية
اشكرك اختى آمنه على هذا الموضوع الشيق

الاباضيه اهل الحق والاستقامه

زمردة
26/01/2005, 01:28 PM
جزاك الله خيرا أختي في الله آمنة
زادك الله همة ونشاطا

وأقول

الاخوة في المغرب شغلوا عقولهم وخرجوا بهذا النظام الرائع (نظام العزابة) الذي انتفعوا به فترة طويلة من الزمن ولكن من المؤسف ان هذا النظام لم يخضع لأي تطوير أو يشهد أي ترقيه تجعله يستمر لهذا فالخطر بات يحدق به، وهو خطر "الانغلاق" كما وصفه الكاتب وما نجم عنه من ضعف في المؤسسات وبطء أو تخلخل في عمل النظام.. وغيرها من الأمور التي ينبغي على أهل الرأي من الميزابيين أن يتنبهوا لها فهل لدى شباب وادي ميزاب من جديد ؟

سؤال نطرحه وننتظر الإجابة عليه.

الإباضي
29/01/2005, 10:57 AM
في هذا الصدد سوف أعرض موضوعا نشر في مجلة العربي في عام 1995م العدد (445):

وادي ميزاب.. تراث جزائري حي
محمد المنسي قنديل

كانوا يدافعون عن حقهم في البقاء.. وعن حقهم في الاختلاف.. البقاء في وجه صحراء قاسية اختاروها منفى ومأوى.. فلم تهبهم الأمان بقدر ما أثارت فيهم غريزة التحدي، والاختلاف ضد الأغلبية الساحقة من أعضاء المذاهب الأخرى الذين تغلبوا على دولتهم دون أن يقدروا على إرادتهم.. إن وادي ميزاب هو عالم مصغر، أصدق ما فيه هو إرادة الإنسان وإصراره على أن يواصل التباين والاختلاف.
دعوني أعترف لكم في البداية بمدى ما شعرت به من تقصير. كانت الرحلة إلى وادي ميزاب تأخذني في متاهاتها دون أن أعرف عن هذا الوادي شيئا. كل ما خطر في بالي أنه كان على حافة الصحراء الجزائرية الكبرى. وكان الهدف الأول من هذا الاختيار هو البعد عن العاصمة المزدحمة بالتلوث والغبار وحوادث الإرهاب والتعقيدات السياسية وصراعات السلطة وتنازع الفرقاء.. وكل أمراض العواصم التي حطمت أحلامنا العربية. كان وادي ميزاب يبدو لنا مثل "مطهر" صحراوي بعيد. جاف وحار، ولكنه كفيل بأن يقتل في داخلنا كل ما تركته المدينة من جراثيم التلوث والحيطة والادعاء. ولكن هذا الوادي الضائع في الصحراء كشف لنا عن أكثر من مفاجأة. أولاها أن هذا المكان هو واحد من 60 مكانا صنفتها اليونسكو تراثا إنسانيا عالميا يجب عدم المساس به. وثانية المفاجآت أن هناك عشرات الدراسات والكتب العربية والعالمية قد كتبت عن هذا الوادي لتسجل أدق تفاصيل الحياة في شعابه. أما ثالثة المفاجآت فهي أن مجلة العربي قد قامت بزيارة هذا الوادي منذ 13 عاماً تقريبا. قام بذلك الزميل مصطفى نبيل الذي يرأس الآن تحرير مجلة "الهلال" القاهرية الشهيرة وما زال أهالي الوادي يحتفظون بالعدد الذي نشر فيه هذا الاستطلاع في اعتزاز كبير.. بل إنني وبعد أن تبينت جهلي قد أدركت أنني لن أستطيع أن أضيف الكثير إلى ملاحظات مصطفى نبيل الدقيقة والصائبة حتى بعد هذا القدر من السنين.

....

الإباضي
29/01/2005, 11:01 AM
دهشة الاكتشاف:
الطائرة تحلق بنا عاليا. في المساحة الضيقة ما بين السحب ورءوس الجبال. تضاريس متجهمة تلتف خلالها طرق ضيقة مثل شرايين الجسد. شبكة الطرق عبر الصحراء الكبرى هي واحدة من أفضل إنجازات الجزائر. وبرغم ذلك فتلك الوعورة الزائدة على الحد تجعل الوصول إلى وادي ميزاب نوعا من التحدي..
هبطت بنا الطائرة في مدرج المطار البسيط. لم أكن أدري أن هذا المدرج يستقبل مباشرة عشرات السائحين القادمين من أوربا لزيارة هذا الوادي فقط. والبعض منهم يفضل الضياع في الصحراء التي تحيط به إذا كان ذلك ممكنا. وظللت طوال المسافة في المطار إلى مدينة "غرداية" عاصمة الوادي وأنا أحاول أن أتمثل شكله. كان الأمر قد ازداد إثارة، وزميلي المصور متحفز بالكاميرا لالتقاط أول الملامح. ولكن الظلام كان قد سبقنا ولم يبق من المدن إلا أضواء متناثرة تحدق فينا بحذر. ولكنها بشكل أو بآخر ترسم ملامح هذا الوادي وهي تصعد متدرجة من الأسفل نحو قمة غير مرئية. كان الوادي يتنفس بعمق تحت الظلام، أنفاساً حارة تجعلك تحس بحضوره حتى وأنت لا تستطيع تحديد ملامحه.
كنا أيضا قد اخترنا التوقيت الخاطئ للقيام بالاستطلاع. في عز يونيو حيث ترتفع درجات الحرارة إلى الخمسين وسط صحراء قائظة. ولكن لعل هذا التوقيت بالذات هو الذي أعطانا الفكرة الحقيقية عن المعاناة التي عاشها أهل الوادي حتى يستطيعوا التكيف مع هذه البيئة دون الاستعانة بأي وسائل حديثة.
أشرقت الشمس مبكرة. كأن السماء أقرب ما تكون إلى الوادي. وبدأ سياج النخل الممتد أمامنا يحيط كالسوار بكل مدينة من مدن الوادي. مع لمحة الضوء الأولى وقفنا مذهولين. هذا التناسق والجمال اللذان صنعا على قياس الإنسان كما يقول المصور الفرنسي كلود بوفار الذي فتن بتصوير ملامح الوادي.
تستقبلنا المدن الخمس.. غرداية.. ويني يزجن وبنورة ومليكة والعطف.. مدن صغيرة كأنها أخوات. متشابهات مختلفات. في كل واحدة سحر خفي. تتدرج بيوت غرداية من أسفل إلى أعلى..
في القمة يوجد مسجد بمنارته الأندلسية المحورة. هرم ناقص صغير يعلو فوق كل شيء ثم تحيط به البيوت في ارتفاع واحد. كل بيت ملتصق بالآخر ظهرها إلى الخارج وأبوابها إلى الداخل. كأنها تكوّن مجموعة من الأسوار الدائرية تحيط بالمسجد. الألوان هادئة متناسقة مع كل ما يحيط بك. لا يوجد لون فاقع، كان هناك حرص على عدم الشذوذ والتفرد.. إنها قاعدة واحدة تسود كل شيء هنا.. يأخذنا داود الحاج سعيد مرافقنا وموزع مجلة العربي في غرداية. شاب دمث يهوي الأدب والكتابة. لم يتركنا لحظة واحدة وأصر على أن يقيم لنا وليمة في بيته عند نهاية رحلتنا وكان صبوراً هادئا وهو يحاول أن يرينا كل شيء طيبا ومثيرا. وبفضله تحول الوادي إلى كتاب مثير.
غرداية ياغرداية. البيوت المتلاصقة تحتوينا. تكون بينها طرقات ضيقة ملتوية مسقوفة أحيانا يسري بينها الهواء أقل سخونة من الوادي المفتوح.. يقول لنا المهندس زهير بللا مدير ديوان حماية وترقية وادي ميزاب: "منذ عام 1985 أي منذ أن أعلنت اليونسكو أن وادي ميزاب هو محمية ثقافية وجزء من التراث الإنساني العالمي وقد بدأنا في بذل كل الجهود للحفاظ على الوادي بصورته التقليدية".
لقد وضع الشيخ أطفيش أحد أقطاب الوادي في كتابه "شرح النيل في شفاء العليل" أسس العمارة في هذا الوادي.. بحيث تتساوى جميع البيوت في الارتفاع. فلا يعلو أحد على بيت جارة. ولا يحجب عنه الشمس ولا الهواء. كذلك يجب ألا يظهر على البيوت أي مظهر من مظاهر الترف من الخارج.. وكذلك القبور.. كل الأشياء سواسية.. يأخذنا الشيخ صالح إلى داخل أحد البيوت القديمة ويشرح لنا كيف كانت الحياة المنزلية. أنه شيخ عجوز، متقاعد، ولكنه وهب نفسه ليكون دليلا مجانيا لكل السياح الذين يزورون الوادي. كان يتحدث الفرنسية بطلاقة ويجد من الصعوبة أن يترجم العربية لنا.. لعلنا كنا بالنسبة إليه سائحين نادرين. ننبش في جدران البيت حيث توجد آثار من القواقع محفورة على الصخور. ويجعلنا نذوق طعم عروق الملح. هذه المنطقة كلها كانت مغمورة بمياه البحر منذ ملايين السنين. ولكن مياه البحر انحسرت وتركت خلفها الصحراء والوادي. فتحات البيت القديم تتبع حركة الشمس. تتيح دخول أكبر نسبة منها في الشتاء وأقل نسبة في الصيف.
يضيف المهندس زهير إنها الثنائية التي تحكم كل شيء في هذا الوادي. مدينة للشتاء وأخرى للصيف. في الشتاء يعيش الناس في هذه البيوت. أما في الصيف فينتقلون إلى البساتين أسفل الوادي حيث يرق الهواء تحت ظلال النخيل. كما أن مدينة الأموات تجاور مدينة الأحياء. حيث لا تتمايز القبور ولا يوجد عليها شواهد. مجرد أحجار، حجر للمرأة وحجر للرجل وحجر صغير للطفل. وعلى كل قبر يضع أهل المتوفى شيئا من الأشياء التي كان يعتز بها. الكوب الذي كان يشرب منه، أو الطبق الذي كان يأكل فيه. كذلك الثنائية التي تقسم الوادي إلى مدينة للرجال وأخرى للنساء.. حدود غير مرئية ولكنها موجودة ومؤكدة بين الجنسين.
الجو حار ولكن حركة السوق في غرداية أكثر اشتعالا. سوق غرداية دائما يعقد في الصباح، ولكن سوق بني يزجن لا يعقد إلا قبل غروب الشمس. أنواع مختلفة من البضائع. فواكه وبقول وملابس وأجهزة كهربائية. الدروب الضيقة المتفرعة من السوق كل واحد منها مخصص لنوع معين من النشاط التجاري. درب للقصابين. ودرب للعطارين وتجار البهار. ودرب للأبسطة وحتى الحلاقون لهم درب خاص.. إن أسعار السوق وتنظيم حركة التجارة فيه مثلها مثل الكثير من بقية الأنشطة الحياتية في هذا الوادي محكومة من قبل "مجلس الغرابة" وسوف نسمع كثيرا عن هذا المجلس قبل أن نعرف ماذا يمثل بالضبط.. في الأعلى يوجد المسجد. أنه في القلب دائما. كأنه خط الدفاع الأخير لكل مدينة من المدن. تكوينه الداخلي غاية في البساطة والانسيابية. لا يوجد على جدرانه أي نوع من أنواع الزخارف. حتى المحراب لا يوجد ما يميزه أكثر من مكان غائر في الحائط. انه التقشف الذي لا يشغل المصلي عن الخشوع.
والمئذنة ترتفع إلى مائة وعشرين درجة لتستشرف كل حلقات البيوت الدائرة حولها. لقد قال عنه المهندس الفرنسي الكور بيزيه في كتابه "نحو عمارة عصرية": "عندما تقل في رأسي أفكار البناء أذهب إلى المسجد في غرادية حيث أجلس في ساحته لتواتيني الأفكار".. إنه لم يكتف بالجلوس في ساحة المسجد فقط ولكنه نقل تصميمه المعماري الداخلي لينفذه في كنيسة رون شون في مقاطعة بيرباتي الفرنسية.

....

الإباضي
30/01/2005, 01:28 PM
بني يزجن تحذرك وتستقبلك:
بني يزجن تحذرك قبل أن تدخل إليها. التدخين ممنوع في شوارعها وكذلك التصوير ولبس الملابس القصيرة. الصور التي التقطناها كانت خفية.. سمحوا لنا بها بعد أن علموا بأننا نمثل مجلة مسلمة عربية.. تظهر فيها المرأة بالمصادفة غير المقصودة لأن من المحرم قطعيا تصوير النساء.
في المتحف الصغير الذي أنشأته المدينة نجد صور الحياة الماضية.. كيف استمدوا بقاءهم وإصرارهم من واقع الشظف الذي يعيشون في وسطه. شظف الصحراء حيث لا يهدأ صراع البقاء أبدا. الشوارع نظيفة لدرجة كبيرة. لا يوجد متسول واحد. نفس الملاحظة التي لاحظها مصطفى نبيل منذ 13 عاما. إنها مدينة الثقافة في الوادي كله. فلا يوجد فيها هذا المتحف فقط. ولكن هناك العديد من المكتبات العامة. مكتبات صغيرة في غرف ضيقة لا تحتوي على أكثر من منضدة وبضعة مقاعد، مليئة بكتب التراث وبعض الكتب المعاصرة. قابلنا فيها شاعر شاب تلا علينا قصيدة عمودية عصماء في سب الشعر الحديث. طلبوا منا بإلحاح الأعداد الجديدة من مجلة العربي. وقفنا أمام منزل المفدى زكريا المغلق. كانت الأسرة تستعد هي أيضا لترميمه وتحويل مكتبته الشخصية إلى مكتبة عامة. المفدى زكريا هو شاعر الثورة الجزائرية وهو مؤلف نشيدها الوطني الذي لا يزال يتردد حتى الآن. وله في المكتبة العربية أكثر من 25 كتابا.. مات غريبا في المنفى ودفن في بني يزجن التي ظل يحن إليها دائما.
كان سوق المغرب منعقدا في وسط البلد. سوق لالا عائشة.. المرأة التي تأخرت ذات يوم عن موعد الصلاة فحفرت بئرا وهبتها للجميع. وسمي السوق باسمها حتى هذه اللحظة. أتذكر رواية رايدر يجارد التي قرأتها في طفولتي "هي أو عائشة" التي دارت في مكان ما غامض وسحري وسط قبائل الصحراء الكبرى. هل جاء هذا المؤلف الفيكتوري العتيق إلى ذلك الوادي. أعضاء مجلس الغرابة جالسون في أطراف السوق. يرتدون الثياب البيضاء يراقبون حركة البيع والأسعار.. الشيخ أيوب صدقي يوصي زملاءه بمتابعة المراقبة ويستأذن ليصحبنا إلى بيته. إنه يسكن بيتا صغيرا بنفس حجم بقية البيوت، وبرغم ذلك فقد اقتطع منه حجرة صغيرة لمكتبته حيث جلسنا جميعا متلاصقين نستمع إليه وهو يتدفق في الحديث. لا بد أن لمهنته كمدرس ومحاضر في التاريخ الإسلامي أثرا من هذا التدفق والمعلومات الفياضة التي استمرت على مدى ثلاث ساعات متصلة. سكان هذا الوادي - ما عدا قلة قليلة - يتبعون المذهب الأباضي الذي ينتسب في أصل تسميته إلى عبدالله بن إباض التميمي. ولعل هذا يفسر العلاقات التي تربطهم بسلطنة عمان والتشابه في الكثير من العادات بينهما. إنهم تلك الجماعة من المسلمين الذين رفضوا التحكيم بين علي ومعاوية. وقد اختلفوا مع شيعة علي الذين رأوا أن الإمامة يجب أن تكون من أهل البيت. واختلفوا مع الحكام من بني أمية ومن بعدهم العباسيين الذين رأوا أن الحكم والعصبية يجب أن تكون من قريش. لقد رأوا أن الإمامة من حق كل مسلم عاقل راشد حتى ولو كان عبدا حبشيا.. ولعل هذا هو السبب الأساسي الذي رأى فيه بربر الصحراء مبررا للتمسك بهذا المذهب ومخالفة الجميع. لقد وجدوا أنفسهم فيه.. إنهم ليسوا من الخوارج - هكذا دافع الشيخ أيوب بمرارة - إنهم يتفقون معهم فقط في رفضهم للتحكيم. ولكنهم يخالفونهم في كل شيء بعد ذلك. وهم يؤمنون بحق الآخرين في الاختلاف دون أن ينزع ذلك عنهم إسلامهم.. ولكن تأسيس دولة على المذهب الإباضي كانت حلما عسير المنال. وفي ظل سطوة بنى أمية والعباسيين من بعدهم لم يكن من الممكن إقامة مثل هذه الدولة في المشرق العربي،، لذلك هاجر الدعاة غربا. أقاموا تجربة سرعان ما تم القضاء عليها في ليبيا، وأخرى في القيروان حتى جاءوا إلى صحراء الجزائر. لقد عثر الداعية عبدالرحمن بن رستم على من يناصره في دعوته في أفراد قبيلة لماية وبواسطتهم أقام الدولة الرسمية في مدينة "تهرت". لم تكن دولة يورث فيها الملك. ولكن الملك كان من حق أي مسلم عاقل راشد. وكانت تسمح بحرية الاعتقاد. وفتحت باب المناقشة لكل التيارات الفكرية. ولم تحارب عدوا دون إعلان. ولم تغز بلدا دون تنبيه. وكان أكبر إنجازاتها الحضارية كما قال المستشرق جوستاف لوبون "أنها أخرجت سكان الصحراء من بداوتهم وشحذت مداركهم وهذبت أخلاقهم.." ولكنها كانت دولة قصيرة العمر. مثلما نضجت سريعا شاخت سريعا. وعجل صعود دولة الفاطميين بنهايتها. لقد سقطت "تهرت" ووجد الآلاف من الإباضية أنفسهم بلا مأوى مطاردين مرة أخرى. وخرج داعيتهم أبوعبدالله محمد بن بكر يبحث عن مأوى آخر، مأوى كالمنفى بعيد وناء. وخرج إلى الصحراء حيث قدم إلى هذا الوادي الذي كان أهله يتبعون مذهب الاعتزال واجتمع بكبرائهم ليقنعهم بالدخول إلى مذهبه والقبول باتباعه. لم تكن العملية سهلة بالتأكيد. فقد قتل أهل الوادي أحد أبناء الداعية. وضاق السكان القدامى بالمهاجرين الجدد. ودارت المعارك حول هذه الرقعة الضيقة الشحيحة من الأرض. ولكن الداخلين في مذهب الإباضية تكاثروا وأصبحوا هم الأكثرية، ولا تزال بقايا المعتزلة في الوادي حتى الآن.

....

الإباضي
30/01/2005, 01:29 PM
الرحيل الطويل:
إن اسم "ميزاب" هو تحريف بربري لاسم مصعب.. الجد الأول لتلك القبيلة من البربر. مصعب ابن بادين، الذي قاد عشيرته للسكنى في هذا الوادي. والبربر هم أبناء بربر بن تملا بن مازيغ. وهم يسمون أيضا الأمازيغ نسبة إلى هذا الجد. الأساطير تحيط بنشأتهم شأنهم في ذلك شأن بقية الشعوب القديمة. يقولون إن النجوم قد هبطت من السماء وغاصت في الرمال ومن أطرافها جاءت قبائل البربر. ولكن الأساطير الأكثر واقعية تقول إن جدهم هو حام ابن نوح عليه السلام وأنهم كانوا يعيشون في الشام ولكن الخلاف وقع بينهم وبين أبناء عمومتهم في فلسطين ويبدو أنهم تلقوا هزيمة قاسية اضطروا على أثرها للنزوح غربا فعبروا مصر واستقروا في الصحراء الكبرى وخلال هذه الرحلة حملوا معهم إلههم الشرقي القديم "أمون". نفس الإله الذي كان يدين به المصريون القدماء. وما زالت المرأة الميزابية ترسم في ليلة زفافها خطا بالزعفران يمتد من الجبهة إلى قمة الأنف يسمى "أمول" ولعله تحريف لاسم الإله القديم ورمز باق من آثار الرحلة الطويلة. لقد اختاروا الصحراء موطنا لهم. واكتسبوا جزءا من صلابتها. عرفوا مسارات النجم. وآمنوا بالأسرار الخفية داخل المغارات. واكتشفوا بأحاسيسهم الغامضة فوران الينابيع تحت الرمل الجاف. هجروا ذاكرة الخصب القديمة، وصنعوا رموزا جديدة، النخلة المقدسة، والبئر التي تنقذهم، ودوامات الرمل التي يثيرها مرور جماعات الجن، وأرواح الأسلاف التي تسكن المغارات. عاشوا على الرعي لذلك لم يكفوا عن الرحيل بحثا عن الكلأ والماء. أصبحوا جماعات بالغة الخصوصية، لا يستطيعون المراهنة على مكان واحد.. أو قدر واحد.
ولكن بني مصعب اختاروا الاستقرار أخيرا وسط شبكة الجبال المتداخلة. اختاروا أن يطوعوا الأرض.. أن يحفروا الآبار بدلا من أن يعثروا عليها بالمصادفة، وأن يجمعوا مياه الأمطار، ويستبدلوا ببيوت الشعر بيوتا من الحجر، وأن يحولوا النخلة الواحدة إلى بساتين من النخيل، إنه قانون الإرادة الإنسانية الذي ما زال سائدا في مدينة العطف كان لنا موعد مع أقطاب مجلس الغرابة حيث نشاهد نشاطا آخر لهمم وذلك في مجال التعليم الحر. ولكن كان علينا أن نسأل الشيخ إسماعيل عضو المجلس عن هذا المجلس الذي يتردد اسمه في كل مكان نذهب إليه.. لقد تضاءل الحلم.. وبعد أن كانت هناك دولة أصيح هناك واد ضيق. لم يعد هناك مجال لإقامة خليفة أو أمير. وفي وسط هذه العزلة كان لا بد من وجود من يحكم، لذلك فقد حكم المسجد هذا المجتمع منذ القرن السادس الهجري.
هكذا بدأ تكون حلقة الغرابة - أي الذين غربوا عن الدنيا بما فيها من أطماع شخصية ووهبوا أنفسهم لخدمة الآخرين. أنها حلقة مكونة من أثنى عشر شخصا: إمام المسجد والمؤذن واثنين وكيلين على الماء، وتتوزع وسط الباقيين بقية المهام الاجتماعية والدينية. إنهم يحتلون مكانة الإمام الأعظم، ويختارون من بين الأصلح والأكثر ورعا من العشيرة. ويجب أن يكون صاحب مهنة يتكسب منها حتى تكتسب أحكامه نوعا من النزاهة والتعفف. ويقول أحد شيوخهم أبو عمار عبدالكافي محددا هذه الشروط: لا يدخل أحد حلقة الغرابة حتى تكون فيه خصال أربع. الأولى أن يكون كيسا أديبا، والثانية أن يكون مثمرا في طلب العلم. والثالثة ألا يكثر من دخول الأسواق. والرابعة أن يغسل جسده بالماء ويغسل قلبه من الغش والكبر.
وقد كان لرئيس الحلقة وأمامها مهام وصلاحيات كثيرة منها تدبير الحرب ووسائل الدفاع وعقد المعاهدات والأحلاف. وقد اقتصر دوره الآن- مع ظهور الدولة الحديثة - على الشئون الاجتماعية فالمجلس يفصل بين الخصوم في كل أنواع الخلافات. ويترافع كل خصم عن قضيته في المسجد بين صلاتي الظهر والعصر. وحكم المجلس نافذ وواجب الطاعة. كذلك يشرف الأعضاء على المنافع العامة المياه والسدود. ويقوم مجلس الغرابة بدور مهم في التعليم، فقد أنشأ نظام التعليم الحر الذي يوازي النظام الدولي الرسمي. والمدرسة التي قمنا بزيارتها في مدينة العطف كانت مدرسة كبيرة وحديثة مزودة بكل الوسائل التعليمية المعاصرة. والهدف منها هو تعليم التلاميذ جرعة كبيرة من الفكر الديني التابع للمذهب الإباضي في مواجهة المدارس التي تخضع للنظام الفرنسي في التعليم. ولكن مع التطور بدأ الكثير من الطلبة الذكور يتجهون إلى التعليم الرسمي لأنه يفتح أمامهم الطريق إلى الجامعة والترقي في الوظائف الحكومية. ووافق المجلس على ذلك بشرط أن يستيقظ التلاميذ ساعتين مبكرا قبل موعد المدرسة.. ويبقوا ساعتين أخريين بعد الموعد لكي يدرسوا المزيد من علوم القرآن والفكر الإباضي. أما البنات فإنهن في معظمهن يتجهن إلى التعليم الحر حيث إن أقساما كبيرة من بني ميزاب ترى أن تعليم البنت يجب أن يقتصر على الحياكة وأمور المنزل بعيدا عن المدارس الرسمية التي يوجد فيها اختلاط وتوجد فيها أيضا حصص للألعاب ترتدي البنات فيها ملابس غير لائقة.
أحد الشباب حدثني أن هذا الفكر في طريقه إلى التغير وأنه قد ذهب بابنته إلى مدارس التعليم الرسمي وقد امتعض أبوه منه كثيرا وترك له مرغما حرية الاختيار. كذلك وضع مجلس الغرابة نظاما دقيقا لتنظيم الزواج.. فهو يعلن في كل عام عن مواعيد الأعراس الجماعية حيث يقام أكثر من عرس في ليلة واحدة وتقام مأدبة واحدة تضم كل المدعوين توفيرا للنفقات. والمهر محدد من المجلس. وكذلك أثاث العرس والثياب والهدايا والذهب.. لا أحد ينفق ببذخ. ولا أحد يتعدى الحدود على الآخرين. وإذا أراد أي عريس أن يأتي لعروسه بأي هدية زائدة لا يتم ذلك إلا بعد ثلاثة أشهر من إتمام الزفاف. المهم أن يتساوى مظهر الزفاف بين الغني والفقير.


....

الإباضي
01/02/2005, 10:06 PM
المرأة.. الحبل السري للوطن:
والمرأة برغم أنها خفية لا تظهر إلا ملتفة في عباءة بيضاء وتعبر الطريق مسرعة كأنها تتمنى ألا توجد. مع ذلك فهي تمثل العصب الأساسي للحياة في ميزاب. ولولا المشقة التي تحملتها ما استمرت الحياة. إن لمجلس الغرابة الرجالي مجلسا آخر موازيا له ومكوناً من النساء ليهتم بشئون المرأة في الحياة والموت. وتستطيع أن تحس بوجود المرأة القوي والفعال داخل البيت الميزابي. فهي لا تكتفي بتربية الأطفال ورعاية المنزل. ولكن أصابعها لا تكف عن العمل. أنها تقيم نولها في أحد أركان المسجد وتنسج الأبسطة والسجاجيد. والبساط أو الزرابية التي تنسجها ليست شيئا عفويا.. وكأنها رسالة مليئة بالرموز التي يمكن قراءتها تكتبها أم لابنتها. وبرغم أن الميزابية هم شعب رحال.. وتجار مهرة.. وكثيرو السفر سعيا وراء الرزق فإن مجلس الغرابة أصدر قرارا يمنع فيه أي ميزابي من اصطحاب زوجته وأولاده إلى الخارج. لأن بقاء الزوجة داخل الوادي يجعل الرجل دائما مرتبطا بوطنه يحن إليه ويعود كلما أتيحت له الفرصة ليوظف أمواله في العقار والزراعة أما إذا اصطحب زوجته فسوف تروق له الحياة ويقل شوقه للعودة. لقد أصبحت المرأة هي رباط الوطن وحبله السري الخفي. وتمتد سلطة مجلس الغرابة للمرأة المطلقة والأرملة وللأطفال اليتامى. إنه يوكل بهم دائما من يرعاهم. وهناك مال مرصود دائما لهذه الأغراض.
ولا تقتصر سلطة المجلس على الوادي فقط ولأن هذا الأسلوب التكافلي قد أصبح طريقة للحياة فقد انتقل معهم إلى الخارج. وفي كل مدينة يلجأ إليها "الميزابية للعمل أو التجارة يقيمون تجمعهم، وينشئون صندوق التضامن الذي يعين أي وافد جديد حتى يجد عملا. فالميزابي لا يقيم في فندق عندما يسافر إلى بلد آخر ولكنه يقيم في بيوت الميزابية. وتقوم عشيرته الموجودة في المدينة بتدبير أمور عمله وإعاشته.
ولكن ماذا يحدث لمن يخالف تعاليم مجلس الغرابة؟ النبذ الاجتماعي. نوع من السجن غير المرئي يحيط بالمذنب برغم أنه لا يوجد في الوادي سجن بالمعنى الواقعي. إن إمام المجلس يقف أمام المصلين ويعلن التبرؤ من كل من يخالف التعاليم أو يرتكب جرماً أو يقترف سرقة أو يظلم زوجة أو يأكل مال يتيم أو يغش في بضاعته أو يخون أمانة. وهكذا يتم الإعلان على رءوس الأشهاد أن المسلمين كلهم براء منه فلا يجالس ولا يشارك في فرح أو في مأتم ولا يقبل البيع والشراء منه. وأحيانا ينفي خارج القبيلة إذا كان سارقاً وتكرر جرمه. ولا يعود قبل أن يشهد شهود عدول أنه سار حتى رأى البحر. وإذا مات المذنب قبل توبته لا يشرف مجلس الغرابة على غسله ودفنه ولكن يوكل أحد العوام للقيام بذلك. والذي يشعر بأن هناك ظلما واقعا عليه يذهب إلى المسجد ليمنع المصلين من الصلاة قبل أن يأخذوا له حقه أو يتعهدوا بذلك.
هل هو نوع من المدينة الفاضلة.. إن أهل ميزاب ينفون ذلك. إنهم يحاولون فقط اقتناص كل ما في الإنسان من فضائل ومن قوة داخلية كامنة تساعدهم على مقاومة الطبيعة والعزلة والاختلاف. والنظام التكافلي بين الأفراد يمنحهم قوة إضافية وهم يفعلون ذلك في كل شيء تقريبا. حتى مع انتشار مظاهر الحضارة الحديثة لم يكن هناك مانع من أن يتشارك أكثر من بيت في طبق فضائي واحد يرون به المحطات التلفزيونية السابحة في الفضاء ويتحدثون معاً في مجالسهم عن "ليالي الحلمية" وغير ذلك من المسلسلات.

.....

الإباضي
01/02/2005, 10:07 PM
ثقافة النخلة والبئر:
"يقول الرجل للنخلة: هل تريدين أن أرويك اليوم؟ تقول النخلة: لا.. يقول لها: هل تريدين أن أشذب سعفك اليوم؟ تقول النخلة: لا. يقول لها: هل تريدين أن أسوي أليافك اليوم؟ تقول النخلة: لا.. يقول لها: ماذا تريدين إذن؟ تقول النخلة: أن تزورني مرة في اليوم".
خبرة الصحراء تعلن عن نفسها في عدد من الحكايات والمؤثرات. خبرة ليست مكتوبة ولكنها محفورة داخل أغوار النفس. قصص متداولة حول مقاومة الفيضانات وحفر الآبار ومواجهة عواصف الرمل وغارات البدو. المجاعات والأوبئة وأيام الجفاف. تراث من التحدي واكتشاف الذات أمام طبيعة من السهل استثارتها ومن الصعب التغلب عليها. النخلة هي الصديقة الأولى وسط صحراء واسعة ومعادية. هي التي تربط ساكنها بالمكان وتعطيه الأمل في مواصلة الحياة. في كل نواة يوجد خاتم سليمان. لأن سليمان هو أول من دعا لها بالبركة وسماها "عمتنا" لذا فإن قطع النخل محرم لأي سبب من الأسباب. والثقافة المبنية حول النخلة بالغة العراقة. عمرها من عمر النخلة الذي يبلغ ألف عام. وعندما تنقل فسيلة نخلة من جوار أمها فإن ذلك يتم وسط طقوس خاصة تردد فيها الأدعية ويتم الفصل بينهما من مكان معين كأنها حبل سري. ولادة حقيقية بكل ما فيها من طقوس الميلاد.
البئر والنخلة قرينان، فالنخلة حين تشرع سعفها تدل على المكان الخفي للبئر. فجذورها الممتدة تشي بالماء المخبوء. وعندما تحفر البئر توهب لها النخلة. إن ثمرها يباع، من حصيلته تتم صيانة البئر والمحافظة عليها.
وقصص حفر الآبار في بني ميزاب هي ملاحم حقيقية، قام بها أناس لا ينتمون إلى الواقع كثيراً. لقد قابلت حفيد أحد هؤلاء الحفارين. وحكى لي كثيرا عن هؤلاء الرجال الذين كانوا يهبطون وسط الصخور على عمق 70 متراً ثم تتقطع بهم الحبال أو تشتعل فتائل البارود رغما عنهم فيطفئونها بأجسادهم أو أن تنهال عليهم الأحجار والرمال. لقد دفعوا من حياتهم ثمن الحياة لهذا الوادي الشحيح المياه وحفروا بوسائلهم البدائية أكثر من ثلاثة آلاف بئر يتجاوز عمق الكثير منها 80 مترا. زرعوا ما يزيد على المائتي ألف نخلة وتحتها البقول والفواكه وحولوا الرقعة الصغيرة إلى واحات حقيقية في وجه الريح الموسمية المحملة بالرمال. وتقول إحدى الحكايات إن أهالي الوادي قد سدوا الآبار في وجه الطيور حتى لا تشرب من المياه لمدة سبعة أيام فعاقبهم الله بالجفاف لمدة سبعة أعوام وكان عليهم أن يتوجهوا إلى الله بالدعاء قالبين الأيدي حتى يقلب الله السماء فتأتي بالمطر.
المطر هو المشكلة الحقيقية وربما الأزلية لأهالي الوادي. ومهما رأوا من سحب فإنهم يظلون دائما على حافة الأمل واليأس حتى تسقط أولى القطرات. فقد تتعاقب السنون دون قطرة واحدة من المطر. وقد يهطل كالطوفان فتتجمع السيول الكاسحة على رءوس الوديان. من أجل ذلك وضعوا نظاما دقيقا للري مازال قائما حتى الآن. بنوا السدود على ارتفاعات محسوبة بدقة لحجز السيول وإعطاء التربة الفرصة حتى تتشربها وتزيد من منسوب المياه الجوفية، وحفروا القنوات الطويلة الغائرة تحت الأرض التي تتفرع حتى تحمل المياه إلى كل البساتين المختلفة. نظام يشبه الأفلاج في سلطنة عمان ولكنه أكثر تعقيداً. وتوزيع المياه يخضع أيضا لقوانين مجلس الغرابة. فهم يحصون عدد النخل في كل بستان ويسمحون بصنع فتحة يدخل منها الماء متناسبة مع هذا العدد تسد بواسطة مجرى له حجم معين. ومن المحظور التصرف في الفتحة أو حجم الحجر بأي حال من الأحوال دون الرجوع إلى المجلس. ومن يأخذ أكثر من حقه من الماء يعاقب معاقبة السارق. يغرم وقد ينفى عن الوادي بأكمله.
للوادي مشاكله وأحزانه الخاصة بالنسبة لهذه المياه كما يشرح لنا المهندس زهير.. "فبرغم هذا النظام الدقيق فإن الوادي يعاني أمراض العصر الحديث. لقد أدى اكتشاف البترول في أماكن قريبة من الوادي إلى تدفق أعداد كبيرة من الناس. وكذلك تلوثت الطبقة السطحية من المياه الجوفية. كما أن المياه العميقة آخذة في التناقص فقد هبطت إلى عمق أربعة مترات مما يهدد بزيادة ملوحتها. وكذلك فإن مخلفات المحروقات والمنطقة الصناعية التي ترمى في الشعاب قد أثرت في الحياة البرية فهربت الغزلان وغيرها من الحيوانات البرية..." والحل كما يراه المهندس زهير هو حفر آبار المياه العميقة والقيام بمشروع جديد للمجاري وهو المشروع الجديد الذي تشرف عليه هيئة اليونسكو ويهدف إلى تنمية الوادي مع المحافظة على طابعه التقليدي.

.....

الإباضي
02/02/2005, 01:21 PM
من الاحتلال إلى الإرهاب:
يقول الطبيب فليسي في روايته شبه التسجيلية "عنف وعنفوان" التي تحكي وقائع الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي واصفا المفدى زكريا داخل السجن "كان عمره آنذاك حوالي الخامسة والأربعين. كان قوي البنية، قصير القامة حسير النظر، يضع نظارات لم يتخل عنها قط. وكانت الأحاديث تطول معه إلى ما لا نهاية. كان مفدى زكريا يعيد كل شيء إلى بني يزجن، حيث ولد. كان يشعر بالشوق إلى بني يزجن بشكل مبالغ فيه. وعندما يتحدث عنها كانت عيناه تغرورقان بالدموع. كان مفدى زكريا يفرض فوق ذلك الاحترام. كان ذا شخصية لاذعة، وهذا الوجه الصارم للمفدى كان يعجب الجميع."
كان بيته بسيطا وقبره أكثر بساطة. موضوعا فوقه المحبرة التي كان يستخدمها في الكتابة. وقفنا أمامه وأصداء شعره تتردد في أعماقنا. هذه الأشياء البسيطة لا تنبئ عن الحياة العريضة التي عاشها هذا الشاعر الكبير. منذ أن كتب "من جبالنا طلع صوت الأحرار" وألف إلياذة الجزائر التي تحكي تاريخ الشعب الجزائري في ألف بيت وبيت وهو مناضل حتى النخاع. وهب شعره كله لقضية الاستقلال. ولد عام 1913 في بني يزجن وتلقى فيها تعليمه الأولي. ثم انتقل إلى تونس وفيها بدأ نضاله السياسي حين انضم إلى حزب نجمة إفريقيا، وسال شعره متدفقا. ودخل السجن أكثر من مرة. ومنع من العودة إلى وادي ميزاب أكثر من مرة أيضا. وتنقل كثيرا ما بين مصر وتونس والمغرب. ومات بعيدا في الدار البيضاء فهل اختار هذا المنفى.. أم أرغم عليه؟.. المهم أن جسده في النهاية عاد إلى وادي ميزاب الذي حرم عليه وهو حي.
إن المفدى زكريا لم يكتشف نفسه فقط خلال معركة الاستقلال الطويلة. ولكن وادي ميزاب بأكمله اكتشف نفسه أيضا. لقد أدركوا في أيون هذه المعركة أنهم ليسوا مكانا قصيا تعزلهم الصحراء الواسعة والمذهب المختلف. لقد احتل الفرنسيون الساحل الشمالي وظلوا على نفس الدرجة من التباعد. ثم بدأ الفرنسيون يطبقون على الصحراء من حولهم. يقطعون طرق القوافل، ويمنعون المدن المتعاملة معهم. حاولوا أن يعقدوا معاهدة للحماية. نصفها إذعان ونصفها استقلال ولكنهم في النهاية لم ينجوا من السقوط في قبضة فرنسا في عام 1882 ووجدوا أنفسهم في أتون الاحتلال يتجرعون نفس الكأس التي تتجرعها الجزائر نفسها. عانوا اقتحامه لديارهم. والتجنيد الإجباري لشبابهم والفتن الداخلية بين طوائفهم.
لقد وحد الاحتلال بين أطراف الأرض. وفي محاولة فرنسا طمس الهوية بزغت هوية أخرى مضادة. ولعله نفس الموقف مع الفارق يعيشه وادي ميزاب اليوم. لقد مات المفدي زكريا غريبا في الدار البيضاء. ومات رفيقه الطيب فليسي في شوارع الجزائر على أيدي جماعات لإرهاب التي تجتاح الجزائر الآن مثل الوباء. وإذا لم يكن وادي ميزاب في الماضي بعيدا عن وطأة الاحتلال فهو ليس بعيدا اليوم عن قضايا الإرهاب.. فقبل أن نشرع في رحلتنا مباشرة تناهى إلينا اغتيال ثلاثة من العاملين الأجانب في المنطقة الصناعية القريبة من الوادي. أحدهم كان كنديا والآخر إنجليزيا والثالث تونسيا. كان ثلاثتهم يعملون في إحدى شركات المحروقات. ولم يكن هناك أي سبب أو مبرر واضح لهذا الاغتيال سوى إثبات أن يد الإرهاب يمكنها أن تطول أي مكان. وفي الوادي عرفنا أن أول عملية إرهابية قد تمت في مدينة أغواط على بعد 200 كيلو متر من غرداية حيث قتل الإرهابيون حوالي 16 من رجال الأمن دفعة واحدة ثم حاولوا الفرار والاختباء في الوادي دون أن يتمكنوا من ذلك. ففي وادي ميزاب نظام خاص للحراسة يعتمد على المتطوعين من أبنائها. كل واحد، عليه يوم أسبوعي للحراسة. وعندما كنا عائدين متأخرين في إحدى الأمسيات شاهدنا حراس الوادي وكل اثنين منهما يسيران معا يمسكان العصي ومصابيح الضوء. لقد أرسل الإرهابيون تهديدا إلى بني ميزاب حتى يكفوا عن هذا النظام الذي يمكن أن يكشف تحركاتهم ولكن أهالي الوادي لم يستجيبوا لهذا التهديد.. فهل يستطيعون النجاة من الضربات المضادة؟.

......

الإباضي
02/02/2005, 01:42 PM
صناعة الصحراء:
ووادي ميزاب.. برغم كل شيء يعيش إيقاع العصر. إن الميزابية الذين احترفوا ركوب الصحراء والرحيل خلف الرزق قد أدركوا أن حدود العالم لا تنحصر بين النخلة والبئر. لذلك فكروا في استثمار نقود التجارة في المشروعات الصناعية. وهكذا بدأت إقامة أول منطقة صناعية على بعد 10 كيلو مترات من الوادي. الحاج أدريس كان أول من أقام مصنعا للنسيج في هذه المنطقة وتبعه آخرون أخذوا يبحثون عن مكان لهم وسط الرمال والصخور. بدأت المنطقة الصناعية في عام 1970 ولكنها لم تشهد التوسع إلا مع الانفتاح الاقتصادي الجزائري مع بدايات عام 1985 حيث انهالت الدولة تقدم الأرض المجهزة والكهرباء وإعفاء ضريبيا لمدة خمس سنوات. والمنطقة الصناعية في وادي ميزاب هي الثانية من نوعها على مستوى الجزائر وتحتوي على 120 صناعة منها النسيج والزجاج والطباعة والسجاد وقطع غيار السيارات وهم يصدرون إلى ليبيا وتونس ويحلمون بالتصدير إلى دول الخليج العربي. لقد قلب بنو ميزاب المعادلة أخيرا وبعد أن كانوا يأخذون الأموال ليستثمروها في الشمال عادوا بها ليقيموا للمرة الأولى صناعة الصحراء. فهل يمكن أن ينجو الوادي من هذه الطفرة في التحديث.. وهل يمكن أن تبقى العلاقات الاجتماعية على حالها.. ويظل الطابع التقليدي للوادي، أم أن الصناعة بكل ما تستتبعه من متغيرات يمكن أن تدفع بالوادي إلى منحى جديد وتنهي عزلته إلى الأبد؟.


انتهى.

المعافري
08/02/2005, 09:45 PM
نرفع الموضوع بعد إزالة التثبيت.. و في انتظار المزيد بارك الله فيكم.